نص الشريط
شرح خطبة الإمام الحسين (ع)
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 5/12/1430 هـ
تعريف: من برنامج بيانات الثورة الحسينية
مرات العرض: 4702
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1247)
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين

من بيانات الإمام الحسين : ”إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، بنا فتح الله وبنا يختم، ويزيد رجلٌ شاربٌ للخمور، قاتل النفس المحترمة، معلنٌ بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله“، هذا البيان العظيم يشتمل على ثلاثة مقاطع:

المقطع الأول: سمات أهل البيت.

هو المقطع الذي يتحدث عن سمات أهل البيت، وأن استحقاقهم وأهليتهم وكفاءتهم للخلافة وإدارة شؤون الأمة تنبع من هذه السمات المجتمعة في شخصياتهم.

السمة الأولى: إنا أهل بيت النبوة.

الإمام الحسين لم يقل: إنا أهل بيت النبي، وإنما قال: إنا أهل بيت النبوة، ويشير بذلك إلى البيت بمعنى السلالة والشجرة، أي أننا ننحدر من شجرة النبوة، ننحدر من شجرة السماء، هذه الشجرة المباركة ابتدأت منذ إبراهيم الخليل ، وخُتِمَت بالنبي محمد ، منذ إبراهيم الذي خاطبت الملائكة زوجتَه وقالت لها: ﴿رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ، أهل البيت عنوانٌ بدأ يتجسّد وبدأ يصدق منذ زمان إبراهيم، إبراهيم كان من أهل البيت، وموسى كان من أهل البيت، ومحمد كان من أهل البيت، لأن كلهم ينحدرون من شجرة واحدة، وهي شجرة النبوة، ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، فهذه الشجرة هي شجرة النبوة، كلها أنبياء، كلها رسل، كلها أوصياء، من هذه الشجرة انحدر الحسين .

ولذلك، نقرأ في زيارة الحسين : ”أشهد أنك كنت نورًا في الأصلاب الشامخة، والأرحام المطهرة، لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها، ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها“، فالسمة الأولى من سمات أهل البيت: أنهم فرعٌ من شجرة النبوة، وغصنٌ من شجرة الرسالة، التي بدأت منذ يوم إبراهيم، إلى يوم النبي محمد ، وهذه الشجرة هي التي تجعل أصولهم وجذورهم أولى بإدارة الأمة وإدارة شؤونها وخلافتها من أي قبيلة ومن أي شجرة ومن أي شخص آخر.

السمة الثانية: معدن الرسالة.

لا إشكال في أن ولاية الأمر - أي: إدارة شؤون الأمة ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ - تعتمد على عنصرين: تعتمد على الخبرة والمعرفة بأسرار التشريع الإسلامي، والقدرة على تطبيق تلك الأسرار على مواردها ومصاديقها بدقة وإتقان، لا يمكن لولي الأمر أن يكون قادرًا على تطبيق تفاصيل الشريعة الإسلامية في الأمة الإسلامية ما لم يكن خبيرًا بأسرار التشريع، ما لم يكن خبيرًا بنكات ودقائق وكنوز التشريع الإسلامي، فلا يمكن للإنسان أن تجتمع فيه القدرة على تطبيق التشريع، والعلم بأسرار التشريع، إلا إذا كان إنسانًا منحدرًا من معدن الرسالة، من عاش في معدن الرسالة، من وُلِد في معدن الرسالة، فهو الشخص الخليق بأن يكون عارفًا بأسرار التشريع، وقادرًا على تطبيقه دون غيره.

لذلك، الحسين يقول: أنا الذي وُلِدْت في معدن الرسالة، وأنا الخبير بأسرار التشريع، وأنا القادر على تطبيق تفاصيله وحذافيره بدقة وإتقان، ولهذا قال النبي : ”أنا مدينة العلم وعلي بابها“ ثم عقّبها بقوله: ”أقضاكم علي“؛ للإشارة إلى أنه لما كان علي هو الأعرف بأسرار التشريع، لذلك كان علي هو الأولى بأن يكون أقضاكم ومرجعكم. وهذا ما تفوّه به النبي يوم غدير خم: ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ”فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه“. إذن، السمة الثانية هي ولاية الأمر، وعناصر وصفات ومؤهلات ولاية الأمر لا تجتمع في شخصية إلا إذا كانت تلك الشخصية متولدةً في معدن الرسالة، كالحسن والحسين «صلوات الله وسلامه عليهما».

