نص الشريط
حاجة المجتمع الإنساني للقيادة النبوية
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 1/1/1440 هـ
مرات العرض: 5119
المدة: 00:32:44
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (2322) حجم الملف: 9.3 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ

صدق الله العلي العظيم

انطلاقاً من الآية المباركة نتحدث عن حاجة المجتمع البشري لوجود الأنبياء وذلك من خلال ثلاثة محاور:

  • المحور الأول: هل أن العقل له مصداقية في أفكاره واستنتاجاته أم لا؟
  • المحور الثاني: هل العقل يقرر ضرورة وجود الأنبياء أم لا؟
  • المحور الثالث: الحاجة التربوية لوجود الأنبياء.
المحور الأول: هل أن العقل له مصداقية في أفكاره واستنتاجاته أم لا؟

حينما نقرر أن العقل يحكم بضرورة وجود الأنبياء فلابد أن نثبت أن للعقل مصداقية حتى يعتمد على حكمه وعلى استنتاجه.

إن هناك تياراً فكرياً يقرر ألا مصداقية للعقل ولا وثوق لأحكامه، وهذا التيار يقرره جون غراي في كتابهِ «الدين المرعب أو الدين المرّوع»، وهو فيلسوف انجليزي يقول: ”إذا كانت نظرية دارون في الإنتخاب الطبيعي صحيحة فسوف يكون ذلك محالاً على العقل، لأن العقل حينئذٍ يخدم التطور البيولوجي وليس أداةً لبلوغ الحقيقة“. ولشرح هذه الفكرة نقول: بناءً على النظرية الداروينية، بناءً على أن الإنسان خاضعٌ للتطور البيولوجي، فإن الدماغ مجرد مادة وظيفية ناجمة عن حاجة الإنسان إلى البقاء، ومقاومة عوامل الانقراض.

وبالتالي، لا دور للدماغ إلا في خدمة الإنسان في إطار تطوره البيولوجي، وليس الدماغ أداةً للوصول إلى الحقيقة. هذا لا يقول به الداروينيون وإنما، هذا تيارٌ يحاول أن يبني هذه الفكرة على ضوء النظرية الداروينية. وهي أنهُ: بما أن الإنسان في إطار التطور البيولوجي، وفي إطار البقاء ومقاومة عوامل الانقراض، فالدماغ لا دور له إلا في هذا الإطار. ولا مصداقية للعقل في أحكامه وأفكاره واستنتاجاته. لأن العقل لم يُجهز لبلوغ الحقيقة، وإنما جُهز لهذا الإطار وهوَ: إطار خدمة الإنسان في مجال البقاء ومقاومة عوامل الانقراض. فكيف نعتمد على أحكام العقل في إثبات وجود الخالق، أو في إثبات ضرورة النبوة، وما أشبه ذلك؟ كيف نناقش هذه الفكرة؟

هنا عدة وجوه لمناقشة هذه الفكرة:

الوجه الأول:

ماذكره ديكارت وهو رائد الفلسفة العقلية الحديثة في كتابهِ «المقال عن المنهج». في التأمل الثالث من فلسفتهِ يقول: ”يجب علينا أن نبحث أولاً هل هناك إله؟ وإذا كان هناك إله، فهل هو إله مخادع؟ فإننا ما لم نؤمن بهذين الأمرين وهو أن هناك إلهاً كاملاً فلا يمكننا الوثوق بأي شيء“.

مامعنى هذا الكلام من ديكارت؟ ديكارت يناقش الربوبيين، الذين يؤمنون بوجود إله كامل فيقول لهم: لو لم تكونوا مؤمنين بوجود إلهٍ كامل، فربما حينئذٍ نقول: لا يمكنكم أن تعتمدوا على العقل. لأنهُ لا طريق لكم لإثبات أن العقل ذو مصداقية، لا طريق لكم لإثبات أن العقل أداة للوصول إلى الحقيقة. لا يوجد طريق أمامكم مادمتم لا تؤمنون بوجود إلهٍ كامل. أما إذا آمنتم بوجود إلهٍ كامل، فلا بد أن تؤمنوا بأن للعقل مصداقية في أحكامهِ وأفكاره. لماذا؟ لأنهُ إذا كان الإله قد خلق الإنسان بعقلٍ، إلا أن ذلك العقل واهم. إلا أن ذلك العقل ليس أداةً لوصول الحقيقة.

