نص الشريط
المنهج الأمثل في المحاضرة المنبرية والمسجدية
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 21/8/1439 هـ
مرات العرض: 528
المدة: 01:23:50
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (120) حجم الملف: 19.1 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ

صدق الله العلي العظيم

ورد في موثقة طلحة بن زيد: «إنَّ الله كما أخذ على الجهال عهدًا أن يتعلموا، أخذ على العلماء عهدًا أن يبذلوا العلم». حديثنا عن رسالة المبلّغ الذي يتّجه إلى نشر تعاليم الدين ونشر معالم مذهب أهل البيت «صلوات الله وسلامه عليهم». تتلخّص رسالة المبلّغ في تحويل الفكرة إلى عمل، كيف يتوصّل المبلّغ إلى تحويل الفكرة التي يريد إيصالها وإبلاغها إلى سلوك وإلى عمل؟

وهذا ما تؤكّده النصوص الشريفة، فعندما نلاحظ آية التفقّه نرى أنّها جعلت الغاية عملًا وسلوكًا، ﴿وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ، وعندما نلاحظ الآيات الأخرى نرى أنّها تركّز على العنصر العملي، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، ولذلك ذكر بعض المفسّرين أنّ تسمية الفكر بالخير بلحاظ ما له من أثر عملي، وإلّا فالفكر في نفسه لا يعبّر عنه بالخير لو لم يكن لهذا الفكر أثر عملي وسلوكي على شخصية الإنسان.

إذن، رسالة المبلغ في تحويل الفكرة إلى عمل وسلوك، ما هي الخطوات التي يسلكها المبلّغ من أجل أن يحوّل الفكرة إلى عمل وسلوك؟ فنحن هنا أمام أربع خطوات:

الخطوة الأولى: تحديد الفكرة.

والخطوة الثانية: بلورة الفكرة.

والخطوة الثالثة: تحديد الأسلوب الجذّاب النافع في إيصال الفكرة إيصالًا وجدانيًا للمستمع، لا إيصالًا فكريًا محضًا، تصل الفكرة للمستمع بنحو يرى كأنه يعيشها ويتأثر بها بوجدانه.

والخطوة الرابعة: دعم الفكرة بالشواهد العملية السلوكية التي تأخذ بالفكرة إلى جانب التطبيق والتأثر في مقام العمل.

هذه الخطوات الأربع لا بد أيضًا من دراستها، فنحن في هذا الحديث نريد أن نسلّط الضوء على هذه الخطوات، كيف يسلكها المبلّغ ليتوصّل بها إلى أن يحوّل الفكرة من صورة نظرية إلى سلوكي عملي، وإلى تأثر في مجال العمل؟

الخطوة الأولى: تحديد الفكرة.

كيف أحدّد الفكرة التي أريد طرحها على المجتمع الذي أذهب إليه في مواسم التبليغ؟ هنا عدة بنود لا بد من التأمل فيها، وهي تسهم في هذا المجال، أي: مجال تحديد الفكرة.

البند الأول: التواصل مع المتابعين للشأن العام.

لا يمكن للمبلغ أن يفرض أفكاره، لا يمكن للمبلغ أن يعتمد على قراءته الذاتية للأمور، لا بد أن يكون للمبلغ تواصل مع المتابعين والمهتمين، في أي مجتمع كان، مجتمع خليجي، مجتمع شرقي، مجتمع غربي... إلخ. لا بد من وجود جماعة يعرفهم المبلغ بالاهتمام والمتابعة والاستقصاء، التواصل مع هؤلاء المتابعين لما يثار ويطرح في وسائل التواصل أو في المجالس العامة والخاصة، التواصل مع هؤلاء في تحديد الفكرة بندٌ ضروريٌّ مهمٌّ للمبلغ كي يكون مبلغًا ناجحًا.

البند الثاني: ألا يكون الطرح صدى للأفكار الأخرى.

ليس المراد هو إيجاد ضجة إعلامية حول فكرة معينة، الآخرون يطرحون مشكلة التبرج، أنا أيضًا أطرح مشكلة التبرج، الآخرون يطرحون مشكلة الطلاق، أنا أيضًا أطرح مشكلة الطلاق، عندما تكون صدى لا تكون مؤثرًا، ينبغي ألا تكون الفكرة صدى للأفكار الأخرى، لا بد أن تختار ما يكون إثارة، لا بد أن تختار ما يكون منبّهًا للأذهان، موقظًا للعقول، فإما أن تختار فكرة مثارة ولكن ليست الفكرة المطروحة، أو أن الفكرة المطروحة نفسها تختار منها جانبًا تظن أن الآخر لم يشبعه ولم يسلط الضوء عليه.

