نص الشريط
أهمية الإعلام الحسيني وعراقته
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مسجد الرسول الأعظم - مطرح
التاريخ: 19/2/1424 هـ
مرات العرض: 4657
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1524)
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ

صدق الله العلي العظيم

انطلاقا من الآية المباركة نتحدث في ثلاث نقاط:

  • في تحديد معنى الشعائر.
  • في أهمية الإعلام.
  • في تخطيط أهل البيت للإعلام الحسيني.
النقطة الأولى: تحديد معنى الشعائر.

الآية المباركة قالت: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ، فماهو المقصود بشعائر الله؟ هناك رأيان طرحهما المفسرون:

الرأي الأول: أن المراد بشعائر الله هي الأنعام التي تذبح يوم العاشر من ذي الحجة، حيث أن الحجيج يذبحون الهدي يوم العاشر من ذي الحجة، فهذه الأنعام المذبوحة هي شعائر الله. وهذا التفسير التي تبناه أغلب المفسرين من إخواننا أهل السنة.

الرأي الثاني: أن المقصود بشعائر الله، كل عمل يظهر ذكر الله فهو شعيرة من شعائر الله. الخلاف هل أن معنى الشعائر هو هذا أو هو هذا، يرجع إلى نقطة مركزية. يعني أن هناك خلافا حول نقطة مركزية بين المدرسة الإمامية والمدرسة الإسلامية الأخرى، هناك خلاف مركزي بين المدرستين. هذا الخلاف يرجع إلى حجية الدلالة السياقية: هل الدلالة السياقية في القرآن الكريم حجة أم أنها ليست حجة؟

مثلا عندما نرجع إلى الرازي وهو من المفسرين المعروفين عند إخواننا أهل السنة، يقول: المراد بشعائر الله في الآية هي الأنعام التي تذبح يوم العاشر من ذي الحجة، لماذا؟ يقول: بدلالة السياق، يعني أن السياق هو القرينة على تحديد هذا المعنى. ما هو المقصود بالسياق؟ مراجعة الآيات السابقة على هذه الآية.

الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ * ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ * ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ.

سياق الآيات القرآنية سياق يتحدث عن الحج، سياق يتحدث عما يمارسه الحجيج في منى، وما يمارسه الحجيج في منى هو ذبح الأنعام هديا أيام الحج، وبما أن سياق الآيات القرآنية يتحدث عما يمارسه الحجيج أيام منى من ذبح الأنعام، إذن المقصود بالشعائر هو هذا المعنى، في قوله ”ذلك“ يعني ذلك العمل الذي نتحدث عنه هو شعائر الله، ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ، إذن الرأي الأول يستند إلى الدلالة السياقية في القرآن الكريم.

الرأي الثاني الذي يقول به علماء الإمامية، وهو الشعائر بالمعنى الأعم، أي أن الشعائر عنوان عام يشمل كل شعيرة، الشعائر جمع شعيرة، والشعيرة كل عمل يظهر ذكر الله فهو شعيرة من الشعائر - مثلا - الصلاة جماعة شعيرة من شعائر الله، دعوة الناس إلى الخيرات والطاعات شعيرة من شعائر الله، صلة المجتمع بالخيرات، شعيرة من شعائر الله. شعائر الله عنوان عام، كل عمل يجسد ذكر الله فهو شعيرة من شعائر الله وهذا التفسير الذي يتبناه الإمامية، لماذا؟ الآيات تتحدت عن أيام منى لماذا عممت الآية لما هو أشمل وما هو أعم؟

نحن لدينا - كما ذكرنا مسبقا - أن الخلاف في نقطة واحدة، هل الدلالة السياقية في القرآن حجة أم ليست حجة؟ نحن نقول: الدلالة السياقية إنما تكون حجة إذا كانت تحت وحدة زمنية معينة، ماذا يعني ذلك؟ يعني أنا الآن عندما أصعد المنبر وأتحدث نصف ساعة، وهذه وحدة زمنية معينة، وهي نصف ساعة. عندما أتحدث في وحدة زمنية معينة يعتبر سياق كلامي حجة، لأنني أتحدث في موضوع واحد في زمن واحد. إذن سياق كلامي حجة، فإذا أراد الإنسان أن يعرف كلامي أن يرجع إلى أوله ووسطه وآخره ليكتشف ماهو المقصود والمراد من كلامي.

