نص الشريط
فلسفة عدد الأئمة عليهم السلام
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مسجد الإمام علي (ع) بالقطيف
التاريخ: 5/9/1435 هـ
مرات العرض: 2061
المدة: 00:51:07
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1451) حجم الملف: 11.7 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا

صدق الله العلي العظيم

هناك فكرةٌ تتعلّق بنظرية أو بحقيقة الأئمة الاثني عشر، وبيان هذه الفكرة يتم في مقدمتين:

المقدمة الأولى: ضرورة وجود إمام في كل زمان.

إنَّ المستفاد من النصوص الواردة - سواء كانت نصوصًا قرآنية أو نصوصًا نبوية - أنَّ لكل زمانٍ إمامًا، ولكل فترة حجةً لله على خلقه، فمثلًا: إذا نظرنا إلى القرآن الكريم، وقرأنا قوله عز وجل: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ، فإن ظاهر الآية أن لكل أناس - أي: لكل جيل من الناس - إمامًا، وظاهر الإضافة - كما يقول علماء اللغة - الفرد الواقعي، الوصف الواقعي، بمعنى أنَّ ظاهر قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ أي: بإمامهم الحقيقي، بإمامهم الواقعي، لا بإمامهم الصوري أو الشكلي، من نصب نفسه إمامًا، أو من انتخب إمامًا، فإن هذا ليس إمامًا حقيقيًا، بل هو إمامٌ صوريٌ شكليٌ، ظاهرة الإضافة إمامهم الواقعي.

عندما تقول مثلًا: يوم ننادي كل شخص بأبيه، يعني بأبيه الحقيقي، لا من نصب نفسه أبًا، لا من اختير أن يكون أبًا. يوم ندعو كل شخص بولده، يعني بولده الحقيقي، وهكذا.. ظاهر الإضافة إرادة الإمام الواقعي، الإمام الحقيقي. إذن، هذه الآية تدل على أن لكل جيل إمامًا، بمعنى ألا يخلو المجتمع البشري آنًا من الآنات من وجود إمام، لا بد من وجود إمام.

وكذلك إذا نظرنا إلى النصوص النبوية، مثلًا: ما ورد عن النبي في حديث الثقلين: ”إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، وقد أنبأني اللطيف الخبير بأنهما لن يفترقا“، وهذا الحديث وارد حتى في صحيح مسلم، في الصحاح، بل هذا الحديث أصح من حديث وسنتي؛ فإن حديث وسنتي أول من رواه مالك في كتابه الموطّأ، وتبعه من بعده، أما قبل مالك فلا رواية له، بينما حديث وعترتي أهل بيتي مروي قبل مالك، وبعدة طرق، ومن عدةٍ من الصحابة، فحديث وعترتي هو الأصح عند الفريقين. وظاهر هذه الرواية أنه لا يخلو زمانٌ من وجود إمام من أهل بيت النبوة عدل للقرآن الكريم، لا يخلو من ذلك زمان. ويؤكد ذلك ما ورد عن النبي : ”من مات وليس في عنقه بيعة إمام مات ميتة جاهلية“، أو ”من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية“. إذن، لكل زمان إمامٌ، لا تخلو الأرض من إمام.

المقدمة الثانية: عدم وجود دليل على حصر الأئمة في اثني عشر.

هناك فكرة يطرحها بعض الباحثين، وهي: لماذا صار معتقد الإمامية أنَّ الإمامة تنحصر في اثني عشر فقط؟! مثلًا: عندما نقرأ معتقد الإسماعيلية مثلًا، الإسماعيلية أيضًا فرقة من فرق الشيعة، لكن الإسماعيلية لا يعتقدون بالانحصار في الاثني عشر، بل يقولون: نحن نعتقد أن الإمامة تبقى متسلسلة إلى يوم القيامة، إمام يعقبه إمام، وقد بلغ عدد أئمتهم إلى الآن أكثر من 300 إمام.

