نص الشريط
الدرس 14
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 28/11/1436 هـ
تعريف: انحلال العلم الإجمالي
مرات العرض: 1818
المدة: 00:29:34
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (185) حجم الملف: 6.76 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

ذكرنا فيما سبق: الفرق بين الانحلال التبعدي والانحلال العقلائي، والانحلال الحكمي.

وبما أن الانحلال التعبدي الذي ذهب له سيدنا «قده» مبتني على مبنى جعل العلّية، اذ لولا قوله ان الحجية بمعنى جعل العلية لما لكان التعبد بحجية الامارة في أحد الطرفين تعبدا بالعلم وزوال الشك، فبما ان مبناه يبتني على مسلك جعل العلمية ونحن لا نقول بهذا المسلك فالغاية بناء العقلاء على حجية خبر الثقة ترتيب آثار الواقع على ما قام عليه خبر الثقة لا ترتيب آثار العلم وزوال الشك على قيام خبر الثقة.

وأما بالنسبة للانحلال العقلائي، الذي ذهب له السيد الامام، فلم نحرز بناء العقلاء على جريان البراءة حتى مع فرض تأخر المنجز التفصيلي حدوثاً. فإنه تظهر الثمرة بين القول بالانحلال الحكمي والانحلال العقلائي في ذلك، اي اذا عُلِمَ اجمالاً بموت أحد الرجلين يوم الجمعة، واقترن العلم الإجمالي بإمارة على موت زيد فلا اشكال حينئذ في الانحلال سواء قلنا بالانحلال الحكمي أو الانحلال العقلائي، وانما تظهر الثمرة بينهما فيما اذا تأخر المنجز التفصيلي. كما اذا علمنا يوم الجمعة بموت احد الرجلين وفي يوم الاثنين قامت امارة على موت زيد من دون تعرض للمعلوم يوم الجمعة. فهنا: قد التزم بأن بناء العقلاء قائم على عدم العناية باحتمال موت بكر الذي هو طرف آخر للعلم الاجمالي وانهم يرون انه مجرى للبراءة العقلائية من حيث وجوب تجهيزه أو قسمت امواله، فانهم لا يعتنون باحتمال موت بكر بعد قيام الامارة بعد موت زيد منذ حدوث العلم الاجمالي، وهذا مما لم نحرز قيام بناءهم عليه، فلأجل ذلك: مقتضى اطلاق ادلة الاصول الشرعية حيث لم يحرز بناء العقلاء على وفقها، لأنّ السيد لا يدّعي بناء العقلاء على خلاف دليل الاصل، كي يقال: مع الشك في المقيّد المتصل لا نحرز اطلاق دليل الأصل اذ نحتمل احتفافه بمرتكز عقلائي فكيف نتمسك بالاطلاق؟. لكن السيد يدعي البناء الموافق أي البناء على البراءة الذي هو موافق لأطلاق دليل الأصل الدليل الشرعي، فمع الشك في البناء لا يبقى مانع من التمسك باطلاق دليل الاصل الشرعي. ومقتضى اطلاقه: هو التعارض بين البراءة عن وجوب تجهيز زيد قبل قيام الامارة على موته وبين البراءة عن وجوب تجهيز بكر مطلقا، وبتعارض البراءتين يكون العلم الاجمالي منجزا بالنسبة الى بكر.

فلتخص من ذلك: ان لا سبيل لنا في المقام الا بالانحلال الحكمي، فتعكز على الانحلال الحكمي. ولذلك نبحث: هل أنه يعتبر في الانحلال الحكمي اقتران العلم أو يكفي اقتران المعلوم؟ بيان ذلك:

