نص الشريط
السعادة قدر أم إختيار
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 15/1/1433 هـ
مرات العرض: 1866
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (4228)
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [1] 

آمنا بالله صدق الله العلي العظيم

الآية المباركة قسّمت الإنسان إلى شقي وسعيد، وانطلاقًا من هذا المضمون للآية المباركة نتحدّث في محاورَ ثلاثةٍ:

المحور الأول: في تعريف السّعادة والشقاء.

ما معنى السعادة وما معنى الشقاء؟ السعادة والشقاء من الصفات النفسية وليسا من الصفات الواقعية، فإنّ الصفاتِ التي يتصف بها الإنسانُ على قسمين:

  1. صفات واقعية.
  2. وصفات نفسية.

الصفات الواقعية هي الصفات التي لا تتأثر بالإدراك، أي أنّ الإنسان يتّصف بها، سواءً التفت إليها أم لم يلتفت هو يتصف بها، نظير اتصاف الإنسان بالسلامة والمرض، الإنسان الذي يعيش خللاً في معدته هو مريضٌ، التفت أو لم يلتفت إلى ذلك هو يُعْتَبَرُ مريضًا، اتصافه بالمرض لا علاقة له بالتفاته وعدم التفاته، والإنسان الذي يعيش سلامة في خلايا وأجهزة بدنه هو إنسانٌ سليمٌ التفت إلى ذلك أو لم يلتفت، فاتصاف الإنسان بالسلامة والمرض اتصافٌ واقعيٌ لا ربط له بالالتفات وعدم الالتفات، حتى لو كان الإنسان غافلاً هو إمّا مريضٌ أو سليمٌ.

بينما اتصاف الإنسان بالفرح والحزن لا ينفك عن الالتفات أبدًا، إنّما يكون الإنسان فرِحًا إذا التفت إلى وجود شيءٍ يُسْعِدُه، وإنّما يكون الإنسان حزينًا إذا التفت إلى وجود شيءٍ يؤذيه، فاتصاف الإنسان بالفرح والحزن لا ينفك عن الالتفات، لابدّ أن يلتفت إلى ما يبهجه فيكون فرحًا، أو إلى ما يؤذيه فيكون حزينًا، لذلك اتصاف الإنسان بالفرح والحزن من الصفات النفسية لا من الصفات الواقعية؛ لأنّ هذا الاتصاف يحتاج إلى التفات وإدراك من الإنسان.

نأتي إلى السعادة والشقاء: اتصاف الإنسان بالسعادة والشقاء، فيقال: هذا إنسانٌ سعيدٌ، وهذا إنسانٌ شقيٌ، هل اتصاف الإنسان بالسّعادة والشقاء اتصافٌ واقعيٌ فهو سعيدٌ التفت أو لم يلتفت، شقيٌ التفت أو لم يلتفت، أم لا؟

نقول: لا، السعادة والشقاء من الأوصاف النفسية لا من الأوصاف الواقعية، لماذا؟

السعادة هي عبارة عن: اللذة العقلية، والشقاء هو عبارة عن: الألم العقلي، كيف اللذة العقلية والألم العقلي؟

اللذة التي يلتذ بها الإنسانُ تنقسم إلى قسمين:

  1. لذة حسية.
  2. ولذة عقلية.

الإنسان إذا شرب عصيرًا ممتعًا يلتذ بشربه للعصير، لكن لذة حسية، الإنسان إذا شرب مثلاً عصيرًا شديدَ الحموضة يتألم لكنّ ألمًا حسيًا، هذا يسمّى باللذة الحسية والألم الحسي، أما الإنسان إذا قام بتحليل مسألة رياضية بعقله، بمجرد أن يقوم بحل المعادلة الرياضية بعقله يلتذ لكن لا لذة حسية بل لذة عقلية، اللذة التي تعقب قيامَ الإنسان بحل المعادلة الرياضية هذه تسمّى لذة عقلية وليست لذة حسية»، الألم الذي يصيب الإنسان عندما يفشل في حل المسألة الرياضية هذا الألم ألمٌ عقليٌ وليس ألمًا حسيًا.