فالإمامة متسلسلة، إمام بعده إمام، كل فرد يأتي يعيش العمر المتعارف، سبعين سنة، ستين سنة، يموت ويختلف ولده، وهكذا، فالإمامة متواصلة إلى يوم القيامة، إمامٌ بعده إمام، حتى إذا وصل العدد ألف إمام، ما هي المشكلة؟! ما دامت النصوص المستفادة من الكتاب والسنة تنصّ على أن الزمن لا يخلو عن إمام، وأن الأرض لا تخلو من إمام، كما ورد عن الإمام أمير المؤمنين علي : ”بلى والله لا بد لله من حجة، إما ظاهرًا مشهورًا، أو خائفًا مغمورًا“، لا بد من وجود حجة.

هذا ما دلت عليه الأحاديث، أنه لا بد من وجود حجة، أما لماذا الحجج 12؟! لا بد من وجود حجة على الأرض، فلتكن الحجج عديدة بعدد السنين، بعدد أجيال البشر، فلكل فترة زمنية حجة، فليكن الأئمة ألف إمام، ما هو الموجب وما هو الملزم لحصر الأئمة في اثني عشر إمامًا؟! هل عجز الله أن يصنع أكثر من اثني عشر إمامًا؟! والله قادر على كل شيء، فإذا كان الله مطلق القدرة، وإذا كان البشر محتاجين، إذن مقتضى هذين الأمرين أن الله قادر، وأن المجتمع البشري محتاج إلى وجود الإمام، مقتضى هذين الأمرين أن يجعل الله لكل زمن إمامًا، فيكون عدد الأئمة أكثر من اثني عشر بما يقتضيه الزمن، وبما تقتضيه الحاجة، وبحسب ما تقتضيه العوامل والظروف، فما هو الملزم لحصر الأئمة في اثني عشر إمامًا؟! هذه هي الفكرة التي تحتاج إلى جواب دقيق يعالجها، ومن أجل الجواب عن هذه الفكرة نذكر أمورًا ثلاثة:

الأمر الأول: اعتماد الإيمان على الطرق الطبيعية.

هل الإيمان - إيمان الإنسان، دين الإنسان - بُنِي على الطرق الطبيعية، أم الإيمان بُنِيَ على الطرق القسرية والطرق غير الاختيارية؟ الله عز وجل خلق الإنسان من أجل أن يصل إلى الكمال، وطريق الوصول إلى الكمال هو العبادة، قال عز وجل: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، خُلِق الإنسان من أجل أن يكون أحسن عملًا، أي: من أجل أن يكون كاملًا، أكمل، وطريق الأكملية والأحسنية هو العبادة، فلذلك قال في آية أخرى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ.

إذن، بما أن الهدف من وجود الإنسان أن يكون الأكمل، فهل أن الله أراد أن يصل الإنسان للأكملية بالطرق الطبيعية، أم أراد أن يصل الإنسان إلى الأكملية بالطرق القسرية غير الطبيعية؟ هذه قاعدة عقلية: لا يمكن أن يصل الإنسان إلى الكمال بطريق قهري؛ لأن هذا ليس كمالًا، الكمال ما يصل إليه الإنسان بإرادته واختياره، وإلا هذا ليس كمالًا، هذا هبة، نعمة كسائر النعم.

مثلًا: الله عزّ وجل أعطى هذا الإنسان نعمة، بأن خلقه في بيتٍ مسلمٍ، خلقه ابن فلان المؤمن، خلقه... وهكذا، هذه نعم قهرية، ليست باختيار الإنسان، ليست بإرادة الإنسان، أما إذا وُلِد الإنسان في بيئة كافرة، وبإرادته واختياره صنع شخصيته، وأصبح من أعظم المؤمنين، هذا كمال، الكمال الحقيقي هو الكمال الذي يصل إليه الإنسان عبر إرادته واختياره، هذا هو الكمال الحقيقي، فيقال: بلغ الكمال بسلوكه، بإرادته، باختياره.

