نص الشريط
التقية في التراث الإسلامي
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 13/1/1435 هـ
مرات العرض: 2481
المدة: 00:51:30
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (4837)
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً [آل عمران: 28]

لقد دلت الآية المباركة على مشروعية التقية حتى في حال الإكراه على كلمة الكفر، فإذا جازت التقية في كلمة الكفر جازت فيما هو أقل من ذلك، كأن يصلي الإنسان خلاف مذهبه، أو يتوضأ خلاف مذهبه تقيةً، كما أن السنة النبوية دلت على مشروعية التقية كما روى البخاري في صحيحه عن النبي : ”إنا لنكشر في وجوه قوم - يعني نبتسم في وجوههم - وقلوبنا تلعنهم“، فهذه المداراة بمعنى أن يبتسم الإنسان لإنسان وإن كان مختلفًا معه قلبًا لم يعتبرها النبي نفاقًا، وإنما اعتبرها أمرًا مشروعًا إذا كان يصب في إطار تقديم الأهم على المهم.

وقد عمل بالتقية الصحابة والتابعون، فمنهم الإمام أحمد بن حنبل كما يروي اليعقوبي في تاريخه أنه عرض عليه المعتصم العباسي مسألة خلق القرآن، فسكت، فضُرِبَ سياطًا، فقال إبراهيم بن إسحاق: دعني أكلمه يا أمير، فكلمه، فقال: ما تقول يا أحمد في خلق القرآن؟ قال: أقول بما يقوله أمير المؤمنين، قال: تقول بما يقوله أمير المؤمنين في خلق القرآن، فقال: أقول بما يقوله أمير المؤمنين في خلق القرآن، ونجى بنفسه، فاستخدم التقية مع أنه كان يرى قدم القرآن ولا يرى مخلوقيته، لكنه استخدم التقية من أجل دفع الضرر عن نفسه.

وحديثنا عن التقية في محورين:

المحور الأول: أقسام التقية وأحكامها.

التقية لها أحكام عدة:

الحكم الأول هو الوجوب.

إذا كان ترك التقية يترتب عليه ضرر على الغير أو ضرر بليغ على النفس بحيث يصل إلى حد الجناية على النفس، فالتقية واجبة، وأما إذا افترضنا أن العمل بالتقية يترتب عليه اندثار الدين أو اندثار المذهب، كما يعبر السيد الخوئي والسيد الإمام - قدس سرهما - هنا تكون التقية محرمة، لو فرضنا أن العمل بالتقية يؤدي إلى ضياع الصلاة، والصلاة ضرورة من ضرورات الدين، أو ضياع الإمامة، والإمامة ضرورة من ضرورات المذهب، حينئذ يكون العمل بالتقية محرمًا، وهنالك بعض الروايات التي تشير إلى ذلك.

منها: موثقة مسعدة بن صدقة في الوسائل، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، باب 25، عن الصادق : ”وتفسير ما يتقى مثل أن يكون قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحق، فكل شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدي إلى الفساد في الدين، فإنه جائز“، فالعمل بالتقية منوط بألا يؤدي إلى الفساد في الدين، فإنه جائز.

وقد تكون التقية مستحبة، وهي ما يعبر عنه علماؤنا بالمداراة، أخذًا بهذه الروايات الواردة: منها صحيحة عبد الله بن سنان: سمعتُ أبا عبد الله الصادق يقول: ”أوصيكم بتقوى الله، ولا تحملوا الناس على أكتفاكم فتذلوا، إن الله عز وجل يقول في كتابه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة: 83]، عودوا مرضاهم - يقصد أبناء المذاهب الإسلامية الأخرى - واحضروا جنائزهم واشهدوا لهم وعليهم وصلوا معهم حتى يكون التمييز وتكون المباينة منكم ومنهم“.

المداراة لا ترتبط بالضرر، حتى لو لم يكن الإنسان متضررًا من ترك المداراة، حتى لو لم يترتب على ترك المداراة ضرر على المؤمنين، مع ذلك المداراة مع أبناء المذاهب الإسلامية الأخرى أمر مستحب، حتى لو لم يكن هناك ضرر في الترك، ومن صور المداراة: الصلاة مع أئمة الحرمين في الحرمين، وإن اختلف علماؤنا في حدود هذا المستحب، فبعض فقهائنا يرى أن الصلاة معهم تكون ائتمامًا، ما عدا القراءة، فإن المصلي - أي المأموم - يقرأ لنفسه، وبعض فقهائنا - كالسيد الخوئي - يرى أنها متابعة، وليست ائتمامًا، فلا يرتب عليها آثار الائتمام، فيؤذن ويقيم لنفسه، ويقرأ لنفسه، ويتحرى ما يصح السجود عليه، ولا يتكتف، إلا أن يكون في حالة خوف، فحينئذ يجوز له أن يسجد على ما لا يصح السجود عليه، وأن يتكتف إذا كان ذلك دافعًا للضرر.

والتقية تنقسم إلى قسمين:

التقية مع بعض أبناء المذاهب الإسلامية الأخرى الذين لا يحتملون المخالفة، فإن أبناء المذاهب الإسلامية الأخرى على قسمين: قسم: إنسان موضوعي عاقل، لا يهمه أن تختلف معه في العقيدة أو في العبادة أو في الممارسات، وحينئذ يمكن للإنسان أن يفصح أمامه بما يعتقد، وقسم من أبناء المذاهب الإسلامية الأخرى نتيجة التعبئة الإعلامية ضد التشيع وضد مبادئ التشيع لا يتحمل أن يرى من يختلف معه في الصلاة أو يختلف معه في التوسل بأهل البيت، أو يختلف معه في التبرك بقبور الأئمة الطاهرين «صلوات الله عليهم أجمعين»، فمثل هذا يكون موردًا للتقية.

القسم الثاني: التقية من سلاطين الجور.

سواء كان سلطان الجور كافرًا أم مسلمًا، سنيًا أم شيعيًا، التقية من سلاطين الجور قسم آخر من التقية، هنا ربما الإنسان يسأل سؤالاً: لماذا تركزون في التقية على القسم الأول - وهو التقية مع بعض أبناء المذاهب الإسلامية الأخرى - ولا تركزون على القسم الثاني ألا وهو التقية من سلطان الجور مع أن كليهما تقية، وكلاهما مندرج تحت صحيحة ابن أبي يعفور: ”ولا إيمان لمن لا تقية له“؟

الجواب عن هذا السؤال:

أولاً: نحن إنما نخص القسم الثاني - وهو التقية من بعض أبناء المذاهب الإسلامية الأخرى - بالكلام لأن هناك نصوصًا خاصة وردت في هذا القسم من التقية، وقد ذكرناها في ليلة من ليالي المحرم، منها: صحيحة هشام بن سالم عن الصادق في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ [الرعد: 22] قال: ”الحسنة التقية، والسيئة الإذاعة“، وفي صحيحة المعلى: ”يا معلى، اكتم أمرنا، ولا تذعه“، وقلنا: معنى الإذاعة إظهار بعض الأمور من خلال وسائل الإعلام التي يتسبب إظهارها في الإضرار بالمؤمنين، ولو بقسم من المؤمنين، في أي مكان أو في أي بلد، لأنه وردت نصوص خاصة في هذا القسم لذلك ركزنا عليه، وإلا التقية شاملة لكلا القسمين.

ثانيًا: مواجهة السلطان الجائر وإن كانت خلاف التقية، ولكن إذا تدخل الفقيه ورجّح عنوانًا ثانويًا على عنوان أولي، فالمدار مدار حكم الفقيه، التقية من السلطان الجائر واجبة بالعنوان الأولي، لكن لو شخّص الفقيه في أن كلمة حق أمام سلطان جائر مصلحة أهم من المفسدة التي تترتب على ترك التقية فهنا القرار بيد الفقيه، نحن لا مشكلة عندنا في أي قسم من أقسام التقية، إذا رجع القرار في العمل بالتقية أو في ترك التقية في أي قسم من الأقسام إلى قرار من الفقيه فهذا هو المطلوب وهذا هو المتبع، وقد ذكر الفقهاء في بحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه لو ترتب ضرر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يكن مطلوبًا، إلا إذا كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مصلحة أهم من الضرر الذي يترتب على القيام به، وتشخيص الأهم من المهم بيد الفقيه، فإذا صدر القرار من الفقيه الجامع للشرائط فالأمر أمره والحكم حكمه.

المحور الثاني: التقية الروائية في التراث الإمامي.

ذكرنا في ليلة سابقة أن الإمام قد يمارس التقية بأن يقول الإمام كلامًا على خلاف الواقع لمناشئ معينة:

المنشأ الأول: الخوف على الإمامية آنذاك أن يتتبعوا أو أن يجرحوا أو أن ينكّل بهم، كما ورد في رواية سلمة بن محرز، وقد قرأناها في الليلة السابقة، قلتُ لأبي عبد الله : إن رجلاً مات وأوصى إلي بتركته وترك ابنته، فقال لي : أعطها النصف، فأخبرتُ زرارة بذلك فقال لي: اتقاك، إنما المال لها، فدخلتُ عليه بعد ذلك فقلتُ: أصلحك الله، إن أصحابنا زعموا أنك اتقيتني، فقال: لا والله ما اتقيتك ولكني اتقيتُ عليك أن تضمّن - أي: أن تطالَب بالنصف الآخر من أعمامها - فهل علم بذلك أحد؟ قلتُ: لا، قال: فأعطها ما بقي.

فمنشأ الحكم المخالف للواقع هنا الخوف على هذا الشخص الإمامي.

المنشأ الثاني: الخوف من السلطان الجائر.

عاش الأئمة تحت سلاطين جور قساة، فالإمام الباقر مثلاً عاش في عصر أموي جائر وضاغط، اضطر الإمام الباقر في بعض الأحيان أن يفتي بحكم على خلاف الواقع نتيجة لضغط السلطان الجائر آنذاك عليه، وقد قرأنا فيما سبق صحيحة الحلبي: قال لي أبو عبد الله : كان أبي يفتي وكان يتقي في صيد البزاة والقصور، وأما الآن فإنا لا نخاف ولا يحل صيدها إلا أن تدرك ذكاته، أي أن الإمام الباقر كان يعيش في ظرف قاسٍ وضغط عليه من قبل الخليفة أن يفتي بهذه الفتوى الموافقة لمذهب الخليفة، والمخالفة للحكم الواقعي، أما أنا - يعني الإمام الصادق - فقد انتهى ظرف التقية بالنسبة لي، لذلك أفتي بما هو الحكم الواقعي، وهو أنه لا يحل صيدها حتى تدرك ذكاته.

المنشأ الثالث: قد يصدر من الإمام كلام مخالف للواقع لكن لا بداعي الخوف، هو ليس خائفًا، بل بداعي جلب بعض أبناء المذاهب الإسلامية الأخرى إلى حظيرة الفقه الإمامي.

الإمام أحيانًا يكون في مسجد رسول الله، أو في منى، أو في مزدلفة، أو في عرفة، فيأتي الناس ويسألونه المسائل الشرعية، فربما الإمام أحيانًا لا يجيب بالحكم الواقعي، بل يجيب على طبق مذهب السائل، لأن السائل من المذاهب الإسلامية الأخرى، فيجيبه الإمام على طبق مذهبه، ولا يجيبه على طبق الحكم الواقعي، من باب جلبه إلى مذهب الإمامية، لأنه لو أجابه على طبق المذهب الإمامي ابتداءً فلربما ينفر من الإمام، ويبلغ عنه كلامًا آخر، فمن أجل جلبه قد يفتيه الإمام بحكم يوافق مذهبه، ويخالف الحكم الواقعي.

في رواية معاذ بن مسلم النحوي، وسائل الشيعة، الجزء 16، ص234، عن أبي عبد الله الصادق قال له: بلغني أنك تقعد في الجامع وتفتي الناس؟ قلتُ: نعم، وأردتُ أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج، إني أقعد في المسجد، فيجيئني الرجل، فيسألني، فإذا عرفته بالخلاف لكم - يعني من مذهب آخر - أخبرته بما يفعلون، يعني: أفتيه على طبق مذهبه، ويجيء الرجل أعرفه بمودتكم فأخبره بما جاء عنكم، ويجيء الرجل لا أعرفه ولا أدري من هو فأقول: جاء عن فلان، يعني أعدد له مذاهب أهل السنة، جاء عن فلان كذا، وجاء عن فلان كذا، وأدخل قولكم فيما بين ذلك، فأذكر له عدة أقوال، وأذكر قولكم - يعني الحكم الصحيح الواقعي - من بين الأقوال، فقال : اصنع كذا، فإني كذا أصنع.

أي أن طريقة الإمام في الأجوبة بمثل هذه الطريقة أيضًا، فمعناه أن الإمام أحيانًا لا يفتي بالحكم الواقعي، بل بحكم آخر من أجل جلب هذا الإنسان العامي إلى حظيرة التشيع.

بعد هذا نتصور في أذهاننا عدة أسئلة:

السؤال الأول: ألا يتمكن الإمام من دفع الخطر عن نفسه أو عن شيعته بأن يسكت؟ فما هو المبرر لأن يصدر منه كلام مخالف للواقع مع أنه يتمكن من دفع الخطر بالسكوت وألا يجيب جوابًا مخالفًا للواقع؟!

أولاً: كما ذكرنا، قد يصدر من الإمام جواب مخالف للواقع لا لأجل الخوف، بل لأجل جلب السائل إلى مذهب التشيع، ولو سكت لم يتمكن من جلبه عن طريق السكوت.

ثانيًا: قد يرد السؤال على الإمام من قبل السلطان الجائر نفسه، فلا يتمكن الإمام من السكوت، لو سأله إنسان من سواد الناس ربما يتمكن الإمام من السكوت، أما لو أحضره السلطان الجائر بين يديه وسأله مسألة يترتب على الجواب الواقعي خطر على الإمام أو على الشيعة، فهنا لا يتمكن الإمام أن يختار موقف السكوت، بل يضطر إلى أن يصدر منه كلامٌ مخالفٌ للحكم الواقعي، وقد صدر هذا عن الإمام الصادق في حضرة أبي العباس السفاح، وصدر عن الإمام الهادي في حضرة المتوكل العباسي، ولذلك شواهد عديدة مذكورة في كتب الرواية.

السؤال الثاني: إذا أفتى الإمام بحكم مخالف للواقع، ألا يلزم من ذلك ضياع الأحكام الشرعية؟! الإمام يفتي بحكم مخالف للواقع، ونتيجة ذلك ضياع الأحكام الواقعية، فلا تصل إلى الناس، لأن الإمام أخفاها، وأظهر خلافها، نتيجة التقية، مع أن الإمام المعصوم مسؤول عن بيان الأحكام الواقعية بمقتضى كونه عدلاً للقرآن الكريم، كما هو مفاد حديث الثقلين: ”إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي“؟!

أولاً: الإمام يتخذ الطرق المختلفة من أجل بيان الحكم الشرعي الواقعي، من أجل بيان المعارف العقائدية الواقعية، وذلك:

الطريق الأول: صحيح أن الإمام في ظرف معين قد يتكلم بكلام مخالف للواقع، لكنه يتدارك ذلك بأن يفصح لأصحابه ولخواصه بالحكم الواقعي، وبالمعارف الواقعية، ويأمرهم بتدوينها وتبليغها للشيعة في الوقت المناسب، فبذلك يتدارك الإمام ما لم يمكن بيانه في ظرف معين ببيانه لأصحابه وخواصه الذين يقومون بتبليغ هذا الحكم بالطرق الممكنة في وقت آخر، وفي ظرف آخر.

الطريق الثاني: ورد عن الإمام - كما في صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله - الاحتياط من هذا النوع من الروايات، أي أن هذه الروايات التي وصلت إلينا، وفيها أحكام صدرت تقيةً، وهي مخالفة للحكم الواقعي، كيف نعالجها؟ هذه الروايات التي تضمنت حكمًا مخالفًا للواقع ووصلت إلينا، كيف نعالجها؟ كيف نعرف أن هذه الأحكام واقعية أم غير واقعية؟ ما هو الطريق أمام الفقيه للتمييز بين كون هذه الرواية صدرت تقية أو كون هذه الرواية صدرت لأجل بيان الحكم الواقعي؟ كيف يميز الفقيه ذلك؟

هذا ما تجيب عنه صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن الإمام الصادق : ”إذا ورد الحديثان المختلفان فاعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه“ هذا طريق لتمييز الحكم الواقعي من غيره، ”فإن لم تجدوهما في كتاب الله“ جاءت رواية تقول مثلاً أن أهل الكتاب طاهرون، جاءتنا رواية تقول: أهل الكتاب يحكم عليهم بالنجاسة، كيف نميز الرواية الواقعية من غيرها؟ ”فإن لم تجدوهما في كتاب الله فاعرضوهما على أخبار العامة“ يعني: أخبار فئة من أهل السنة، وسأميز لك ذلك بعد ذلك، ”فما وافق أخبارهم فذروه، وما خالف أخبارهم فخذوه“، لماذا؟

عندنا خبران مختلفان، لا ندري أي من الخبرين يتضمن حكمًا واقعيًا وأي من الخبرين يتضمن حكمًا صدر تقية، نعرض الخبرين على بعض الكتب لبعض المذاهب الإسلامية الأخرى، فإذا رأينا الخبر موافقًا لما في هذه الكتب، لم نعمل به، هذا معناه أن الخبر صدر تقية، وإذا وجدنا الخبر مخالفًا عملنا به، لأن هذا معناه أن الخبر لم يصدر تقيةً، وإنما صدر لبيان الحكم الواقعي.

إذن لا يوجد هناك مشكلة في أن هناك روايات صدرت عن الأئمة الطاهرين «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين» وكانت هذه الروايات متضمنة لحكم مخالف للواقع.

هناك أيضًا رواية عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله : ”ما سمعتَ مني يشبه قول الناس - يعني قول بعض أبناء المذاهب الإسلامية الأخرى - ففيه التقية“، يعني: ما صدر مني في حال الاختيار، ”وما سمعت مني لا يشبه قول الناس فلا تقية فيه“، إذن هناك طريقٌ لتمييز الخبر الواقعي من غيره، إما بالعرض على كتاب الله، أو العرض على الأخبار لدى فئة من المسلمين، فما وافق أخبارهم فلا يعمل به، وما خالف أخبارهم يعمل به.

ثانيًا: افترض أن بعض الأحكام الواقعية ضاعت ولم تصل إلينا، بالنتيجة نحن معذورون، الإمام معذور لأنه كان يعيش ظرف تقية، ونحن معذورون لأن الحكم الواقعي لم يصلنا، وكثير من الأحكام لم تصلنا، لو وصلنا خبر ضعيف السند، لا نستطيع أن نعمل به، مع أن هذا الخبر قد يكون صادرًا عن الإمام، هذا الخبر الضعيف السند قد يكون صدر عن الإمام، وهو يتضمن حكمًا شرعيًا، ولكننا لا نستطيع أن نعمل به لضعف سنده، فهنا ضاع علينا الحكم الواقعي بسبب ضعف وثاقة الراوي، ولم نستطع أن نعمل به، فضياع الحكم الواقعي لا يخلق مشكلةً لا بالنسبة للإمام، لأنه معذور ويعيش ظرف التقية، ولا بالنسبة إلينا، لأننا ما لم تصلنا الأحكام الواقعية فنحن مرخصون في ألا نعمل على طبقها، وقد ورد عن النبي محمد : ”رفع عن أمتي ما لا يعلمون، وما اضطروا إليه، وما استكرهوا عليه“.. إلى آخر حديث الرفع، الشيء الذي لا يعلمونه مرفوع عنه.

السؤال الثالث: هل يمكن أن يصدر عن الإمام كلام غير قابل للتصديق؟ هل يمكن أن يصدر عن الإمام كلامٌ لا يعقل التصديق به لكنه صدر منه تقية؟ هل التقية مبرر لئن يقول الإمام كلامًا غير معقول أم لا؟

أولاً: قد يصدر من الإمام كلام غير معقول لكنه لا يصدر منه تهكمًا واستنكارًا لا أنه يصدر منه لأجل العمل به، مثلاً: الرواية التي قرأناها البارحة، قوله عز وجل: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق: 1] تأتينا رواية عن الإمام: ق جبل محيط بالدنيا له صفة كذا له صفة كذا... هذا كلام لا يتطابق مع الحقائق العلمية، إذ لا يوجد جبل محيط بالأرض كلها، لكن هذا الكلام الذي لا يتطابع مع الحقائق العلمية قد يصدر عن الإمام، لا من باب العمل به والأخذ به، بل صدر منه تهكمًا واستنكارًا على هذا الكلام، لا أنه صدر منه وهو يتبناه ويعتقد به حتى يكون الخبر مأخوذًا على نحو العمل به، فصدور كلام لا يعقل ممكن من الإمام، لكنه صدر منه تهكمًا واستنكارًا.

وثانيًا: قد يصدر عن الإمام كلامٌ لا يعقل التصديق به لكن صدر عنه نقلاً عن غيره، وليس نقلاً عن الله أو عن رسوله، المشكلة هي أن ينقل الإمام عن الله أو عن النبي أو عن إمام آخر كلامًا غير معقول، هذا فيه مشكلة، أما أن ينقل الإمام كلامًا غير معقول لكن عن بعض المفسرين من أهل السنة، مثلاً: الإمام عاصر مجاهد، عاصر قتادة، عاصر السدي، عاصر عكرمة، وهؤلاء هم علماء التفسير عند أهل السنة، فلو نقل الإمام عن هؤلاء كلامًا لا يعقل التصديق به، فهذا أمرٌ ممكنٌ، فإذن من الجائز أن يصدر عن الإمام روايات لا يعقل التصديق بها، لكنها صدرت عنه إما تهكمًا واستنكارًا، أو صدرت عنه نقلاً عن المفسرين من أهل السنة، ولم تصدر منه نقلاً عن الله أو عن رسوله أو عن الأئمة السابقين «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين».

السؤال الأخير: لماذا بعض الروايات تأمرنا بالأخذ بما خالف العامة؟ لماذا نأخذ بما خالف أهل السنة؟ هل نحن نريد فقط أن نخالفهم؟! هل دأبنا المخالفة؟! هل المخالفة أمر راجح وأمر صحيح وأمر سليم حتى نتشبث به وحتى تدل الروايات عليه؟! ورد في بعض الروايات: ”خذ بما خالف القوم فإن الرشد في خلافهم“، ”ما خالف العامة ففيه الرشاد“، روايات وردت عن الإمام الصا\دق ، ما تفسير هذه الروايات؟ ما معنى هذه الروايات؟ هل هذه الروايات تربينا على مخالفة المسلمين الآخرين حتى ولو كانت أحكامهم أو رواياتهم صحيحة موافقة للقرآن أو للسنة النبوية؟!

لا، ليس الأمر كذلك، هنا عدة أجوبة متعددة، لكنني أقتصر على جواب واحد، وهو ما ذكره العلامة الحجة المرحوم السيد محمد تقي الحكيم في كتابه «أصول الفقه المقارن»، في هذا الكتاب يتحدث عن هذه النقطة بشكل دقيق، يقول: العامة - أهل السنة - مذاهب، وحصر المذاهب في هذه المذاهب الأربعة جاء متأخرًا، الظاهر بيبرس البنقداري الذي كان يحكم مصر في القرن السابع أو كذا، هو الذي حصر المذاهب في المذاهب الأربعة، وإلا قبل زمانه ما كانت المذاهب عند أهل السنة منحصرة في الأربعة، كانت مذاهب عديدة، ربما تبلغ عشرين مذهبًا.

وليست كل هذه المذاهب باطلة من ناحية الفقهية، إذا كانت على طبق القرآن أو على طبق السنة النبوية الصحيحة، ولكن هناك فئة من أبناء أهل السنة - فئة ولا نقول كلهم - حاربت عليًا في زمان الحكم الأموي، ولم تكن الحرب حربًا عسكريةً فقط، بل كانت حربًا معرفية، حربًا فكرية أيضًا، الأمويون ما حاربوا عليًا حربًا عسكرية فقط، بل حاربوه حربًا عسكرية، حاربوه حربًا إعلامية، حاربوه حربًا فكرية أيضًا، فكان كل كلام يصدر من علي يصدر منهم خلافه، فهؤلاء الفئة من أهل السنة هم الذين بدؤوا الخلاف، وليست الإمامية هم الذين يعملون بالخلاف، هؤلاء الفئة من أهل السنة هم الذين ترصدوا عليًا، فحاربوه عسكريًا، وإعلاميًا، وفكريًا.

هؤلاء الفئة فلنعبر عنهم بالإسلام الأموي، فلنعبر عنهم بالمذهب الأموي، فلنعبر عنهم بالمنهج الأموي، المنهج الأموي منهج له فقه، وله عقائد، وله معارف في التفسير، في الحديث، لكن هذا الفقه، وهذه العقيدة، وهذه المعارف، بُنِيَت على أسس باطلة، من جملة أسسهم: محاربة علي محاربة فكرية، من جملة أسسهم الاعتماد على الأخبار المروية عن أبي هريرة مثلاً، أو عن كعب الأحبار مثلاً، أو عن من لا نراه ثقةً في نقله عن النبي ، ومن أسسهم اعتمادهم على طرق ظنية في مقام الاستنباط، كالقياس، الاستحسان، سد الذرائع، إذن بالنتيجة: ماذا تقولون في هذا المنهج؟! ألا يستحق المخالفة؟! المنهج الأموي الذي بنى فقهه وبنى عقيدته وبنى معارفه على ثلاثة أسس باطلة: محاربة علي محاربة فكرية، واستخدام طرق ظنية ليست بحجة، والتعويل على روايات وردت عن أناس لا توثيق لهم، هذا المنهج يستحق المخالفة، هذا المنهج يستحق أن يقول عنه أئمتنا: خذوا بما خالفهم، فإن الرشد في خلافهم، خذوا بخلافهم فإن الحق في خلافهم، هذا المنهج يستحق أن يقول عنه أئمتنا: اعرضوا أخبارنا عليهم، فما وافق أخبارهم - يعني أخبار المنهج الأموي - فذروه، وما خالف أخبارهم فخذوا به.

ولذلك أنقل لك هذه الرواية حتى يتضح المطلب أكثر: يروي أبو إسحاق الأرجاني عن الإمام الصادق - وهذه في الوسائل، ج27، ص116 - قال أبو عبد الله الصادق : أتدري لم أمرتم بالأخذ بخلاف ما تقول العامة؟ يطرح السؤال في الصميم ويجيب عنه، فقلتُ: لا أدري، فقال: ”إن عليًا لم يكن يدين الله بدينٍ إلا خالفوه عليه إلى غيره“، أي أن هناك منهجًا أمويًا حدث منذ زمان الإمام علي وامتد ربما إلى يومنا هذا، هذا المنهج الأموي كان يترصد عليًا بحرب فكرية، ”إن عليًا لم يكن يدين الله بدينٍ إلا خالفوه عليه إلى غيره“، لماذا يخالفون؟ ”إرادةً لإبطال أمره“ كان يريدون أن يسقطوا شخصية الإمام علي، ”وكانوا يسألون أمير المؤمنين عليًا عن الشيء الذي لا يعلمونه، فإذا أفتاهم جعلوا له ضدًا من عندهم ليلبسوا على الناس“.(/ج]

إذن هناك منهجٌ أمويٌ بنى فقهه وتفسيره للقرآن ومعارفه العقائدية على أسس باطلة، وهي المحاربة الفكرية للإمام علي، فاستحق هذا المنهج من الأئمة أن يأمروا شيعتهم بالأخذ بخلافه، وليس هذا عزيزًا على بني أمية، خصوصًا معاوية وابنه يزيد، هؤلاء الذين جعلوا الخلافة ملكًا عضودًا، هؤلاء الذين حاربوا أهل البيت بشكل سافر وواضح حربًا عسكرية، حربًا إعلامية، حربًا فكرية، هؤلاء الأمويون ارتكبوا المجازر الواضحة في حق أهل بيت النبوة «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين»، وأعظم تلك المجازر جريمة كربلاء...

الإسرائيليات والتراث الإمامي
العطاء الروحي ليوم عاشوراء