فعندنا لذة وألم حسيان وعندنا لذة وألم عقليان، السعادة من قسم اللذة العقلية، اللذة التي يلتذ بها العقلُ تسمّى سعادة، الإنسان إذا التذ بالعلم لذة الإنسان بالعلم لذة عقلية، هذه هي سعادة، ألم الإنسان من الجهل ألمٌ عقليٌ، هذا شقاءٌ، فالسعادة عبارة عن: اللذة العقلية، والشقاء عبارة عن: الألم العقلي.

لذلك السعادة والشقاء من الأوصاف النفسية التي لا تنفك عن الالتفات والإدراك، الإنسان يدرك، إذا أدرك الجهة التي تُسْعِده التذ بذلك لذة عقلية فكانت هذه اللذة العقلية سعادة، وإذا التفت إلى الجهة التي تؤلمه تألم بذلك ألمًا عقليًا فكان ذلك شقاءً، فالسعادة والشقاء من الأوصاف النفسية التابعة للذة والألم العقليَيْن.

المحور الثاني:

المحور الثاني من حديثنا يتعلق بتقسيم السّعادة إلى:

  1. سعادة حقيقية.
  2. وسعادة وهمية.

ما هو الفرق بين السعادة الحقيقية والسعادة الوهمية؟

لابد أن نتعرض لنظريّة يذكرها علماءُ الاجتماع هنا نربط بها مسألة السّعادة الحقيقيّة والسّعادة الوهميّة، وهي: نظرية امتداد الوجود، ما هو معنى نظرية امتداد الوجود؟

الإنسان منذ ولادته وُلِدَ وهو يحمل أقوى غريزة يعيشها ألا وهي غريزة حبّ الحياة، لا يوجد إنسانٌ لا يحب الحياة، كلّ إنسان يحب البقاء، يحبّ الحياة، يحبّ الوجود، غريزة حبّ الحياة أقوى غريزة تهيمن على مسار الإنسان وسلوك الإنسان، لكن هذه الغريزة - غريزة حب الحياة - تتنوع مظاهرها وتختلف مبرزاتها اختلافَ عمر الإنسان، كيف الطفل يعبر عن غريزة حب الحياة؟! بعد ذلك عندما يصير شابًا سوف يتخذ تعبيرًا آخر عن غريزة حبّ الحياة، عندما يصير كهلاً سوف يتخذ تعبيرًا ثالثًا عن غريزة حبّ الحياة، غريزة حبّ الحياة متأصّلة في الإنسان لكنّ مظاهرها تختلف باختلاف عمر الإنسان، والتعبير عنها يختلف باختلاف عمر الإنسان.

وهذا ما أشارت إليه الآية المباركة: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ [2] ، هذا التقسيم يشير إلى تقسيم زمني لا إلى تقسيم صفتي، يعني: ليس الإنسان في وقتٍ واحدٍ هو عنده لعبٌ وعنده لهوٌ وعنده زينة وعنده تفاخرٌ وعنده تكاثرٌ، لا، هذه ليس كلها في وقتٍ واحدٍ، هذه تشير إلى مراحل يمرّ بها الإنسانُ منذ طفولته إلى كهولته، وهذه المراحل التي يمرّ بها الإنسانُ هي تعبير عن غريزة حب الحياة، كيف يتعامل هذا الإنسان مع الحياة؟ كيف يعبّر عن غريزته في حبّ الحياة؟ هذه المراحل تعبّر عنها.

الطفل ابن سبع سنوات إلى سبع سنوات من عمره مثلاً، هذا يعيش مرحلة اللعب، ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ، يبدأ باللعب، اللعب هو التعبير الأول لغريزة حب الحياة، لا يرى الحياة إلا بهجة ومتعة يعبّر عن حبه لها من خلال اللعب.

يتجاوز مرحلة الطفولة، يدخل مرحلة الطفولة المتأخرة وبداية المراهقة، يتّجه إلى تعبير آخر: اللهو، اللهو هو أن تنشغل بالأمر الثانوي عن الأمر الأولي، تنشغل بالأمر الثانوي عن الأمر الأساسي، هذا يقال له: لهو، الإنسان في بداية المراهقة يفكّر في أمور يظنّ أنها عظيمة وأساسية وضرورية وهي لا تعدو أن تكون أمورًا ثانوية في حياته وليست أمورًا أساسية، إذن انتقل في تعبيره عن غريزة حبّ الحياة إلى مرحلة اللهو.

