نص الشريط
الإمام الحسين (ع) في مشروعه الإصلاحي
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 10/1/1440 هـ
مرات العرض: 586
المدة: 01:03:08
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (406) حجم الملف: 18 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

ورد عن الإمام الحسين أنه قال: ”ماخرجت أشرا ولا بطرا، ولا مفسدا ولا ظالما، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد على هذا فالله يحكم بيني وبين القوم بالحق إنه خير الحاكمين“

انطلاقا من الكلمات العظيمة التي صدح بها الحسين بن علي نتحدث في محورين:

المحور الأول: الأهداف الحسينية:

هناك مجموعة من الأهداف خطط لها الحسين ورسمها بحركته وبجهاده ودمه:

الهدف الأول: حفظ العزة للدين الإسلامي:

رأى الحسين أن في بيعة يزيد بن معاوية إذلالا للإسلام وللدين، وقد عبر عن هذا الموقف بقوله: ”يا أمير إن يزيد رجل فاسق شارب للخمر، قاتل للنفس المحترمة، ومثلي لا يبايع مثله“ وعبر عن هذا الموقف بقوله: ”ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين، بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وجذور طابت وحجور طهرت، وأنوف حمية ونفوس أبية أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام“ فكان مجسدا لقوله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ حفظ للدين عزته، وللإيمان شموخه، وللإسلام سموه وعلو شأنه برفضه القاطع لبيعة يزيد بن معاوية مهما كانت الظروف والأحوال.

الهدف الثاني: تحريك إرادة الأمة:

الأمة في زمن معاوية ماتت إرادتها، وخمد ضميرها، واستسلمت للواقع الأموي وتخدرت إرادتها، أراد الحسين أن يعيد لها نشاطها وضميرها، ويحرك إرادتها نحو المطالبة بحقوقها، فما وجد طريقا لتحريك إرادة الأمة وبعثها من نومها ورقدتها إلا بإراقة دمه الطاهر، رأى أن دمه الطاهر هو أغلى دم في تلك الفترة، وأنه إذا أريق هذا الدم سيتحرك ضمير الأمة، ستتجدد إرادتها وتشعر بأنها أمة خانعة خاضعة لسياسة أموية باطشة، فكان كما خطط له الحسين بن علي ، حيث قال: ”ألا وإني زاحف بهذه الأسرة مع قلة العدد وخذلان الناصر وأيم الله لا تلبثون بعدها إلا كريثما يركب الفرس حتى تدور بكم دور الرحى وتقلق بكم قلق المحور عهد عهده إلي أبي عن جدي رسول الله ﴿فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ، ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ“ وفعلا الحسين قتل لكن الحركة تجددت في إرادة الأمة، فكانت حركة التوابين، وحركة المختار، وحركة زيد بن علي، وحركة الحسين بن علي صاحب معركة فخ، توالت الثورات والحركات امتدادا لصوت الحسين ، وامتدادا لحركة ولإرادة الحسين ، فالحسين حقق هدفه من خلال دمه وجهاده عندما حرك ضمير الأمة وبعث إرادتها من جديد.

الهدف الثالث: إعادة الدور الرسالي للمرأة المسلمة:

منذ عهد خديجة بن خويلد، ومنذ عهد فاطمة الزهراء انتهى دور المرأة المسلمة، لم يعد للمرأة المسلمة دور رسالي بارز على مستوى الأمة ومستوى يقظتها ورسالتها ووعيها، أراد الحسين أن يعيد دور المرأة لكي تشارك في إحياء الأمة الإسلامية فاصطحب النساء، لم يصطحب الحسين النساء من أجل بكاء أو مظلومية، بل اصطحبهم ليعيد للمرأة دورها الرسالي، ودورها الحركي، وليعيد موقعها في النهوض بالدين الإسلامي آنذاك، وفعلا كما خطط الحسين ، كانت زينب، وأم كلثوم، وسكينة، قمن بدور عظيم في دعم ثورة الحسين ، لولا صوت زينب، وبلاغتها ووعيها بالمسؤولية لماتت ثورة الحسين وخمدت، لكن زينب بوعيها لأهداف الثورة، وببلاغة منطقها وقوة حجتها وشموخها، بتجسيدها لصبر أبيها المرتضى وإرادة أمها الزهراء وعبادة جدها المصطفى فضحت خطط الأمويين ومكائدهم، وواجهتهم مواجهة علنية دامية، إلى أن حركت الضمائر والإرادة، قالت ليزيد بن معاوية: أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء أن بك على الله كرامة؟ وبنا عليه هوانا؟ فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك جذلانا مسرورا، حيث رأيت الدنيا لك مستوسقة والأمور متسقة، وحيث صفا لك ملكنا وسلطاننا، فمهلا مهلا لا تطش جهلا، ما سمعت قول الله عز وجل: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا، وإن رأيك إلا فند وجمعك إلا بدد ويومك إلا عدد يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على القوم الظالمين.