فحينئذٍ، خُلقُ الإنسان بعقلٍ لا يوصله إلى الحقيقة وإنما يوقعهُ في الأوهام والخدعة، هذا الخلق: خداعٌ من الله. لو أن الله خلقنا بعقلٍ لا يوصلنا إلى الحقيقة وإنما يوقعنا في الأوهامِ والخيالات، لكان خلقنا بهذا العقل خداعاً لنا. لأننا نعتمد على عقولنا. والحال أن عقولنا لا توصلنا إلى الحقيقة، وإنما توقعنا في الأوهامِ والخيالات. فخلقنا بهذا العقل مخادعة. وكون الله مخادعاً، لا يتلاءم ولا ينسجم مع إيماننا بأن هناك إلهاً واحداً كاملاً. إذن، الإيمان بإلهٍ كامل يفترض بالضرورة: أن العقل ذو مصداقية. وإلا لو لم يكن العقل ذو مصداقية لكان خلقنا بهذا العقل الواهم مخادعة، وهذا لا ينسجم مع كون الله كاملاً.

الوجه الثاني:

ما أشار إليهِ توماس بين في كتابهِ «الأعمال اللاهوتية»، فهو من منظري تيار الربوبية. وهو يقول: ”أنا أؤمن بأن الدين الحق هو الدين الربوبي“. أنني أؤمن بإلهٍ واحد، والتخلق بصفاتهِ الأخلاقية. ننتزع من كلامه فكرة في مناقشة مصداقية العقل، فنقول: الإنسان اكتشف بتراكمهِ المعرفي الثقافي أن هناكَ نداء في داخله نعبر عنهُ بالضمير. وهذا النداء يدعوهُ للتحلي بالقيم الفاضلة. للتحلي بالصدق، بالأمانة، بالإحسان، بالعدالة. وجود الضمير الذي يدعو الإنسان بالفطرة للتحلي بالأخلاق الفاضلة دليلٌ على أن العقل يمكنهُ أن يصل إلى الحق. لأنه لو لم يكن العقل قادراً على الوصول إلى الحقيقة، لكان وجود هذا الضمير الذي يدعو الإنسان للتحلي بالأخلاق الفاضلة وجوداً لغواً. لأنه كيف يكون الإنسان عادلاً وهو لا يميز ما هو الحق من غيره؟ فإن العدل إعطاء كل ذي حقٍ حقه. والصدق عبارة عن كون الكلام أو الفعل مطابقاً للحقيقة. فإذا لم يكن العقل قادراً على الوصول إلى الحقيقة وتمييز الحق من الباطل، فلا يمكن للإنسان أن يكون عادلاً أو أن يكون صادقاً. إذن، وجود الضمير الذي يدعو الإنسان للتحلي بالقيم الفاضلة كالصدقِ والعدل، هو بنفسهِ دليلٌ على قدرة العقل على الوصول إلى الحقيقة وكونهِ أداةً ذات مصداقية.

الوجه الثالث:

مثل هذه الفكرة وهي: العقلُ لا يستطيع أن يصِلَ إلى الحقيقة هي حكمٌ عقلي، هي استنتاج عقلي. فلو صحّت هذه الفكرة لنقضت نفسها، لهدمت نفسها. لأننا لا يمكن أن نعتمد على هذه الفكرة نفسها، لأنها من جملة استنتاجات العقل. والعقلُ في استنتاجاته لا يمكنه الوصول إلى الحقيقة. فكيف نعتمد على هذه القضية العقلية وهي تهدمُ نفسها؟ وهل يعقل أن الإنسان الذي يبني الحضارة، أن الإنسان الذي يخترع، أن الإنسان الذي يؤسس العلوم، لا يستطيع الوصول إلى الحقيقة! فكيف استطاع بناء الحضارة، وتأسيس العلوم، واختراع المخترعات المختلفة؟ وإذا كان الإنسان قادراً على الوصولِ إلى الحقيقة في مجال بناء الحضارة وتأسيس العلوم، أفلا يكون قادراً على الوصول إلى الحقيقة في مجال المعتقدات كإثبات وجود الله، أو ضرورة وجود الأنبياء؟ إذن، من خلال هذه الوجوه نستطيع أن نقرر في المحور الأول: مصداقية العقل. وأنه يمكنه الوصول إلى الحقيقة كما يقول القرآن الكريم: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ

المحور الثاني: هل العقل يقرر ضرورة وجود الأنبياء أم لا؟

بعد أن أثبتنا أن العقل قادرٌ على الوصولِ إلى الحقيقة، فهل العقل يقرر ضرورة وجود الأنبياء أم لا؟ نقول: نعم. هناك حاجتان أساسيتان تفرضان ضرورة وجود الأنبياء:

  • الحاجة المعرفية.
  • الحاجة الإجتماعية.

الحاجة الأولى: الحاجة المعرفية.

هي إن معرفة الإنسان بالمفاهيم الماورائية، أي; المفاهيم الغيبية، أي; المفاهيم التي تتحدث عن العالم الآخر، لا يمكن للإنسان أن يصل إلى هذه المفاهيم إلا عبر الأنبياء والرسل. لماذا؟ الإنسان اكتشف بالعلم أن لديه طاقةً لا تفنى. وأن لديهِ من الطاقات والقدرات والطموحات، مالا يسعه العمر المادي. فسواءً عاش الإنسان مئة سنة، أو عاش ألف سنة، ما زال لم يستنفذ طاقاته بعد. ما زال لم يستثمر طاقاته بعد. فإنه يمتلك من الطاقات الهائلة، والقدرات والطموحات، مالا تسعهُ مئة سنة ولا ألف سنة في هذه الدنيا. فإذا كان الإنسان طاقة لا حد لها، ومن المفترض أن العمر الدنيوي لا يسعه في استنفاذ طاقاته، إذن فلا بد له من عالمٍ آخر يستوفي فيه طاقاته.

وهذا ما يقرره القانون الفيزيائي وهو قانون حفظ الطاقة من: أن الطاقة لا تستحدث ولا تفنى. فالطاقة لم تأتي من اللاشيء، لم تأتي من العدم. وإنما الطاقة الموجودة في الكون جاءت بمددٍ من قوةٍ خارقة لا حد لها وهي التي نسميها: الله. تلك القوة أبدعت هذه الطاقة. فالطاقة انبثقت عن مددٍ من تلك القوى، لا أنها جاءت من اللاشيء. وهذه الطاقة نفسها لا تفنى، بل تبقى متجددة وتبقى متكاملة. إذن، الطاقة الإنسانية أيضاً طاقةً لا تفنى. فإذا كان الإنسان طاقةً لا تفنى، بل هو طاقة متجددة متكاملة والعمر الدنيوي لا يفي باستغلالها وباستثمارها، فلا بد من عالمٍ آخر يستثمر فيه الإنسان طاقته وقدراته، ويحقق تكامله. وحينئذٍ، ما هو هذا العالم الآخر، ما هي حدوده، ما هي معالمه، ما هو موقع الإنسان في هذا العالم الآخر؟ كل ذلك مفاهيم ما ورائية غيبية، لا يمكن أن يصل إليها الإنسان إلا عبر دلالة الأنبياء والرسل. منهُ يحتاج الإنسان حاجة معرفية للأنبياء والرسل.

قال تبارك وتعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ وقال تعالى: ﴿الم* ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ*الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ

الحاجة الثانية: الحاجة الاجتماعية.

الحاجة الاجتماعية تعني ركائز ثلاث.

الركيزة الأولى:

أن كل كائنٍ حي يمتلك غريزة اجتماعية; ولد النحلة بمجرد تحققه يدخل في نظام اجتماعي. ولد الضأن، ولد الحصان، نراهُ بأعيننا يخرج من بطن أمه بلا تعلم، بلا اكتساب. ينضبط تحت نظامٍ اجتماعي. لديه غريزة اجتماعية تدفعهُ للانضباطِ تحت ذلك النظام. يقول القرآن الكريم: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ والإنسان من جملة هذه الكائنات التي تحمل غريزةً اجتماعية.