بعد ذلك يتجاوز هذه المرحلة، بعد العشرين أو في العشرين من عمره يصل إلى مرحلة الزينة، يبدأ بالتفكير في الزينة، كيف يعني زينة؟! الزوجة الجميلة، السيارة الفخمة، المنزل الفخم، الشكل اللطيف، الصورة البهيّة، يبدأ الإنسانُ بالتفكير في هذه الفترة من عمره في الزينة، كيف يظهر بزينة جميلة مبهجة، من خلال زوجته، سيارته، بيته، لباسه، شكله... هذه المرحلة أيضًا تعبيرٌ عن غريزة حب الحياة، لكن تعبير يتناسب مع عمره ويتناسب مع ذهنه.

إذا تجاوز هذه المرحلة وصل ما يقارب الأربعين من عمره، بدأ بالتركيز على المجد، الفخر بعائلته، الفخر بتجربته، الفخر ببلده، الفخر بنسبه، الفخر بأي شيء يظنّ أنّه منشأ للفخر، ﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ.

فإذا تجاوز هذه المرحلة وصل إلى مرحلة ما نسمّيها بنظرية امتداد الوجود، يعني ماذا امتداد الوجود؟

الإنسان بمجرد أن يبلغ الأربعين من عمره يبدأ يشعر بالخطر، خطر يعني: أنّ ما مضى أكثر ممّا بقي، إذن الأجل آتٍ، بما أنّه يشعر بنقطة الخطر يبدأ بالتخطيط للوجود، كيف يبقى وجوده بعد موته؟! وجودي سينتهي، الوجود المادي العنصري الذي أعيش به سينتهي، سيضمحل خلال عشرين، ثلاثين سنة، كيف أمدّ وجودي لما بعد موتي؟! كيف أحقق لنفسي وجودًا واسعًا ممتدًا يبقى حتى بعد موتي، حتى بعد رحيلي؟!

تأتي هنا نظرية امتداد الوجود: اندافع الإنسان لامتداد الوجود نابعٌ من غريزة حبّ الحياة، يرى أنّ الحياة القصيرة التي عاشها لا تفي بإشباع غريزته، فهو يحتاج إلى حياة أطول ووجود أوسع، وهذا الوجود الأوسع لا يتحقق إلا بالأموال والأولاد، عندما يؤسّس شركاتٍ باسمه يظنّ أنّ بقاء الشركات باسمه بقاءٌ له، بقاءٌ لوجوده، فهو باقٍ بعد موته من خلال شركاته، مؤسساته، اسمه، هو باقٍ بعد موته من خلال أبنائه ونسله وأحفاده، يخطط الإنسان لامتداد الوجود انطلاقًا من غريزة حب الحياة، ﴿وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ.

من هنا نفهم أنّ الإنسان يعتقد أنّ السعادة في امتداد الوجود، كلما ملك امتدادًا في الوجود المادي من حيث الأولاد والأموال إذن ملك سعادة! كلما حُرِمَ من هذه السّعة الماديّة - ما حصل على أولاد، أو ما حصل على أموال - إذن هو لم يملك سعادة! يعتقد الإنسان أنّ سعادته في هذا الامتداد من خلال الولد ومن خلال الأموال، لكنّ هذه بنظر القرآن الكريم سعادة وهميّة، ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [3] ، ويقول في آية أخرى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [4] ، هذه السعادة التي تقوم على امتداد الوجود - تقوم على الأموال والأولاد - سعادة وهمية وليست سعادة حقيقية، ما هي السعادة الحقيقية؟

السعادة الحقيقية هي التي يعبّر عنها علماءُ العرفان - انطلاقًا من الآية المباركة - بالحياة الطيبة، ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [5] ، السعادة الحقيقية ما تقترن بالحياة الطيّبة، وما هي الحياة الطيبة؟

الحياة الطيبة ليست في الوجود المادي من خلال الأبناء والأولاد، الحياة الطيبة في الاطمئنان والاستقرار، من يعيش اطمئنانًا داخليًا فهو يعيش حياة طيبة ولو كان مُعْدَمًا فقيرًا، ومن يعيش قلقًا واضطرابًا فهو يعيش حياة مرضية ولو كان يملك من أزمة امتداد الوجود ما يملك، الحياة الطيبة حياة الدّعة والاستقرار والاطمئنان، ولذلك يركّز القرآن الكريم على هذه الحياة الطيّبة ويقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا [6] ، ما هي المعيشة الضنك؟! نحن نرى كثيرين ممّن يعرضون عن ذكر الله لا يعيشون فقرًا ولا يعيشون حرمانًا، إذن ما معنى المعيشة الضنك؟!

