في ذكرى العلامة العمران.. دمعةٌ بقيتْ منذُ يومِ الرحيل

كانت ليلة الخميس، الثالث والعشرين من ربيع الأول، سنة ألفٍ وثلاثمائة وثمانية وتسعين، خرجتُ لمسجد المدارس لصلاة العشاءين، حيث يؤمُّ الجماعة العلامة الشيخ فرج العمران، ولنلتقي بالطليعة المؤمنة من الشباب، كالدكتور إبراهيم الدبوس، وأخيه العزيز الأديب سعيد، والأخ المخلص علي كرم، وسماحة الفاضل الشيخ عبد الله الدار، والأخ الكبير المربي سماحة العالم الفاضل السيد هاشم، والأخ العزيز الدكتور علي الجامع، كما هي عادة كل ليلة في المسجد، فنبقى بعد الصلاة لاستماع البحث الفقهي لسماحة المرحوم الفاضل التقي الشيخ محمد حسن المرهون، أو نذهب لبيوتنا لنلتقي مرة أخرى في بيت الأستاذ الأديب المرحوم مهدي السويدان، في الشريعة قرب سوق الجبلة، حيث كان بيته منتدى الشباب المثقف في تلك الفترة، وانتهت مراسيم صلاة الجماعة، خلف تلك الغمامة البيضاء التي تقْطُر طُهْراً وصفاءً، وتلك النبرة الملكوتية التي تأسر القلوب، ولم يكن بخلد أحدٍ أنها آخر صلاة جماعة، ثم يممتُ البيت قليلاً، وخرجتُ لأقرأ مجلس عزاء في حسينية مياس، لدى المرحوم الحاج حبيب القصاب، رفيق السجن مع خالي المرحوم المظلوم الغريب حسن الشيخ فرج العمران، وخرجتُ مسرعاً بعدها نحو القلعة، نحو مهوى الافئدة - منزل العلامة العمران - قبل أن ينفض المجلس، ووصلتُ وقبلتُ تلك اليد التي كانت تمثل يد رسول الله في عطائها، وخدمتها للدين والمذهب، وجلستُ استمع كلماته ونصائحه المؤثرة في النفوس، وكان لديه جماعة من أهل تاروت، ثم حان وقت إغلاق المجلس، فقمت وأنا مشغولٌ بالنظر لجمال شيبته البهية، مسرورٌ بمجلس ذكر الله، ولم يكن في الحسبان أنها آخر جلسة، وأنها خاتمة اللقاء، وعدت للمدارس إلى بيتنا، لأنتظر صباحاً حزيناً ما زالت كآبته في قلبي، وحين وضعت رأسي على الوسادة أحسست بضيق الصدر، وكأني أتوقع مكروهاً!! ولم تغفُ أجفاني إلا قليلاً، وكأنني أتصور ما يدور من أحاديث السماء..

قَالَ السَّمَاءُ لِشَمْسِهِ عِنْدَ الدُّجَى لا تَبْزُغِي يَا شَمْسُ لا تَتَشَعْشَعِي

غَداً الخَمِيسُ قِفِي مَكَانَكِ وَارْقُبِي وَاسْتَقْبِلِي رُوحَ الإمامِ الأوْرَع

وما إن طلع الفجر؛ حتى طرق الباب طارق، بصوت باكي حزين.. اجلسوا!! لقد رحل الأب الحاني، لقد توفي الشيخ فرج العمران، فأصاب الجميع الذهول، وبقيت ابنته - والدتي حفظها الله - مدهوشة لا حراك لها، فقمت وصليت الفجر وخرجت مسرعاً نحو بيت الجد، فلم أسمع صوتاً، ودخلت والجميع في حالة صمت مفجع، لا يستطيع أن يُصدِّق الخبر، ولا أن يستوعب الصدمة، ماذا جرى؟! أخبرونا.. لا تُقَطِّعوا قلوبنا بهذا الصمت والحيرة.. فأجاب المرحوم السيد باقر السيد موسى أحد المعتمدين الثقاة من أهل التوبي، وكان هو المؤذن في المسجد، أنه مرَّ على الشيخ - كما هي العادة كل فجر - لصحبته للمسجد، ودخل عليه فرآه يغسلُ يده اليمنى في وضوء الصلاة..