الركيزة الثانية:

هناك فرق بين غريزة الحيوان وغريزة الإنسان. فإن الغريزة الاجتماعية لدى الحيوان غريزة قهرية; بدون اختياره هو ينضبط تحت نظام الاجتماعي. بينما الغريزة الاجتماعية لدى الإنسان هي غريزة اختيارية إرادية; يمكنه أن يتخلف، وألا يندرج تحت النظام الاجتماعي.

الركيزة الثالثة:

بما أن غريزة الإنسان غريزة إرادية، هنا تكمن الخطورة. حيث يعيش الإنسان صراعاً بين: مصالحه الشخصية، والمصالح الاجتماعية. لا يمكن لهذا الإنسان أن يبني المجتمع إلا بالتضحية بمصالحه الفردية. إلا بتطويق مصالحه الفردية. وهنا تكمن الخطورة; كيف يستطيع الإنسان أن يحقق توازن بين المصالح العامة والمصالح الخاصة؟ كيف يستطيع الإنسان أن يمتلك وازعاً داخلياُ يدعوهُ على التضحية بمصالحهِ الفردية في سبيل المصالح العامة. هنا تأتي حاجة الإنسان لوجود الأنبياء. فإن مهمة الأنبياء هي: تربية الإنسان على التوازن بين المصالح الخاصة، والمصالح العامة. تربية الوازع الداخلي في نفس الإنسان الذي يدعوه للتضحية بمصالحه الخاصة من أجل المصالح العامة. فإن الإنسان يعيشُ صراعاً بين الغريزة الفردية، وهي غريزة حب الذات، غريزة جلب اللذة التي تدعوه للاستئثار، التي تدعوهُ للتملك، التي تدعوهُ لحيازة الأشياء التي تربي عنده الأنانية وحب الذات.

وبين الغريزة الاجتماعية التي تدعوهُ لأن يكون مُستخدِماً ومُستخدَماً. كما يقول علماء الاجتماع في نظرية الاستخدام: ”أن الإنسان بطبعهِ وبغريزتهِ ينجذب نحو بناء المجتمع لأنه يحتاج حتى يبني حياته إلى نظرية الاستخدام. إلى أن يكون مُستخدِماً، ومُستخدَماً“ كما قال تبارك وتعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا إذن، الإنسان بين الغريزة الفردية والغريزة الاجتماعية، هنا جاءت الحاجة لنظامٍ سماوي يربي لدى الإنسان وازعاً داخلياُ يعلمه كيف يضحي بمصالحه الفردية من أجل المصالح الاجتماعية. ربما يقول الإنسان: لا نحتاج إلى وجود أنبياء، فإننا نرى بالوجدان الإنسان في الغرب يحترم النظام، ويطبق القانون، ويساهم في بناء الحضارة الاجتماعية من دون إيمانهِ بوجود أنبياء. فما هي الحاجة للإيمان بوجود الأنبياء؟ الجواب: الإنسان في الغرب أو في الشرق، إنما يحترم النظام والقانون لأن النظام يوفر له مصالحه الفردية. لولا أن النظام وفر له بنية تحتية، لولا أن النظام وفر له مرافق التعليم ومرافق الصحة، لم يحترم هذا النظام ولم يساهم في بناء الحضارة الاجتماعية.

ولذلك، متى ما اختل النظام ترى هذا الإنسان لا يبالي باحترامه تقديساُ واحتياطاً على مصالحه الفردية. في الغرب’ في أي وقت ترتفع فيه لغة العقوبات، ترتفع فيه لغة الغرامات، ترتفع فيه لغة المحاسبة والرقابة، ترى هذا الإنسان يتمرد بشكل تلقائي على النظام والقانون. إذ لا محاسبة ولا عقوبة ولا غرامة. فهو إنما يحترم القانون بمقدار ما يوفر له القانون مصالحه الفردية. ونحن لا نريد هذا، نحن نريد أن الإنسان يندفع لبناء الحضارة الاجتماعية من داخل ذاته.