المعيشة الضنك تشير إليها آية أخرى أيضًا: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [7] ، ما معنى الضيق؟! ذاك يقول: ضنك، هذا يقول: ضيق، ما معنى الضنك والضيق؟! ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ، الضنك والضّيق هو عبارة عن حياة القلق، من يعيش قلقًا فهو يعيش معيشة ضنكًا، من يعيش قلقًا فهو يعيش ضيقًا في صدره، بخلاف من يعيش هدوءًا واستقرارًا، فهو منشرح الصدر، وهو الذي يعيش حياة طيبة، وهو الذي يعيش حياة حقيقية وسعادة حقيقية.

من هنا يركّز القرآن الكريم على أنّ من خصائص المؤمنين بل من آثار الإيمان السعادة الحقيقية والحياة الطيبة، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [8]  المؤمنون مطمئنون، ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [9]  يعيشون اطمئنانًا، ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً [10] ، الاطمئنان هو السعادة الحقيقية، والقلق هو الشقاء الحقيقي، وليست المسألة منوطة بامتداد الوجود المادي أبدًا.

المحور الثالث: هل أنّ السعادة والشقاء صفتان لازمتان للإنسان؟

يعني: السعيد سعيدٌ لا يتغير، الشقي شقيٌ لا يتغيّر، هل أنّ السعادة والشقاء صفة لازمة؟

كثيرٌ منا يظنّ أنّ السعادة والشقاء صفة لازمة، يقول لك: أنا إنسانٌ شقيٌ لا أتغيّر، ما يفيد، فلانٌ سعيدٌ هنيئًا له على سعادته، خُلِقَ سعيدًا فهو سعيدٌ، وأنا خُلِقْتُ شقيًا فأنا شقيٌ! السّعادة والشقاء صفة لازمة، هل الأمر كذلك أم لا؟!

نأتي إلى تحليل هذا المطلب: الصفات التي يتصف بها الإنسانُ على أقسام ثلاثة: صفات أساسيّة مقوّمة لإنسانيّته، وصفات اقتضائيّة، وصفات اكتسابيّة.

القسم الأوّل: صفاتٌ مقوّمة لإنسانيّة الإنسان.

يعني: لو انفكّ عنها فليس بإنسانٍ، لا يمكن أن يكون إنسانًا بدونها، ما هي هذه الصّفات المقوّمة لإنسانيّة الإنسان؟ الاختيار والعقل.

لا يمكن أن يُوجِدَ إنسانٌ بدون اختيارٍ، كلّ إنسانٍ له إرادة بدرجات مختلفة، لا يمكن أن يكون الإنسانُ إنسانًا ما لم يكن له إرادة واختيار، ومنطقة الإرادة والاختيار هي المنطقة الحرّة، يعني: إذا تبحث عن منطقة حرّة في العالم المنطقة الحرّة الوحيدة في العالم هي منطقة الاختيار والإرادة لدى الإنسان، هناك منطقة لا يمكن أن يسيطر عليها أحدٌ ألا وهي منطقة الإرادة والاختيار لدى الإنسان، يختار ما يريد، هذه المنطقة التي فيها الحب والبغض، الإنسان يحب من يشاء بدون سيطرة أحد، يبغض من يشاء بدون قهر أحد، منطقة الحب والبغض هي منطقة الاختيار، هي المنطقة الحرة التي تميّز الإنسان وتجعله إنسانًا.

ولذلك ورد عن الإمام أمير المؤمنين علي : ”لو ضربتُ خيشومَ المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني، ولو ضربتُ خيشوم المنافق على أن يحبّني ما أحبّني، وذلك أنّه قُضِيَ فانقضى على لسان رسول الله : يا علي لا يحبّك إلا مؤمنٌ ولا يبغضك إلا منافقٌ“ هذه منطقة لا يمكن السّيطرة عليها، منطقة الحب والبغض منطقة الاختيار لدى الإنسان.

الصفة الثانية: العقل، حتى لو كان الإنسان مجنونًا هو عنده استعدادٌ للإدراك والتعقل وإن غلف بغلافٍ مادي منع من عمل عقله، إذن الصفتان المقوّمتان لإنسانيّة الإنسان: الاختيار والعقل.