يَا فجْعَةَ الخَطِّ في صُبْحٍ بِوَاعِيَةٍ عَلَى فَقِيهٍ غَفَا في يَقْظَةِ السَّحَرِ

وَعَى يُجَدِّدُ طُهْراً لِلصَّلاةِ فَلَمْ يُمْهِلْهُ دَاعٍ دَعَا مِنْ سَاحَةِ القَدَرِ

فَأَسْلَمَ الرُّوحَ لِلبَارِي عَلَى طُهُرٍ ومِثْلُهُ مَا غَفَا إلاّ عَلَى طُهُرِ

وبكاه المفكر الشاعر المبدع أبو علي الخنيزي:

هَبَّ مِنْ نَوْمِهِ وَفي أجْفَانِهْ بُقْيَةٌ مِنْ حَيَاتِهِ في دِنَانِهْ

سَكَبَ المَاءَ لِلطَّهُورِ وَلَكِنْ كَانَ رُوحاً تَجْرِي عَلَى جَرَيَانِهْ

عَرَجَتْ رُوحُهُ إلَى الخَالِقِ الجَبّ ارِ تُلْقِي أعْبَاءَهَا في جِنَانِهْ

فإذا بالنَّعيِّ دَوّى صَدَاهُ يَمْلأُ الخَطَّ مِنْ شَجِيِّ لِسَانِهْ

اِسْتَبِينِيهِ رُبَّمَا كَانَ وَهْماً أوْ خَيَالاً مُلَفَّقاً مِنْ بَيَانِهْ

بَلْ أذيعِيهِ يَمْلأُ الخَطَّ شَجْواً وَيَهُدُّ الحَلِيمَ مِنْ أرْكَانِهْ

ولم ينكسر حاجز الصمت، حتى قال الأب العطوف المرحوم الحاج مهدي القطري: يا مؤمنين.. قوموا احملوا الشيخ، فانفجر المكان بالبكاء، وارتفع الصراخ والعويل، وانهمرت الأعين بغزير الدموع، وكان من قساوة قلبي أن حملت العمامة، واللحاف الأزرق الذي كان يتغطى به، وجئت به ووضعتهما إلى جانب النعش، وحينها وصل سماحة العلامة الشيخ عبد الرسول البيابي، وأخوه العلامة الشيخ محمد علي، فرأوا الإخوة وهم يخرجون جثمان الفقيد من الدار، فأجهشا بالبكاء والنحيب، وحملت الجنازة إلى حسينية العوامي، في حالة من الضجيج والصراخ.. وصفها الأستاذ العلامة المحسن المعلم:

وَدَخَلْنَا القَطِيفَ وَالوَقْتُ صُبْحٌ فَإذَا الصُّبْحُ لَيْلَةٌ ظَلْمَاءُ

وَإذَا الأَهْلُ ضَجَّةٌ وَعَزَاءٌ وَإذا الخَطُّ بَعْدَهُ كَرْبَلاءُ

ووضعت الجنازة في الحسينية، وإذا بالمقدس العلامة الشيخ علي المرهون، دخل باكياً مُنْتحباً، وأمسك بطرف النعش، وقال: من للقطيف بعدَك يا أبا محمد؟!

طَوَى الرَّدَى خَلَفَ المَاضِينَ في البَلَدِ وَأصْبَحَتْ بَعْدَهُ الأيَّامُ في كَمَدِ

هَذِي الهَوَاتِفُ تَنْعَاهُ وَتَنْدِبُهُ يَوْمَ الخَمِيسِ بِوَاهِي القَلْبِ وَالجَلَدِ

حتى حانت الساعة الثامنة صباحاً، أمر المرحوم الشيخ المرهون بتشييع الجنازة، وخرج موكب القلعة لأول مرة بعد منع من الدولة، استمرَّ سنين، رافعاً الأعلام السود، وشعارات الحزن التي تحفُّ بالجنازة، وارتفعت الصرخة من حناجر الآلاف التي غطت الشارع الرئيسي، من صيدلية المهنا وحتى مسجد الشيخ علي بن يعقوب في باب الشمال، هاتفين: الله أكبر.. وين شايل ياولينا.. ظُلْمَتِ الدنيا علينا، ولم أشهد بعمري أمواجاً من اللوعة والصرخة والأسى؛ ما شهدته ساعة التشييع، خصوصاً عندما مرَّتِ الجنازة بحشود غفيرة من النساء الثكالى، وهنَّ يلطمن بأكفهن، ويصرخن: واحسين.. واحسين.. وتسارعت أيدي المفجوعين الباكين، لحمل الجنازة في صورة من الهستيريا المريعة..

