نص الشريط
ظاهرة السباب واللعن في التراث الإسلامي
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مسجد الرسول الأعظم - مطرح
التاريخ: 13/2/1428 هـ
مرات العرض: 2014
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1392)
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ

صدق الله العلي العظيم

انطلاقًا من الآية القرآنية نتحدث في محورين:

  • في منشأ ظاهرة السباب واللعن.
  • وفي تبرير وتوجيه ظاهرة اللعن والسباب في التراث الإسلامي.
المحور الأول: منشأ ظاهرة السباب واللعن.

الإنسان في حالات الغضب والانفعال يتسم بظاهرة السباب، أو بظاهرة اللعن، يسب الطرف الآخر المخالف له أو يلعنه أو يتبرأ منه، فما هو منشأ ظاهرة السباب واللعن؟ الله «تبارك وتعالى» عندما خلق الإنسان، أودع فيه غريزةً تسمّى بغريزة حب الذات، الإنسان طُبِعَ ووُلِد وهو يحب ذاته، الإنسان بطبعه وبفطرته يحب ذاته، وغريزة حب الذات غريزة مسيطرة على تصرفات الإنسان، وعلى حركات الإنسان. غريزة حب الذات يتفرّع عنها غريزتان: الغريزة الأولى: غريزة جلب اللذة، والغريزة الثانية: غريزة دفع الألم. هذا ما يقرّره علماء النفس والفلاسفة المسلمون.

غريزة جلب اللذة تسمى في الفلسفة بالقوة الشهوية، وغريزة دفع الألم تسمى في الفلسفة بالقوة السبعية، التعبيرات مختلفة بين اصطلاح علم النفس وبين اصطلاح الفلاسفة، الفلاسفة يقولون: عندنا الإنسان قوتان: قوة شهوية، وهي القوة التي تحث الإنسان على أن يجلب اللذة لنفسه، القوة التي تحث الإنسان على أن يستمع الموسيقى، على أن يشبع شهوته الجنسية، على أن يشبه شهوته نحو الطعام والشراب، هذه الغريزة - غريزة جلب اللذة - تسمى بالقوة الشهوية. وغريزة دفع الألم تسمى عند الفلاسفة بالقوة الغضبية، أو بالقوة السبعية، الإنسان إذا تعرض إلى ما يغضبه يثأر لنفسه، كما ورد في الحديث: ”من أُغْضِب فلم يغضب فهو حمار“، الإنسان الذي ليس عنده غريزة سبعية، ليست عنده غريزة دفع الألم، حيوان! المائز بين الإنسان والحيوان أن الإنسان لديه غريزة دفع الألم، يثأر لنفسه، يثأر لكرامته، يغضب لنفسه إذا أُغْضِب أو جُرِح.

إذن، غريزة حب الذات غريزة أساسية في الإنسان، الإنسان يحب ذاته، لماذا يتزوج؟ لأن الزواج يغذي ذاته، لأنه يحب ذاته تحب المرأة، لأن المرأة تشبع ذاته، ولأنه يحب ذاته يحب أولاده لأن أولاده امتداد لذاته، الإنسان حتى حبه لزوجته هو متفرع على حبه لذاته، حتى حبه لأولاده هو متفرع على حبه لذاته، حبه للأموال، حبه للثروة، حبه للجاه والمنصب، كل ذلك متفرع على حبه لذاته. إذن، الغريزة الأساسية هي غريزة حب الذات، وهذه الغريزة تتفرع عنها غريزتان: غريزة جلب اللذة للذات، وتسمى بالقوة الشهوية، وغريزة دفع الألم عن الذات، وتسمى بالقوة السبعية.

من هنا - من خلال القوة السبعية المسماة بغريزة دفع الألم - تنشأ ظاهرة السباب، لماذا يسب الإنسان؟ الإنسان إذا جُرِحَت شخصيتُه أو أوذيَت شخصيتُه تراه ينفعل، ونتيجة الانفعال يتسم بظاهرة السباب، يسب الطرف الآخر، أو يلعن الطرف الآخر، أو يشتم الطرف الآخر، يظن أن السباب أو اللعن أو الشتم يغذي غضبه، يأخذ بثأره، يحافظ على توازنه، يعتقد أنه إذا سب أو شتم فقد أفرغ شحنته الغضبية، وبالتالي يعود إلى حالة التوازن، حتى يعود لحالة التوازن يفرغ الغضب، يفرغ الانتقام من خلال الألفاظ، ألفاظ السباب وألفاظ الشتم وألفاظ اللعن. إذن، منشأ ظاهرة اللعن، منشأ ظاهرة السباب، هي انفعال القوة السبعية، أو انفعال غريزة دفع الألم التي هي متفرعة على غريزة حب الذات، هذا منشأ ظاهرة السباب أو اللعن.

