نص الشريط
الدرس 33
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 7/5/1435 هـ
تعريف: أصالة التخيير 2
مرات العرض: 1817
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (337)
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

لازال الكلام في توضيح مرام المحقق العراقي في عدم جريان البراءة العقلية، ومن اجل توضيح مراده نقول ان المحقق العراقي في نهاية الافكار تعرض لعدة امور الاول انه اذا دار الامر بين المحذورين كدوران السفر بين الوجوب والحرمة فان العلم الإجمالي باصل الالزام ساقط عن المنجزية لا لعدم كونه بيانا، حيث ان الالزام معلوم، ولكن لأجل اضطرار المكلف للجامع، حيث لا يخلو امره من الفعل والترك، فهو مضطر للجامع بينهما وباضطراره للجامع يحكم العقل بالتخيير، ومعنى التخيير هو اللا حرجية في الفعل او الترك فكانه قال لا حرج ولا اثم عليك فعلت ام لا، وليس معنى الحكم بالتخيير هو لحاظ التخيير على نحو الموضوعية فان التخيير سواء كان شرعيا كما في التخيير بين خصال الكفارة او كان عقليا كما في التخيير بين المتزاحمين المتساويين، من حيث الاهمية، فان التخيير في كلا الفرضيين شرعيا او عقليا انما يتصور اذا كان المكلف قادرا على ترك كلا العدلين فاذا كان قادرا على ترك كلا العدلين فيقال له ليس لك ان تتركهما معا، بل عليك بالجامع بينهما، واما اذا لم يكن المكلف قادرا على تركهما معا، كما اذا دار الامر بين النقيضين الفعل او الترك فلا معنى للحكم بالتخيير على نحو الموضوعية لان المكلف بتكوينه مخير بين الفعل والترك فاذا كان مخيرا تكوينا بين الفعل والترك فلا وجه لتخيره حكما لا عقلاً ولا شرعا اذا فمعنى التخيير في المقام ليس الا حكم العقل بان لا اثم في الفعل او الترك، هذا هو الامر الأول الذي افاده المحقق العراقي.

الامر ال 2 قال ان البراءة العقلية والشرعية معا لا تجري في المقام، والسر في ذلك ان الغرض من جريان البراء عقلاً او شرعا، هو تحقيق المعذرية، وتحقيق المعذرية انما يصح فرع عدم وجود معذرية في رتبة سابقة، والا لكان الحكم بالمعذرية عقلاً او شرعا طلبا للحاصل، وفي المقام عندما يراد اجراء البراءة العقلية لأجل تحقيق المعذرية فاما ان تجري في ظرف منجزية العلم الاجمالي او تجري في ظرف عدم منجزيته، فان قصد جريانها في ظرف منجزية العلم الاجمالي فمن الواضح ان منجزيته ومؤثيريته مانع من جريان البراءة عقلاً ونقلا.

وان اريد جريانها في ظرف سقوطه عن المؤثرية فلابد عن نبحث عما هو المسقط له، فان كان المسقط له عن المنجزية هو حكم العقل بالتخيير، اي العقل لما ادرك ان المكلف مضطر للجامع بين الفعل والترك حكم بالتخيير فالعقل لأجل حكمه بالتخيير ومعنى التخيير اي اللاحرجية في الفعل او الترك اي المعذرية فبعد ان حكم العقل بالمعذرية في الفعل او الترك لأجل الاضطرار ولذلك سقط العلم الاجمالي عن المنجزية فلا وجه لتحقيق المعذرية بالبراءة بملاك عدم البيان، اذ في رتبة سابقة على البراءة يوجد حكم بالمعذرية لأجل الاضطرار، فلا معنى لتحصيل حكم بالمعذرية لأجل عدم البيان والحال ان هناك حكما بالمعذرية لأجل الاضطرار فتبين واتضح بذلك انّ البراءة العقلية لا تجري.

الامر ال 3، قال ان العلم انما يتعلق بالعناوين لا بما هي هي اي لا على نحو الموضوعية وانما يتعلق بها بما هي مراة الى الخارج، اي انه يتعلق بها على نحو ما به ينظر، لا على ما فيه ينظر، والا لم يكن علما بل كان ادراكا لصورة ذهنية، فهو انما يكون علما بالواقع اذا تعلق بالعنوان الذهني بما له من مراتية عما وراء الحاجب.

