نص الشريط
من ملامح الحركة الحسينية
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 11/1/1418 هـ
مرات العرض: 52966
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (51385)
تشغيل:

ورد عن الرسول الأعظم : ”حسينٌ مني وأنا من حسين، أحب الله من أحبَّ حسينًا، وأبغض الله من أبغض حسينًا، حسينٌ سبطٌ من الأسباط“

حديثنا هذه الليلة عن بعض ملامح حركة الحسين ، إذ أن هناك مجموعة من الملامح في حركة الحسين تستحق الدراسة والتأمل.

الملمح الأول: إعمال الحسين لولايته.

المؤرخون يذكرون أن الحسين لما خرج من مكة المكرّمة رأى قافلةً متجهةً إلى الشام، حيث أرسل والي يزيد بن معاوية على اليمن ليزيد قافلة محمّلة بالزينة وبالأموال وبالأمتعة، فلما رأى الإمام الحسين القافلة أمر بمصادرتها، فصودرت القافلة كلها بما فيها من أموال وأمتعة، وسُلِّمت للحسين . ربما يسأل سائل هنا: لماذا تصرف الحسين هذا التصرف؟ لماذا صادر قافلة محمّلة من الأموال والأمتعة والزينة؟ سبب المصادرة ومنشؤها يتضح ببيان أمرين:

الأمر الأول: الحسين هو الولي على جميع النفوس والأموال.

يعتقد الشيعة الإمامية أن كل إمام معصوم له الولاية العامة، وبتعبير القرآن الكريم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فالنبي أولى بالناس من أنفسهم، أي أن نفس النبي تقدّم على نفس كل مؤمن، وأي مؤمن كان يجب عليه أن يقدّم نفسه دون نفس النبي ودون نفس الإمام. النبي أولى بك من نفسك، فكيف بأموالك وشؤونك؟! النبي أولى من كل إنسان من نفسه وأمواله وتمام شؤونه، وهذا ما يعبّر عنه بالولاية العامة على الأنفس والأموال.

هذه الولاية التي ثبتت للنبي الأعظم بالقرآن الكريم، ثبتت لعلي ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، والمقصود بالآية - كما تعرفون - هو علي بن أبي طالب. وهذا ما ذكره الرسول أيضًا يوم الغدير: ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى، قال: فمن كنت مولاه، فهذا علي مولاه.

وما ثبت لعلي ثبت لأهل بيته بالنصوص الواردة عن الرسول الأعظم ، ولذلك نقرأ في زيارة الجامعة: ”وأنفسكم في النفوس وآثاركم في الآثار“، فالإمام الحسين وليٌ على سائر الأنفس والأموال، فليس غريبًا أن يتصرف الإمام الحسين في قافلة ذاهبة من اليمن إلى يزيد، فيأمر بمصادرتها بتمام أموالها؛ لأن الولاية له، فهو الولي الحقيقي على تمام الأنفس والأموال، وبمقتضى ولايته أمر بالمصادرة.

الأمر الثاني: فلسفة إعمال الولاية.

هذه الأموال إذا وصلت إلى يزيد بن معاوية فستُصْرَف في معصية الله، وفيما لا يرضي الله، فالإمام استنقذ الأموال كي لا تصرف في معصية الله، وكي لا تصرف فيما لا يرضي الله، فأمر بمصادرتها للفقراء والمساكين.

الملمح الثاني: تجسيد الحسين لأعلى درجات الارتباط بالله.

علماؤنا يقولون بأن الإمام الحسين مثّل صفة التوكّل وصفة الرضا وصفة التسليم، إذ أن الارتباط بالله «تبارك وتعالى» له - كما يقول علماء العرفان - ثلاث درجات:

الدرجة الأولى: التوكل.

التوكل هو أن يثق الإنسان أن الله لا يعمل له عملاً إلا وهو في صالحه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ. التوكل هو أن تثق بأن الله لا يقدّر عليك مصيبة، ولا يقدّر عليك بلية، إلا وهي في صالحك في الدنيا أو في الآخرة.