المحور الثاني: توجيه ظاهرة اللعن والسباب في التراث الإسلامي.

ظاهرة السباب أو ظاهرة اللعن هل هي ظاهرة صحيحة أم هي ظاهرة بغيضة؟ طبعًا ظاهرة بغيضة، فقد ورد عن النبي محمد : ”إن الله حرّم الجنة على كل فحّاش بذيء القول لا يبالي بما قال ولا بما قيل فيه“، ظاهرة السباب، ظاهرة اللعن، ظاهرة بغيضة، فإذا كانت ظاهرة بغيضة فإننا نرى التراث الإسلامي حافلٌ بهذه الظاهرة.

معالم الشبهة:

من هنا، بعض المفكرين الحداثيين يطرح إشكالًا وشبهةً على التراث الإسلامي، يقول: التراث الإسلامي هو الذي يعلّمنا على السباب وعلى الشتم وعلى اللعن، التراث الإسلامي تراثٌ حافلٌ بظاهرة السباب وبظاهرة اللعن، سواء كان هذا التراث قرآنًا أو سنةً، هو التراث حافلٌ بظاهرة اللعن والسباب، وهو الذي يربّي الأجيال المسلمة على هذه الظاهرة.

أنت عندما ترجع إلى القرآن والسنة، تأتي مثلًا إلى القرآن: كم عدد آيات اللعن في القرآن؟! أكثر من خمسين آية! ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ، القرآن الكريم يقول: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ، القرآن الكريم يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. إذن، القرآن حافل باللعن، هذا تراثك الإسلامي، وهو حافلٌ بثقافة اللعن، ويربّي الأجيال على هذه الثقافة.

والسنة أيضًا حافلة بظاهرة اللعن، أنت إذا قرأت الزيارات مثلًا الواردة عن الإمام الصادق ، زيارات الحسين اللعن متكرر فيها، ”لعن الله أمة قتلتك، ولعن الله أمة ظلمتك، ولعن الله أمة سمعت بذلك فرضيت به“، ”اللهم العن قتلة الحسين، والعن أشياعهم وأتباعهم“، ظاهرة اللعن ظاهرة وفيرة، ظاهرة ممتدة في التراث الإسلامي، في القرآن وفي السنة. ثقافة اللعن ثقافةٌ تتنافى مع المنطق التربوي، وتتنافى مع المنطق القرآني.

الجهة الأولى: منافاة المنطق التربوي.

هذه الثقافة تتنافى مع المنطق التربوي، لماذا؟ عندما ترجع إلى علماء التربية تجدهم يتحدثون عن هذه الثقافة، ثقافة السباب واللعن، علماء التربية يقولون: ظاهرة اللعن وظاهرة السباب تربّي الإنسان على روح الكراهية وروح البهيمية.

الروح الأولى: روح الكراهية.

الإنسان عندما يختلف مع شخص آخر، أنا أختلف معك في فكرة معينة، في طريقة معينة، في منهج معين، أنا عندما أختلف مع الشخص الآخر، هل المطلوب أن يبقى الاختلاف اختلافًا فكريًا، أم يتحول إلى اختلاف شخصي أو عداوة شخصية؟ المطلوب أن يبقى الاختلاف اختلافًا فكريًا، لوا يتحول إلى خلاف شخصي، ولكن ثقافة اللعن تربّي المسلم على أن يحوّل خلافه من خلاف فكري إلى خلاف شخصي، ثقافة اللعن تربّي المسلم على روح الكراهية، أي: أن يحوّل خلافاته الفكرية إلى خلافات شخصية، يعتبر هذا المختلف معه في الفكر عدوًا، فيفرغ شحنته النفسية أمامه باللعن وبالسباب.