ذهب المشهور من الاصوليين: ومنهم سيدنا «قده»: الى ان الموجب للانحلال الحكمي اقتران العلم بمعنى: ما لم تكن الامارة مقارنة للعلم الاجمالي فلا انحلال حكمي. لأن دليل الاصل سوف يكون متعارضا في الطرفين. بينما ذهب السيد الشهيد «قده» الى كفاية اقتران المعلوم وان لم يكن هناك اقتران في العلم. مثلا: اذا علم اجمالا يوم الجمعة بنجاسة احد الإناءين وكانت هناك بينة على نجاسة الاناء الف لكن المكلف لم يكن يعلم بها، فلم يعلم المكلف بالبينة على نجاسة إناء الف الا يوم الاحد فلم يقترن العلم التعبدي مع العلم الاجمالي لكن المعلوم مقترن، لان مؤدى البينة بعد وصولها أن إناء الف نجس منذ يوم الجمعة. فهنا يكفي عنده اقتران المعلوم في حصول الانحلال.

وبيان مطلبه «قده» بتوضيح أمور:

الأمر الأول: ليس البحث على مسلك العليّة، بل البحث على مسلك الاقتضاء. والسر في ذلك: أن مسلك العلية كما لو راجعنا كلام المحقق العراقي فإنه: يرى أن النكتة في الانحلال هي أنّ المتنجز لا يتنجز، أي إذا كان المعلوم الواقع تنجز بالتفصيل فلا يتنجز بالاجمال، فبما أنّ النكتة في ذهنه أنّ المنتنجز لا يتنجز فلا محالة لا يحصل انحلال الا اذا تقارن المنجزان كي يقال: المتنجز لا يتنجز، بأن علم اجمالا يوم الجمعة بنجاسة احد الاناءين وقامت امارة يوم الجمعة على نجاسة إناء الف فيقال: إناء الف تنجز بالامارة فلا يتنجز بالعمل الاجمالي. فبما أن النكتة في ذهن العراقي أن المتنجز لا ينتجز إذاً على مسلكه لا انحلال الا اذا اقترن المنجزان، اقترن العلمان: العلم الاجمالي والعلم التعبدي.

ولكننا حيث لا نرى هذه الآية فنحن لا ندور مدار اقترن المنجزان.

الأمر الثاني: قد يفرّق بين الإمارة في الشبهة الحكمية والإمارة في الشبهة الموضوعية، والمشهور من الأصولين فرقوا بينهما: فقالوا كسيدنا الخوئي: منجزية الامارة في الشبهة الحكمية لا تتوقف على الاصول بل يكفي في منجزية الامارة كونها في معرض الوصول، فمثلا: لو كان في البين خبر ثقة يدل على حرمة حلق اللحية فإن هذا الخبر حتى لو لم يصل هو منجز للواقع ما دام في معرض الوصول. فالامارة في الشبهات الحكمية يكفي في منجزيتها للواقع كونها في معرض الوصول، اما الامارة في الشبهة الموضوعية مثلا: يوجد خبر ثقة على أن هذا الماء نجس لكن لم يصلني خبر الثقة بعد، هل هو منجز للواقع وان لم يصلني؟ أم ان منجزيته فرع الوصول؟ فهنا قال المشهور: بأن المنجزية فرع الوصول ويختلف عن الشبهات الحكمية. لكن السيد الشهيد «قده» قال: في محل كلامنا وهو مسالة الانحلال الحكمي للعلم الإجمالي فإن الإمارة القائمة في الشبهة الموضوعية أثرها قبل الوصول. ولا يتوقف على الوصول. كما قيل في الامارة على الشبهات الحكمية. فلذلك لما علمنا يوم الاحد بوجود خبر ثقة على نجاسة ألف منذ يوم الجمعة فإن هذه الإمارة توجب انحلال العلم الاجمالي من يوم الجمعة. والنكتة في ذلك.؟