الآخرون مثلًا يطرحون قضية ولادة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، أنا عندما أطرح مسألة ولادة الإمام المهدي من خلال الروايات، ما هي الروايات التي تدل على ولادته؟ هذا يطرحه الآخرون، لم يكن طرحي فيه أي جديد، أي إثارة، أنا أختار جانبًا من جوانب الفكرة، مثلًا التركيز على كتب الأنساب، علماء النسب، منذ القرن الثالث، منذ القرن الرابع، إلى يومنا هذا، كيف طرح علماء النسب ذرية الإمام الحسن العسكري صلوات الله وسلامه عليه؟ هذا الجانب أختاره، أشبعه، ليكون أمرًا جديدًا مفيدًا في هذه الجهة.

البند الثالث: ألا يلزم من طرح فكرة إيجاد سلبية من فكرة أخرى.

لا بد من دراسة العلاقة بين هذه الفكرة وفكرة أخرى، يجب ألا يلزم من طرحي لهذه الفكرة أن أخلق جانبًا سلبيًا تجاه فكرة أخرى، هذا الموضوع حصل لي شخصيًا أنا، مثلًا هناك فكرة مطروحة لدى عديد من الكتّاب والباحثين، أنّ مقام المرجعية هو نيابة عن الإمام الغائب، مقام المرجعية عند الفكر الإمامي يتلخّص في أنّ المرجعية نيابة عن الإمام الغائب، فإذا هُدِم الأساس - أي هدمت فكرة الإمام الغائب وشكّكنا في وجود الإمام الغائب - انهدم ما يتفرع عليها، ألا وهو مقام المرجعية، وحجية هذا المقام ونفوذه شرعًا.

أنا عندما أريد أن أعالج هذه الجهة، أريد أن أتحدث عن أنّ مقام المرجعية نافذٌ شرعًا، سواء في مجال الفتيا أو في مجال الولاية أو في مجال القضاء، مقام المرجعية نافذ، وأريد أن أقيم أدلة على أنّ هذا المقام نافذ، بغض النظر عن عقيدة وجود الإمام المنتظر، ينبغي ألا يكون طرح هذه الفكرة مثيرًا إلى سلبية، وهي سلبية التشكيك في وجود الإمام المنتظر، فعندما أريد أن أطرح هذه الفكرة، كيف نقيم أدلة مستقلة لإثبات نفوذ مقام المرجعية دون أن نستند إلى عقيدة وجود الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف؟ لا يكون الطرح موجبًا سلبية، وهي أن أطرح الفكرة بنحو لا نحتاج إلى أن نثبت وجود الإمام المهدي، مقام المرجعية على أية حال ثابت ونافذ، المهم ألا يكون طرح هذه الفكرة على حساب الفكرة الأخرى، بحيث يثير سلبية تجاه الفكرة الأخرى.

البند الرابع: ألا يكون الطرح مستهجنًا أو مستنكرًا.

الفكرة نفسها هي فكرة مستهجنة، أو فكرة مستنكرة، لما تستتبع من إشكالات، بحيث لا أستطيع أن كخطيب أو كمبلغ أن أوفيها أو أدافع عنها. مثلًا: شاهدت أحد المبلّغين في التلفزيون يتحدث عن عظمة السيدة زينب ، بمناسبة يوم وفاتها ، كيف ندلّل على عظمة السيدة زينب؟ بصبرها، بخطبها البليغة، بمواقفها البطولية العظيمة، وإذا بالمبلغ في أثناء الكلام يقول: نعم زينب مطلقة! ولكن هذا الطلاق لم يعق...! أنت أثرت مشكلة أخرى، أنت عندما تريد أن تتحدث عن عظمة السيدة زينب وتقول إنها مطلقة، الطلاق يرمز إلى عيب، بالنتيجة إما العيب في زوجها أو العيب فيها، فأنت أحدثت علمًا إجماليًا بالعيب، وفتحت باب مجال للمستمع أن يبحث عن هذا العيب أو أن يبحث عن هذا الخلل، أين مصدره؟ وكيف كان؟ وكيف تم؟ فإذن، لزم من طرح هذه الفكرة الاستهجان وليس التعظيم.