إذن، اللعن والسباب يربّي الإنسان، يربّي الأجيال، نحن عندما ننشر ثقافة اللعن والسباب نربي الأجيال على روح الكراهية، على أن يلعنوا من يختلف معهم، بمجرد أن يختلف معي شخص أصكه بلعنةٍ حتى أفرغ شحنتي الغضبية تجاهه وأعود إلى حالة التوازن! إذن، نحن نربي الأجيال على روح الكراهية، وتحويل الاختلافات الفكرية إلى خلافات شخصية، وهذه كارثة، وهي المشكلة الأولى.

وهذه المشكلة القرآن الكريم نفسه يأباها، القرآن الكريم دائمًا يقول: خلافاتكم فكرية وليست شخصية، فيقول مثلًا: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، هؤلاء كفار، لكن إذا هذا الكافر لم يقاتلك، ولم يخرجك من ديارك، فلا مانع من أن تقيم بينك وبينه علاقة المودة والارتباط. إذن، الاختلاف بيننا وبين الكافر خلاف فكري، وليس خلافًا شخصيًا، لذلك ليست عندنا عداوة شخصية معه. إذن، القرآن نفسه يأمر بحصر الخلافات في الاختلافات الفكرية.

الروح الأخرى: روح البهيمية.

أنا عندما أختلف معك في الفكر، بدلًا من أن تكون المعركة معك معركة فكرية، تتحول إلى معركة لسانية، نحن ننزل، لا نصعد، نحن عندما نواجه الفكر بالفكر نرقى ونصعد، أما عندما نحجب الفكر، ونحوّل المواجهة إلى اللسان، إلى هذه الجارحة، فإننا ننزل بالخلاف إلى الحالة البهيمية، لا إلى الحالة العقلانية.

إذن، ثقافة السباب واللعن تتنافى مع المنطق التربوي؛ لأنها تربّي الإنسان على روح الكراهية وروح البهيمية، فكيف يركّز القرآن هذه الثقافة؟! هذا أولًا.

الجهة الأخرى: منافاة المنطق القرآني.

ثانيًا: هذه الثقافة تتنافى مع المنطق القرآني نفسه، القرآن نفسه لا يرضى بهذه الثقافة، القرآن نفسه يقول: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ، أنت لا تشتم رموز الطرف الآخر، أنت عندك رموز، والطرف الآخر أيضًا عنده رموز، الكفار عندهم رموز، وأنت عندك رموز، الكعبة المشرفة رمز، النبي محمد رمز، كذلك أيضًا الشخص الآخر عنده رموز، عيسى بن مريم، الكنيسة... إلخ، أنت لا تشتم رموزه حتى لا يشتم رموزك كردة فعل، حتى تعيش في حالة وئام، ويستتب السلم الاجتماعي، فلا تتعامل بشتم رموز الطرف الآخر. القرآن الكريم نفسه يركز على كرامة الإنسان: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ، من كرامته ألا يسب، من كرامته ألا ينال كافرًا أو مسلمًا، أليست له كرامة؟! إذن، ثقافة السباب تتنافى مع المنطق القرآني نفسه.

معالجة هذه الشبهة:

نحن ماذا نفعل بهذا التراث الإسلامي الموجود في القرآن والموجود في الروايات؟ إذا كانت ثقافة اللعن تتنافى مع المنطق التربوي، وتتنافى مع المنطق القرآني، فماذا نفعل بهذا التراث؟! هناك أجوبة ثلاثة لهذه الشبهة:

الجواب الأول: التفريق بين اللعن والسب.

أن هناك فرقًا بين عنوان اللعن وعنوان السب، ما هو الفرق اللغوي بينهما؟ السب هو عبارة عن تنقيص الكرامة، أنا آتي لإنسان، أقول: أمه فيه كذا، أبوه فيه كذا، هذا إنسان وسخ، هذا إنسان ساقط.. هذا سباب؛ لأنه تنقيصٌ للكرامة، تنقيص الكرامة يسمى سبابًا، والسباب لا يجوز. ورد عن النبي محمد : ”سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر، وأكل لحمه معصية، وحرمة ماله كحرمة دمه“، والمراد بأكل اللحم غيبة المسلم، ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ.