ترى شخصين: هذا دكتور وذاك دكتور، هذا الدكتور الدكترة عنده شرفية، لأنه وزير أو ابن وزير يعطى شهادة دكتوراه، لا يحتاج إلى دراسة ولا امتحان، وذاك أتعب نفسه في الدراسة، وأتعب نفسه في التدقيق والمتابعة، حتى بلغ شهادة الدكتوراه بجدارة واستحقاق، أيهما بلغ الكمال؟ الكمال الإنساني هو بطبعه كمالٌ اختياريٌ إراديٌّ، فإذا لم يكن اختياريًا فليس كمالًا حقيقيًا؛ لأنه لا يوجب تمايز البشر، ما هي ميزة هذا على هذا؟! بالنتيجة هذا أعطي قسرًا، هذا لا يوجب التمايز بين البشر ما لم يكن كمالًا إراديًا اختياريًا.

لو أن الله تبارك وتعالى خلق البشر كلهم أذكياء، كلهم أثرياء، كلهم... وهكذا، لا يكون ميزة لأحد على أحد، فكيف يكون كمالًا؟! لا يتصوّر كمالٌ إلا مع التميز، حتى تعتبر الصفة كمالًا لا بد أن تكون الصفة مميزة لصاحبها عن غيره، ولا تكون الصفة مميزة إلا إذا رجعت إلى الاختيار والإرادة. من هنا، بُنِي الإيمان البشري، وبُنِي التدين البشري، على الطرق الطبيعية، لأن التدين والإيمان طريقٌ للكمال، والكمال لا يكون كمالًا حقيقيًا حتى يكون اختياريًا، لذلك بُنِي الدين السماوي كله على الطرق الطبيعية، والطرق الطبيعية هي عوامل ثلاثة: عامل إنساني، وعامل ربّاني، وعامل اجتماعي.

العامل الأول: العامل الإنساني.

كيف صِيغَ الإنسان؟ كيف تمت صياغة الإنسان؟ صياغة الإنسان بُنِيَت على الإرادة، وُلِد ومعه شهوةٌ وعقلٌ، فهو يعيش صراعًا بين الشهوة والعقل، بإمكانه أن يصبح الأكمل، وبإمكانه أن يصبح الأسفل، كل ذلك نتيجة هذا الصراع الذي يعيشه بين الشهوة والعقل، ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى، نهى النفس باختياره وإرادته، ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ، ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا، ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ، ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي.

وهكذا كل الآيات تصب في أن الإنسان يعيش طرفي تناقض وطرفي تضاد: عقل وشهوة، والغرض من بنية الإنسان وصياغة الإنسان بهذا النحو أن يصل إلى الكمال عن جدارة واستحقاق، أن يصل إلى الكمال الحقيقي. ورد عن الإمام أمير المؤمنين علي : ”إن الله خلق الملائكة عقلًا بلا شهوة، وخلق البهائم شهوة بلا عقل، وركّب في الإنسان عقلًا وشهوة، فمن غلب عقلُه شهوتَه فهو خيرٌ من الملائكة، ومن غلبت شهوتُه عقلَه فهو أدنى من البهائم“، فالعامل الإنساني - وهو صياغة الإنسان صياغةً شهوانيةً عقلانيةً يؤكّد لنا أن الطريق إلى الوصول إلى الكمال هو طريقٌ اختياريٌ.

العامل الثاني: العامل الربّاني.

الله تبارك وتعالى حيث علم أن المجتمع البشري يحتاج إلى نظام، ولا يمكن للمجتمع البشري أن يصل وحده وبعقله المحدود إلى النظام، لذلك حينما وحيث علم أن المجتمع البشري يحتاج إلى النظام الذي إن سلكه المجتمع البشري وصل إلى الكمال بعث الأنبياء والرسل، ”فبعث إليهم أنبياءه، وواتر إليهم رسلَه“، وقال جل وعلا: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، وقال: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ.