قصة إبراهيم الخليل «على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام» لا شك في أنكم سمعتموها، حيث ألقي في نار نمرود - وهي نار عظيمة أضرمها نمرود وأمر بإلقاء إبراهيم فيها - فاعترضه ملك المطر، قال: يا إبراهيم، إن شئت أطفأتُ لك النار. قال: لا أحتاج إليك. اعترضه ملك الريح، قال: يا إبراهيم، إن شئت طيّرت النار وحولتها إلى بخار ودخان. قال: لا أحتاج إليك. اعترضه ميكائيل في الفضاء، قال: يا إبراهيم، إن شئت أخذت بيدك ورفعتك من النار، قال: لا أحتاج إليك، قال: إذن تحتاج لمن؟! قال: حاجتي عند ربي، قالوا: إذن سل ربك، قال: علمه بحالي يغني عن سؤالي. ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ. هذا مظهر من مظاهر التوكل والثقة بالله «تبارك وتعالى».

الدرجة الثانية: الرضا.

هل يوجد شخص تصيبه مصيبة ويرضى؟! حتى إذا توكل على الله.. إذا أصيب بمصيبة في بدنه أو ولده أو أمواله فإنه لا يرضى، حتى وإن قال بأنه متوكل على الله، فإنه نفسيًا غير راضٍ؛ لأنه هذه مصيبة وليست نعمة. هناك درجة من درجات الارتباط بالله تختص بالأولياء يرضون فيها حتى بالمصائب، ويعتبرون المصائب نعمًا من الله «تبارك وتعالى».

الإمام الحسن الزكي يقول: ”لقد كان أبو ذر الغفاري «رضي الله عنه» يقول: اللهم إن الفقر أحب إلي من الغنى، وإن الخوف أحب إلي من الأم“ بينما الإمام الحسن يقول: ”اللهم إن ما تختاره لي فهو الصالح لي“. أنا أقول بأن الفقر أفضل ولا أقول بأن ذاك أفضل، وإنما أقول بأن ما تختاره فهو نعمة لي، وأنا راضٍ به كيفما كان، فالإمام لا يفترق عنده الحال في النعمة ولا في المصيبة، بل يرضى بالجميع ولا يتأثر منه أبدًا، وهذه هي مرتبة الرضا. ولذلك نرى الإمام الحسين يقول يوم عاشوراء لما سقط من الفرس وانبعث الدم من صدره: ”اللهم رضا بقضائك“.

الدرجة الثالثة: التسليم.

هذه الدرجة خاصة بالإمام المعصوم، ولعلها لا تحصل لغيره، إلا لمن رزقه الله تربية الإمام المعصوم، كما في العباس بن علي، ولذلك نقرأ في زيارته: ”أشهد لك بالتصديق والتسليم والوفاء والنصيحة لخلف النبي المرسل والسبط المنتجب“، فالعباس وصل إلى درجة التسليم، والمقصود من هذه الدرجة أن يعتبر الإنسان أن لا نفس له، ويعتبر تمام شؤونه ملكًا لله «تبارك وتعالى».

التوكل هو أن تقول: أنا واثق بالله، فتعتبر لنفسك وجودًا وإنية، وفي مرتبة الرضا تقول: أنا راضٍ بما قسم، فتعتبر لنفسك وجودًا، وأما في التسليم فلا تذكر كلمة أنا، بل تعتبر نفسك فانية في الله «تبارك وتعالى»، ولا وجود لها ولا إنية لها ولا استقلالية لها ولا هوية لها، بل هي عين التعلق والارتباط بالله «تبارك وتعالى». درجة التسليم هي ألا ترى نفسك، ولا ترى إلا الله، فالمسلّم لله لا يرى إلا الله، ولذلك يقول الإمام أمير المؤمنين: ”ما رأيتُ شيئًا إلا ورأيتُ الله قبله وبعده وفوقه وتحته وفيه“.

الإمام الحسين في دعاء يوم عرفة يعبّر عن درجة التسليم فيقول: ”متى غبتَ حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟! ومتى كانت الآثار هي التي توصل إليك؟! عميت عينٌ لا تراك عليها رقيبًا، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من ودك نصيبًا“، فالإمام الحسين وصل إلى مرتبة التسليم، أي أنه وصل إلى درجة لا يرى فيها نفسها، بل لا يرى إلا الله، ولذلك يقول يوم عاشوراء وهو يصبغ شيبته من دم قلبه: ”اللهم رضا بقضائك، وتسليمًا لأمرك، يا غياث المستغيثين“.