إذن، السباب هو تنقيص الكرامة، وأما اللعن فهو دعاء، اللعن هو عبارة عن مطلوبية الطرد من رحمة الله، أنا عندما أقول: اللهم العن فلانًا، أي: اطرده من رحمة الله. الله «تبارك وتعالى» عندما يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ أي: طردهم من رحمته. اللعن هو الطرد، اللعن دعاءٌ بالطرد من رحمة الله، فهناك فرق بين السباب وبين اللعن.

الذي يتنافى مع المنطق التربوي والقرآني هو السباب، وهذا ليس موجودًا في التراث الإسلامي، وأما اللعن فهو دعاء، هذا لا يتنافى مع المنطق التربوي والقرآني. هذا هو الجواب الأول، ولكنه غير صحيح، لماذا؟

أولًا: لا فرق بين سب الإنسان ولعنه، كلاهما نيلٌ من كرامته، أنت تأتي لشخص وتقول له: والله أنا أحافظ على كرامتك ولكنني ألعنك! يقول لك: ما هذه المسخرة؟! كيف تلعني وتحافظ على كرامتي في نفس الوقت؟! لا فرق في نيل الكرامة بين السباب وبين اللعن، كلاهما نيلٌ من الكرامة، كلاهما تنقيصٌ من الكرامة، لا فرق بين عنوان السب واللعن من هذه الناحية.

ثانيًا: القرآن أيضًا مشتمل على ألفاظ قاسية، القرآن مثلًا عندما يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ، ليس لعنًا فقط، بل يصف المخالفين أيضًا بأوصاف لاذعة. القرآن الكريم نفسه يقول: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ، القرآن الكريم يقول كذلك، القرآن الكريم يقول: ﴿الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، القرآن الكريم نفسه يقول: ﴿فَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ، أليس هذا سبابًا؟! القرآن الكريم نفسه يصف المشركين بأوصاف لاذعة: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. إذن، أنت عندما تلاحظ هذه الآيات كلها لا تجد فرقًا بين السباب واللعن، كلاهما ورد في القرآن الكريم، فهذا الجواب لا يصلح.

الجواب الثاني: الاستناد إلى تاريخية النص.

هناك بحث عند المفكّرين المُحْدَثين يسمّى ببحث تاريخية القرآن، هذا سأتعرض له في ليلة من الليالي، بحث فكري مهم. المسألة ترتبط بتاريخية الكتاب، بتاريخية النص القرآني. نحن في ثقافتنا المعاصرة، في حضارتنا الآن، نجد أن اللعن والسباب أمر قبيح، أمر يتنافى مع المنطق التربوي، لكن إذا رجعنا إلى ثقافة العرب قبل خمس مئة سنة، لم يكونوا يرون ذلك، ما كان السباب أو اللعن يتنافى مع المنطق التربوي في الثقافة العربية آنذاك، لماذا؟

كان السباب أو اللعن رمزًا للرفض، كانوا يستخدمونه كرمز للرفض. القرآن حتى يربّي المسلمين على رفض الشرك، قال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ، يستخدم كلمة «نجس» كرمز لرفض الشرك، كذلك كلمة «رجس» في قوله: ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ، هذه الكلمات يستخدمها القرآن كرمزٍ لرفض الصفة، الشرك صفة ذميمة، فحتى يربي المسلمين على رفضها يقول لهم: المشركون رجس، المشركون نجس. كذلك أيضًا الظلم، الظلم صفة ذميمة، حتى يربي القرآن المسلمين على رفض الظلم يقول: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ، يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

إذن، اللعن أو الأوصاف القاسية ما كانت في الثقافة العربية قبل خمس مئة سنة تعد منافية للخلق أو للمنطق التربوي، بل كانت رمزًا لرفض الصفة الذميمة، والقرآن استخدمها كرمز لرفض الصفة الذميمة، وبالتالي هذا منسجم مع المنطق التربوي، وليس منافيًا للمنطق التربوي، هذا يؤكد المنطق التربوي، يدعّم المنطق التربوي، حتى يربي الأمة على رفض الظلم ورفض الشرك ورفض الكتمان، حتى يربيهم على رفض هذه الأوصاف القبيحة يصف أهلها بأوصاف قاسية ليربيهم على رفض ذلك.