السمة الثالثة: التأييد بروح القدس.

التي عبّر عنها الحسين : ”ومختلف الملائكة“، ليس معنى مختلف الملائكة أن الملائكة تهبط في هذا البيت دون غيره، كل بيت يُذْكَر فيه اسم الله، كل بيت يُقْرَأ فيه القرآن، تحضره الملائكة، تهجره الشياطين. المقصود بمختلف الملائكة التأييد بروح القدس، الأنبياء والأوصياء والأولياء خصّوا من الله بخصيصة وصفة عظيمة، ألا وهي تأييدهم بروح القدس، أي أن الملائكة تختلف عليهم، لتسدّد أفعالهم، ولتؤيد حركاتهم وسكناتهم، وهذا التأييد بروح القدس هو الذي يعبّر عنه الحسين بمختلف الملائكة.

والقرآن الكريم يشير إلى هذه السمة، ويقول: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، هذا الرصد الذي يحيط بالنبي يمينًا وشمالًا هو ما يعبّر عنه بروح القدس، وهو ما يعبّر عنه بمختلف الملائكة، ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ، وقال تبارك وتعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ. إذن، التأييد بروح القدس المساوق للعصمة المطلقة سمةٌ من سمات أهل البيت، لا تتوفر في غيرهم، فلذلك كانوا أولى وأجدر بمنصب الخلافة وولاية الأمر.

السمة الرابعة: بنا فتح الله وبنا يختم.

خلافة الله في الأرض مفتتحها بهم ومختتمها بهم، افتتحت خلافة الله في الأرض منذ يوم آدم، ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ، هذه الأسماء التي تعلمها آدم هي بذرة خلافته، آدم لم يستحق أن يكون خليفة لله في أرضه إلا بعد أن تعلّم تلك الأسماء، إلا بعد أن عاش تلك الأسماء، لو لم يتعلم تلك الأسماء ولم يتلقَ تلك الأسماء لما كان حقيقًا بخلافة الله في الأرض، وتلك الأسماء هي أسماء أهل بيت النبوة؛ لأن القرآن عبّر عنها بضمير العقلاء، قال: ﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ أي أن هناك أنوارًا قدسية محيطة بساق العرش، وهم محمد وآله، اطلع آدم عليهم، وعرف أنوارهم وحقائقهم، وتلقى النور منهم، فأصبح أهلًا لخلافة الله في الأرض.

إذن، مفتاح خلافة الله في الأرض بنا، ”بنا فتح الله“ أي: بأسمائنا التي تعلمها آدم واستلهم منها منصب الخلافة في الأرض، ”وبنا يختم“: أولهم محمد، وأوسطهم محمد، وآخرهم محمد، بمحمد آخرهم خاتمهم «عجل الله تعالى فرجه الشريف» ختم خلافة الله في الأرض، وقد ورد عن النبي محمد : ”لو لم يبق من الدنيا إلا يوم، لبعث الله رجلًا من أهل بيتي، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا“، فهذه السمات التي تعرض لها الإمام في المقطع الأول من بيانه العظيم هي بيان من هو الأولى والأجدر بمنصب الخلافة، هو الذي تجتمع فيه هذه السمات العقائدية والعلمية والنورية دون غيره.

المقطع الثاني: صفات ولي الأمر.

تعرض الحسين لمطلب سياسي، وهو مقارعة الأوضاع القائمة، وإيقاظ إرادة الأمة، وبعث نبضها وحيويتها، لتلتفت إلى أن هذه الأمة العظيمة التي ضحى من أجلها رسول الله، وبذل كل ما في وسعه من أجل إقامة الكيان الإسلامي، هذه الأمة ابتليت بقائد وبرأس على رأس الهرم منها ورأس القيادة منها، ألا وهو يزيد بن معاوية، ثم تعرض لصفات هذه القيادة السفيهة التي استحكمت على مقاليد أمور الأمة، فقال: نحن أهل بيت النبوة نتمتع بصفات القيادة وولاية الأمر، وأما يزيد: ”يزيد شارب للخمور، قاتل للنفس المحترمة، معلن بالفسق“، ما هي العناصر التي يعتبر توفرها في ولي الأمر في إدارة أمور الأمة وشؤونها؟ هناك عناصر ثلاثة ضرورية.

الفقرة الأولى: شارب الخمر.