الهدف الرابع: نشر مظلومية آل رسول الله :

هناك مجموعة من الروايات الواردة عن أهل البيت ، الإمام الرضا يقول: ”يا ابن شبيب إن كنت باكيا فابك الحسين“، ويقول : ”إن يوم الحسين أقرح جفوننا وأسبل دموعنا وأذل عزيزنا بأرض كرب وبلاء“، الإمام الصادق يستقبل ذو الرمة، يستقبل السيد الحميري لرثاء الحسين ، الإمام الرضا يستقبل دعبلة الخزاعي لرثاء الحسين ، هذه الروايات كلها التي تحث على البكاء وإثارة العاطفة ترشد وتحكي هدفا من أهداف الحسين ، أراد الحسين بحركته أن ينشر مظلومية آل بيت رسول الله ، أن في إبادة عترة رسول الله رمزا للمظلومية وشعارا للمأساة يتجدد في كل عام وفي كل آن، أراد الحسين من هذه الحركة أن يبقى جرحه نازفا، أن يبقى دمه متحركا، فكلما مر على الأجيال ذكره تحركت الأجيال ضد كل ظلم ومقاومة لكل طغيان استعادة من دم الحسين وحركته، ولذلك ورد عن الإمام الرضا، وورد عن الإمام الصادق : ”إن لجدي الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدا“.

الهدف الخامس: المشروع الإصلاحي الذي قاده الحسين بن علي :

هناك مشروعان متعارضان: المشروع الأموي، والمشروع المحمدي، أدرك الحسين أن عهد معاوية جسد المشروع الأموي بكل وضوح، حكم معاوية 20 سنة، حول الدولة من دولة محمدية إلى دولة أموية، حققت الدولة الأموية تغييرا فكريا وتغييرا سلوكيا على مستوى الأمة كلها، أما التغيير الفكري، فعندما تقوم بمقارنة وتقرأ الأحاديث والروايات فستجد أن أعظم الخطر في الروايات والأحاديث بدأ في الأيام الأموية، الدور الأموي كان أكبر دور في اختلاق هذه الروايات والأحاديث، إن الدور الأموي كان خطيرا جدا في تغيير الفكر الإسلامي في تلك الفترة التي تزعمها بنو أمية، أولا على مستوى الخالق تبارك وتعالى، أغلب الأحاديث التي تجسم الله وتقول أن له يد وله رجل وأنه ينزل كل ليلة جمعة ويستمع للمستغفرين، كل هذه الروايات نشأت في أيام بني أمية، الروايات الإسرائيلية التي تذم الأنبياء وزوجاتهم كلها دخلت إلى المسلمين أيام بني أمية، الروايات التي تشوه شخصية رسول الله في كثير من الصحاح عند اخواننا أهل السنة، وبعض روايات الشيعة ستجد أن منشأها أيام الأمويين، كان رسول الله يبول واقفا، ويحك المني من ثوبه، وأنه قد شرب النبيذ، وأنه حاول الانتحار عدة مرات، كان يمدح الغرانيق العلا وهي مجموعة من الأصنام، وأنه قتل عصماء بنت مروان وهي امرأة بريئة، كل هذه الروايات التي شوهت شخصية رسول الله في نفوس المسلمين نشأت أيام بني أمية، التغيير الفكري الذي أحدثه الحكم الأموي علم الناس أن الخروج على ولي الأمر معصية وشق لعصا المسلمين، سواء كان ولي الأمر عادلا أم جائرا، الفكر الأموي علم الناس تقديس الصحابة كلهم القاتل والمقتول، كلهم عدول، وكلهم مقدسون، يؤخذ منهم بلا تردد، الفكر الأموي حاول أن يخدر إرادة الأمة على المستوى الفكري.

وأما على المستوى السلوكي، انتشرت الرشاوى لدى القضاة أيام بني أمية، قتل صحابة رسول الله كرشيد الهجري، وكميل بن زياد، وحجر بن عدي وأصحابه في زمان بني أمية، استغل الضعفاء، وانتشرت الطبقية صار الفارق بين الأغنياء والفقراء فارقا شاسعا، قدمت قريش على غيرها، وقدم العرب على غيرهم، والأحرار على الموالي، كل ذلك حدث في زمن بني أمية، إذن المشروع الأموي مشروع خطير على المستوى الفكري والمستوى السلوكي، لذلك أراد الحسين مواجهة هذا المشروع بكل ما عنده بمشروع آخر عبر عنه بقوله: ”ما خرجت أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي“ أراد أن يبعث المشروع المحمدي أمام هذا المشروع الأموي، وكان خروجه حتميا حتى لو تنازل يزيد عن الحكم، وحتى لو قيل للحسين لن تقتل وستبقى آمنا كان سيخرج على أي حال، حتى لو لم يحصل على أنصار من أهل الكوفة أو أهل اليمن أو أهل الحجاز كان سيخرج على كل حال، لأن له هدفا ساميا ألا وهو مواجهة المشروع الأموي بالمشروع المحمدي مهما كلفت الظروف، بقي يزيد أم ذهب، حصل على أنصار أم لم يحصل، قتل أم بقي حيا، سوف يصر على إحياء المشروع المحمدي مقابل المشروع الأموي.

المحور الثاني: دور الأمة تجاه حركة الحسين :

هناك دور إعلامي، وهناك دور تربوي، وهناك دور سلوكي، ودور روحي، هذه الأدوار تنتظرنا نحن المسلمين الحسينيين:

الدور الأول: الدور الإعلامي:

مازال الدور الإعلامي دورا عاطفيا، مازالت الفضائيات والشعائر والاحتفالات والمهرجانات تحقق دورا عاطفيا تجاه قضية الحسين ، ونحن نحتاج إلى الدور العاطفي وزخمه وآثاره، لكننا نتطلع إلى دور إعلامي آخر، نتطلع إلى دور إعلامي فكري لحركة الحسين ، لأهدافه ومثله، نحن المسلمين معنيون بأن نحول الحسين إلى فكر جامعي يغزو جامعات العالم، إلى مبادئ تدرس في الجامعات، إلى شعارات إنسانية يهتف بها الجميع، الحسين مصلح إنساني، رائد بشري، قائد حركة خيرية إنسانية، لماذا نخنق حركة الحسين في نطاق مذهبي طائفي كأن الحسين فقط للشيعة، فقط للمسلمين، الحسين لكل الإنسانية، لكل البشرية، لابد أن نعلم ثورة الحسين للمجتمع البشري كله، تستطيع الشيعة بأموالها وبعقولها وبمؤسساتها أن تحول الحسين إلى دروس إنسانية تدرس في الجامعات كلها، إلى شعارات يعرفها بنو الإنسانية، يستطيع الشيعة بأموالهم، وبمؤسساتهم، أن ينشروا حركة الحسين بمختلف اللغات والثقافات حتى يصل صوت الحسين، وصدى الحسين إلى كل إنسان، وإلى جميع أحرار العالم.

الدور الثاني: الدور التربوي:

في الغرب خصوصا، أنتم مسؤولون مسؤولية كبرى في تربية أبنائكم على مثل الحسين أبناؤنا، أجيالنا، يحتاجون أن يتعلموا الحسين كما يتعلمون القرآن، كما يتعلمون أحاديث رسول الله وروايات أهل بيته الطاهرين، لأن للإسلام مستويين: مستوى فكري، ومستوى عملي، المستوى الفكري للإسلام يتجسد في فهم القرآن والسنة، والمستوى العملي للإسلام يتجسد في حركة الحسين ، الحسين جسد الإسلام تجسيدا عمليا وطبقه على الأرض تطبيقا عمليا، لابد أن نربي أجيالنا على مثل الحسين ، وصبره، وتضحيته، وعطائه، ليفهموا الإسلام فهما عمليا تطبيقيا.

الدور الثالث: الدور السلوكي:

الحسين أعطى، فهل نحن أعطيناه؟ الحسين قدم جهده، ووقته، ونفسه، وأولاده، وأمواله، فماذا قدمنا نحن للمبادئ والقيم؟ مشاركتنا في مآتم الحسين مطلوبة، لكن المطلوب منا أكثر، أن نعطي كما أعطى الحسين ، وأن نبذل كما بذل، كل منا ليبذل في طريق الحسين ، هناك من يبذل طعام، ومن يبذل وقت، ومن يبذل جهد، هناك من يبذل الأموال للأيتام والفقراء، فإن بذل الأموال للأيتام والفقراء بذل في طريق الحسين ودرب الحسين، لأن درب الحسين يحتضن كل ذلك، وكل هذه الصور والألوان، عليكم أن تعوا أهداف الحسين وأن تبادروا للبذل والعطاء من الوقت والمال في كل مشروع ديني، ثقافي، خيري، اجتماعي، فإن كل ذلك يصب في أهداف الحسين بن علي .

الدور الرابع: الدور الروحي:

كيف نتعلم ونعلم أجيالنا ثقافة الانتظار، كلنا نعلم أن حركة الإمام المهدي «عج» هي امتداد لحركة الحسين نحن كلنا نسمع أن الإمام المهدي «عج» يرفع راية في يوم عاشوراء في كربلاء كتب عليها يالثارات الحسين.

ثارات الحسين هي تحقيق أهداف الحسين ومبادئه، في زيارة الحسين : السلام عليك ياثار الله وبن ثاره، ثأر الله يعني تحقيق أهداف الله على الأرض، ليس ثأر الحسين ثأرا انتقاميا، أو ثأرا عشائريا، أو ثأرا دمويا، أبدا فثأر الحسين هو عبارة عن النداء الذي يطلقه الإمام القائم «عج»، نداء السماء، تطبيق أهداف السماء، تطبيق حركة السماء، تطبيق الدين المحمدي على الأرض، هذه هي ثارات الحسين وهذا هو الذي يقصد من الزيارة: السلام عليك ياثار الله وبن ثاره والوتر الموتور.

الإعجاز العلمي للقرآن بين الحقيقة والخيال
كربلاء تاريخ متحرك