ولاجل ان العلم يتعلق بالعناوين لما لها من المراتية فان العلم لا يسري لا للمعنون الخارجي ولا لعنوان اخر محكوم بصفة معينة، مثلاً اذا علم الانسان مثلاً بنجاسة الثوب الازرق، فان هذا العلم لا يسري لنفس الثوب الازرق الموجود في الخارج حيث العلم الثوب الموجود خارجا معلوم بالعرض لا بالذات اذ بما ان العلم كيف نفساني فمقتضى كونه كيفا نفسانيا ان يكون متعلقه مما هو موجود في افق النفس ايضا حيث ان العلم من الامور الاضافية ومقتضى ذلك ان لا تعلق له الا بما هو في افقه، فلا يسري العلم الى الخارج بل الخارج معلوم بالعرض، ولا يسري لعنوان اخر، فلو علمت بان ابن زيد سارق فهذا لا يقتضي ان اعلم بان بكرا الذي لا اعلم انه هو نفسه ابن زيد هو سارق ام لا، فالعلم بالعنوان لا يسري لعنوان اخر.

ولاجل ذلك يمكن ان يكون الوجود الواحد متعلقا للصفات المتضادة كالعلم والجهل في آن واحد لاختلاف العناوين تفصيلية او اجمالية.

بيان ذلك، مثلاً في المثال الذي ذكرناه لو كان في الخارج ابن زيد هو بكر، ولا ادري بذلك، فالذي اعمله عنوانان ابن زيد الذي اعلم انه سارق وعنوان بكر وانا اجهل انه سارق ولعلهما 1، فهذا المعنون ال 1 اتصف بالعلم والجهل في ان واحد لاختلاف العنوان فهو بعنوان معلوم وبعنوان مجهول ولاجل ذلك في موارد العلم الاجمالي كما اذا علمتُ بنجاسة احد الانائين، ولكن الاناء الابيض منهما مشكوك النجاسة، فلو كان الاناء الابيض هو النجس واقعا لصار الاناء الابيض متعلقا لعلم وشك فهو بالعنوان الاجمالي اي عنوان الاحد معلوم النجاسة وهو بالعنوان التفصيلي وهو الاناء الابيض مشكوك النجاسة، فلأجل هذا البيان ذهب المحقق العراقي الى ان موضوع البراءة عقلاً ونقلا متحقق في كل من الطرفين فاذا علمت بان هناك الزاما في حقي اما الزام بالسفر او بتركه، فهنا ما علمت به هو الجامع وهو الالزام واما وجوب السفر فهو مشكوك، ولأجل كونه مشكوكا فهو موضوع للبراءة عقلاً ونقلا، فلا منافاة بين كون احد طرفي العلم الاجمالي موضوعا في نفسه للبراءة عقلاً ونقلا مع العلم الاجمالي بالالزام الجامع بينهما.

غاية ما في الباب ان موضوع البراءة وان كان متحققا في كل من الطرفين فكل منهما في حد نفسه وموضوع للبراءة الا ان المانع من جريان البراءة مع تحقق موضوعها في كل منهما هو حكم العقل في رتبة سابقة بالمعذرية.

فحيث حكم العقل في رتبة سابقة انه لما كان المكلف مضطرا للفعل او الترك فلا حرج عليه ان يفعل او يترك فبعد حكم العقل بالمعذرية فجريان البراءة في كل من الطرفين منتف لا لأجل عدم موضوعه بل لأجل ان جريانهما لأجل تحقيق المعذرية طلب للحاصل.

هذا ما افاده المحقق العراقي.

وهنا ملاحظتان، الاولى: انه اما ان يرى المحقق العراقي ان العلم الاجمالي بالالزام بيان او ليس ببيان، حيث يظهر من كلامه في المقالات وهو ظاهر كلام العلمين الخوئي وصاحب المنتقى ان العلم الإجمالي اساسا ليس بيان فمجرد انكشاف الالزام لا يعني انه بيان لان البيان هو عبارة عن العلم بالحكم الفعلي، اي الحكم المقتضي للمحركية والداعوية والالزام في المقام ليس محركا جزما، لان المكلف مضطر للفعل او الترك، فبما ان العلم الاجمالي ليس بيانا من الاساس فلا حاجة الى البحث عن المنجزية وعدمها.