أو أن يكون طرح الفكرة مستنكرًا، وهذا ما أكّد عليه السيد السيستاني دام ظله في جلسة مع مجموعة من الخطباء، لا تركّز على طرح المعاجز والكرامات، ليس الكلام في إنكار المعاجز والكرامات، ليست هذه هي القضية، وليست هذه هي المشكلة، القضية أنّ طرح أي معجزة أو كرامة قد يثير أسئلة عقدية أخرى لا يمكن للخطيب أن يوفيها أو يدافع عنها، فهو بدل أن يتوصّل بطرح هذه المعجزة لتعظيم الإمام خلق إشكالات على الإمام لا يستطيع أن يجيب عنها، هذه هي المشكلة.

كثيرًا ما تسمعون في أيام ميلاد الإمام الحسين ، يأتي الخطيب فيتكلم بهذه المناسبة عن قضية فطرس، أحد الملائكة وقد تمرد على الأمر والنتيجة أنه انكسر جناحه، هو يريد أن يتوصّل بطرح هذه الكرامة إلى عظمة الحسين «صلوات الله وسلامه عليه» منذ ولادته، هذا جميل، لكن أنت خلقت مشكلة الآن، هل الملك يعصي أم لا؟ وهل الملائكة أصلًا خاضعون لعالم التكليف أم لا؟ وهل هذه مشكلة فطرس التي حلّها الإمام الحسين لم يمكن حلّها من قبل النبي والإمام علي والزهراء والإمام الحسن من قبل؟ فأنت لماذا تطرح فكرة يستوجب ذلك استنكار مسألة أكبر وأعظم منها؟! إذن لا بد من التدقيق في الفكرة التي يراد طرحها، ألا يكون الطرح مستهجنًا، ألا يكون الطرح مستنكرًا، بمعنى أن يثير إشكالات أعظم مما أراد المبلّغ أن يصل إليه من خلال طرح هذه الفكرة.

البند الخامس: ملاحظة مدى تأثير الفكرة.

البند الأخير في مسألة تحديد الفكرة: أنّ المبلّغ في مجال تحديد الفكرة ينبغي أن يلاحظ مدى ما لهذه الفكرة من تأثير، لا بد من دراسة هذه الجهة، هل هذه الفكرة أصلًا مؤثرة في الناس، أم هي فكرة جانبية؟ هل هذه الفكرة انتهى أثرها أم لا زال لها أثر؟ فلا بد من دراسة تأثير الفكرة ومدى علاقة المجتمع بها حتى يقوم بتحديدها.

الخطوة الثانية: بلورة الفكرة.

كيف أبلور الأفكار؟ هنا أيضًا لا بد من ملاحظة عناصر في مجال بلورة الفكرة:

العنصر الأول: مراجعة المصادر المتعلقة بالفكرة نفسها.

ما هي المصادر التي تتحدث عن هذه الفكرة المعينة؟ هنا أريد أن ألفت النظر، لا تدخل مصادر كثيرة، تكثير المصادر يوجب شتات الفكرة، بعثرة الفكرة، عدم إمكان جمعها بحيث يستطيع الخطيب السيطرة عليها وهو في أثناء طرحها من على المنبر أو المنصة، لا تكثّر المصادر، ارجع إلى المصادر الرئيسة، ارجع إلى المصادر الموثوقة، أنا أريد أن أتحدث عن فكرة النبوة، كيف نستدل على إثبات النبوة؟ نبوة النبي محمد مثلًا، أرجع إلى ما كتبه السيد الشهيد في مقدمة الفتاوى الواضحة، أو ما كتبه الشيخ السبحاني في الإلهيات، أو ما كتبه السيد صاحب الميزان في الميزان، ثلاثة أو أربعة مصادر مثلًا.

العنصر الثاني: تلخيص الفكرة بملاحظة هذه المصادر.

راجعت مصادر ثلاثة أو أربعة، ألخّص هذه الأفكار التي جمعتها من هذه المصادر في إطار معيّن.

العنصر الثالث: المقارنة بين المصادر.