إلهي تركتَ الخلقَ طرًا في هواكَ
فلو   قطّعتني  في  الحب  iiإربًا
  وأيتمتُ    العيالَ    لكي   iiأراكَ
لما   مال   الفؤاد  إلى  iiسواكَ
الملمح الثالث: صفة المروءة.

علي ابن المحاربي يقول: خرجنا مع الحر بن يزيد الرياحي زهاء ألف فارس لقتال الحسين، ووصلنا إلى الحسين في حر الظهيرة وقد أصبنا بالعطش والظمأ، فأمر الحسين أصحابَه بأن يسقونا الماء، وكنتُ آخر من وصل، وقد أمض بي العطش والظمأ، فقام إليَّ الحسين بنفسه، وقال: اخنث السقا، ولم أفهم كلامه، لأنني عراقي، وهو يتكلم بلغة حجازية، فقال لي: أنخ الراوية، فلم أفهم كلامه، فقام وفتح فهم القربة، وسقاني بنفسه، وسقى فرسي، ورشّفنا ترشيفًا.

هؤلاء أعداؤه، وقد جاؤوا لقتاله، ولكن الحسين بخلق عال وبمروءة نادرة سقاهم الماء، وهذا ما صنعه الإمام أمير المؤمنين يوم صفين، حيث استولى معاوية على ماء الفرات، ومنع الماء عن جيش الإمام علي ، فجاء الجيش يضج إلى الإمام علي من العطش. يقول عمرو بن العاص: رأينا شيخًا ناف على الستين من عمره ربط الحزام على بطنه، وانقلب على الجيش، فأجلاهم عن المشرعة، وغرز سهمه فيها، فلما غرز السهم أباح الماء لجيش معاوية ولجيشه.

أراد الإمام أن يعلّمهم الأخلاق الإسلامية، وأن يعلّمهم كيف يكون الإنسان صاحب مروءة ورحمة حتى على أعدائه فضلاً عن محبيه وأقربائه. وهكذا فعل الإمام الحسين، حيث سقى أعداءه الماء، وهو يدري أنهم لن يسقوه قطرة من الماء. ولذلك يروي المؤرخين أن الحسين كان يبكي يوم عاشوراء، فاستغرب الجماعة، وقالوا: ما يبكيك يا سيد شباب أهل الجنة؟! قال: ”ما بكيتُ لنفسي. أبكي على هؤلاء القوم؛ يدخلون النار بسبب قتلي“. ما هذا الحنان؟! هذه الرأفة تقطر من الحسين تجسيدًا لخلق جده رسول الله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ.

إذن فالإمام يعلمنا على الرحمة، ولذلك علينا أن نتعامل مع الآخرين بالرحمة، فإذا أخطأ علينا إنسان صفحنا عنه، وإذا أساء علينا إنسان عذرنا وسامحناه، ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. يعلمنا أنهل البيت خُلُق الرحمة، وخُلُق الصفح والتسامح.

الملمح الرابع: جاذبية الحسين.

الحسين شخصية جذّابة جدًا، وقد أثّرت شخصيته الجذّابة حتى على الأعداء، وحتى على العبيد، وحتى على النساء. زهير بن القين كان عثماني الهوى، أي أنه كان يقول بأن عليًا حرّض على قتل عثمان، فهو المسؤول عن قتل عثمان. زهير خرج، والتقى مع الحسين في الطريق، حيث كان الحسين ماشيًا إلى كربلاء، وكان يكره الجلوس مع الحسين، فإذا جلس الحسين في مكان جلس في مكان ثانٍ، إلى أن وصلا إلى مكان فيه ماء، فاضطر إلى النزول مع الحسين في نفس المكان، وأصبحت خيامه قريبة من خيام الحسين.

أرسل الحسين إلى زهير رسولاً، فجاء الرسول وزهير جالسٌ مع أصحابه يأكلون الطعام. وقف الرسول، وسلّم عليهم فردوا السلام، ثم قال الرسول: الحسين بن علي يريدك، فوقف الطعام في يده ولم يأكل؛ لأنه كان كارهًا أن يلتقي بالحسين، وقال: ما يريد مني؟! قالت له زوجته: زهير، ويحك! ابن بنت رسول الله يطلب لقاءك وأنت تمتنع؟! ما كان ضرك لو لقيته وسمعتَ كلامه؟! فأقبل زهير إلى الحسين.

