نص الشريط
البعد الحسيني في الفكر الإمامي
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 10/1/1435 هـ
مرات العرض: 3116
المدة: 01:08:02
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (2245)
تشغيل:


﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ «سورة آل عمران 61»

الآية المباركة التي نزلت في يوم المباهلة لها عدة دلالات:

الدلالة الأولى: أن هؤلاء الخمسة الذين شكلوا طرف المباهلة هم أفضل الخلق، لأن المباهلة مع دين آخر - كدين النصارى - تتوقف على أن يحضر فيها أقرب الناس إلى الله عز وجل، ولذلك كما ذكر الزمخشري في كشافه، والرازي في تفسيره، والبضاوي والسيوطي وغيرهم، أنه لما باهل رسول الله نصارى نجران خرج بيده الحسن والحسين، وخلفه فاطمة، وخلف فاطمة علي، ولما وقف أمام نصارى نجران قال: إذا دعوتُ فأمّنوا، فلو كان هناك أناس أقرب من هؤلاء إلى الله، أو مثلهم في القرب من الله، لأخرجهم الرسول في هذا الموقف الخطير موقف المباهلة.

الدلاة الثانية: أن الرسول أراد أن يعلم الأمة درسًا، أن هؤلاء الصفوة هم وسائل الخلق إلى الله عز وجل، فالله عندما يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة فما هي الوسيلة؟! هذه الآية الثانية تحدد لنا الوسيلة التي يتخذها المؤمن في التقرب إلى الله عز وجل، الوسيلة هم الذين قال لهم النبي: إذا دعوتُ فأمنوا، مع أنه أشرف الخلق، ودعاؤه أقرب دعاء إلى الله تبارك وتعالى، فلماذا طلب من علي وفاطمة وحسن وحسين أن يؤمنوا على دعائه؟ أراد أن يقول للأمة: إن الوسيلة التي نادت بها الآية الأخرى - ﴿وابتغوا إليه الوسيلة - هم هؤلاء، فلا يصح التقرب إلى الله إلا بالتوسل بهؤلاء الصفوة المطهرة الذين قال لهم الرسول المصطفى : إذا دعوتُ فأمّنوا.

الدلالة الثالثة: أراد النبي أن يقول للأمة من خلال هذا الجمع أن هؤلاء الخمسة روّاد لحركة واحدة، حركة تعتمد على دعامتي النبوة والإمامة، هذه الحركة التي تعتمد على دعامتي النبوة والإمامة لكل واحد من الخمسة دورٌ فيها، فدور رسول الله دور تأسيس الكيان الإسلامي، ودور فاطمة الزهراء الدفاع عن حق الأمة في الخلافة الراشدة، حيث قالت: ”أنى زحزحوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوة والدلالة، ومهبط الروح الأمين، والطبن بأمور الدنيا والدين، ألا ذلك هو الخسران المبين“، ودور علي هو تطبيق وتفعيل أطروحة الدولة الإسلامية، فإن الدولة الإسلامية ما تجسدت بمرافقها من قضاء وشرطة وبيت المال واقتصاد إلا في زمن الإمام علي كما أجمع عليه سائر المسلمين، وكان دور الحسن الزكي التمهيد لثورة أخيه الحسين، وكان دور الخامس منهم - ألا وهو الحسين بن علي «صلوات الله وسلامه عليه» - أنه صار مجددًا لهذه الحركة، صائنًا لثغورها، موقظًا للأمة من سباتها، مجددًا إرادتها ويقظتها، في قوله: ”إني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر“.

من هنا ننطلق إلى قراءات حركة الحسين :

الحسين قطعة من الجمال، لوحة فنية زاهية، اختلفت المدارس في قراءتها وتفسير حقيقتها، فهناك مدارس متعددة قرأت حركة الحسين وقرأت ثورة الحسين .

القراءة الأولى: القراءة الفلسفية.

الفلاسفة المسلمون يقولون: الحسين وجود سعي وليس وجودًا جزئيًا، فإن الوجودات ثلاثة أنواع: وجود عقلي، وهو الذي لا تحده المادة، كمالٌ لا تحده المادة، ووجودٌ مثاليٌ، وهو الوجود المجرّد عن جرم المادة، لكنه محدودٌ بشكل المادة وصورتها، والوجود المادي الذي يخضع للأبعاد الأربعة: الطول والعرض والعمق والزمن، وكل وجود من هذه الوجودات مبدأ للوجود الذي بعده، فأشرفها وأوسعها هو الوجود الأول: الوجود العقلي، لأن الوجود كلما كان أقل حدودًا كان أوسع مساحةً وأكثر امتدادًا، فالوجود العقلي لأنه لا تحده المادة، فهو أكثر سعةً وأوسع مساحةً، لذلك الوجود العقلي يعبّر عنه بالوجود السعي، بالوجود الكلي، وهو الوجود الجبروتي.

الحسين كان وجودًا عقليًا، ليس الحسين هو الجسم الذي خرج من رحم فاطمة الزهراء وعاش على الأرض سبعًا وخمسين سنة ثم رقد في ترابها، هذا الجسم صورة من صور الحسين، مرحلة من مراحل الحسين، الحسين - بحسب القراءة الفلسفية - وجودٌ عقليٌ، وجودٌ سعيٌّ، وجودٌ تجسّد في كل جيلٍ من أجيال الإسلام، فكل حركةٍ جهاديةٍ قياميةٍ قيميةٍ هي حسينيةٌ ومنتميةٌ للحسين ، الحسين ذلك الوجود الذي امتد من يوم كربلاء إلى يوم ظهور المهدي «عجل الله تعالى فرجه الشريف»، هذا الوجود السعي الامتدادي هو حقيقة الحسين بن علي .

القراءة الثانية: القراءة العرفانية.

العرفاء قالوا: الحسين هو الرحمة الإلهية، ”السلام عليك يا رحمة الله الواسعة“، الحسين هو الرحمة التي تجسّد وجه الله وتجسّد رحمة الله تبارك وتعالى، بيان ذلك أن الرحمة على نوعين: رحمة رحمانية، أشار إليها القرآن بقوله: ﴿بسم الله الرحمن، وهي الرحمة التي عمت الوجود كله، كما قال تعالى: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء، وقال تعالى: ﴿الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، والنوع الثاني: الرحمة الرحيمية، وهي التي أشار إليها جل وعلا في قوله: ﴿الرحمن الرحيم، الرحمة الرحيمية هي الرحمة التي تخص المؤمنين، تخص المهتدين، هذه الرحمة الرحيمية لها ثلاث مراتب:

المرتبة الأولى: الرحمة الوجهية.

التي عبر عنها القرآن الكريم بوجه الله: ﴿إنما نطعمكم لوجه الله، ويقول القرآن الكريم: ﴿كل من عليها فان ويبقى وجه ربك، وجه الله هو رحمته التي يستشعرها المؤمنون، المؤمنون يشعرون برحمة الله أينما توجهوا، يشعرون برحمة الله أينما ساروا، رحمة الله التي يستشعرها المؤمنون في صلاتهم، في سلوكهم، في سفرهم، في حضرهم، تسمّى وجهَ الله.

المرتبة الثانية: الرحمة القريبة.

التي عبر عنها القرآن الكريم بقوله: ﴿إن رحمة الله قريب من المحسنين، الرحمة القريبة هي رحمة اللطف والعناية، حيث يشعر المؤمن أن الله معني به، الله يمده بالدفئ، يمده بالنشاط، يمده بالعلم، يمده بالفهم، ﴿وقل ربي زدني علمًا، شعور المؤمن بأن الله يمده بالرزق والقدرة عبارة عن الرحمة القريبة.

المرتبة الثالثة: الرحمة الإلهية الفنائية.

أن يتحول الإنسان إلى قطعة من الرحمة، يصبح هو رحمةً لله عز وجل، إذا وصل الإنسان إلى هذا المستوى، أصبح هو مظهرًا لرحمة الله، أصبح هو وجهًا لرحمة الله، أصبح هو لا يتنفس إلا برحمة الله، ولا يتكلم إلا برحمة الله، ولا يتحرك إلا في رحمة، إذا أصبح العبد نتيجة فنائه في الله وذوبانه في الله قطعة من الرحمة الإلهية تتحرك على الأرض فهذه أعلى مراتب العرفان وأعلى مراتب الرحمة الرحيمية.

وهذا ما تجسّد في الحسين بن علي «صلوات الله وسلامه عليه»، أصبح مظهر الرحمة الإلهية، لذلك كان يربط أموره كلها بالله عز وجل، ”رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه، ويوفينا أجور الصابرين“، وقال في خطاب آخر: ”هوّن ما نزل بي أنه بعين الله“، وقال في خطاب ثالث: ”اللهم رضا بقضائك وتسليمًا لأمرك يا غياث المستغيثين“، وحُكِيَ عنه أنه تمثّل بهذه الأبيات:

إلهي تركتُ الخلقَ طرًا في هواكَ وأيتمتُ العيالَ لكي أراكَ

فلو قطعتني في الحب إربًا لما مال الفؤادُ إلى سواكَ

القراءة الثالثة: القراءة الإسلامية القرآنية.

كيف نقرأ الحسين من منطلق قرآني؟ كيف نقرأ الحسين من زاوية ومنظور قرآني؟ القراءة القرآنية لحركة الحسين ترتكز على ركيزتين: الشخص والسلوك.

الشخص: من هو الحسين في القرآن الكريم؟

الحسين بمنظور القرآن الكريم بإجماع المسلمين بدون اختلاف هو أحد الصفوة المطهرة، مثلاً: عندما نقرأ قوله تعالى: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا، عندما نقرأ هذه الآية المباركة يأتينا صحيح مسلم ومستدرك الحاكم عن عائشة: خرج علينا رسول الله وعليه مرطٌ مرحّلٌ من شعرٍ أسود فقال: إليَّ إليَّ، وأخذ عليًا وفاطمة وحسنًا وحسينًا، وأسدل عليهم الكساء، وقال: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا، فالحسين أحد الصفوة المطهّرة بنظر القرآن الكريم.

وفي قوله عز وجل: ﴿فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندعو أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين، ذكر السيوطي والبيضاوي والرازي والزمخشري والحاكم في مستدركه أن رسول الله أخرج الصفوة معه: عليًا وفاطمة وحسنًا وحسينًا، فالحسين أحد الصفوة المطهّرة.

وعندما نزل قوله عز وجل: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى ذكر الحاكم في مستدركه أن مسلمًا والبخاري اتفقا على حديث ابن عباس أن هذه الآية نزلت في قربى آل النبي، وهم علي وفاطمة وحسن وحسين، فالحسين بالمنظور القرآني - عند جميع المسلمين - هو أحد الصفوة المطهرة.

الركيزة الثانية للمنظور القرآني تجاه الحسين بن علي «صلوات الله وسلامه عليه وآله»: أن حركة الحسين حركة قرآنية.

لم تكن حركة الحسين حركة مالية، ولا حركة طبقية، ولا حركة فئوية، ولا عشائرية، وإنما كانت حركة الحسين حركةً قرآنيةً، القرآن يقول: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر والحسين استجاب لنداء القرآن الكريم فقال: أنا الأمة الآمرة الناهية، ”ما خرجت أشرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر“، الحسين طبّق نداء القرآن، فحركة الحسين حركة قرآنية.

وبالتالي ليس الحسين للشيعة فقط، بل الحسين رمزٌ للمسلمين كلهم، ليس الحسين قضيةً مذهبيةً، الحسين قضية قرآنية، ذكرنا أن الحسين أحد الصفوة المطهرة في القرآن بإجماع المسلمين، وأن منطلق الحسين في حركته منطلقٌ قرآنيٌ، وهو حركة الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا كانت حركة الحسين قرآنيةً إذن فليس الحسين لمذهب، وليس الحسين لفئة، وليس الحسين لجماعة، حركة الحسين حركة قرآنية، المسلمون كلهم يفتخرون بها.

إننا نستغرب جدًا أن المجلات والجرائد والإعلام يعرض عن الحديث عن الحسين، إننا نستغرب جدًا أن تركّز الأقلام على صيام يوم عاشوراء، وأنه مستحبٌ أو راجحٌ أو مؤكّدٌ، ولا تلمّح لقضية الحسين لا من قريب ولا من بعيد، كأن قضية الحسين لا تعني شيئًا! بينما الحسين أحد الصفوة المطهرة في القرآن الكريم بإجماع المسلمين، بينما الحسين حركته حركة قرآنية خالصة، أليس مقتضى ذلك أن يهب المسلمون وتتسابق الأقلام الإسلامية في يوم عاشوراء لكي تتحدث عن هذه الحركة القرآنية التي قادها الحسين بن علي «صلوات الله وسلامه عليه وآله»؟!

الحسين بن علي كما هو رمزٌ للمسلمين عامةً، لأنه قاد الحركة القرآنية - حركة الإصلاح - فهو رمزٌ للشيعة بكل فئاتهم، بكل أصنافهم، بكل خطوطهم، بكل تياراتهم، الحسين يجمعنا كلنا، قد تختلف الشيعة في بعض المظاهر، في بعض الممارسات، في بعض المرجعيات، ولكنها لا تختلف في الحسين، الحسين رمزٌ للجميع، الحسين رايةٌ تظلّل الجميع، الحسين لواءٌ يجمع الجميع، حريٌ بالشيعة الإمامية في أمثال هذا اليوم العظيم - يوم القرآن، يوم العاشر من المحرم - أن تجتمع على صعيد واحد، كما تجتمع في كربلاء حول قبر الحسين، لكي تتحدث أن الحسين رمزٌ يجمع الجميع، ورايةٌ تظلّل الجميع، ورد عن الإمام الصادق : ”إن لجدي الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدًا“.

قبل أن ندخل في القراءة الأخيرة لحركة الحسين:

هذه الليلة - كما تعرفون - ليلة الحر بن يزيد الرياحي، أي أنها ليلة التوبة، فحريٌ بنا - نحن الذين جئنا لمأتم الحسين - أن تكون ليلة العاشر ليلة توبة بالنسبة إلينا، كما مثّل الحر بن يزيد الرياحي التوبة في يوم العاشر، وآب إلى رحاب القدس، نحن أيضًا لنعلن ليلة العاشر ويوم العاشر بيننا وبين ربنا التوبة لله من جميع الذنوب، من جميع المعاصي، من جميع الرذائل، لنعلن توبة نصوحًا إلى الله تبارك وتعالى، ﴿وتوبوا إلى الله توبة نصوحًا وبذلك نكون أناسًا حسينيين.

وأيضًا يوم العاشر يوم زينب، يوم زينب العقيلة، إذن هو يوم العفاف، ويوم الخفر، ويوم الحجاب، المرأة التي تقصد المأتم الحسيني عليها أن تجسّد حجابَ زينب، وعفافَ زينب، ذلك الحجاب الذي كان حجابًا ساترًا كاملاً، لم يكن ملونًا ولا مزكرشًا ولا شفافًا ولا مخصّرًا، بل كان حجابًا فضفاضًا ساترًا مظهرًا لعفاف المرأة ولوقارها ولبعدها عن أي مثار للفتنة أو الريبة.

القراءة الأخيرة: القراءة الإنسانية.

هناك من بني الإنسانية من قرأ الحسين، وإن لم يكن مسلمًا، هناك من البوذيين، من الهندوس، من يحتفل بذكرى عاشوراء، هناك من المسيحيين من يهتف باسم الحسين ، هؤلاء قرؤوا الحسين لا قراءة الفلاسفة، ولا قراءة العرفاء، ولا من خلال المنطلقات القرآنية، وإنما قرؤوا الحسين قراءةً إنسانيةً، الحسين رمزٌ للإنسانية، الحسين ثورةٌ قيميةٌ لكل مجتمع إنساني، جسّد الحسين يوم كربلاء مجموعةً من القيم تمثلت في حركته المباركة.

القيمة الأولى: قوة الإرادة.

كان الحسين حديدي الإرادة، صلب الموقف، شامخًا صلبًا في موقفه ومسيرته وعزمه «صلوات الله عليه»، قد مثّل الإرادة بقوله: ”ألا وإني زاحفٌ بهذه الأسرة، مع قلة العدد، وخذلان الناصر“، لقد مثّل بهذه الكلمة قوّة إرادته التي لا تلين ولا تخضع ولا تتغير، وهذه القيمة هي قيمة الإنسان، الإنسان قيمته بقوة إرادته، شخصيته بقوة إرادته، الحسين مثّل قوة الإرادة في موقفه يوم كربلاء، ”والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقر إقرار العبيد“.

القيمة الثانية التي مثّلها الحسين وجعلها رسالة إلى العالم كله: قيمة العزة.

المجتمع الرشيد هو المجتمع الذي يسعى نحو العزة ويسعى نحو الكرامة، الحسين يركّز على مبدأ العزة والكرامة: ”ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة! يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وجذورٌ طابت، وحجورٌ طهرت، وأنوفٌ حميةٌ، ونفوسٌ أبية، أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام“، وقال: ”إنا أهل البيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة، ويزيد رجل فاسق شارب للخمر قاتل للنفس المحترمة، ومثلي لا يبايع مثله“.

القيمة الثالثة التي جسّدها الحسين: الحرية.

التي ينشدها كل إنسان، تنشدها كل المجتمعات البشرية، جسّدها الحسين يوم عاشوراء عندما قال: ”يا شيعة آل أبي سفيان، إن لم يكن لكم دينٌ فكونوا أحرارًا في دنياكم“، الحر هو الذي لا تستعبده مادة، ولا يستعبده منصبٌ، ولا يستعبده سلطانٌ، ولا يستعبده أحدٌ.

القيمة الأخرى التي جسّدها الحسين يوم عاشوراء: أنه جسّد المروءة والخلق العالي.

فهو مع قتاله ومع محاربته لهؤلاء المصرين على قتاله، لكنه كان رؤوفًا بهم، رحيمًا بهم، يتعامل معهم بخلق المروءة، ولقد بكى يوم عاشوراء، فقيل: ما يبكيك يا أبا عبد الله وأنت سيد شباب أهل الجنة؟ قال: ”والله ما بكيتُ لنفسي، وإنما أبكي على هؤلاء القوم، يدخلون النار بسبب قتلي، لقد استحوذ عليهم الشيطان، فأنساهم ذكر الله العظيم“.

الحسين مجموعة من القيم، مجموعة من المثل، تجسّدت يوم عاشوراء، وفي ذلك تسابق الشعراء والأدباء، السيد حيدر الحلي يقول:

فسامته يركب إحدى اثنتين

فإما  يرى مذعنًا أو iiتموت

فقال  لها  اعتصمي  iiبالإبا

وأضرمها   لعنان  السماء

تزيد   الطلاقة   في  وجهه

إلى  أن  قضى للعلى iiحقها

ترجّل   للموت  عن  سابقٍ

فما أجلت الحربُ عن iiمثلهِ

عفيرًا  إذا  عاينته iiالكماتُ















 
وقد  صرت الحرب أسنانها

نفسٌ   أبى   العز  iiإذعانها

فنفس   الأبي   وما  iiزانها

حمراء     تلفح     أعنانها

إذا   غيّر  الرعب  iiألوانها

وشيّد     بالسيف    iiبنيانها

له   أخلت   الخيلُ  iiميدانها

صريعًا    يجبّن   iiشجعانها

يختطف    الرعبُ   ألوانها

الحسين بن علي الذي يقول عنه الجواهري:

وعفّرتُ   خدّي  بحيث  استراح

وحيث    سنابك   خيلِ   iiالطغاةِ

وطفتُ   بقبركَ   طوفَ   الخيال

كأن   يدًا  من  وراء  iiالضريح

تمدُّ     إلى     عالَمٍ    iiبالخنوع

لتبدلَ    منه    جديبَ   iiالضمير

ولما    أزلتُ    طلاءَ   iiالقرونِ

وجدتُك   في   صورةٍ   لم  iiأُرَعْ

أأعظم      من     أن     iiيكون

وأن تطعمَ الموتَ خيرَ الصحابَ

















 
خدٌ      تفرى     ولم     iiيضرعِ

جالت     عليه    ولم    iiيضرعِ

بصومعة      الملهمِ     iiالمبدعِ

حمراءَ      مبتورة      iiالإصبعِ

والضيم    ذي    شرقٍ   iiمترعِ

بآخر      معشوشبٍ      iiممرعِ

وسترَ   الخداع   عن   المخدعِ

بأعظم     منها     ولا    iiأروعِ

لحمك    وقفًا   على   iiالمبضعِ

من    الأكهلين   إلى   iiالرضّعِ

الحسين الذي قال فيه جمال الدين:

وأبنتَ     للأجيال     حين    iiيلزّها

جثثَ   الضحايا   من  بنيكَ  iiتريهمُ


 
عنتُ السرى ويضيق فيها المهربُ

أن    الحقوقَ   بمثل   ذلك   iiتُطْلَبُ
رأسٌ   يرتّل  فوق  iiرأس

وخيوط  قلبٍ  في  iiالرمال

ونُخَيْلَةٌ  بالطف قد iiغرفت

تبكي      وترنو      iiأمها

أماه    يا    فدكًا    iiتمزّق

لم   تشربِ   ماءَ  iiالغدير









 
الرمح    آياتِ    iiالإمامة

تصوغ   أثوابَ   iiالكرامة

بحارًا      من     iiدموعي

الزهراء في أرض البقيعِ

بين       أنياب      iiالبغاةِ

ولم   أذق   ماءَ   الفراتِ

الحسين بن علي قيمٌ، مثلٌ، ثورةٌ، تحركت على وجه الأرض، وهذه الحركة الإنسانية لم تنفصل عن اللمسات واللمحات الغيبية في مفاصلها، فهناك لمسات غيبية لهذه الحركة العظيمة، الحسين أخذ دم الطفل الرضيع فما رجعت منه قطرةٌ، الحسين لما سقط على الأرض أخذ الدماء التي تنزف من صدره ومن قلبه ومسح بها شيبته، وقام ورمى ببعضها إلى السماء، وهو يقول: ”هكذا ألقى الله وأنا مخضّبٌ بدمي“، فما رجعت من الدماء قطرةٌ، لذلك قال ابنه الإمام الصادق وهو يزوره: ”أشهد أن دمك سكن في الخلد“، دمه التقطته الملائكة، زيّنت به الجنان، زيّنت به الحور العين.

العطاء الروحي ليوم عاشوراء
البعد الإجتماعي لغة المسالمة والمداراة في التراث الإمامي