المعلومة التي طرحها السيد الشهيد في فكرة النبوة مع المعلومة التي طرحها السيد صاحب الميزان بينهما تباين أم تكامل؟ لا بد أن أدرس هذه النقطة، السيد الشهيد استدل على تمامية نبوة النبي محمد بدليل حساب الاحتمالات، السيد صاحب الميزان استدل بالعقل العملي، قبح إعطاء المعجزة بيد الكاذب، بين هذين الاستدلالين يوجد تباين أم تكامل؟ لا بد من المقارنة بين المصادر، لا بد من المقارنة بين المعلومات، هذه المعلومات تخلق عندي أسئلة للبحث، تخلق عندي استفهامات لمتابعة المسألة أكثر فأكثر.

العنصر الرابع: التدقيق في الفكرة.

بعد جمع سائر المعلومات، فلأدرّس نفسي الفكرة، أنا في أوائل تبليغي وخطابتي دائمًا كنت أقوم بهذه العملية، أدرّس نفسي الفكرة نفسها، كأنني أنا المستمع، أنا المتكلم وأنا المستمع، أستحضر الأفكار في ذهني، أقوم بسلسلة هذه الأفكار وترتيبها، أقوم بإلقائها على نفسي، من خلال إلقاء المعلومات على النفس ستكتشف هذه المعلومات، هل المعلومات ناقصة أم تامة؟ هل هذه المعلومات مقنعة أم غير مقنعة؟ أنا الآن ألقيت هذه الاستدلالات على نفسي، هل أراها مقنعة، أم أراها غير مقنعة؟ هل هي ذات ثغرات، تحتاج إلى تتميم، تحتاج إلى دفع، تحتاج إلى معالجة؟ فهذا عنصر مهم ونقطة مهمة في مجال بلورة الفكرة، أن أقوم بقراءتها على نفسي حتى أكتشف أبعاد هذه الفكرة.

العنصر الخامس: إضافة لمسة.

هذه الفكرة بعد أن قمت بلورتها والتدقيق فيها، أضف من نفسك لمسة، أنت لا بد أن تكون صاحب إبداع، أضف إلى الغير لمسة، حاول أن تكون لك لمسة على هذه الفكرة، سمحة معيّنة، بمعنى أن أضيف للفكرة تعميقًا، أن أضيف للفكرة تدقيقًا، إضافة اللمسة تعطيك أنت قدرة على البلورة، إذا حاولت مرة ثلاثًا عشر مرات عشرين مرة على أن تكون لك لمسة مع الفكرة فهذا يعطيك قدرة على التجديد والتعميق بمرور الوقت.

العنصر السادس: دعم الفكرة بالشواهد.

العنصر الأخير في مجال بلورة الفكرة: دعم هذه الفكرة بالشواهد، في أي مجال من المجالات لا بد أن يكون للمبلّغ علاقة مع المعجم المفهرس للقرآن الكريم، علاقة يومية، حتى تكون الآيات حاضرة في ذهنه، حتى ينتقل سريعًا إلى الآية التي يريد الاستشهاد بها، أن يكون لك متابعة واضحة لفهرست الميزان، حتى يكون لك إلمام بالموضوعات المطروحة في ثنايا هذا الكتاب، مثلًا دليل الريشهري للروايات، أن تكون لك متابعة، بحيث تعرف موارد الروايات، أماكن تواجدها، فدعم الفكرة بالشواهد القرآنية أو الروائية أو التاريخية يقتضي من المبلغ متابعة وتواصلًا مع هذه المصادر. حينئذٍ نكون قد تجاوزنا الخطوة الثانية، ألا وهي خطوة بلورة الفكرة، بلورنا المحاضرة، جعلناها بشكل متسلسل، بشكل منطقي.

الخطوة الثالثة: اختيار الأسلوب.

اختيار الأسلوب النافع المجدي في إيصال الفكرة وتقريبها إلى الأذهان. نحن مع الأسف نعيش مشكلة، وهي أن مجالسنا وحسينياتنا لا تقبل عادة أن نستخدم البروجيكتر، مع أنه ضروري جدًا لإيضاح الأفكار، في النجف الأشرف ألقيت محاضرة، تحدثت فيها عن الأدلة على حدوث العالم، وذكرت منها بعض المعلومات الفيزيائية، وألقيتها هكذا إلقاء سريعًا خلال خمس دقائق، فبعد المحاضرة اعترض عليّ بعض الحاضرين وكان الاعتراض في محله، هذه المعلومات لا تهضم ولا تستوعَب بهذا الطرح، هي معلومات تقتضي شرحًا وتنقيطًا، فلا بد من وجود وسائل حديثة تستخدَم من أجل إيصال هذه المعلومة أوّلًا، فهم هذه المعلومة أوّلًا، ثم الاستدلال بها على مسألة حدوث العالم.