بعث الأنبياء والرسل، فهل بعثهم بطريق طبيعي أم بطريق غير طبيعي؟ بعثهم بطريق اختياري أم بطريق قسري؟ أيضًا بطريق اختياري، كما أن العامل الإنساني عاملٌ جعل الإنسان مخلوقًا اختياريًا، العامل الربّاني أيضًا جعل النظام بطريقة اختيارية، كان بإمكانه أن يبعث إليهم ملائكة، كان بإمكانه أن يبعث إليهم بشرًا مجبورين على الطاعة، مجبورين على ترك المعصية، ولكنه بعث للمجتمع البشري بشرًا من جنسهم، وبعث إليهم بشرًا يمتلكون الاختيار ويمتلكون الإراد، فالنبي والإمام والحجة والمعصوم من جنس البشر، كما قال تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ يعني من جنسكم، بشر مثلكم، وقال تبارك وتعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ، يعترضون، رسول ويأكل الطعام ويمشي في الأسواق! كيف؟!

وكان رسول الله - كما ذكر عنه الإمام أمير المؤمنين - يركب الحمار، ويردف، ويجلس في الطريق... بشر يمارس الحياة البشرية. بعث الله النبي بشرًا، ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ، بعث الله النبي بشرًا مختارًا؛ ليؤكّد للمجتمع البشري أن الوصول إلى الدين بالطريق الطبيعي، لا الوصول إلى الدين بالطريق القسري، لو كان الله يريد الوصول إلى الدين بالطريق القسري لبعث ملائكة، أو بعث بشرًا مجبورين على العمل المعين، إنما بعث بشرًا مختارين تأكيدًا لهذه النقطة، أن الكمال الحقيقي يحتاج إلى إرادة واختيار، وأن الوصول إلى الكمال عن طريق الدين، وأن الوصول إلى الدين أيضًا بالطرق الطبيعية.

العامل الثالث: العامل الاجتماعي.

كيف كانت مسيرة الدين؟ سار الدين بالقوة؟ سار الدين بالقسر؟ أم سار الدين بالطرق الطبيعية؟ أيضًا مسيرة الدين كانت بالطرق الطبيعية، فلاحظوا النبي محمّدًا ، انتصر عسكريًا في معركة بدر، وهُزِم المسلمون في معركة أحد، لماذا لم تكن كلها انتصارات؟ لماذا لم ينصر الله المسلمين في كل المعارك نصرًا حاسمًا؟ لماذا احتاج النبي إلى عدة معارك؟ معركة واحدة تحسم الموضوع ويؤمن العرب ويسلمون على يديه، النبي خاض معارك عديدة. لماذا عُذِّب النبي وأصحابُه في مكة المكرمة ثلاثة عشر سنة من البعثة النبوية؟! لماذا لم يفرض الله الدين في مكة؟ لماذا خرج النبي إلى المدينة، وتحمل هذه الصعاب، وجمع الأنصار والأعوان والعدة والعتاد؟

وكُسِرَت رباعيته، النبي أشرف الأنبياء كُسِرَت رباعيته يوم أحد، قام عليه مجموعة من المشركين، ثم صار بعضهم من الصحابة، بل صار من أعظم الصحابة، وهو الذي حمل على النبي بالسيف في وجهه، وصار صحابيًا عظيمًا! مهزلة!! كُسِرَت رباعية النبي - مقدّم أسنانه - وأدمي بالجراح، حتى خيف أن يغشى عليه. كل ذلك يؤكّد لنا أن العامل الاجتماعي كالعامل الإنساني والعامل الربّاني، كان عاملًا طبيعيًا.

فبملاحظة هذه العوامل الثلاثة.. صياغة الإنسان صارت صياغة اختيارية، وجود الحجج والقيادات كان بالطرق الطبيعية، مسيرة الدين الذي هو العامل الاجتماعي كانت مسيرة طبيعية، خاض الدين معارك، واحتوته أزمات ومصاعب، إلى أن تغلّب عليها، وإلى أن انتصر، كل ذلك بالطرق الطبيعية، فمجموعة هذه العوامل تؤكّد لنا أن الله تبارك وتعالى أراد أن يصل الإنسان إلى الكمال، ولكن من خلال الطرق الطبيعية، لا من خلال الطرق القسرية، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا، من البداية يجعل الناس كلهم مؤمنين، بلا حاجة لأنبياء ولا إلى رسل ولا إلى شيء أبدًا، لكن الوصول إلى الإيمان عن طريق قسري ليس كمالًا، وبما أن الهدف هو الوصول إلى الكمال، والكمال الحقيقي يتوقف على الاختيار، لذلك شاء الله أن يكون الدين قناعةً اختياريةً، ومسلكًا اختياريًا، كي يصل الإنسان إلى هذا الدين الموصل له إلى الكمال بالطرق الطبيعية.

