نص الشريط
الدور الحضاري للتشيع
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 2/1/1424 هـ
مرات العرض: 2467
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1737)
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ

صدق الله العلي العظيم

نشاهد في بعض كتب التفسير من طرق الفريقين أن من مصاديق هذه الآية المباركة: شيعة علي وأهل بيته «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين»، وقد ذكر السيوطي في كتابه «الدر المنثور» عن ابن عساكر وابن مردويه وابن عدي - وكلهم من المفسرين - عدة روايات عن النبي الأعظم عن جابر بن عبد الله وعن عبد الله بن عباس أن النبي لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ خاطب الإمام عليًا وهو يقول: ”يا علي، هم أنت وشيعتك“.

من خلال هذه الرواية التي جاءت في تفسير هذه الآية المباركة نتحدث هذه الليلة عن التشيع، وحديثنا عن التشيع يكون من خلال نقطتين:

  • في بذرة التشيع.
  • في أدوار مسيرة التشيع.

النقطة الأولى: بذرة التشيع.

متى نشأ التشيع؟ ومتى زُرِعَت أول بذرة للتشيع؟

نحن أمامنا تصريحات مختلفة، فابن خلدون في مقدمته، وأحمد أمين في كتابه «فجر الإسلام»، واليعقوبي في تاريخه، يصرحون بأن التشيع وُلِدَ يوم وفاة النبي ، حيث قال ابن خلدون بأن أهل البيت بعد وفاة النبي رأوا أنفسهم أحق بالخلافة من غيرهم، وتمسّك بهم بعض الصحابة، ومنذ ذلك الوقت نشأت فرقة التشيع.

ولكننا عندما نكون محللين وموضوعيين في مجال التحليل نجد أن التشيع وُلِدَ مع الإسلام وليس التشيع مذهبًا طارئًا على الإسلام، فالتشيع ليس مذهبًا من المذاهب، بل التشيع هو صميم الإسلام، وهو نفس الإسلام، وليس مذهبًا وليس فرقة وليس حالة طارئة على الإسلام كي نبحث وندقق متى نشأت هذه الفرقة ومتى طرأ هذا المذهب، بل التشيع نابعٌ من صميم الإسلام ومن جذور الإسلام، ولكن كيف نثبت أن التشيع قد وُلِدَ مع الإسلام ولم يكن أمرًا أو فرقة طارئة على المسيرة الإسلامية؟

أي خط فكري إذا أردنا أن نعرف متى بدأ فعلينا أن نقرأ معالمه، إذ لكل خط فكري معالم معينة، فإذا قرأنا التاريخ ووجدنا أن معالم هذا الخط حدثت في زمن معين سنعرف أن ذلك الخط بدأ منذ ذلك الزمن ومنذ تلك الفترة، فمثلاً: الفلسفة اليونانية لم تكن موجودة عند العرب ولا عند المسلمين، ثم تُرْجِمت إلى اللغة العربية، فدخلت إلى المعارف الإسلامية، ولكن متى دخلت الفلسفة اليونانية على علم الاجتماع المعرفي الإسلامي؟

الفلسفة اليونانية لها مصطلحات، كالوجوب والإمكان والامتناع، والنفس والروح، والوجود والعدم، واجتماع النقيضين واجتماع الضدين، وهذه كلها مصطلحات للفلسفة اليونانية، فإذا أردنا أن نعرف متى بدأت الفلسفة اليونانية فما علينا سوى أن نعرف متى بدأت هذه المصطلحات بالرواج والتداول على ألسن علماء المسلمين، ومن خلال ذلك نعرف بداية الفلسفة اليونانية.

إذا رجعنا إلى المناظرات الكلامية في زمان الإمام الرضا نجد أن هذه المناظرات التي حول التوحيد والنبوة والإمامة قد اشتملت وتضمنت هذه المصطلحات، وهذا يعني أن الفلسفة اليونانية زرعت بذورها منذ عهد المأمون العباسي في الفكر المعرفي الإسلامي.

كذلك التشيع، فإنه خط فكري له معالم معينة، فإذا أردنا أن نعرف متى ولد التشيع فلنعرف متى بدأ معالمه بالظهور، ونركز هنا على معلمين من معالم التشيع:

المعلم الأول: التشيع يعني الاعتقاد بإمامة علي بن أبي طالب .

الخليفة بعد رسول الله علي بن أبي طالب، وهذا هو المعلم الأول من معالم التشيع، فهل كان هذا المعلم موجودًا في زمان النبي؟ وبعبارة أخرى: هل كان هناك جماعة في زمان النبي يقولون بأن الإمام والخليفة بعد رسول الله هو علي بن أبي طالب بلا جدال ولا مراء؟

نعم، فإننا عندما نقرأ النصوص نستطيع إثبات ذلك، ومن تلك النصوص: ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده [ج4، ص437] وسنن الترمزي [ج5، ح3712] وكتاب الخصائص للنسائي بتخريج أبي إسحاق الأثري [ح56 وح86] والمصنف لابن أبي شيبة [ج7، كتاب فضائل الإمام علي ، ح58] عن النبي محمد أنه قال: ”إن عليًا مني وأنا مني، وإنه ولي كل مؤمن ومؤمنة بعدي“، ويمكن أن يقول قائل بأن الولاية ليست بمعنى الخلافة، بل هي بمعنى النصرة والمحبة، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ أي أن بعضهم ينصر بعضًا وبعضهم يحب بعضًا، فالولاية بمعنى النصرة والمحبة، وليست بمعنى الخلافة، ولكن كلمة «بعدي» قرينة واضحة على أن الولاية بمعنى الخلافة، وإلا لكان المعنى: علي ولي المؤمنين بمعنى أنه يحبهم وينصرهم بعدي وأما في زماني فلم يكن يحبهم ولا ينصرهم!

لذلك نرى أن أبا إسحاق الأثري تورط بهذه الكلمة، فإن وجود هذه الكلمة سوف يكون الحديث دالاً على خلافة علي وإمامته بعد وفاة رسول الله مباشرة، ولذلك ذكر في شرحه وتخريجه لخصائص النسائي أن النسائي روى كلمة «بعدي» ولكن صدورها مشكوك؛ لأن أحمد بن حنبل ذكر ثلاث روايات في هذا المضمون، ولم يذكر فيها كلمة بعدي، فبما أن الإمام أحمد لم يذكر هذه الكلمة فهذا موجبٌ للشك في صدورها!

وقد راجعنا مسند أحمد بالطبعة الموجودة ووجدنا كلمة «بعدي» موجودة في الروايات الثلاث!

هذا الحديث نفسه صحّحه الحاكم في مستدركه [ج3، ص133]، والذهبي في تلخيصه للمستدرك صحّح الحديث أيضًا في نفس هذه الصفحة، والألباني - الذي خرّج كتاب السنة لابن أبي عاصم - أيضًا صحّح هذا الحديث [ص552]، فلا مجال للشك في هذا الحديث، وهذا النص وغيره من الأحاديث التي تنص على خلافة الإمام علي أوجد جوًا من الصحابة؛ لأن الصحابة ليسوا مغفلين، فكما أننا الآن بعد 1400 سنة إذا قرأنا هذا الحديث نفهم منه أن عليًا هو الخليفة بعد رسول الله، كذلك الصحابة المعاصرون للنبي الأعظم لما قرع أسماعهم فهموا منه أن عليًا هو الخليفة بعد وفاة رسول الله.

إذن فهذا الحديث - وكذلك حديث الدار وحديث المنزلة وحديث الغدير وغيرها من الأحاديث المذكورة في كتاب المراجعات للسيد شرف الدين وغيره من الكتب - أوجد جوًا من الصحابة القائلين بإمامة علي ، ومن أبرز هؤلاء الصحابة أربعة: عمار بن ياسر، وأبو ذر الغفاري، والمقداد، وسلمان الفارسي، فقد ذكر أبو حاكم الرازي في كتاب [الزينة، ص295، تحقيق عبد الله سلوم السامرائي] وذكر ابن خلدون في تاريخه [ج3، ص214] أن هناك شيعة لعلي منذ زمان النبي ، وهم عمار وسلمان والمقداد وأبو ذر «رضوان الله تعالى عليهم».

إذن التشيع لم يولد يوم وفاة النبي، ولم يظهر رأسه يوم وفاة النبي، بل كان هناك جوٌ من الصحابة القائلين بإمامة علي وخلافته منذ حياة النبي ، كما نص على ذلك أبو حاتم الرازي، وابن خلدون في مقدمته، وبتالي فالتشيع وُلِد مع الإسلام، لا أن التشيع فرقة طارئة على الإسلام حدثت بعد وفاة النبي الأعظم أو في يوم صفين أو في يوم كربلاء أو في غير ذلك من التخمينات والتخرصات.

المعلم الثاني: الاعتقاد بالعصمة المطلقة للنبي الأعظم .

هناك خطان ومنهجان عند المسلمين:

المنهج الأول: من يعتقد بالتفكيك بين الجانب الإلهي والجانب الشخصي، فيقول بأن الرسول له جانبان: هناك جانب إلهي، وهو ما يخبر به النبي عن الله، وهذا الجانب - المتمثل في الوحي - معصوم فيه، وهناك جانب شخصي، كبعض الأوامر الشخصية الصادرة من النبي، كقول النبي: احفروا الخندق، لنقف في هذا المكان، لنرحل في اليوم الفلاني... وغيرها من الأوامر الشخصية، والنبي معصوم في الأوامر الإلهية، وليس معصومًا في الأوامر الشخصية، بل قد يخطئ فيها، فهناك تفكيك بين الجانب الإلهي والجانب الشخصي، وهذا المنهج تراه المذاهب الإسلامية الأخرى.

المنهج الثاني: المنهج الإمامي يقول بأن النبي معصوم عصمة مطلقة، فليس هناك جانب شخصي وجانب إلهي، بل كل ما يصدر عنه فهو مطابق للواقع بمقتضى الآيات القرآنية، كقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ، وقوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فإن هذه الآيات القرآنية مطلقة، وعلى ذلك فكل ما يصدر من النبي فهو معصومٌ فيه.

كما يوجد عندنا دليل عقلي نقيمه على هذا المنهج، فإننا نقول بأن الهدف من عصمة النبي هو إيصال رسالة السماء إلى البشرية، فلو لم يعصمه الله لما وصلت الرسالة؛ لأنه قد يخطئ وقد يصيب، فإذا أخطأ فلن تصل الرسالة إلى البشرية، فلا يمكن أن تصل الرسالة - كما أنزلت وأوحيت - إلى المجتمع البشري إلا إذا كان النبي معصومًا، فإذا افترضنا أن النبي معصوم عصمة مطلقة، فحينئذٍ لا يتطرق شك لأحد في أن الرسالة وصلت إلى الأمة الإسلامية، وأما إذا قلنا بأن النبي معصوم في الأوامر الإلهية وليس معصومًا في الأوامر الشخصية فمن ذا الذي يفرز لنا الأوامر الإلهية من الأوامر الشخصية؟! لنفرض أن النبي نفسه هو الذي يفرز لنا، فيقول بأن هذا أمر إلهي أنا معصوم فيه، وذاك أمر شخصي قد أخطئ فيه، فحينئذٍ من الذي يثبت أن إفرازه صحيح؟! لعل إفرازه خاطئ! إذا كان النبي غير معصوم، فحينئذ يكون إفرازه معرضًا للخطأ والصواب، فيتطرق الشك والريب إلى الأوامر الصادرة منه، وحينئذٍ لا يتحقق الهدف من بعثته ، وهو وصول الرسالة السماوية إلى المجتمع البشري.

هذا الاعتقاد الموجود عند الشيعة الإمامية - وهو الاعتقاد بالعصمة المطلقة للنبي - كان موجودًا في زمن النبي، وتوجد روايات تدل على أن الصحابة في زمان النبي كانوا منقسمين إلى قسمين: قسم يسلم بكل ما يقوله النبي، ويجري وراء النبي في كل شيء يقوله، وقسم يسجّل الاعتراضات دائمًا على منهج رسول الله وهو على قيد الحياة، وتسجيل الاعتراضات عليه وهو على قيد الحياة دليلٌ على أن المعترِض لا يرى عصمة النبي ، فهناك قسمان منذ حياة النبي: شيعة، وهم من يسلمون بأمره دون معارضة، ومن ليس بشيعي، وهو من كان يسجّل الاعتراضات على النبي الأعظم .

بعض الشواهد: في [صحيح البخاري، ج4، ص1859، باب وإذا رأوا تجارة أو لهوًا انفضوا إليها، ح4616] عن جابر بن عبد الله «رضي الله عنهما»: أقبلت عير يوم الجمعة ونحن مع النبي ، فسار الناس إلا اثني عشر رجلاً، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ.

شاهد آخر: في [صحيح البخاري، ج1، ص54، ح114] عن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس: لما اشتد بالنبي وجعه قال: ”ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده“، فقال بعض الصحابة: إن النبي غلبه الوجع! وعندنا كتاب الله حسبنا! فاختلفوا وكثر اللغط، فقال : ”قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازل“، فخرج ابن عباس وهو يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابه الذي أراد أن يكتبه.

نفس هذه الكلمة شقت المسلمين إلى قسمين، ونفس هذه الكلمة أفرزت الخط الشيعي من الخط الآخر منذ ذلك اليوم، ونفس هذه الكلمة أبانت أن التشيع وُلِدَ مع الإسلام ومشى مع الإسلام، فهو الخط الذي يقول: ليكتب الرسول ما يريد ونحن معه ، والخط الآخر يقول: هذا بشرٌ يمكن أن يهجر بسبب المرض أو يمكن أن يطرأ عليه أي طارئ! فالتشيع وُلِدَ مع الإسلام لأن التشيع هو الذي يقول بالعصمة المطلقة للنبي الأعظم .

النقطة الثانية: أدوار التشيع.

نقتصر هنا على دورين مختصرين:

الدور الأول: الدور الحضاري.

من الغريب أن بعض الشيعة الإمامية يخجل أو يتخوف أو يحذر أن يقال عنه أنه شيعي! يخجل بين زملائه أو بين أصدقائه في العمل أو في الشارع أو في السوق أو في غير موطن آخر أن يقال: هذا الفرد شيعي! فهل التشيع فرقة منبوذة يخجل الإنسان من الانتساب إليها؟! هل التشيع فرقة شاذة يخجل الإنسان من الارتباط بها؟! هل التشيع فرقة لا تمتلك قوة في الفكر ولا تملك نصيبًا في الحضارة الإسلامية كي يخجل الإنسان من الانتساب والارتباط بها؟! إذا لم تعرف التشيع فاقرأ تاريخه، وإذا لم تطلع على تاريخ التشيع فابدأ بمطالعة هذا التاريخ عن تدقيق وتأمل.

التشيع موقع شامخ وموقع رائع في التاريخ الإسلامي، وإذا قرأت التاريخ ستجد لمسات التشيع ولمحاته واضحة بارزة رائعة في التاريخ الإسلام، فإن الحضارة الإسلامية - كغيرها من الحضارات - قائمة على عنصر العلم، إذ أن العنصر الوحيد واللبنة الوحيدة التي ترتكز عليها الحضارة - أي حضارة كانت - هي العلم، فمن ساهم في العلم فقد ساهم في بناء الحاضرة وفي تشييدها، وعلى ذلك فالحضارة الإسلامية حضارة قامت على العلم، فهل ساهم الشيعة الإمامية في الفكر الإسلامي وفي المعارف الإسلامية بحيث قامت الحضارة الإسلامية على مساهماتهم ومشاركاتهم كي نقول بأن للتشيع دورًا حضاريًا في التاريخ الإسلامي؟

نعم، الشيعة هم أول من ساهم في الفكر الإسلامي، وأول من وضع لمساته على الفكر الإسلامي حتى بان دوره الحضاري في مسيرة التاريخ الإسلامي، وهنا نذكر بعض العلوم التي ساهمت في بناء الحضارة الإسلامية لنرى كيف ساهمت الشيعة الإمامية في بناء هذه العلوم وفي تشييدها.

العلم الأول...

«خلل في التسجيل»

نظرية الأئمة الإثني عشر وبرهانها
الحوار أصوله وأهدافه