القسم الثاني: صفاتٌ اقتضائية، ما هو معنى الصفات الاقتضائيّة؟

الصفات التي تنشأ عن عالم المادة، الإنسان عندما لم يكن في عالم الدنيا، قبل أن يأتي لعالم المادة، قبل أن يتحول إلى نفسٍ بحسب اصطلاح علماء العرفان، الإنسان مرّ بروح ونفسٍ، لمّا لم ينزل، قبل أن ينزل إلى هذا العالم عالم المادة، قبل أن ينزل إلى عالم المادة كان الإنسانُ روحًا تهلل الهب وتسبّحه وتشهد ملكوتَ الله وجلالَه وجمالَه، لما نزل إلى عالم المادة صار نفسًا، وهذه النفس التي التصقت بهذا الجسم المادي وارتبطت بهذا الجسم المادي، هذه النفس اكتسبت من المادة، النفس اكتسبت من المادة، يعني: المادة وضعت بصماتِها على النفس من خلال حركة جوهرية عاشها الإنسانُ حتى أصبح بهذا النحو وبهذا الشكل، الإنسان اكتسب من المادة، كيف اكتسب من المادة؟

لاحظ القرآن الكريم يتحدث عن صفاتٍ للإنسان، مثلاً: يقول القرآن الكريم: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ [11] ، ما هي الشاكلة؟! الشاكلة ما هي؟! ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ الشاكلة ما هي؟! الشاكلة طبعٌ اكتسبه الإنسانُ من المادة، لو أنّ الإنسان لم ينزل إلى عالم المادة، لو أنّ الإنسان بقي روحًا تسبّح الله وتهلله لما كان عنده هذا الطبع، لكن لمّا نزل نطفة إلى عالم المادة تلبّس بهذا الطبع، أصبح عنده هذا الطبعُ، مثلاً: عندما يدعى للإنفاق، يقال: أيها الناس أنفقوا، كل واحد يعمل على شاكلته، الكريم يبادر للإنفاق، البخيل يتخلف عن الإنفاق، كلاهما عمل على شاكلته، يعني: على الطبع الذي تلبّس به نتيجة ارتباطه بالمادة.

عندما يحدث حدث يقتضي أن يكون هناك موقفٌ جريءٌ، الذي يتقدم ويقف موقفَ الجريء يعمل على شاكلته من الشجاعة، الذي يتأخر يعمل على شاكلته من الجبن، إذن ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ، الكرم والبخل، الشجاعة والجبن، من أين أتت؟

هذه ليست صفاتٍ مقوّمة لإنسانيّة الإنسان، لا، لو أنّ الإنسان انفكّ منها يبقى إنسانًا، هو إنسانٌ، إذن من أين أتت: أنّ هذا وُلِدَ وهو شجاعٌ، وهذا وُلِدَ وهو جبانٌ، هذا وُلِدَ وهو كريمٌ، هذا وُلِدَ وهو بخيلٌ، هذا وُلِدَ وهو حليمٌ، هذا وُلِدَ وهو غضوبٌ...؟! من أين أتتَ هذه الصفات؟ كلها جاءت من المادة، من تداخل الأعراق، هذه النطفة التي منها تنحدر شخصية الإنسان، منها يتشكل الإنسان، الإنسان المادي، من هذه النطفة يتشكل الإنسانُ الماديُ عبر حركة يعبّر عنها الفلاسفة ب «الحركة الجوهرية»، وأشار إليها القرآنُ الكريمُ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [12] .

هذه الحركة التي تمرّ بها النطفة من طورٍ إلى طورٍ ومن مرحلةٍ إلى مرحلةٍ، هذه الحركة الجوهريّة التي تمرّ بها النطفة في جوهرها وصميم ذاتها، هذه الحركة تشكّل شخصية الإنسان المادي، فتكتسب شخصية الإنسان في عالم المادة بصمات هذه النطفة، وآثار هذه النطفة، وتبعات هذه النطفة، من هنا تتداخل الأعراق، عرق الجد الكريم يطبع أثره على الحفيد فيكون كريمًا، وعرق الجد البخيل يطبع أثره على الحفيد فيخرج بخيلاً، الشجاعة، الكرم، البخل، الجبن، كلها صفات جاءت من هذه الجينات الوراثية التي تختزنها النطفة عندما التصقت بجدار الرحم، إذن هذه تسمّى صفاتٍ اقتضائية أشار إليها القرآنُ الكريمُ: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ، ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ [13] .