الأمر الثاني: إمكان وصول الإنسان إلى الكمال.

بما أن الهدف أن يصل الإنسان إلى الكمال بالطرق الطبيعية، بالطرق الاختيارية، فهل يمكن أن يصل الإنسان إلى الكمال؟ هل هناك إمكانية أم لا؟ الإنسان كإنسان، من حيث إنه إنسان، هل يمكن للإنسان أن يصل إلى أعلى درجات الكمال، فيصبح إنسانًا لا يخطئ، ولا ينسى، ولا يعصي، ولا يزل؟ هل يمكن أم لا؟ هل يمكن للإنسان أن يصل إلى أعلى درجات العبادة، أعلى درجات التقوى، أعلى درجات الكمال الروحي والنفسي؟ وبحسب ما يعبّر أهل المعرفة العرفاء: هل يمكن للإنسان أن يصبح إلهيًا، لا تمر عليه لحظة ولا آن من الآنات إلا والله حاضرٌ في أعماقه، لا يفتر عنه دقيقة؟ هل يمكن ذلك أم لا؟

إما أن نقول أن هذا ممكن أو نقول هذا غير ممكن، فإذا قلنا بأن هذا غير ممكن، إنسان لا بد أن يغلط يومًا، ينسى لحظة، إنسان يعني هو في معرض الخطأ والزلل، إذا قلنا غير ممكن إذن يلزم من ذلك لغوية الرسالات السماوية؛ لأن الهدف من هذه الرسالات السماوية أن يصل الإنسان إلى أعلى درجات الكمال، إذن المفروض أن هذه الرسالات السماوية يُقْتَصَر فيها على.. تصاغ بمجموعة من القوانين التي تتناسب مع الخطأ والنسيان والخطأ والمعصية، بينما هذه الرسالات السماوية تضمنت كل القوانين التي تتعرض لكل حالة من حالات الإنسان، ولكل تفصيل من تفاصيل الإنسا، فلماذا هذه الدقة في القوانين؟! لا يمكن الإنسان أن يصل إلى الكما.

إذن، صياغة الأديان والرسالات السماوية صياغة تفصيلية، بأن تكون هذه الرسالات تحاسب الإنسان على كل دقيقة وقت، على كل عمل خطأ، على كل زلة، هذا يستلزم لغوية هذه القوانين، ما دام الإنسان لا يمكنه أن يصل إلى الكمال، وصدور اللغو والعبث من الحكيم قبيحٌ، اللغو والعبث نقص، والنقص لا يصدر من الحكيم، الحكيم كامل، فكيف يصدر منه النقص؟! مقتضى الكمال، مقتضى أنه تعالى عين الكمال ألا يصدر منه النقص واللغو، والعبث نقص، فكيف يصدر منه؟!

إذن، لو كان الإنسان لا يمكن أن يصل إلى الكمال كله، للزم من ذلك لغوية الرسالات والأديان السماوية؛ لأن هذه الرسالات تنادي بالوصول إلى الكمال. أنت الآن إذا تقرأ المستحبات في الشريعة الإسلامية كأن شخصًا ليست عنده شغلة، تستحب صلة الرحم، وتستحب الصدقة، وتستحب النافلة، وتستحب قراءة القرآن، ويستحب الدعاء، ويستحب ذكر الله في كل وقت، ويستحب... إلخ، لا يمكن تطبيق هذه المستحبات إلا إذا قلنا بأن الإنسان يمكن أن يصل إلى الكمال، وإلا كيف؟! إذا قلنا أن الإنسان يمكن أن يصل إلى الكمال نعم، وإلا يلزم لغوية تشريع هذه المستحبات كلها، وأن المطلوب من الإنسان أن يكون مخلصًا لله في كل لحظة، كل لحظة تمر عليه.