إذن بالنتيجة: استخدام الوسائل الحديثة أمر ضروري، لكن إلى الآن مجتمعنا ما زال لا يقبل هذا النوع من استخدام الوسائل الحديثة، لذلك نحن ننظر إلى الأسلوب الممكن، الأسلوب المتاح بحسب مجتمعاتنا، فعندما نأتي إلى الأسلوب المتاح في مجتمعاتنا، كيف نختار الأسلوب المؤثر الجذّاب النافع في إيصال الفكرة؟ هذا هو المهم. نقول: هنا عدّة ملامح لهذا الأسلوب:

الملمح الأول: تسلسل الفكرة.

انطلق من الأعمق فالأوسط فالأسهل، المرحوم الشيخ الوائلي رحمه الله حضر مجلسي في الكويت قبل أكثر من ثلاثين سنة، فهو استمع إلى المجلس، بعد ذلك انتهى المجلس، أنا في ذلك اليوم قرأت ساعة أو أكثر، الشيخ قال لي: ألفت نظرك إلى شيء، المستمع في الربع الأول من المحاضرة ملتفت إليك، منشد لما تقول، المستمع في الربع الثاني ساعة معك وساعة يلتهي هنا وهناك، لا يكون مركّزًا كما هو في الربع الأول من المحاضرة، وفي الربع الأخير من المحاضرة يشرئب المستمع للخروج من المكان أو الراحة.

أنا الآن لا أتحدث عن الوقت، ربما يكون المبلغ خطيبًا وربما يكون محاضرًا، الوقت يختلف، فرق بين الخطابة والمحاضرة، أنا أريد أن أشير إلى هذه النقطة: المستمع في الربع الساعة الأولى أو الثلث الساعة الأولى هو معك، فاستخدم الأعمق في هذا الجزء، ينبغي أن تسلسل الموضوع بشكل يبدأ من الأعمق فالأوسط فالأسهل، حتى تماشي وحتى تحاكي وتواكب مستوى التلقي لدى المستمع إلى آخر المحاضرة، وآخر الخطابة، هذا أمر مهم جدًا، فسلسلة المعلومات بهذا النحو ملمحٌ ضروريٌّ.

الملح الثاني: استخدام اللغة المعاصرة.

نحن حوزويون، لذلك لا نعرف إلا الأسلوب الحوزوي، الأسلوب الحوزوي أسلوب اصطلاحي، بل هو أسلوب قليل المفردات، لا بد أن نستخدم اللغة المعاصرة في مجال التبليغ والخطابة، استمع إلى الخطباء الآخرين، أنا أركّز دائمًا على اللغة العربية الفصحى، لا اللغة العامية، اللغة العربية الفصحى تجمع مختلف المستمعين، ركّز على اللغة العربية الفصحى مع أن تكون لغة معاصرة، أستمع للخطباء والمحاضرين، ما هي المفردات التي يستخدمونها؟ ما هي الألفاظ الأدبية التي يستعملونها؟ من الضرورة أن يكون عندي ثروة من المفردات الأدبية وثروة من المصطلحات في الثقافة المعاصرة، مصطلحات الثقافة المعاصرة عليّ أن أكون ملمًا بها حتى أقوم باستخدامها في أثناء الحديث، في أثناء الكلام، هذا أمر ضروري جدًا.

الملمح الثالث: توثيق المعلومة.

هذا مهم جدًا، أنا لا أريد أن تذكر مصدر المعلومة، ليس من الضروري أن تذكر المصدر، المهم أن توثق المعلومة، بحيث لو سئلت لكان المصدر موجودًا لديك، توثيق المعلومة سواء كانت المعلومة تاريخية أو تفسيرية أو علمية، توثيق المعلومات أمر ضروري، حتى تكون محاضرتك مبنية على أسس متينة، مبنية على أركان متينة، لأنها مستندة إلى معلومات موثوقة.