هذه الصفات اقتضائية، ما هو معنى اقتضائية؟

يعني: ليست علة تامة، يمكن للإنسان أن يتغلب عليها، يمكن أن يُولَد الإنسانُ كريمًا لكن يتحول إلى بخيلٍ باختياره، ويمكن أن يُولَد بخيلاً فيتحوّل إلى كريم باختياره، صفات اقتضائيّة يعني: صفاتٌ ورثها الإنسانُ بمقتضى الجينات الوراثية الكامنة في نطفته، ورثها من أجداده لكنّه يمكن أن يغيّر شخصيته بإرادته واختياره، فهي اقتضائيّة لكن ليست علة تامة لمسيرة الإنسان ولحركة الإنسان.

القسمٌ الثالث: اكتسابيّة محضة «اكتسبها الإنسانُ من سلوكه».

الإيمان والفسق: الإنسان الذي يتعلم ويتشرّب الإيمانَ من أسرته، من المسجد، من أصدقائه، يكون الإيمانُ صفة اكتسابية له، والإنسان الذي يتجرّع الفسقَ من محيطٍ سيّء يكتسب الفسقَ من هذا المحيط، فالإيمان والفسق صفة اكتسابية محضة.

إذن عندنا الصفات إمّا صفات رئيسيّة مقوّمة لإنسانيّة الإنسان، أو صفات اقتضائيّة ورثها الإنسانُ من الجينات المختزنة في نطفته التي تشكّلت منها شخصيته الماديّة، أو صفات اكتسابيّة يكتسبها من الأسرة أو المحيط.

السعادة والشقاء من أين تأتي؟ كيف يصير سعيدًا؟ كيف يصير شقيًا؟

ربّما يقول الإنسانُ: هذه صفاتٌ نحن ورثناها، وُلِدْنا ونحن إمّا أشقياء أو سعداء، بعضهم يستند لهذا الحديث: صحيحة أبي الصباح الكناني عن الصادق «عليه السّلام» عن محمّدٍ رسول الله : ”السّعيد سعيدٌ في بطن أمّه، والشّقي شقيٌ في بطن أمّه“ فهو منذ بطن أمّه إمّا سعيدٌ أو شقيٌ، لا تغيّر، ربّما يستند الإنسانُ لمثل هذه الرّواية، لكنّ هنا تأملين التفت إليهما:

التأمّل الأوّل: لو كانت السعادة صفة لازمة لا تنفكّ عن الإنسان والشقاء صفة لازمة لا تنفكّ عن الإنسان لبطلت حجّة الله تبارك وتعالى، فلا يقدر أن يحتجّ على الإنسان بشيءٍ، إذا كان قد خلقه سعيدًا فلا معنى لأمره ولا لنهيه، وإذا كان قد خلقه شقيًا فلا جدوى في تكليفه وبعثه، لأنّه خُلِقَ شقيًا، لو أنّ السعادة والشّقاء صفة لازمة لا تنفكّ عن الإنسان لبطلت الحجّة الإلهيّة، والله عزّ وجلّ يقول: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [14] ، لا يبقى لأحدٍ حجّة، ولا يبقى لأحدٍ عذرٌ، ولا يبقى لأحدٍ مجالٌ للاحتجاج على الله، لماذا؟

لأنّ الله خلق البشر وأعطاهم صفاتٍ متساوية، فهم بقدرتهم واختيارهم يختارون الطريقَ السيّء أو الطريق الحسن ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [15] ، فلو أنّ العباد منهم شقيٌ ومنهم سعيدٌ والشقاء لازمٌ والسعادة لازمة لما صحّ لله أن يحتجّ على عباده ببعث الأنبياء والرسل؛ لأنّ البشر أصلاً هم في رتبةٍ سابقةٍ إمّا شقيٌ وإمّا سعيدٌ، إذن الشقاء والسعادة ليس صفة لازمة، وإلا لبطل الاحتجاجُ الإلهيُ على العباد ببعث الأنبياء والرسل ونصب الأئمة ووضع القوانين والتكاليف.