هذه مسألة ترتبط بتاريخية النص القرآني، وهذه المسألة سيأتي علاجها، هل فعلًا القرآن نصوصه تاريخية، ترتبط بثقافة معينة، ترتبط بلغة معينة، ترتبط بزمن معين، أم أن القرآن ليس كتابًا تاريخيًا، بل القرآن يعطي حقائق لجميع الأجيال، لجميع الأزمنة، لجميع المجتمعات، وليس كتابًا تاريخيًا حتى نحصره في ثقافة تلك الأزمنة.

الجواب الثالث: الاستناد إلى قرينية السياق.

مسألة اللعن ومسألة السباب أو الأوصاف القاسية، علماء اللغة يؤكدون على قرينية السياق. الفعل أو الكلام إذا أتى في سياق معين، فلا تستطيع أن تفهمه حتى تفهم سياقه، السياق قرينةٌ على فهم المقصود من الكلام، أو فهم المقصود من العمل، فمثلًا: أحيانًا يدخل عليك إنسان، وهذا الإنسان محترم، وأنت تقوم له، هنا يعدّ القيام احترامًا؛ لأن سياق الجلسة كان سياق الاحترام، هذا رجل مكرم، دخل المجلس، أنا قمت له، قيامي يعد احترامًا؛ لأنه جاء في سياق الاحترام. أما لو دخل إنسان نريد أن نسخر به، فنقوم له، ونقول له: أهلًا ومرحبًا! هذا لا يعتبره احترامًا، بل يعتبره سخريةً؛ لأنه جاء في سياق السخرية والمزاح. إذن، السياق يؤثر، العمل جاء في أي سياق؟ إذا جاء القيام في سياق احترام يعد احترامًا، وإذا جاء القيام للقادم في سياق الاستهزاء يعد سخريةً.

إذن، يختلف المقصود من القول والعمل باختلاف السياق الذي يصدر فيه. كذلك في الكلام، فأنا مثلًا عندما أمر على إنسان، هو جالس بالشارع، أقول: هذا إنسان ساقط، إنسان دوني، فيه ما فيه. هنا جاء الكلام في سياق الذم، ولذلك يعد سبابًا، ويكون أمرًا مذمومًا. أما عندما يأتي الوالد، ويشتكي للمعلم، يقول له: ولدي إنسان منحرف، ولدي لا يبالي بالمعاصي، ولدي إنسان عاق لوالديه. هذا لا يعتبر سبابًا؛ لأنه جاء من الأب في سياق تربيته، وفي سياق نصيحته، أراد من معلمه أن ينصحه، فذكر له هذه الأوصاف، جاء الكلام من أبيه من أجل إنقاذه مما هو فيه، فهذا لا يعد سبابًا، بل يعد وصفًا حقيقيًا للولد من أجل نصيحته وتربيته.

كذلك أيضًا عندما يقف المدرس أمام تلامذته ويقول لهم: فلان متفوق، هذا إنسان مبدع. هذا جاء في سياق تحفيزهم على أن يكونوا مثله. وعندما يقول: فلان كسول، متخلف في دراسته، لا يبالي بالمذاكرة. هذا لا يعد سبابًا؛ لأنه جاء في سياق تنبيههم على ألا يكونوا مثله. إذن بالنتيجة: ليس كل وصف قاسٍ سبابًا، وليس كل لعنٍ ذميمًا، بل لا بد من أن نقرأ سياقه الذي صدر فيه، فإذا صدر هذا الوصف القاسي في سياق التربية فهذا ليس سبابًا، وإذا صدر الوصف القاسي في سياق الذم فهو سبابٌ.

أضرب لك أمثلة من القرآن الكريم: القرآن الكريم عندما يقول: ﴿فَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ، هو لا يصف جماعة معينة، بل هو في مقام طرح قضية تربوية عامة، يقول: الأوصاف الموصوفون بهذه الأوصاف احذرهم، لا تكن معهم، فهذا ليس وصفًا لأشخاص حتى يعد سبابًا، وإنما هو طرح لقضايا تربوية عامة، على الإنسان أن يحذر من هؤلاء الموصوفين بهذه الأوصاف.

أو عندما يقول القرآن: ﴿بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ، هذه الكلمة لم تأتِ في سياق الذم حتى تعد سبابًا، وإنما جاءت في سياق التحذير من خطرهم. مثلما أنا أحذّر ابني، أقول: ابني فلان خطر، فلان منحرف، لا تقم علاقةً معه، كذلك أيضًا الله «تبارك وتعالى» يحذّر المسلمين ألا يخدعهم المنافقون: ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ.