واما ان يقول المحقق العراقي كما هو ظاهر كلامه في نهاية الافكار وظاهر كلام السيد صدر، ان العلم الاجمالي بيان لأجل ان الالزام قد انكشف، فهل بعد الانكشاف شيء نبحث انه بيان او لا، انما الكلام انه غير منجز لان حكم العقل بالاضطرار الى الفعل او الترك اوجب سقوطه عن المنجزية، فان كان المختار للمحقق العراقي هو ال 2 اي ان العلم الاجمالي بيان اذا الراءة العقلية لا موضوع لها فلا حاجة الى ان نقول انما لم تجري البراءة العقلية لان العقل قد حكم بالمعذرية فتحصيل المعذرية بها طلب للحاصل

بل لعدم موضوعها، فاذا كان العلم الاجمالي بيانا اذا موضوع البراءة العقلية منتف.

وهذا تعليل اسبق رتبة، فان تعليل انتفاء الحكم بانتفاء لموضوعه اسبق رتبة من اي تعليل اخر، واما ان كان مختار المحقق العراقي ان العلم الاجمالي ليس بيانا فموضوع البراءة العقلية متحقق، فهنا يقال حيث العقل في هذا المورد وهو دوران الامر بين لزوم الفعل او الترك بالمعذرية لأجل الاضطرار فهل حكم العقل بالمعذرية رافع للبراءة العقلية ام لا، وهذا يبتني هل ان حكم العقل بالمعذرية لأجل الاضطرار سابق رتبة على البراءة العقلية كي يكون ملغيا لاستفادة المعذرية منها او انه في عرضها، فلا موجب للغويتها.

انما الغرض من هذه الملاحظة ان ما ذكره المحقق العراقي لا يتم على كلا الفرضين قلنا بالبيانية ام لا،

الملاحظة 2 ما ذهب اليه السيد الإمام في تهذيب الاصول والسيد الصدر، من ان تعليل العراقي عدم البراءة العقلية بحكم العقل بالمعذرية غير صحيح، والسر في ذلك بتقريب منا، انه اما ان يكون منظور العراقي عدم جريان البراءة العقلية في الجامع اي جامع الازام او منظور العراقي عدم جريان البراءة العقلية في الاطراف اي وجوب الفعل على حدة او الترك على حدة، فحينئذٍ ان كان منظور العراقي عدم جريان البراءة العقلية في الجامع فهذا لا معنى لان يوجه ويعلل بان العقل حاكم بالمعذرية في رتبة سابقة لان الجامع اي اصل الالزام واصل تفصيلا، فكيف مع وصوله تفصيلا تجري البراءة العقلية عنه هذا لا معنى له لا معنى لان يقال يقبح العقاب على الجامع وهو اصل الالزام لعدم بيانه والحال انه بين تفصيلا

وان كان منظوره الاطراف اي ان وجوب الفعل في حد نفسه مشكوك ووجوب الترك مشكوك فحينئذٍ يقال وجوب كل منهما في حد نفسه ليس مضطر له المكلف حتى يحكم العقل بالمعذرية فما هو المضطر اليه هو الجامع لا كل منهما على حدة، وبالتالي ما هو المعذور فيه قطعا لأجل اضطراره الى ارتكابه هو الجامع وهو ليس مجرى للبراءة العقلية لوصوله تفصيلا، وما هو مجرى العقلية وهو كل من الطرفين في نفسه مما ليس المكلف مضطرا الى التشبث به اذ يمكنه ان يلتزم بالفعل دون الترك او الترك دون الفعل، فكل منهما في حد ذاته اختياري ومع كونه اخيتراريا فلا يحكم العقل بمعذرية التشبث به في رتبة سابقة كي يكون تحصيل هذه المعذرية بالرياءة العقلية طلبيا للحاصل، فهما هو مجرى البراءة ليس مما حكم العقل بمعذرية وما حكم العقل بمعذرية ليس مجرى للبراءة.

الدرس 32
الدرس 34