انطلاقاً من وازعه الداخلي الذي يدعوه لذلك، وهذا لا يتوفر عليه الإنسان إلا إذا استند للأنبياء الذين يربونه بتعاليمهم على هذا الوازع الداخلي، وعلى هذه الروح التي تضحي بالمصالح الفردية من أجل المصالح الاجتماعية.

وقد ركز القرآن على هذه الحاجة عندما قال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ القسط يعني: العدالة. العدالة: الموازنة بين المصالح الفردية والمصالح الاجتماعية. القرآن عندما يقول: ﴿لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا لماذا؟ لأن كل كائنٍ أرضي; إنسان أو ملاك بمجرد أن يكون كائناً أرضياً فهو يحمل غريزة حب الذات، فهو يحمل غريزة فردية تدعوهُ للاستئثار بالأشياء، مقابل اندفاعه لبناء المجتمع. وحينئذٍ، يحتاج إلى الملك الرسول الذي يدفع به نحو بناء الحضارة الاجتماعية. ولذلك يركز القرآن على مبدأ التضحية: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ، ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، ﴿ن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ.

كل هذه تعاليم تشعرنا بحاجتنا للأنبياء في سبيل تربية الوازع الداخلي نحو التوازن بين المصالح الفردية والمصالح الاجتماعية. إذا كان المجتمع البشري يحتاج إلى الأنبياء حاجة معرفية وحاجة اجتماعية، هل يتعين على الله أن يبعث أنبياء؟ نعم;

  • لنكتة كلامية.
  • أو نكتة فلسفية.

النكتة الكلامية:

علماء الكلام يقولون: إذا كان المجتمع البشري محتاج إلى النظام، والله عالم بتلك الحاجة وقادر على تلبيتها، فعدم تلبية تلك الحاجة بخل، والبخل نقص، والنقص لا ينسجم مع كماله المطلق تبارك وتعالى. فقبيحٌ من أن يترك البشرية بلا أنبياء.

النكتة الفلسفية:

تبتني على قاعدة تسمى: قاعدة إمكان الأشرف.

هذه القاعدة تقول: كل صفة كمالية يحتاجها الكون، كل صفة كمالية ممكنة وقابلة للتحقق، فلا بد أن تتحقق. المجتمع البشري يحتاج إلى وجود الأنبياء. أي; أن وجود الأنبياء في المجتمع البشري صفة كمالية. بما أن هذه الصفة الكمالية ممكنة التحقق، إذن لا بد أن تتحقق. لماذا؟ لأن هذه الصفة الكمالية لو لم تتحقق، لكانت فياضية الله فياضية محدودة. والحال بأن من صفاته تعالى: الفياضية التامة التي لا حد لها. فإذا كان من صفاته الفياضية التامة التي لا حد لها، إذن مقتضى تمامية فياضيته، أن يفيضَ على المجتمع البشري كل صفةٍ كمالية قابلة للتحقق. فبلحاظ النكتة الكلامية، وبلحاظ النكتة الفلسفية، نقول: يتعين وجود الأنبياء مادام المجتمع البشري محتاجاً لوجود الأنبياء، حاجة معرفية، وحاجة اجتماعية.

المحور الثالث: الحاجة التربوية لوجود الأنبياء.

هناك حاجة تربوية لوجود الأنبياء، وبيان هذه الحاجة بشكلٍ مختصر هو أن كل إنسان بفطرته يعشق القيم الإنسانية: العدل، الصدق، الأمانة، الإحسان، حسن الخلق. كل إنسان يعشق هذه القيم. لكن الكلام: كيف نحول هذه القيم من عشقٍ إلى سلوك؟ كيف نحولها من مفاهيم نظرية مثالية، إلى عملية متحركة متجسدة في السلوك؟ لا يمكن تحويل القيم إلى سلوك إلا بعنصرين:

  • العنصر الأول: طاقة الصبر.
  • العنصر الثاني: وجود القدوة.

العنصر الأول: طاقة الصبر.