إذن، القرآن الكريم ما ورد فيه من الأوصاف القاسية ما كان في سياق الذم حتى يعد سبابًا يتنافى مع المنطق القرآني أو يتنافى مع المنطق التربوي، وإنما جاء في سياق التربية، سياق التحذير، سياق التنبيه، سياق التعليم، فلا يعد سبابًا، كما أن اللعن الوارد في القرآن الكريم، أو في السنة، جاء في سياق التربية على رفض الظلم. نحن لا نلعن فلانًا أو فلانًا، القرآن الكريم يقول لك: أنا لا ألعن فلانًا أو فلانًا، لا ألعن أشخاصًا، أنا ألعن الظالم، حتى أربيك على رفض الظلم، ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ هؤلاء يظلمون المجتمع لأنهم يكتمون العلم عن المجتمع ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ، فاللعن هنا لتربية المسلمين على رفض الظلم.

نماذج من سيرة أهل البيت:

لذلك، الإمام أمير المؤمنين علي ترى سياق كلامه مختلفًا، تارة ينهى عن السب، جاءه جيشه في معركة صفين، قالوا له: يا أمير المؤمنين، إنهم يسبونك وينالون منك، فهل تأذن لنا أن ننال منهم كما نالوا منك؟ قال: ”إني أكره لكم أن تكونوا سبّابين، فلو وصفتم أعمالهم، وذكرتم أفعالهم، لكان ذلك أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم احقر دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم“.

أنتم الآن في مجال معركة، أنتم الآن في مجال قتال، إذا استخدمتم لغة السب فإنها تعتبر لغة ذميمة، لغة العاجز، العاجز هو الذي يحوّل معركته من معركة فكرية إلى معركة لسانية، العاجز هو الذي يحوّل مواجهته من مواجهة فكرية إلى مواجهة لسانية، أنتم في مواجهة مع معاوية، معاوية ليس شخصيًا، بل معاوية تيار وخط، خط يعني الظلم، خط يعني الطغيان، أنتم في مواجهة مع خط، في مواجهة هذا الخط اتسموا بالمواجهة الفكرية، ”فلو وصفتم أعمالهم، وذكرتم أفعالهم، لكان ذلك أصوب في القول، وأبلغ في العذر“، لا تحولوا المعركة إلى معركة لسانية، فينزل مستوى المعركة، تصبح معركة لا قيمة لها.

إذن، الإمام في سياق المواجهة ينهى عن السب، السب يُضْعِف المعركة، يحوّلها إلى معركة لسانية، لكنه في سياق التحذير، وتربية الأمة، وتحذيرها من الأناس الخطرين على الأمة يصفهم بأوصاف قاسية: ”سيخرج عليكم رجلٌ من بعدي، طويل البلعوم، مندحق البطن، يأكل ما يجد، ويطلب ما لا يجد، ألا فاقتلوه ولن تقتلوه، وإنه يأمركم بسبي والبراءة مني“ إلى آخر ما ذكر أمير المؤمنين في وصف معاوية، عبّر عنه بأوصاف لاذعة؛ لأنه في سياق تحذير الأمة من مثله.

ولذلك، نجد الأئمة أيضًا تظهر منهم أحيانًا هذه الألفاظ في مقام التحذير لا في مقام المعركة ولا في مقام المواجهة، تظهر منهم بعض الألفاظ من أجل التحذير. عندما تسمع مثلًا الإمام زين العابدين يقف أمام عبيد الله بن زياد، ويقول له: ”ثكلتك أمك يا بن مرجانة!“، أو عندما تقف العقيلة زينب أمام يزيد بن معاوية وتقول: ”أمن العدل يا بن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك؟!“، هذه الكلمة - كلمة «يا بن الطلقاء» - لم تكن في مقام المواجهة، بل كانت في مقام التحذير، إعلام وإعلام مضاد. يزيد كان عنده إعلام يقول: هؤلاء خوارج خرجوا على الأمير، الحسين ومن معه خرجوا على حاكم زمانهم، فاستحقوا القتل! هكذا كان الإعلام الأموي، فقام أهل البيت بإعلام مضاد، فقالوا: أنتم الطلقاء، أنتم طلقاء النبي، وأما نحن فإنا أهل بيت النبوة.

إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى