من عطاء المرجعية العليا

شبكة المنير

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين

في لقائنا بسماحة سيد الطائفة الإمام السيستاني «دام ظله الشريف»، طرحنا بحضرته سؤالاً يتمحور حول ظاهرة سرعة التخلي عن المعتقدات الدينية، حيث نلمس في الواقع المعاصر ما أصبح ظاهرةً بين الأجيال الشابة خصوصاً من أبنائنا وإخواننا المبتعثين إلى الخارج، وهي ظاهرة التراجع السريع أمام الشبهات والإشكالات على المعتقدات والثوابت المعرفية للدين، حيث يتنازل بعض الشباب المؤمن بشكلٍ انهزاميٍّ أمام مجموعةٍ من الأسئلة والشبهات حول دينه وعقيدته، بل قد يتحول إلى مهاجِمٍ بأسلوبٍ عنيفٍ لهذه المعتقدات، وكان السؤال حول المنهج المثمر في التعامل مع هذه الظاهرة.

فتحدّث سماحته «دام ظله الشريف» في نقطتين:

النقطة الأولى:

إنَّ مِنْ معالم الشعوب الواعية الاعتزاز والافتخار بهويّتها الدينيّة؛ فإنَّ الشعوب التي تمتلك وعياً ودرايةً ترى أنَّ الدين لا يمثل مجموعةً من المعتقدات والممارسات فقط، بل الدين يمثل هويّة وثقافة وحضارةً راسخةً، وبالتالي فالاعتزاز بالدين والافتخار به معبر عن الاعتزاز والافتخار بالهويّة الواقعيّة، بل نرى ذلك في كثير من الشعوب أيضاً، حتى الشعوب التي لم تمتلك حضارةً واضحةً، فمثلاً ”السيخ“ الذين تعاونوا مع البريطانيين وناصروهم لم يكن ذلك على حساب دينهم، فنراهم حتّى مع هذا التعاون الوثيق مع البريطانيين ونفوذهم في المناصب الرسميّة المختلفة بعد الحرب العالمية الثانية إلاّ أنّهم لم يتراجعوا عن هويّتهم الدينيّة، بل حتّى عن زيّهم الذي يحكي عنها، لأنهم يرون أنَّ دينهم ومعتقداتهم جزءٌ من حضارتهم وجزءٌ من كيانهم، فلا يضحون به لأجل منصبٍ أو مطمحٍ دنيويٍّ مُعيّن، بل نرى اليهود الذين توغلوا في جميع المجالات والمواقع في العالم لا يتخلّون عن هويّتهم اليهوديّة، بل يصرّون على الحفاظ على هذه الهويّة سواءً كانوا في مجال السلوك العمليّ متدينين أم غير متدينين، إلاّ أنّ الشعار الدينيّ جزءٌ من الهويّة الذاتيّة التي لا بدَّ من المحافظة عليها، وهذا مُنبِّهٌ ومؤشِّرٌ يفيدنا أنَّ من يتعامل مع الدين بوعيٍ وتأمّلٍ سوف يُتَعامل معه بروح الافتخار والاعتزاز لا بروح الانهزام السريع أمام مجموعةٍ من الإشكالات والشبهات التي بحثها كثيرٌ من علمائنا وأجابوا عن كثيرٍ من تفاصيلها.

النقطة الثانية:

في بيان المنهج الفاعل والمُثمِر في التعامل مع هذه الظاهرة؛ وذلك بالتركيز على محورين: محور الطفولة، ومحور الشباب.

المحور الأول: محور الطفولة

إنَّنا إذا قرأنا النصوص الشريفة الواردة في القرآن والروايات وجدنا أنَّها تؤكد على أن الدين فطرةٌ في الإنسان نحو قوله تعالى ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ، وما ورد عن أمير المؤمنين في وصف الأنبياء والرسل ”لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ“ [1] ، إلاَّ أنّ هذا الرصيد الفطريّ يحتاج إلى مثيراتٍ ومنبهاتٍ، فلا يمكن أن يتحول إلى عقيدةٍ راسخةٍ فاعلةٍ ما لم تكن هناك مثيراتٌ ومنبِّهاتٌ لهذه الميول الفطريّة، ولذلك نرى أنّ النصوص الواردة عن أهل البيت «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين» تؤكّد على استثارة الميل الفطريّ لدى الإنسان نحو الدين منذ طفولته، والشواهد في هذا المجال على نوعين:

النوع الأول:

ما ورد في الروايات الشريفة من المستحبات التي قد نغفل عن مغزاها والهدف منها حينما نتعامل معها، فمثلاً ما في الوسائل 21: 405/ أبواب أحكام الأولاد باب 35، ما دلَّ على استحباب الأذان في الأذن اليمنى والإقامة في الأذن اليسرى للطفل حين ولادته ليس حكماً تعبدياً فقط، وإنّما له مدلولٌ تربويٌّ كبيرٌ، وهو أنَّ هذه الفطرة الكامنة لدى الطفل تحتاج إلى مثيرٍ ومنبِّهٍ، وذلك المثير هو عبارة عن عملية التلقين للمبادئ الدينيّة الأوليّة: التوحيد، والنبوة، والفرائض، فإنَّ تلقين الطفل في أول ساعة من حياته لهذه المبادئ الدينية الأوليّة ينقل روحه وعقله من مستوى الفطرة إلى مستوىً آخر حيث يمرّ بمرحلتين المرحلة الأولى: مرحلة الاستئناس بما يسمع من صوتٍ وبما يلتقط من معارف.

والمرحلة الثانية: مرحلة التفاعل والانصهار بهذه المعارف.

فالهدف من هذا المستحب في هذه الساعة ليس مجرد التعبّد وتحصيل الثواب؛ وإنّما إثارة فطرة التديّن لدى الطفل عبر تلقينه المبادئ الأولية التي تتحول بمرور الوقت إلى معتقدٍ راسخٍ.

وكذلك عندما نرى ما ينبغي ذكره حال الرضاع حيث يُحبَّذ للأم عند أخذ الطفل وتقريبه من صدرها ليشرب من لبنها أن تذكر الله وتمجِّده وتصلي على النبي وآله، وكلّ هذه الأذكار حين الإرضاع ليس المقصود منها مجرد تحصيل الثواب فقط، وإنَّما هناك هدفٌ أبعد ألا وهو أن ينهل الطفل المبادئ الدينية وهو يشرب لبن أمّه، وكما أن الطفل في حالة تفاعلٍ حسيٍّ ماديٍّ مع لبن أمّه فهو في حالة تفاعلٍ واستئناسٍ بالمبادئ الدينية التي يلتقمها كما يلتقم غذاءَه اليوميّ.

وكلّ هذه الأذكار المستحبة التي إذا ضممنا إليها ما ورد من الحثّ الشديد على تربية الطفل على الصلاة منذ السنين الأولى[2]  تؤكد لنا أنَّ هناك منهجاً للدين أُريد منه تحويل المعتقدات إلى كيانٍ نفسيٍّ راسخٍ يقف بالإنسان أمام الشبهات والإثارات، بحيث لا يتحوّل إلى إنسانٍ انهزاميٍّ سريع التأثّر بما يسمع لأنّ لديه رصيداً دينيّاً راسخاً.

النوع الثاني:

من الشواهد ما دلّ على محاسن الأخلاق وروائع القيم في سيرة الأئمة الطاهرين «صلوات الله وسلامه عليهم» في التعامل الإنسانيّ، ومن تلك الشواهد القصة المعروفة عن أمير المؤمنين حيث نظر إِلَى «امْرَأَةٍ عَلَى كَتِفِهَا قِرْبَةُ مَاءٍ، فَأَخَذَ مِنْهَا الْقِرْبَةَ فَحَمَلَهَا إِلَى مَوْضِعِهَا، وَ سَأَلَهَا عَنْ حَالِهَا، فَقَالَتْ: بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ صَاحِبِي إِلَى بَعْضِ الثُّغُورِ فَقُتِلَ، وَ تَرَكَ عَلَيَّ صِبْيَاناً يَتَامَى وَ لَيْسَ عِنْدِي شَيْ‏ءٌ، فَقَدْ أَلْجَأَتْنِي الضَّرُورَةُ إِلَى خِدْمَةِ النَّاسِ، فَانْصَرَفَ وَ بَاتَ لَيْلَتَهُ قَلِقاً، فَلَمَّا أَصْبَحَ حَمَلَ زنْبِيلًا فِيهِ طَعَامٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَعْطِنِي أَحْمِلْهُ عَنْكَ، فَقَالَ: مَنْ يَحْمِلُ وِزْرِي عَنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَتَى وَ قَرَعَ الْبَابَ، فَقَالَتْ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَنَا ذَلِكِ الْعَبْدُ الَّذِي حَمَلَ مَعَكِ الْقِرْبَةَ، فَافْتَحِي، فَإِنَّ مَعِي شَيْئاً لِلصِّبْيَانِ، فَقَالَتْ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ، وَ حَكَمَ بَيْنِي وَ بَيْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَدَخَلَ وَ قَالَ: إِنِّي أَحْبَبْتُ اكْتِسَابَ الثَّوَابِ، فَاخْتَارِي بَيْنَ أَنْ تَعْجِنِي وَ تَخْبِزِي، وَ بَيْنَ أَنْ تُعَلِّلِي الصِّبْيَانَ لِأَخْبِزَ أَنَا، فَقَالَتْ: أَنَا بِالْخَبْزِ أَبْصَرُ وَ عَلَيْهِ أَقْدَرُ، وَ لَكِنْ شَأْنَكَ وَ الصِّبْيَانَ فَعَلِّلْهُمْ حَتَّى أَفْرُغَ مِنَ الْخَبْزِ، قَالَ‏: فَعَمَدَتْ إِلَى الدَّقِيقِ فَعَجَنَتْهُ، وَ عَمَدَ عَلِيٌّ إِلَى اللَّحْمِ فَطَبَخَهُ، وَ جَعَلَ يُلْقِمُ الصِّبْيَانَ مِنَ اللَّحْمِ وَ التَّمْرِ وَ غَيْرِهِ، فَكُلَّمَا نَاوَلَ الصِّبْيَانَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً قَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ اجْعَلْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي حِلٍّ مِمَّا أَمَرَ فِي أَمْرِكَ‏، فَلَمَّا اخْتَمَرَ الْعَجِينُ قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اسْجِرِ التَّنُّورَ، فَبَادَرَ لِسَجْرِهِ، فَلَمَّا أَشْعَلَهُ وَ لَفَحَ فِي وَجْهِهِ جَعَلَ يَقُولُ: ذُقْ يَا عَلِيُّ، هَذَا جَزَاءُ مَنْ ضَيَّعَ الْأَرَامِلَ وَ الْيَتَامَى، فَرَأَتْهُ امْرَأَةٌ تَعْرِفُهُ فَقَالَتْ: وَيْحَكِ هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ!! قَالَ: فَبَادَرَتِ الْمَرْأَةُ وَ هِيَ تَقُولُ: وَا حَيَائِي مِنْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فَقَالَ: بَلْ وَا حَيَائِي مِنْكِ يَا أَمَةَ اللَّهِ فِيمَا قَصَرْتُ فِي أَمْرِك! ‏» [3] ، فإنَّ مثل هذه الروايات الشريفة التي إذا ذكرت مضامينها لأولادنا وهم في السنين الأولى سوف يتعلمون أنَّ أهل البيت لم يكن دينهم مجرد عبادة، وإنّما كان الدين عندهم يعني التعامل الإنساني العظيم، وأنّهم كانوا يجسّدون الدين في مجال التعامل والرعاية كما يجسّدونه في المحراب والأذكار العباديّة، ولا بُدّ من إكثار ذكر محاسن كلمات الأئمّة الطاهرين على مسامع الأولاد حتى في سنيّ المراهقة فقد ورد عن الإمام الصادق أنّه قال: ”فَإِنَّ النَّاسَ لَوْ عَلِمُوا مَحَاسِنَ‏ كَلَامِنَا لَاتَّبَعُونَا“ [4] .

المحور الثاني: محور الشباب

ورد عن النبي ”إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا أَنْ نُكَلِّمَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ‏“. [5] 

إنَّ من جملة المعاني المقصودة في هذا الحديث النبويّ الشريف أنَّنا عندما نريد أن نُقنع إنساناً بفكرةٍ معيّنةٍ فالطريق الأفضل لإقناعه أن نستخدم معه الأسلوب الذي يستخدمه ويتفاعل معه في إثبات أفكاره الأخرى وفي إثبات الحقائق الأخرى، لا أن نستخدم معه الأسلوب المتعارف عندنا في مجال الإثبات، بل الأسلوب المعهود لديه في مجال إثبات الحقائق والأفكار، فلأجل ذلك يحتاج المبلغون للدين وبيان حقائقه وشرح معتقداته من خلال المعاهد والمدارس والمنابر والمساجد أن يستخدموا الأسلوب العلميّ الحديث الذي هو معهودٌ لدى الشاب في دراسته الجامعيّة في إثبات الحقائق والأفكارالأخرى، فإنَّ النفوذ إليه من خلال هذا الأسلوب، ومن خلال هذا المنهج الذي يعتقد بصوابيته، ونجاحه في إثبات الواقع طريقٌ ناجحٌ ومؤثِّرٌ وفعّالٌ في إثبات الحقائق الدينيّة، وأمّا التركيز على الأسلوب الذي كان مُتَّبعاً لدى المبلغين في العقود الماضية في إقناع الأجيال الجديدة بالمعتقدات الدينيّة فهو طريقٌ قليل الجدوى في كثيرٍ من الحالات، قال تعالى ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين

[1]  «نهج البلاغة؛ ص: 11»
[2]  «الكافي «ط - الإسلامية»، ج‌3، ص: 409‌»
[3]  «بحار الأنوار «ط - بيروت»، ج‏41، ص: 52»
[4]  «معاني الأخبار؛ ص180»
[5]  «الكافي «ط - الإسلامية»؛ ج‏1؛ ص23»
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
ولايتي لأمير النحل تكفيني
[ السعودية - الأحساء ]: 26 / 3 / 2017م - 3:21 ص
وصايا مهمة ورائعة من شخصية أنهكتها التجارب والخبرات وذات علم وفقاهة ودراية وهي شخصية المرجع الديني الأعلى سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله الشريف..
2
حسن
[ الكويت ]: 26 / 3 / 2017م - 11:41 ص
ما شاء الله...كلمات نيرة و عظيمة تحاكي العصر و تطوره و ترسم خطوط عريضة لأكبر إشكاليات الأسر في مجتمعنا ألا و هي "كيف نربي ولداً صالحاً" نفتخر به في المستقبل...
شكرا سيدنا الغالي و الذي بك أفتخر و منك أنهل معلوماتي في مجال الشبهات و الإشكالات على المعتقدات و الثوابت المعرفية..حماك الله و حمى مرجعنا الأعلى السيد السيستاني دام ظله الوارف