جميع القيم كما يقول علماء الأخلاق تفتقر إلى الصبر; إقامة العدالة تحتاج إلى صبر. الاستمرار في الصدق يحتاج إلى صبر. الاستمرار في الأمانة يحتاج إلى صبر. الاستمرار في حسن الخلق يحتاج إلى صبر. كل القيم تحتاج إلى صبر، أي; تحتاج إلى قوة الإرادة.

وبالتالي، لا يمكن للإنسان أن يمتلك الصبر وقوة الإرادة إلا إذا آمن بأن لهذا الصبر جزاءً وثواباً. فما لم يكن لهذا الصبر عوض وجزاء وثواب في عالم آخر، فإنه لن يتحلى بالصبر ولن يمتلك قوة الإرادة. لذلك، نرى القرآن الكريم يؤكد على أن للصبر ثواباً وأجراً عظيماً، ويقول: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ، ويقول: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ، ويقول: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ

إذن، تحويل القيم من مُثل إلى سلوك يحتاج إلى صبر. ووجود الصبر يحتاج إلى الإيمان بأن لهذا الصبر عوضاً وثواباً وأجراً. وهذا الإيمان لا يمكن أن يحصل عليه الإنسان إلا من خلال تعاليم الأنبياء ورسالة السماء. فإن رسالة السماء عندما تعِدُ الإنسان بالثواب والأجر على صبره، فإنها تضع داخله محفزاً ودافعيةً نحو الصبر. وبالتالي، فهي تغذّيه بمحركيةٍ نحو تحويل القيم إلى سلوكٍ وإلى عمليةٍ سلوكيةٍ متجسدةٍ في سلوكه ومسيرته.

العنصر الثاني: وجود القدوة.

لا يمكن للإنسان أن يتحلى بالقيم الفاضلة ما لم يكن أمامه قدوة يتأسى ويقتدي بها، ولا بد أن تكون تلك القدوة في منتهى الكمال، وفي أعلى صور التحلي بالمثل والقيم. وهذا ما لا توفره القوانين الأرضية، وإنما توفره رسالة السماء. فإن السماء هي التي توفر لنا مجموعة من الأولياء والأوصياء والأنبياء يكونون قدوة لنا في التحلي بالقيم الفاضلة. ولذلك ركز القرآن على ضرورة وجود القدوة، فعندما ذكر إبراهيم الخليل وقال: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ، ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وبقية الأنبياء الذين ذكرهم ثم قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّه فَبِهُدَاهُمْ اِقْتَدِهِ ويقول القرآن الكريم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.

إذن، حاجة الإنسان حاجة تربوية إلى تحويل القيم من مفاهيم قيمية إلى حركةٍ سلوكية، تعني حاجة الإنسان إلى ضرورة وجود الأنبياء الذين يشكلون محفزاً نحو الصبر، والذين يشكلون قدوةً وأسوةً يتأسى بها الإنسان في مجال الوصول إلى القيم الفاضلة. الإمام أمير المؤمنين علي يتحدث لنا عن هذه الحاجة الماسة لوجود الأنبياء، فيقول: ”فبعث فيهم رسله وواتر إليهم أنبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته ويذكروهم منسي نعمته.. ويثيروا لهم دفائن العقول“ يؤكدون ميثاق الفطرة; بأن يحولوا ما في الفطرة من عشقٍ للقيم والمُثل إلى سلوك عبر التحفيز على الصبر، وقوة الإرادة.

وها هو الإمام أمير المؤمنين يتحدث عن قدوة الرسول، يتحدث عن اقتدائهِ بالرسول الأعظم ويقول: ”وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلة في قعل.. ولقد كنت أتبعهُ اتباع الفصيل أثر أمه يرفع لي في كل يومٍ من أخلاقهِ علماً ويأمرني بالاقتداءِ به“ أمير المؤمنين يقتدي برسول الله، والحسين يقتدي بأمير المؤمنين. رسول الله يقول: ”لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته“ وعليٌ يقول: ”والله لو أعطيتُ الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها، على أن أعصي الله في نملةٍ أسلبها جلب شعيرةٍ ما فعلته“ والحسين ابن علي يقول: ”والله، لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر لكم إقرار العبيد“

والحمدلله رب العالمين

التاريخ النبوي تحت مجهر البحث النقدي التاريخي