بعد دقائق معدودة - وبسبب كون الحسين جذّابًا بشخصه وبكلامه وبدعائه وبسبب البركة التي تحصل نتيجة التشرف بلقائه - رجع زهير مبتسمًا ضاحكًا، وقال لقومه: حوّلوا رحلنا إلى رحل الحسين، وقال لزوجته: أنتِ طالق، فالحقي بأهلكِ! قالت: ماذا حدث؟ قال: أنا مستعدٌ لنصرة الحسين بنفسي وبمالي. فاستغربت كيف حوّلت بضع دقائق هذا الإنسان من عدو إلى ناصر، فقال لها: لقد نصرنا بلنجر وفرحنا بالغنائم، فقال لنا سلمان الفارسي: تفرحون بالغنائم؟! فكونوا أشد فرحًا لقتالكم بين يدي ابن بنت رسول الله، وهذا اليوم قد تحقق، وأنا مصمم على نصرة الحسين.

كذلك حال الحر بن يزيد، حيث قال الإمام: ثكلتك أمك يا حر! ما تريد أن تصنع؟! وبعد هذه المشادة بين الحر والحسين صلى الحسين جماعة وائتم به الحر، وهذا الائتمام بالحسين غيّر من وضع الحر، وغيّر من شخصيته، وتغيّر كيانه الداخلي من عدو مقاتل إلى إنسان متردد في كون الحسين على الحق أو على غير الحق، وبدأ يشكّك في طريقه، إلى أن لمح الحسين إليه بكفه - كما ينقل بعض الرواة - يوم عاشوراء، وكانت تلك الإشارة هي نقطة التحوّل، حيث غيّرت الحر بتمام كيانه، وإذا بالحر يقبل يحبو على قدميه إلى أن وصل إلى الحسين، وصار من أنصاره، وقال الإمام: ”صدقت أمك حين سمّتكَ حرًا، أنت حر في الدنيا وسعيد في الآخرة“.

هذه الجاذبية للإمام الحسين هي جاذبية الخُلُق الروحاني. الشخص المتقي، والشخص المتصل بالله، والشخص المرتبط بالله، والشخص المتعلق بالله، إذا رآه الإنسان أثّرت عليه رؤيته وأثّر عليه لقاؤه؛ لأنه شخصٌ متعلقٌ بالله، ولذلك ورد في الحديث الشريف: ”العالم إذا رأيتَه ذكّرك الله“ نتيجةً لتعلقه بالله «تبارك وتعالى»، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ.

الحسين جذب حتى العبيد المماليك، حيث يذكر المؤرخون بأن اثني عشر عبدًا قُتِلوا بين يدي الحسين يوم كربلاء، ومنهم جون مولى أبي ذر، الذي وقف على الحسين وقال: أبا عبد الله، في الرخاء ألحس قصاعكم، وفي الشدة أخذلكم؟! لا كان ذلك أبدًا! تنفّس عليَّ بالجنة، حتى يطيب ريحي، ويبيض لوني، ويكرم حسبي. وفعلاً قال الحسين: ”اللهم بيّض وجهه، وطيّب ريحه، وألحقه بمحمد وآله“، فكانوا يمرون على جسده، فتفوح منه رائحة المسك.

جاذبية الحسين أثّرت حتى على النساء، ولذلك نجد أدوارًا بطولية للنساء يوم كربلاء. وهب بن حباب الكلبي كان شابًا حديث عهدٍ بالزواج، فكانت زوجته تقول له: لا تخرج، لا تفجعني بشبابك. لكن أمه كانت تقول: لا تسمع لكلامها، والله لا أرضى عنك حتى تُقْتَل بين يدي الحسين، بماذا أفتخر يوم القيامة أمام فاطمة الزهراء ؟! إنما أفتخر بك، فوالله لا أرضى عنك حتى أراك صريعًا بين يدي الحسين. لما تقدّم ودخل في المعركة سمع زوجته من خلفه تحمّسه على القتال، وتقول له: قاتل يا وهب دون الطيبين حسينٍ وآلِ حسين. قال: عجبًا! أنتِ قبل ساعة تثبطيني والآن تحمسيني على القتال! قالت: لقد أحرقت قلبي ناعية الحسين.