أما إذا كان الكلام متفرقا بحسب الزمان، فمثلا - إذا أنا ذكرت كلاما قبل يومين، وبعد يومين ذكرت كلاما آخر وبعد ثلاثة أيام ذكرت كلاما ثالثا، هل يكون سياق الكلام حجة؟ لا، لا يكون حجة، لماذا؟ لأن هذه الخطابات لم تشترك في وحدة زمنية. بما أن هذه الخطابات متفرقة بحسب الزمان فلا يكون سياقها حجة. السياق الحجة ما كان منضبطا تحت وحدة زمنية معينة وأما إذا تفرقت بحسب أجزاء الزمان فلا تكون الدلالة السياقية حجة. أي أن العقلاء لا يأخذون بها لأنها كلمات متفرقة بحسب الأزمنة ولم تشترك في زمان واحد.

من هذا المنطلق نحن نرجع إلى الآيات القرآنية، أنت إذا قرأت القرآن تجد آية واحدة، ينزل أولها في زمن وينزل وسطها في زمن ثان وينزل آخرها في زمن ثالث، بعض الآيات وليس السور، السور أمرها واضح، بعض السور تختلف قد تكون آياتها مكية وبعض آياتها مدنية وبعض آياتها أول الهجرة وبعض آياتها وسط الهجرة وبعض آياتها آخر الهجرة. ليس السورة فقط بل حتى الآيات ربما تجد آية واحدة، لكن لم تنزل في زمن واحد وهي آية واحدة، نزل أولها في زمان ووسطها في زمان وآخرها في زمان آخر.

النموذج الأول: آية إكمال الدين وإتمام النعمة.

مثلا - قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ، هذا المقطع كله نزل في أول الهجرة كما ينص عليه جميع المفسرين شيعة وسنة، وفي وسط الآية يقول تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا وهذا المقطع متى نزل؟ في حجة الوداع. المقطع الأول نزل في أول الهجرة والمقطع الثاني قد نزل في آخر الهجرة نزل في حجة الوداع إما يوم عرفة أو يوم الغدير أو بحسب اختلاف المفسرين، في آخر الهجرة. نأتي إلى المقطع الثالث من الآية ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ هذا المقطع الثالث يرجع إلى المقطع الأول يعني نزل في أول الهجرة. إذن لاحظنا الآية الواحدة قد نزلت في قطع زمانية متفرقة، الآية الواحدة لم تنزل خطابا واحدا في وحدة زمانية واحدة. إذن بما أن الآية نزلت مقاطعها ومضامينها في أزمنة مختلفة لا يكون سياق الآية حجة أبدا. لأنها ما نزلت في خطاب واحد. هذه الآية الواحدة تتضمن خطابات عديدة في أزمنة عديدة فلا يكون سياقها حجة.

النموذج الثاني: آية التطهير.

ولذلك نفس هذه المناقشة ونفس هذا المضمون نحن نطرحه في آية التطهير. ماهي آية التطهير، هي آية واحدة تقرأ في قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا، وهذا كله خطاب لنساء النبي، ثم تقول الآية الأخرى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ هذا المقطع انتهى، ثم تقول نفس الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا.

هذه آية واحدة وليست آيتين، إذا لا تتعجب عندما نقول نحن الإمامية، أن تقول أن هذه الآية صحيح أنها آية واحدة ولكن لها مقطعان، مقطع نزل في نساء النبي ومقطع آخر نزل في الخمسة الأطهار، محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين «صلوات الله وسلامه عليهم». لا تستغرب كلامنا، لأنه آية واحدة تشتمل على مقاطع متعددة والمقاطع المتعددة نزلت في أزمنة متعددة. لا تستغرب القرآن اهكذا، ولا غرابة في ان يكون أول الآية موضوع يرتبط بزمن معين وآخر الآية موضوع آخر يرتبط بزمن آخر، وهذا كثير في القرآن الكريم، ولذلك لا تكون الدلالة السياقية حجة. فلا يأتي أحدهم ويقول بما أن أول الآية تتحدث في نساء النبي إذن في آخر الآية يتحدث في نساء النبي ، إذن المقصود بأهل البيت هم نساء النبي . القرآن هكذا مضامين مختلفة في أزمنة مختلفة في آية واحدة.