أما أن نعتمد على خطباء آخرين، كثير منا من باب التسهيل حتى لا يتعب نفسه في التحضير، أو حتى لا يأخذ وقتًا كثيرًا، أو لأن مجالسه كثيرة، فهو يعتمد على خطيب آخر، يستمع إلى محاضرة المحاضر الآخر، يأخذ المعلومة، إذا أردت أن تأخذ المعلومة اسأله عن المصدر، وثّق المعلومة أولًا ثم اطرحها، لا تعتمد على الآخرين، كثيرًا ما تعتمد على معلومة ثم ينكشف خطؤها أو نقصها أو أن المراد بها معنى آخر غير المعنى الذي فهمته من محاضرة المحاضر الآخر.

الملمح الرابع: الاعتماد على الثقافات الضرورية.

من ملامح الأسلوب المؤثر مضافًا إلى ما ذكرناه من الملامح الأخرى: أن تعتمد في مجال هذا الطرح على بعض الثقافات الضرورية، فمثلًا: نحن الخطباء والمبلغين خدمة أهل البيت «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين» كثيرًا ما نتحدّث في تهذيب النفس، إصلاح النفس، معالجة مرض وسوسة النفس، وسوسة الشيطان، تارة أنا أريد أن أقتصر على ما ورد في روايات أهل البيت من الحديث عن النفس وأمراضها وإشكالياتها، أو تارة أريد أن أكرّر ما ذكره من سبقني، تحدث الشيخ محمد تقي الفلسفي رحمه الله في كتابه «الطفل بين الوراثة والتربية» عن المشاكل النفسية والتربوية، فأنا أطرح ما طرح، هذا مقدار من الطرح.

ولكن حتى يكون طرحي مؤثرًا عليّ أن أقرأ علم النفس، ولو كتابًا واحدًا في علم النفس، هذا أمر ضروري، عندما أريد أن يكون أسلوبي مؤثرًا في صياغة هذا المستمع، وتحويل الفكرة التي يستمعها مني إلى فكرة فاعلة مؤثرة عمليًا، لا بد أن تكون لي ثقافة هنا، البعض يحتج، يقول: هذه معلومات نظرية لا ندري صحتها من عدم صحتها، هذا كلام صحيح، أنا لا أقول هذه معلومات كلها حقائق، ولكن أقول: نستخدمها في مجال التقريب، أنت كمبلغ تنطلق من النص القرآني أو الروائي، لكن أنت في مجال تقريب هذه الفكرة الواردة في النص تستخدم هذه الأفكار، عندما تراجع قوى النفس الأنا، الأنا الأعلى، الهو، تأثيرات العقل الباطن، العقل الواعي، معلومات في علم النفس أنت تستفيد منها في تقريب الفكرة الواردة في النص.

عندما تأتي إلى مجال مشكلة اجتماعية، الآن نحن مشاكلنا الاجتماعية كثيرة، عندما نأتي في هذا المجال، معالجة مشكلة اجتماعية، لا بد أن أبحث، مثلًا علاقة الأب مع أسرته، بدلًا من أن يكون أسلوبي أسلوبًا وعظيًا محضًا، يا آباء ربّوا آبناءكم واهتمّوا بهم، ويا أبناء أطيعوا آباءكم وبرّوهم، هذا كله واحد يستطيع أن يقوله! ولكن إذا درست من خلال بعض كتب علم الاجتماع شخصية الطفل، مراحل الطفولة، المؤثرات، المتأثرات، الجوانب النفسية، الجوانب السلوكية، هذا يعينني على أنني إذا طرحت مشكلة تربوية اجتماعية تتعلق بالأسرة، أن أكون قادرًا على تقريب الفكرة بنحو مؤثر في المستمع، وهذا أمر ضروري.

وهنا أريد أن أنبّه على نقطة، في المشاكل الاجتماعية لا تطرح المشكلة كما يتناقلها الناس، هذا عامل سلبي وليس عاملًا إيجابيًا، الناس تتحدث عن مشكلة الطلاق، أنت تأتي وتقول: عندنا مشكلة الطلاق، الطلاق كثير! هذا لا يفيد، حاول في كل مشكلة اجتماعية أن تدرسها من خلال مصادر موثوقة من جوانبها الثلاث، أعراض المشكلة وآثارها، أسباب المشكلة، طرق علاجها، لا بد أن تلمّ بالمشكلة من مختلف أبعادها، وإلّا فلا تطرحها، طرح المشكلة بهذا النحو المختزل وبالأسلوب الوعظي كأنك تتكلم قبل ثلاثين أو أربعين سنة يكون أثره السلبي أكثر من أثره الإيجابي.