الآن أنا مخير بين أن أغمض عيني وأن أفتحها، مطلوب منك حتى في هذه أن يكون الإغماض لله، فتح العين لله، أي حركة تتحركها مطلوب منها أن تكون لله، أي: أن يكون الله هو الهدف في كل حركاتك وسكناتك. إذن، أنتم بين خيارين، اختاروا، إما أن تقولوا أن وصول الإنسان لهذه الدرجة - أنه في كل وقت يمر عليه لا يعمل إلا لله، هو لله - ويستطيع أن يجمع بين المستحبات جميعًا، هو في كل وقت واصل للرحم متصدق داعٍ، إما أن الإنسان ممكن أن يصبح بهذه الطريقة أو غير ممكن، إذا غير ممكن إذن صدور هذه القوانين والتشريعات لغوٌ، واللغو نقصٌ، والنقص لا يصدر من الحكيم.

وإذا كان ذلك ممكنًا بأن يصبح الإنسان إلهيًا في كل لحظة وفي كل آن، هذا أمر ممكن، يستطيع الإنسان الوصول إليه، إذا كان هذا أمرًا ممكنًا ويستطيع الإنسان أن يصل إليه فمن الذي وصل إليه؟! هو إنسان وصل إلى هذه النقطة، وأصبح إنسانًا إلهيًا. لذلك، نصل إلى الأمر الثالث.

الأمر الثالث: عامل الاصطفاء.

عندما تمسح المجتمع البشري، من يوم آدم وحتى يوم القيامة، إذا تأخذ مسحًا على المجتمع البشري واستقراء كاملًا تامًا لم يصل إلى هذا الكمال بحسب علم الله عز وجل إلا هؤلاء الصفوة، ومنهم اثنا عشر إمامًا، ولذلك يقول الأزري: قلّب الخافقين ظهرًا لبطن... أين ذلك الشخص الذي سيصل إلى أعلى درجات الكمال باختياره وإرادته؟ أين هو؟

قلّب  الخافقين  ظهرًا لبطن
لم يكن أشرف النبيين حتى
  فرأى  ذات أحمدٍ فاصطفاها
علم    الله    أنه   أزكاها

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ، والقرآن يؤكد هذا المعنى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ، أي أن السبب الذي اقتضى أن نختارهم أئمة دون غيرهم علمنا منذ الأزل أن هؤلاء أشد الناس صبرًا وأقواهم إرادة، فالله عز وجل حتى لو لم يعط النبي.. افترض أن النبي ما أعطي عصمةً ولا نبوةً، كذلك الإمام علي، كذلك كذلك كذلك... إلخ، افترض أن هؤلاء الاثني عشر ما أعطاهم الله نبوةً ولا عصمةً ولا إمامةً، مع ذلك سيكونون أقوى الناس إرادة، وأشدهم صبرًا وحزمًا، وأكملهم عملًا، علم الله أنهم كذلك.

حيث علم منذ الأزل أن هؤلاء النخبة والصفوة هم أكمل الناس إرادة وعزمًا وعملًا اختارهم لهذا الموقع، أن يكونوا قدوة للمجتمع البشري، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، ولذلك أنت تقرأ في زيارة الزهراء عبارة صريحة واضحة في هذا المعنى الذي ذكرناه: ”يا ممتحنة امتحنكِ الله قبل أن يخلقكِ، فوجدكِ لما امتحنكِ صابرة“، الله تبارك وتعالى علم منذ الأزل أن هذه النفس القدسية البتول فاطمة الزهراء امرأة لكنها أقوى الناس إرادة، أقوى الناس صبرًا، أقوى الناس عزيمة، فحباها هذا المنصب العظيم، بأن جعلها معصومةً قدسيةً حوراءَ إنسيةً.

عودة للجواب عن السؤال المطروح:

عندما يقال: لماذا اثنا عشر إمامًا؟ نقول: هم لا يوجد أكمل منهم، لو كان غيرهم بدرجة كمالهم لكان معهم، هذه ليست ممتنعة، لكن الله تبارك وتعالى لما أراد أن يصل الإنسان إلى الكمال بالطرق الاختيارية، وكان وصول الإنسان إلى الكمال أمرًا ممكنًا، فمن وصل إلى أعلى درجات الكمال من المجتمع البشري هم هؤلاء، اثنا عشر إمامًا، فاختارهم لموقع الإمامة، فإذن ليس المطلوب أنه لا بد أن يصبح إمامًا حتى لو كان أعوج!! لا بد من أن يكون في كل عشر سنين أو عشرين سنة أو مئة سنة إمام! المهم ألا تخلو الأرض من إمام، هذا هو المهم، المهم ألا تخلو الأرض من حجة، أما أن ذلك الحجة كيف يكون حجةً فلا بد أن يكون هو من بلغ أعلى درجات الكمال، ومن بلغ أعلى درجات الكمال هم هؤلاء الاثنا عشر.

ولذلك، ورد عن النبي كما هو موجود في كتب أهل السنة، في الصحاح موجود، ”لا يزال الدين قائمًا حتى تقوم الساعة، ويكون فيكم اثنا عشر خليفة - أو اثنا عشر إمامًا - كلهم من قريش“، وفي بعضها: ”من بني هاشم“. تقول له: عدّد الاثني عشر، يقول لك: الخلفاء الأربعة، والحسن والحسين، وعبد الملك بن مروان، وعمر بن عبد العزيز، ثم ماذا؟! وصلت إلى العرعور! حتى يصبحوا اثني عشر، لفّقها من هاهنا وهاهنا! هذا سؤال محرج لكل مسلم.

أي مسلم تقول له: أنت عندك في الصحاح اثنا عشر، فعدّد هؤلاء الاثني عشر، النبي قال: اثنا عشر فقط، فعدّد هؤلاء، فإما أن يردّ الأحاديث، يقول: هذه الأحاديث غير صحيحة، فيتنازل عن كتب الصحاح، أو يذكر لنا تفسيرًا صحيحًا، اثنا عشر هم أكمل الناس وأسمى الناس، حتى يستحقوا الخلافة دون غيرهم، لا ينطبق هذا الكلام النبوي إلا على معتقد الإمامية، أن الله اصطفى هؤلاء، ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ. لماذا في آل إبراهيم دون غيرهم؟! لا ينتهي السؤال.

نحن إذا قلنا: لماذا صاروا اثني عشر؟ فقد يقول قائل: لماذا لم يخلق الله نبيًا واحدًا وجعله يعيش من يوم آدم إلى يوم القيامة وانتهت المسألة؟! لماذا الأنبياء 124؟! لماذا لم يكونوا أكثر أو أقل؟! لماذا لا يكون هناك إمام في كل منطقة؟! الأوجام فيها إمام، والناصرة فيها إمام، والجراري فيها... إلخ، إذا فتحت باب السؤال فلن ينتهي السؤال، فالقضية لم تنحصر في اثني عشر إمامًا فقط.

أنت تقول: لماذا صاروا اثني عشر ولم يكونوا أكثر؟ نحن أيضًا نسألك: لماذا لا يكون في كل منطقة إمام؟! على الأقل إمام للهنود، إمام للباكستانيين، إمام للأفغان، إمام للفرس، إمام للعرب، إمام للترك، إمام للإنجليز، على الأقل لكل قوم إمام! لماذا لم يكن الأمر كذلك؟! لماذا لم يكن الأنبياء أكثر من 124؟! هذا السؤال لا معنى له، لماذا صار هذا العدد، لماذا لم يكن هذا العدد.. لأن العدد يرتبط بالأكملية، الأحق بالإمامة من كان قدوةً للبشرية، ومن كان قدوةً للبشرية من كان أكمل وأحسن، ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، ومن كان أحسن هم هؤلاء، 124 نبيًا و12 إمامًا، إنما صار العدد هكذا لأن هؤلاء هم الأكمل والأحسن، هذا هو، والحمد لله رب العالمين.

في رحاب دعاء أبي حمزة الثمالي «ج5»
في رحاب دعاء أبي حمزة الثمالي «ج6»