ولذلك ترى أن الروايات الصحيحة حتى عند إخواننا أهل السنة إن راجعت الروايات الصحيحة - صحيح مسلم يذكر عن أم سلمة وعن أم المؤمنين عائشة أن رسول الله دعا عليا وفاطمة وحسنا وحسينا وأسدل عليهم الكساء وقال: ”اللهم هؤلاء أهل بيت وحامتي، لحمهم لحمي ودمهم دمي، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا“ فتلاحظ أن الرسول قد طبق هذا المقطع على خصوص هؤلاء الأربعة وهو معهم.

إذن فبالنتيجة: نحن نقول أن السياق القرآني إذا كان ضمن وحدة زمنية فهو حجة، أما إذا كان السياق القرآني في أزمنة مختلفة فليس بحجة، لذلك نحن نقول هذه الآية ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ، وإن جاءت هذه الآية في سياق الآيات التي تتحدث عما يمارسه الحجيج في منى، أيام منى، صحيح أن الآية أتت في هذا السياق، لكن السياق القرآني ليس بحجة، فهذه الآية لا يختص معناها بما يذبح من الأنعام يوم العاشر في منى بل تشمل هذه الآية ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ تشمل كل عمل إلهي، كل عمل يظهر ذكر الله فهو شعيرة من شعائر الله عز وجل.

ولذلك أنت تقرأ في الآية القرآنية الأخرى - القرآن يفسر بعضه بعضا - ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ، يعني عملية السعي بين الصفا والمروى عمل إلهي إذن هو شعيرة من شعائر الله عز وجل وهذا ما يعبر عنه علماؤنا خصوصية المورد لا تخصص الوارد، هذا اصطلاح أصولي عند علمائنا، صحيح هذه الآيات موردها ما يمارسه الحجيج في منى أيام منى ولكن مضمون الآيات لا يختص بهذا المورد بل يشمل سائر الموارد.

النقطة الثانية: أهمية الإعلام.

في الحديث عن أهمية الإعلام، لدينا أسئلة ثلاثة: السؤال الأول: ما هو الإعلام؟ السؤال الثاني: ما هي عناصر الإعلام؟ السؤال الثالث: متى بدأ الإعلام وما هي مراحل تطوره لدى المجتمع الإنساني؟

السؤال الأول: ماهو المقصود بالإعلام؟

الإعلام يعرفه علماء الإجتماع فيقولون: الإعلام تزاوج بين عمليتين عملية إعداد المعلومات وعملية نشرها وبثها. هذا التزاوج بين العمليتين، عملية الانتقاء والإعداد وعملية النشر والبث يسمى إعلام.

السؤال الثاني: ماهي عناصر الإعلام؟

عناصر الإعلام يعددها أيضا علماء الاجتماع:

العنصر الأول: المرسل.

العنصر الثاني: المستقبل.

العنصر الثالث: الوسيلة الإعلامية - مثل - الإذاعة، القناة، الصحيفة، المحاضرة، المنبر، الحوار، حتى العلاقات الاجتماعية. يذكر علماء الاجتماع أن العلاقات الاجتماعية من أهم وسائل الإعلام. فلو أردت أن تروج لفكرة معينة تستطيع ترويجها من خلال العلاقات الاجتماعية. أنا أقول لصديقي وصديقي يقول لصديقه وصديقه يقول لصديقه وهكذا، إذن تنتشر المعلومات من خلال هذه العلاقات الاجتماعية والأحاديث المتبادلة بين الأصدقاء وهذه من أهم وسائل الإعلام.

العنصر الرابع: التأثير - أي لا بد أن يكون الإعلام في ظروف يستغلها، يعني مثلا تأتيك أحداث العراق وتأتيك أحداث فلسطين وتأتيك أحداث الحادي عشر من سبتمبر، هذه أحداث يستغلها الإعلاميون في سبيل ماذا؟ في سبيل ترسيخ أو سمعة القناة أو يستغلها الإعلاميون في سبيل إيصال أفكار معينة من خلال تغطيتهم لأخبار هذا الحدث. إذن اختيار الظروف المناسبة للتأثير في نفوس الجماهير وعقولهم هذا عنصر أساسي من عناصر الإعلام.

العنصر الخامس: المادة - لا بد أن تكون المادة المختارة مادة جذابة في مجال الإعلام.

السؤال الثالث: متى بدأ تاريخ الإعلام وما هي مراحل تطوره؟

يقول علماء الاجتماع: بدأ الإعلام منذ بدء اللغة، في اليوم الذي امتلك فيه الإنسان اللغة امتلك في الإعلام، اليوم الذي اخترع فيه الإنسان اللغة هو اليوم الذي وصل فيه الإنسان إلى الإعلام، لأن اللغة إعلام لما في الضمير وإبراز لما في المشاعر. فيوم اختراع اللغة هو يوم البداية لتاريخ الإعلام. الإنسان اخترع اللغة قبل التاريخ، فإذن بدأ الإعلام قبل التاريخ. إلى القرن العاشر الميلادي، بدأ الإنسان يستخدم الحمام الزاجل في ايصال الرسائل واعلامها للطرف البعيد. في سنة 1346 ميلادية، اخترع الإنسان الطباعة، فكانت من أحدث العوامل المهمة في تطور الإعلام.

وفي القرن السابع عشر الميلادي، ظهرت أول صحيفة إنسانية، في المجتمع البشري، وبدأ يتطور الإعلام إلى أن وصل إلى اختراع الكمبيوتر والانترنت. في سنة 1998، اخترع جهاز يحتوي على ثلاثة مليارات عملية خلال ثانية واحدة، يعني 15 ألف مرة ضعف قدرة الكمبيوتر العادي المتداول بين الناس وذاكرته أضعاف الكمبيوتر العادي ب 80 ألف مرة. ووصل الإعلام إلى الانترنت، أي أن هذا الجهاز الذي يشترك فيه 30 مليون من 150 دولة في ثانية واحدة، يمكنهم أن يشتركوا في هذه الجهاز.

إذن بالنتيجة: الإعلام البشري، وسائل الإعلام تتطور وتترقى. السؤال المطروح: أيننا نحن من هذا الإعلام؟ وأين دورنا فيه هذا الإعلام؟ أين محلنا من الإعراب؟ سنة 1997 ميلادية، أربعون دولة أوروبية اجتمعوا ليخططوا للقرن الواحد والعشرين. قبل أن يأتي القرن الواحد والعشرين يجتمعون ليخططوا كيف يكون لها دور إعلامي ريادي في القرن الواحد والعشرين. هل سيكون لها دور مستقل؟ أم أنها ستنضم تحت أمركة العالم وتحت الداء الآخر؟ يجتمعون ويخططون، فهل اجتمع المسلمون وخططوا؟! قبل أن يأتي القرن الواحد والعشرين هل سمعت أن علماء المسلمين اجتمعوا ليخططوا لدور إعلامي ريادي يظهر مبادئ الإسلام ويظهر مقدسات الإسلام ويظهر مدى نقاء الفكر الإسلامي وأصالته ومن خلال وسائل إعلامية معينة؟! يعني أن الآخرون يخططون والمسلمون متخلفون ومتراجعون؟!

أضرب لك مثالا حيا وواضحا - مثلا - في شهر رمضان المبارك وما بعده، قناة المستقلة فتحت باب الحوار بين الشيعة والسنة لكن مع الأسف كان الحوار جدالا وليس حوارا. يعني تحول الحوار إلى جدال طائفي محموم كل شخص يريد الفرصة لكي يثب على الآخر حتى يسجل عليه الشتائم والسباب والتخريصات والظنون. تحول الحوار إلى نقاش طائفي وجدل طائفي، وبدأ كل طرف يريد أن يصفي ثاراته مع الطرف الآخر ويريد أن يحقق من خلال هذه الأيام وهذه اللقاءات أكبر قدر ممكن من شتم الآخر وضرب الآخر واقصاء الأخر. وهذه مصيبة وكارثة على الإسلام مثل هذه الحوارات، كارثة من أن تحول المسلمين إلى أصحاب ثارات وإلى أصحاب تصفيات وإلى أصحاب تحزبات. كل طرف يضع الطرف الآخر في قفص الكفر، وفي قفص الخروج عن الإسلام، ويحاول أن يلغيه ويقصيه ويقطع جذوره بقدر ما يمكن.

عندما يتحول الحوار إلى الجدل الطائفي الذي يبث الفتنة ويبث الفرقة والشحناء بين نفوس المسلمين فهذا الحوار لا قيمة له، وهذا الحوار ينبغي للمسلمين مقاطعته، وينبغي للمسلمين أن يكتبوا رسائلا وأن يكتبوا احتجاجات عديدة لقناة المستقلة أن توقف هذا الحوار، أو أن تحوله إلى حوار موضوعي يبتني على وحدة الكلمة وتأليف الصف، لا يبتني على الفرقة المحمومة والشحناء المبثوثة. لذلك هذا الحوار ما خدم المسلمين أبدا، بل زاد في رقعة الخلاف ووضع حواجز نفسية بين كثير من أبناء المسلمين.

لذلك، اللوم يقع علينا، يعني أينكم أنتم الشيعة وأنتم أهل السنة، يعني أين جامعة الأزهر وأين جامعة قم المقدسة من هذا؟ بالإمكان تحويل الحوار إلى حوار موضوعي هادئ، يعني بإمكان قناة المنار وبإمكان قناة سحر هذه القنوات الموضوعية أن تجمع طرفين من علماء المسلمين يتحاوران على النقاط المشتركة، يتحاوران على النقاط التي تجمع القلوب وتؤلف النفوس. إذا عقدت حوارات من خلال قناة المنار أو قناة سحر تجمع طرفين عاقلين موضوعيين من علماء المسلمين، يجتمعان على ماذا؟ على إثارة النقاط المشتركة، التي تقوي أواصر المسلمين وتعطيهم رصيدا، وتعطيهم دعما.

لو أن هذه القنوات تشكل هذه الحوارات لوجهت الرأي العام إلى حوار موضوعي آخر، لوجهت الرأي العام إلى أجواء أخرى وإلى آفاق أخرى، لا إلى هذه الآفاق المحمومة المشتعلة بالفتنة والطائفية والبغضاء وبالتالي ستربي المسلمين، يعني أن هذا جزء من الإعلام الإسلامي، ليس الإعلامي الإسلامي فقط قراءة القرآن وأوضح الحديث وأقرأ خطبة، لا، بل جزء من الإعلام الإسلامي أن أربي المسلمين على روح الموضوعية وروح الحوار الموضوعي وروح الحوار العلمي وروح الحوار النزيه وروح الحوار المسؤول الهادف. هذا جزء من رسالة قنواتنا كقناة المنار وقناة سحر وغيرها، جزء من رسالتهم أن يجمعوا علماء المسلمين تحت مظلة واحد وإطار واحد تبث بين المسلمين روح الموضوعية وروح النزاهة العلمية وروح الدقة العلمية.

النقطة الثالثة: تخطيط أهل البيت للإعلام الحسيني.

نحن الإمامية نمارس وسائل إعلامية واضحة. البكاء وسيلة إعلامية، لبس السواد أيام عاشوراء هي وسيلة إعلامية، اللطم على الصدور وسلية إعلامية، هذه المجالس الذي نجتمع فيها وسيلة إعلامية. هذه الوسائل الإعلامية هل نحن نمارسها بعفوية أو أن هذه الوسائل الإعلامية أخذناها عن أهل البيت ؟