الملمح الخامس: حشد الشواهد العلمية.

حشد الشواهد العملية التي تساعد هذا الأسلوب على أن يكون مؤثرًا في الآخر، مؤثرًا في المستمع، وهنا أريد أن أشير إلى شيء، مثلًا: عندما يريد المبلّغ أن يتحدّث عن البعد عن الله، نحن في شهر رمضان المبارك أجواء روحية تساعد على طرح الموضوعات الروحية، أنا أريد كمبلغ أن أتحدث عن هذه النقطة، نقطة البعد عن الله، كيف؟

بدلًا من أن أطرحها بعنوان البعد عن الله، استخدم اللغة المعاصرة، قل: أنا اليوم أتحدث عن الجفاف الروحي، المعنى هو المعنى، ولكن اختيار اللغة المعاصرة يؤثر في الطرح، بدلًا من أن أطرح هذه المشكلة طرحًا وعظيًا محضًا، أذكر بعض نظريات علم النفس، كيف تمل النفس من جهة معينة، ما هي أسباب ملل النفس، أنت الآن كطالب حوزوي أحيانًا تمل، أحيانًا يعرض عليك الملل من بعض الدروس، من درس الفقه، من درس الأصول، من درس الرجال، بالنتيجة هناك أسباب لهذا الملل، مسألة الجفاف الروحي هي صغرى من صغريات هذه الظاهرة العامة، مشكلة الملل والسأم من جانب معين، ما هي عادة أسباب الملل؟ ما هي عادة أسباب السأم؟ عندما أقحم الثقافة الحديثة في طرح الموضوع يسهم ذلك في تعميقه وفي تأثيره في النفوس.

أيضًا عندما ألاحظ الشواهد على هذه الفكرة، لا بد أن ألاحظ الشواهد المعاصرة للناس، مثلًا: الآن أنت تريد أن تتحدث عن كون الإنسان أسيرًا لشهوته، أو أسيرًا لغريزته، ما هي الأمثلة التي تستخدمها؟ لا بد أن تستخدم أمثلة، حتى يكون الموضوع حيويًا متحرّكًا، ما هي الأمثلة التي أختارها؟ أنا أريد أن أتحدث عن هذه النقطة، ما هي الأمثلة التي أختارها؟ أتحدث عن استجابة الإنسان لشهوته وغريزته فأقول: لا تشاهد الأفلام التركية! هذا ليس مثالًا معاصرًا، مشاهدة الأفلام كلام يقال قبل 15 سنة أو عشرين سنة، لا بد أن تستخدم أمثلة معاصرة، أمثلة معاشة الآن، لا بد أن يكون عندك متابعة لوسائل التواصل، علاقة الذكر مع الأنثى في وسائل التواصل، هذه أمثلة معاصرة، وأما مشاهدة الفلم التركي، أو مثلًا مشاهد فريد شوقي! بالنتيجة استخدام الأمثلة المعاصرة المعاشة الآن في وسائل التواصل.

الآن الإنسان معه زميلة في العمل، طبيب معه طبيبة، معه ممرضة، أنا أستخدم أمثلة من هذا الواقع المعاش، من واقع المستشقى، من واقع التمريض، من علاقة المريض مع الطبيبة، وهكذا، المهم أن تركز على أمثلة معاصرة، لا أمثلة انتهى دورها أو عرفها الناس. ثم ننتقل إلى الخطوة الأخيرة.

الخطوة الرابعة: ربط الموضوع بالشواهد العملية والسلوكية.

فكما يقال في الحوزة: الجزء الأخير من العلة، بحيث يفضي ويؤدّي إلى تفاعل وجداني من المستمع، اختم محاضرتك بطرح عملي، اختم محاضرتك - خصوصًا في أيام شهر رمضان المبارك أو أيام شهر محرم الحرام - بطرح عملي، ولو لسبع أو عشر دقائق، حتى يعيش المستمع تفاعلًا وجدانيًا مع المحاضرة، بدلًا من أن يقول في النهاية: رأسي يؤلمني! اختم المحاضرة بما يرطّب ويحدِث تفاعلًا معك في مجال الطرح.