يجب أن يمتلك هذا القائد عقلية واعية؛ لأن من ملك العقلية الواعية، وكان حاضر الذهن، ملتفتًا إلى أوضاع الأمة وثغورها ومشاكلها وقضاياها، استطاع أن يقود سفينة الأمة إلى بر الأمان، فالعنصر الأول هو أن يمتلك العقلية الواعية والحضور الذهني الدائم، وكيف ليزيد أن يمتلك العقلية الواعية وهو في سكر دائم؟! الحسين لم يقل: يزيد يشرب خمرًا، وإنما قال: شارب للخمور، أي أن هذا دأبه وديدنه وسيرته، لا أنه يشرب خمرًا فحسب كغيره من الناس، من كان شرّابًا مدمنًا على هذا الأمر كيف يكون متمتعًا بالعقلية الواعية الحاضرة التي من خلالها يستطيع إدارة شؤون الأمة، ويستطيع أن يقود سفينة الأمة الإسلامية إلى بر الأمان؟!

الفقرة الثانية: قاتل النفس المحترمة.

يشترط في ولي الأمر أن يكون إنسانًا يحترم الأمة، من لم يحترم الأمة فليس أهلًا لأن يكون وليًا عليها، فليس أهلًا لأن يكون وليًا لأمر الأمة وهو لا يحترمها، الأمة الإسلامية دماؤها لها حرمة، أعراضها لها حرمة، أموالها لها حرمة، ”المسلم من سلم الناس من لسانه ويده“، المسلمون إخوة تتكافأ دماؤهم، ويأخذ بذمتهم أدناهم، إذن الأمة الإسلامية ذات حرمة، لذلك ولي الأمر يحتاج إلى أن يكون عارفًا بحرمة الأمة الإسلامية، محترمًا لهذه الحرمة، فمن هو قاتلٌ للنفس المحترمة بحيث لا يراعي حرمة دماء الأمة كيف يكون أهلًا لولاية أمرها؟!

الفقرة الثالثة: معلن بالفسق.

ولي أمر الأمة هو أولى بتطبيق الدين من بقية أبناء الأمة، ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ، يشترط في ولي الأمر أن يكون أول الناس التزامًا بأمور الدين، كي يكون مصدرًا وقدوة ومثلًا أعلى لتطبيق الدين، وكيف ليزيد أن يكون كذلك وهو معلنٌ بالفسق؟! إذن، يزيد فاقدٌ لعناصر ولاية الأمر.

المقطع الثالث: ”ومثلي لا يبايع مثله“.

الخضوع بمعنى ولاية شخص لآخر يشترط فيه المماثلة، لا يجوز لك أن تخضع لمن هو أقل منك، سواء كان هذا الخضوع بمعنى الركون، القرآن ينهى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ، أو كان هذا الخضوع بمعنى البيعة والولاية، القرآن ينهى عن ولاية الذين كفروا، ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، أو كان الخضوع من باب المودة، الإسلام ينهى حتى عن مودة أعداء الدين، ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ، حتى لو كان الخضوع بمعنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، القرآن الكريم يقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، حتى إذا كان الخضوع بمعنى الزوجية، القرآن يشترط المماثلة والتكافؤ في الزوجية، المسلم كفء المسلمة.

إذن، المماثلة شرطٌ في الخضوع، ليس لي أن أخضع لمن ليس مثلي، ”مثلي لا يبايع مثله“، الإسلام اشترط المماثلة في ولاية شخص لآخر، وخضوع شخص لآخر، سواء كان خضوعًا بالبيعة، أو خضوعًا بالتولي، أو خضوعًا بالمحبة، أو خضوعًا بالصداقة، أو خضوعًا بالزوجية، أي نوع من أنواع الخضوع يشترط فيه المماثلة بين الخاضع والمخضوع له، وبالتالي فمثلي لا يبايع مثله؛ لأن بيعة مثلي لمثله إذلالٌ للدين. من الأهداف الاستراتيجية التي كان ينشدها الحسين من حركته وثورته: إعزاز منصب الإمامة، إعزاز منصب الخلافة، صيانة منصب ولاية الأمر عن الإذلال، ولو بايع الحسين يزيد لكانت بيعة الحسين إذلالًا لمنصب الإمامة والقيادة، ولذلك قال في خطاب آخر: ”هيهات منا الذلة! يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وجذور طابت، وحجور طهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبية، أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام“.

شرح خطبة الإمام الحسين (ع) وهو صريع على الأرض
كتاب الإمام الحسين (ع) إلى أهل البصرة