الجواب: لا، المسألة ليست مسألة عفوية. كل هذه الوسائل خطط لها أهل البيت ، ورسمها أهل البيت . أهل البيت بعد مقتل الحسين خططوا لهذه الوسائل، خططوا للبكاء، خططوا للبس السواد، خططوا للطم الصدور، خططوا لاجتماع المسلمين تحت شعارات معينة، وتحت عناوين معينة. هذه وسائل إعلامية خطط لها أهل البيت . كما ورد عن الإمام الباقر : ”من ذكر مصابنا وبكى لم ارتكب منا كان معنا في درجتنا يوم القيامة“، هذا تخطيط ذكي لإثارة أسلوب البكاء ولإثارة أسلوب الدمعة. عندما يقول الإمام مخاطبا الفضيل بن يسار: ”يا فضيل أتجلسون وتتحدثون؟ - المقصود بالجلوس هو هذه المجالس التي نجلسها - قلت: بلى سيدي، قال: إني أحب تلك المجالس، فأحيوا فيها أمرنا“، ”من جلس مجلسا يحيى فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب“ ويروي البرقي عن الإمام زين العابدين لما قتل الحسين لبسن النساء السواد ولطمن وندبن وكان زين العابدين ينقل إليهن الطعام.

إذن فبالنتيجة: هذه المظاهر منذ تلك الأيام، هذه المظاهر والوسائل خطط لها أهل البيت ورسمها أهل البيت وبارك لها أهل البيت ، لماذا؟ لأنها وسائل إعلامية توصل صوت الحسين ، وهذه الوسائل لولا استمرارها لما وصلتنا قضية الحسين ، لما وصلتنا قصة الحسين أبدا. هذه وسائل إعلامية خطط لها أهل البيت كي تكون أداة لإيصال صوت الحسين .

يعني أنت الآن عندما ترى الأخبار، يقول لك: بدأ آلاف الشيعة في العراق ومن مختلف مناطق العراق يفدون إلى مدينة كربلاء ليمارسوا في يوم الأربعين، ذكرى استشهاد الحسين بن علي «عليهما السلام»، هذه وسيلة إعلامية. لولا توافد آلاف الشيعة على هذه المدينة المقدسة في يوم معين لإحياء ذكر الحسين ولإبلاغ صوت الحسين وللإشادة بذكر الحسين لما انتشرت قضية الحسين ولما عرفت قضية الحسين . وهذه القنوات الفضائية عندما تذكر ذلك، فسيتحدث بلا شك المسلمين فيما بينهم، ما هو المقصود بيوم الأربعين؟ ما هو المقصود باستشهاد الإمام الحسين؟ ما الذي حصل للحسين؟ فستكون هذه وسيلة إثارة، تثير قضية الحسين بين نفوس المسلمين، ويبدأ المسلمون يقرؤون عنها ويسألون عنها إلى أن يصلون إلى حقيقة العملية الاستشهادية التي خاضها الحسين بن علي «صلوات الله وسلامه عليه» فداء لمبادئه وفداء لعقيدته. إذن الأئمة كانوا أذكياء، خططوا لهذه الوسائل وهذه الألوان التي نمارسها كي تكون وسيلة إعلامية مهمة لإيصال صوت الحسين وصرخة الحسين .

الدمعة وسيلة عاطفية مهمة، أنت حينما تشاهد مجازر أطفال مذبوحين في فلسطين أو في العراق وتنهمر دموعك على خديك، أليس هذه الدمعة وسيلة إعلامية؟ هذه الدمعة تخترق قلبك وتجعلك إنسانا متضامنا مع قضية الشعب الفلسطيني أو مع قضية الشعب العراقي. إذن الدمعة وسيلة إعلامية للتضامن. أهل البيت خططوا للدمعة، لأن من يبكي على الحسين سيضامن مع الحسين وسيتضامن مع مشروع الحسين وسيتضامن مع أهداف الحسين. لبس السواد لون قاتم يبعث على الحزن.

الإنسان إذا رأى السواد، يرى في هذا اللون القاتم مبعثا وإشارة للحزن والأسى، فلبس السواد وسيلة إعلامية لإثارة الحزن ولتأجيج المشاعر، لذلك ركز عليها أهل البيت «صلوات الله عليهم أجمعين». اللطم على الصدور، يأتي شخص يحتج على الشيعة الإمامية، ماذا يفعل هؤلاء؟ هل هم عقلاء أم ماذا؟ يلطمون على صدورهم، ماهي الغاية وماهو الهدف؟ إنها مسيرة، كما تشاهد في القنوات الفضائية المسيرات والمظاهرات في أوروبا وفي أمريكا، إذا خرجوا ماذا يفعلون؟ بعضهم يطبل، وبعضهم يزمر - أي يستخدم المزمار، وبعضهم يصفق، وبعضهم يرقص وغير ذلك. لا يلام في ذلك، لأنها وسيلة إعلامية. هؤلاء الشعوب طريقتهم في الاحتجاج هي الغناء والرقص والتصفيق، هذه طريقة إنسانية من طرق الاحتجاج. هذه الشعوب عندما تريد أن تحتج تستخدم هذه الوسائل من الرقص والغناء والتصفيق، تستخدمها وسيلة للاحتجاج، وسيلة لإيصال الصوت إلى الطرف الآخر.