التأمل الثاني: نحن عندنا رواية تشرح مفاد هذه الرواية، الروايات يفسّر بعضُها بعضًا، عندنا صحيحة محمد بن أبي عمير عن الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر ، سأله، قال: ما معنى ما ورد عن النبي: ”السّعيد سعيدٌ في بطن أمّه، والشقي شقيٌ في بطن أمّه“، فأجاب «عليه السّلام»: ”السّعيد من عَلِمَ اللهُ وهو في بطن أمّه أنّه سيعمل عملَ السّعداء، والشقي من علم اللهُ وهو في بطن أمّه أنّه سيعمل عملَ الأشقياء“ لا أنّه جعله سعيدًا، عَلِمَ بأنّه سيعمل عملَ السّعداء، عَلِمَ بأنّه سيعمل عملَ الأشقياء.

وكما يقول علماؤنا: العلم ليس من سلسلة علل المعلوم، كيف العلم ليس من سلسلة علل المعلوم؟

أشرح لك الآن: يعني الآن مثلاً أنت عندك ولدٌ، من حبّك لولدك واهتمامك به توفر له وسائلَ التعلم والمعرفة، تدخله مدرسة منظمة، تهيّئ له مدرّسين أكفاء، تهيّئ له سائرَ المصادر، تهيّئ له الأجواء الكافية للمذاكرة، تحثه على التعلم والمعرفة، لكن أنت مع هذه الأمور كلها تعلم أنّ ولدك هذا لن ينجح في الدراسة باختياره وبإرادته، تعرف، ولدي هذا أعرفه لن ينجح، لن يفوز في دراسته، لكن باختياره وإرادته، هو يريد الفشل، هو يريد الإحباط، هو يريد التراجع، باختياره وإرادته أنا أعلم بذلك، فهل علمي بأنّ هذا إنسانٌ سيختار الفشل، هل علمي بذلك سببٌ لفشله؟! لا، أنا بالعكس، هيّأتُ له مدرسة، ومدرّسين، وأجواءً دراسية كافية، ومع هذا كله أنا أعلم أنّه سيختار الفشل بإرادته، علمي بأنّه سيختار الفشل ليس سببًا لوقوعه في الفشل.

الله هكذا مع الإنسان، خلق الإنسان، هيّأ له الأسبابَ، وهو يعلم أنّ هذا الإنسان مع أنّه تهيّأت له أسبابُ الإيمان كلها مع ذلك هذا الإنسان سيختار الفسق، سيختار بمحض إرادته الفسقَ والانحرافَ، خلقه في بطن أمّه وهو يعلم أنّه سيعمل عملَ الأشقياء باختياره، وخلقه وهو في بطن أمّه وهو يعلم أنّه سيعمل عملَ السّعداء ولكن باختياره، والعلم ليس علة لوقوع الإنسان في ذلك المعلوم.

إذن ليس عندنا سعادة لازمة وشقاء لازم، تأتي وتقول: والله أنا حظي شقيٌ لأنّني بُلِيتُ بأولادٍ عصاةٍ! أو أنا حظي شقي لأنّي بُلِيَتُ بزوجةٍ مثلاً مشاكسة! أو أنا حظي شقيٌ لأنّي بُلِيتُ بالفقر! وفلانٌ حظه سعيدٌ، أعْطِيَ أولادًا مطيعين، أعْطِيَ ثروة، أعْطِيَ مثلاً زوجة صالحة...

ليست المسألة مسألة حظ، ولا مسألة سعادة لازمة، ولا مسألة شقاء لازم، كلّ ذلك يرجع إلى سعي الإنسان ودقة الإنسان، نتيجة تربيتك الدقيقة لولدك أن يكون ولدك صالحًا، ونتيجة اختيارك الدقيق للزوجة الصالحة تكون الزوجة صالحة، كل ذلك يرجع إلى سعيك ودقتك وتثبتك في الأمور، ليست هناك مسألة حظ، وليست هناك مسألة سعادةٍ وشقاوةٍ، كلّ ذلك يرجع إلى سعي الإنسان: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى [16]  أنت باختيارك.

والله تبارك وتعالى يهيّئ للإنسان الأسباب بمقتضى ما يريد، ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا * كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا [17] .