يُزْجُونَ نَعْشَكَ في السَّنَاءِ وَفي السَّنَا فَكَأَنَّمَا في نَعْشِكَ القَمَرانِ

وَكَأَنَّهُ نَعْشُ الحُسَيْنِ بِكَرْبَلا يَخْتَالُ بَيْنَ بُكَىً وَبَيْنَ حَنَانِ

ومشى النعش كالسفينة في بحار من الدموع، وزفرات لاهبة من الصدور..

نَعْشٌ يَسِيرُ عَلَى الأكُفِّ يَكَادُ يَطْفُو في الدُّمُوعِ

وَضَعُوا عَلَيْهِ أكُفَّهُمْ وَضْعَ الأكفِّ عَلَى الضُّلُوعِ

حتى وصلت الجنازة للمصلى القديم، بعد تغسيل الجسد الطاهر في المغتسل العام، حسب وصية الفقيد، وبعد عناءٍ بالغٍ لشدة الازدحام، تقدم الزعيم المرحوم سماحة العلامة الكبير الشيخ الخطي للصلاة عليه، وقد بدت علامات الحزن والأسى على وجهه، محفوفاً بالمرحوم العلامة المرهون، والمرحوم العلامة المعتوق، اللَّذَينِ كانا يشاطرانه الحزن والأسى والبكاء، وحين انتهت الصلاة وقف الخطيب الكبير الشيخ سعيد أبوالمكارم على الجنازة مؤبناً:

يَا شَيْخُ تَرْحَلُ وَالبِلادُ بِحَاجَةٍ لَكَ في الوَرَى يَا خَيْرَ بَدْرٍ نَيِّرِ

ثم رُفِعَ النعش إلى لحده المُعَدِّ له، عند رِجْلَي العَلَمَيْنِ: الإمام والزعيم - الخنيزيين - قدس سرهما، وحين إنزاله لمثواه الشريف، تسابق الشعر والنثر لرثائه، وتخليد مآثره العظيمة، فبدأ المرحوم الشيخ عبد الكريم الحمود بكلمةٍ استمطرت الدموع، وأجَّجَت المشاعر، وتلاه المرحوم شاعر الولاء، أبو رياض الجشي:

طُوِيَ العِلْمُ وَادْلَهَمَّ الظَّلامُ يَا بِلادِي وَلُفَّتِ الأعْلامُ

يَاصَفِيَّ الأعْلامِ في النَّجَفِ الأشّْرَفِ حَالتْ مِنْ بَعْدِكَ الأيّامُ

وعقبت رثاءَه بأبيات للشاعر الخطي، في رثاء الزعيم الخنيزي..

كَرِّمُوهُ عَنِ البُكَا وَالنُّوَاحِ أَتْحِفُوهُ الثَّنَا زَكِيَّ النَّفَاحِ

وَاحْفِرُوا قَبْرَهُ بِكُلِّ فُؤَادٍ شَاعِرٍ بِالمُصَابِ دَامِي الجِرَاحِ

وَاخْشَعُوا عِنْدَ تُرْبَةٍ قَدْ حَوَتْهُ إنَّ فِيْهَا كَنْزُ التُّقَى وَالصَّلاحِ

وبذلك انطوت صفحة من أروع صحف الهدى، وبقي ذكرها لدى الأجيال الواعية، مثالاً للقلب الطاهر النقي، والرَّاهب المتهجد، والعارف المربي، بأنفاسه القدسية العطرة، والعالم العامل الذي ضحى بكل وقته، وجهده، وفكره، في سبيل مجتمعه، والقلم المعطاء الذي حفظ تراث الوطن وتاريخه، مطلع القمرين الحسن والحسين.

وَلَنا في الحُسَيْنِ خَيْرُ عَزَاءٍ فَهُوَ المُرْتَجَى وَنِعْم الرَّجَاءُ

خَلَفُ السَّابِقِينَ عِلْماً وَفَضْلاً لِمَعالِيهِ تَنْتَمي العَلْياءُ

حفظه الله، وحفظ البلاد وصانها من كل سوء، وحباها بالعلماء العاملين المخلصين في كل جيل، إنه سميعٌ مجيبٌ.