أنت - مثلا - ترى بعض المسيرات في أوروبا أو في شرق آسيا، هي بالهرولة، تراهم كلهم يهرولون، ولا شيء في ذلك، هي مسيرة إنسانية. إذن كما أن الأوروبيين يستخدمون التصفيق والغناء والطبل كوسيلة من وسائل الاحتجاج، نحن الشيعة الإمامية نستخدم اللطم كوسيلة من وسائل الاحتجاج، هذه طريقة نعبر بها عن احتجاجنا، لماذا نلام عليها؟ يعني إذا خرج الأوروبيون يخرجون ويرقصون هم عقلاء، أما إذا خرج الشيعة يلطمون فليسوا بعقلاء، هل يصح ذلك؟ فاذا اعتبرتم أن التصفيق والرقص والغناء من قبل الأوروبيين كطريقة احتجاج، واعتبرتم أنه أسلوب عقلائي وأسلوب إنساني، أيضا أسلوب اللطم على الصدور ما هو إلا رمز وشعيرة ووسيلة إعلامية للاحتجاج على الظلم الأموي والطغيان الأموي تجاه ذرية رسول الله . نحن نستخدم اللطم شعارا للاحتجاج ووسيلة للاحتجاج على الجريمة النكراء التي ارتكبها بنو أمية في حق أهل البيت «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين».

وهكذا وسائلنا الأخرى، الأئمة خططوا لإيصال صوت الحسين بمختلف الوسائل، حتى المرأة، يتعجب الإنسان كيف ذلك؟ نعم، الأئمة استخدموا صوت المرأة كوسيلة من الوسائل الإعلامية، فترى الإمام الصادق يقول: ”أوصاني أبي الإمام الباقر أن أستأجر له عشر جواري يندبنه بمنى أيام منى“ - الإمام الصادق يستأجر عشر نساء يتحدثون عن الإمام الباقر أيام منى، لماذا؟ يريدون أن يوصلوا صوت الإمام الباقر من خلال كلماتهن إلى الحجيج المتوافدين على منى.

الإمام الحسين كذلك استخدم صوت المرأة كوسيلة إعلامية ”شاء الله أن يراني قتيلا، وأن يرى النساء سبايا“، الحسين يعلم أن المسألة ليست مسألة سبي فقط بل هو صوت، صوت زينب وصوت سكينة وصوت فاطمة الصغرى وصوت الرباب وصوت رملة وغيرهن. صوت المرأة مؤثر جدا، صوت المرأة اذا اختزن الحزن واختزن الأسى ينفذ إلى قلوب الآخرين. المرأة بمجرد أن تتكلم بحزن وأسى تخترق القلوب، صوت المرأة إذا صدر في حالة بكاء وفي حالة انهيار وفي حالة أسى يؤثر على كل من يسمعه، يؤثر على كل من يشهده ويستقبله. صوت المرأة المملوء بالحزن وسيلة إعلامية عملاقة وجبارة جدا، لذلك خطط لها الحسين بن علي فكان صوت زينب وصوت سكينة وصوت الأطفال والصغار، صوتا ووسيلة إعلامية للتعبير عن مبادئ الحسين وللتعبير عن ثورة الحسين وللتعبير عن حركة الحسين. ولو لا صوت زينب لمات صوت الحسين، ولولا صوت زينب لتبخر صوت الحسين. صوت زينب كان هو المبلغ، وكان هو المبرز لصوت الحسين .

حسين مني وأنا من حسين
الليلة الثالثة والعشرون