جنادة الأنصاري قُتِل في الحملة الأولى التي قبل صلاة الظهر، وهي التي قُتِل فيها خمسون شخصًا من أصحاب الحسين، بينما قُتِل بنو هاشم وبقية الأنصار والأصحاب في الحملة الثانية بعد صلاة الظهر، وقد قُتِل جنادة في الحملة الأولى، فأقبل ولده عمرو - الذي كان عمره تسع سنوات أو إحدى عشرة سنة - للحسين يستأذنه في القتال، فكره الحسين أن يتقدم الطفل، وقال له: ارجع إلى أمكَ يا بُنَيَّ، ثم قال للأصحاب: أرجعوه إلى أمه؛ فإن أباه قُتِل في الحملة الأولى، وأخاف أن أمه تكره قتاله. وإذا بالطفل يقول: إن أمي هي التي أمرتني، حيث ألبستني لامة الحرب، وأعطتني السيف، وقالت: بنيَّ، الحق أباك في الشهادة، وقاتل دون الحسين.

إذن هناك نساء كثيرات شاركن في حركة الحسين تأثرًا بشخصية الحسين، وتأثرًا بجاذبية الحسين .

الملمح الخامس: صمود الحسين.

غريب هذا الصمود! الحسين إرادة لا تنثني، وإرادة لا تلين، وإرادة لا تتوقف أبدًا. كان مصممًا على مسيرته. أقبل إليه عمرو بن الوزان، وأقبل إليه عبد الله بن جعفر، وابن عبّاس، ومحمد بن الحنفية، وفلان وفلان، وقالوا له: أبا عبد الله، أنت تعرف أهل العراق ماذا صنعوا بأبيك وأخيك، فكيف تذهب إليهم؟! قال: ”شاء الله أن يراني قتيلاً، وأن يرى النساء سبايا“. هذه المشيئة ليست مشيئة تكوينية وإن حدثت بعد ذلك، وإنما هي مشيئة تشريعية، فقوله: ”شاء الله“ معناه: أمرني الله بذلك، أي أن الحسين مأمور بهذه الحركة، ومأمور بهذه المسيرة، ومأمور بأن أخرج مع النساء؛ لأن للنساء دورًا أيضًا في ثورة كربلاء.

وقال: ”لم أخرج أشرًا ولا بطرًا، ومفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر“، فحركتي حركة أمر بمعروف ونهي عن المنكر، وإن استلزمت الدم والفداء، ولن أنثني عن إرادتي.

قال له قيس بن الأشعث يوم عاشوراء: يا أبا عبد الله، انزل على حكم بني عمك. ما الذي يضرك؟! يزيد إنما يريد منك كلمة البيعة ليس إلا، وبعدها ستنجو وتعيش بأمان ورفاهية ونعيم، ولذلك قال له: انزل على حكم بني عمك؛ فإنهم لن يروك إلا ما تحب، ولن يصل إليك منهم مكروه. قال: ”يا بن الأشعث، أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل؟! لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أفر فرار العبيد“.

فإن   نهزم  فهزّامون  iiقِدمًا
وما     إن    طبنا    iiجبنٌ
إذا ما الموت رفّع عن أناس
فقلت  للشامتين  بنا  iiأفيقوا


 
وإن   نغلب   فغير  iiمغلبينا
ولكن  منايانا وجولة iiآخرينا
كلاكله     أناخ     بآخرينا
سيلقى  الشامتون كما لقينا

وقال: ”ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة! يأبى الله لنا ذلك، ورسوله، والمؤمنون، وجذور طابت، وحجور طهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبية، أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام. ألا وإني زاحف بهذه الأسرة، مع قلة العدد، وخذلان الناصر“.

الإمام الحسين يعلمنا على روح الإرادة. لنكن أقوياء مع مبادئنا وعقائدنا، ولنكن مصرين على مبادئنا وعقائدنا، لا نتنازل عن عقيدتنا لأجل الأموال، ولا لأجل الخوف، ولا لأجل أمور ومناصب دنيوية؛ فإن العقيدة والمبدأ فوق كل شيء. الإمام الحسين يعلمنا قوة الإرادة مع المبدأ والعقيدة.

علاج الدين للحاجات الفطرية عند الإنسان
حول البكاء على الحسين وصوم يوم عاشوراء