إذن السعي والدقة في السعي، عليك أن تكون دقيقًا في أمورك، في اختياراتك، في سعيك، في سلوكك، في مسارك، الدقة في السعي هي التي تجنبك المطبّاتِ والكبواتِ، الدقة في السعي هي التي تجعلك تسير مسارَ السعادة لا مسار الشقاء، والدقة في السعي لها الأثر على الخاتمة، بعضهم يقول لك: نحن على الخاتمة! طيّب الخاتمة من أين تأتي؟! تأتي من السعي، حسن الخاتمة منوط بالسعي نفسه، كلما كنتَ صاحبَ سعي صالح دقيق كان ذلك سببًا من أسباب التوفيق، أنْ تُوفق لخاتمة حسنة، وكلما كان سعيك متبعثرًا ومتعثرًا كان ذلك سببًا لخاتمةٍ سيّئةٍ، اللهم اجعل خيرَ أعمالنا خواتمها، وخيرَ أيامنا يوم نلقاك.

ولذلك نلاحظ التاريخ كيف أنّ أشخاصًا يتغيّرون من دربٍ إلى دربٍ نتيجة بذورٍ ونواةٍ كانت في حياتهم غيّرتهم، لا يكون هذا أمرًا مفاجئًا، هذا تراه إنسانًا صالحًا ثم صار فاسدًا، فجأة؟! لا، ليس فجأة، ولا بالقفز، لا، ولا بالطفرة، هذا إنسانٌ صالحٌ لكن كانت عنده جذورٌ من الفساد، بعد ذلك الجذور أثّرت أثرَها، إنسانٌ فاسدٌ لكن كانت عنده جذورٌ من الصلاح، الجذور أثّرت أثرَها فأصبح صالحًا، والمرجع هو السعي الحثيث الدقيق، نرى كثيرًا من الصور تغيرت.

عندما نقارن بين عمر بن سعد والحر بن يزيد: عمر بن سعد قريبٌ من آل بيت النبوة، عمر بن سعد ابن خالة علي الأكبر، هم أولاد خالة، إذن عمر بن سعد قريبٌ من هذا البيت، قريبٌ من هذه الأجواء، قريبٌ من معرفة بيت الطهارة، بيت العصمة، بيت العلم، بيت الوحي، ومع ذلك عندما أقبلت عليه الدنيا وكانت هناك جذورٌ في نفسه تهوى الدنيا وتتشبث بها أصبح إنسانًا منحرفًا، وأصبح عمر بن سعد بهذه الصورة السوداوية.

والحر بن يزيد الرياحي الذي خرج لحصار الحسين، المهمّة هي حصار الحسين، الذي خرج لحصار الحسين ، لحصار ثقل رسول الله وإذا بهذا الرجل يتحوّل إلى ذلك الإنسان الشهيد بين يدي الحسين، ينكبّ على قدميه يقبّلهما ويقول: سيّدي هل لي من توبة وهل لي من إنابة؟ والحسين يقول: ”إذا تبتَ تاب اللهُ عليك وأنت معنا“، وما هو إلا وقتٌ قصيرٌ حتى يسقط صريعًا على الأرض ويقف الحسينُ على جسده ويقول: ”صدقت أمّك حين سمّتك حرًا، أنت حرٌ في الدنيا وسعيدٌ في الآخرة“، الحسين يقول للحر هكذا، وفي المقابل يقول لعمر بن سعد: ”يا ابن سعد، قطع الله رحمَك كما قطعتَ رحمي، وسلط اللهُ عليك مَنْ يذبحك على فراشك“ لأنّ عمر بن سعد أقام مجزرة رهيبة ما أقامها أحدٌ أبدًا...

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمّدٍ وآله الطيبين الطاهرين

[1] هود: 105.
[2] الحديد: 20.
[3] آل عمران: 14.
[4] آل عمران: 196 - 197.
[5] النحل: 97.
[6] طه: 124.
[7] الأنعام: 125.
[8] الرعد: 28.
[9] يونس: 62.
[10] الفجر: 27 - 28.
[11] الإسراء: 84.
[12] المؤمنون: 12 - 14.
[13] فاطر: 19 - 21.
[14] النساء: 165.
[15] الإنسان: 3.
[16] النجم: 39 - 41.
[17] الإسراء: 18 - 20.

القيمة المعرفية للأحلام
وحدة الوجود بين الفلسفة والعرفان