ومن هنا كان آباؤنا وأساتذتنا الخطباء الأوائل يركّزون على القوريز، ليس المقصود بالقوريز فقط فنّ إثارة الدمعة وتحريك المشاعر، ربما أنت تكون محاضرًا لا خطيبًا، لكن المقصود بالقوريز كما تعرف كيف تدخل اعرف كيف تخرج، كما تعرف كيف تدخل إلى الموضوع اعرف كيف تخرج منه، المطلوب دخول سلس وخروج سلس، لا خروج متكلف مستصعب. سئل المرحوم - وهو خطيب مشهور - السيد جابر الآغائي، سئل عن بعض الخطباء، كيف تقيّم هذا الخطيب؟ قال: هذا مثل المطي، بمجرد أن يهيج لا يعرف إلى أين يذهب! الغرض من هذا الاستشهاد كيف تخرج خروجًا سلسًا؟ كما تفكّر في المدخل فكّر في المخرج من الموضوع، كيف تخرج من الموضوع خروجًا سلسًا سهلًا.

لأجل ذلك، بما أنني كمبلّغ ديني، أنا لست محاضرًا في الطب ولا في الفيزياء ولا في الهندسة، أنا محاضر في مجال الدين، بما أنني مبلغ ديني فأنا أريد أن أربط الدين بالسلوك، أريد أن أربط الفكر بالسلوك، وقد ذكرنا في بداية الحديث: رسالة المبلغ في تحويل الفكرة إلى عمل، في تحويل الفكرة إلى سلوك، إذن بالنتيجة: كيف أخرج من المحاضرة خروجًا سلوكيًا عمليًا؟ أنت عندك ثروة، وهي أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، اربط الموضوع بشخصية من شخصيات أهل البيت، اربط الموضوع بقضية تاريخية من قضايا أهل البيت، اربط الموضوع بمواعظ عملية سلوكية لأهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين، مواقف كربلاء، مواقف الإمام الكاظم، مواقف الإمام الصادق، مواقف الإمام زين العابدين علي ، وهكذا، هناك قضايا تاريخية عملية، ادخل فيها، اربط الموضوع بها، حتى يتلقى المستمع الموضوع وهو يعيشه فكرًا ووجدانًا، ويرى أن الموضوع تحرك في داخله وارتبط بقادته الأئمة الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، حينئذٍ بمجرد أن تثير التفتاته وتحرّك أذنه التاريخية وتحرّك عاطفته ووجدانه حينئذ سيتلقى خروجك تلقيًا سلسًا، وسيحمدك في الدخول وفي الخروج من الموضوع.

هذا كله كنت لا بد أن أشير إلى هذه النقطة، وإن لم تكن هي من اختصاصي في مجال الأسلوب المؤثر، وهي لغة الجسد، أن يكون كلامك مواكبًا لحركة جسدك، مجال التبليغ يحتاج إلى تفاعل وأنت تلقي المعلومة، بحيث ينشد لك المستمع، يرتبط بقسمات وجهك، يرتبط بنبرة حروفك، يرتبط بنظرة بصرك، يرتبك بحركة رأسك، ولذلك يستوعب المعلومة من قسمات وجهك وحركة رأسك ويديك أكثر مما يستوعبها من الكلمات التي تنطق بها وأنت تريد أن تقرر هذه الفكرة في ذهنه، هذا التناسب والانسجام بين الكلمة وقسمات الوجه وحركة اليد.

مرة كنت في محاضرة من المحاضرات، فأنا من باب المثال أذكر أنه إذا إنسان دخل البحر، فقلت: إنسان دخل البحر وكانت الأمواج هائجة [مع نبرة وحركات باليد]، فضحك مستمع أمامي، فبعد المحاضرة سألته لماذا ضحكت؟ فقال لي: لولا أنك فعلت هكذا لكنت نائمًا! فحركة اليد والوجه والقسمات لها تأثير على هذا المستمع. هذا ما أردت أن أبيّنه في مجال رسالة التبليغ، والحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

الشبهات المعاصرة وسبل التصدي لها | ج3