الامر الثالث: روح المنجزية هل هي في وصول الامارة؟ أم هي في الامتنان بالواقع؟

فلو قلنا: بأن روح المنجزية في وصولها: إنما تكون الامارة ذات اثر عقلي من المنجزية أو المعذرية ان وصلت، والا فوجودها كالعدم كما يقول المشهور. اذاً فالحق معهم في أن قيام الإمارة يوم الأحد على أن النجاسة منذ يوم الجمعة لا أثر لها، الآن تتنجز في الإناء ألف لا منذ يوم الجمعة، ولكننا نقول «السيد» الروح في الاهتمام في الواقع لا في المنجزية، والسر في ذلك: اذا كان الامارة موجودة منذ يوم اليوم والا فالامارة موجودة على إناء الف منذ يوم الجمعة فاهتمام المولى بهذه النجاسة المؤداة منذ يوم الجمعة، فروح حجية الامارة في الاهتمام الذي هو وراء الامارة وليس روحها المتنجز على وصولها. فبما ان المولى ثبت لنا انه مهتم بهذه النجاسة منذ يوم الجمعة لأن الامارة موجودة منذ يوم الجمعة فلا يجتمع اهتمامه بالنجاسة مع جريان البراءة عن حرمة الشرب منذ يوم الجمعة، لان جريان البراءة عن حرمة شرب إناء الف الذي عليه بينة لكن المكلف لم يطلع عليها يعني عدم اهتمام المولى بالواقع لأنه اجرى البراءة، وقيام الامارة منذ يوم الجمعة يعني اهتمام المولى بالواقع فكيف يجتمع الاهتمام واللا اهتمام. إذاً ففي الواقع لا يجتمع قيام امارة على نجاسة إناء الف منذ يوم الجمعة مع جريان البراءة عن حرمة شربه منذ يوم الجمعة، اذ لا يجتمع الاهتمام واللا اهتمام. فلا محالة بعد ان وصلتنا الامارة تبين لنا انه منذ يوم الجمعة المولى مهتم بنجاسة إناء الف، اذاً البراءة عن حرمة الشرب جارية في إناء باء منذ يوم الجمعة. وبالتالي قد انحل العلم الإجمالي حكماً بجريان البراءة في احد طرفيه وهو إناء باء منذ يوم الجمعة بلا معارض.

ويلاحظ على ما افاده:

أولاً: بأنه لا دليل على منجزية الامارة قبل وصولها في الشبهات الموضوعية. ولم يقم اي شاهد شرعي «نقلي» أو عقلائي على ذلك، واهتمام المولى بالواقع فرع حجية الامارة حيث أن حجيتها فرع وصولها فلا شاهد على اهتمام المولى بالواقع منذ يومن الجمعة وان كانت الامارة موجودة. والمنبه على عدم حجية الإمارة وتأثيرها قبل وصولها: أنه اذا كان دليل البراءة ينفي اهتمام المولى بالواقع في موارد عدم وجود امارة فهل يقصر على النفي اهتمام المولى بالواقع على طبق الامارة، مثلاً: اذا شككنا على نحو الشبهة الموضوعية في نجاسة هذا الاناء فلا كلام عند السيد ولا عند غيره في جريان البراءة، اي ان البراءة تؤمننا عن اهتمام المولى بالواقع اذا شككنا في ان هنا نجاسة أم لا؟ فقد شككنا ان المولى مهتم واقعا بحرمة هذا الاناء أم ليس بمهتم تجري البراءة بلا كلام، فدليل البراءة لا يقصر على نفي اهتمام المولى بالواقع عند الشك في التكليف فكيف بمورد الشك في الامارة؟ كما اذا شككنا هل أنه على هذا الاناء توجد امارة قائمة على نجاسته؟ أم لا توجد هذه الامارة القائمة على النجاسة؟. فجريان البراءة مشكل لانه لو كانت هناك امارة في الواقع لكان لدى المولى اهتمام على طبق الامارة وذاك الاهتمام مانع من جريان البراءة. فاذا كان دليل البراءة ليس قاصرا عن الجريان في مورد الشك في اهتمام المولى بالواقع لا يقصر على الجريان في مورد الشك في اهتمام المولى بالواقع بامارة على طبق الواقع. إذاً مقتصى ادلة الاصول التأمينية التعبيرية الترخيصية: عدم اثر للامارة قبل الوصول في الشبهات الموضوعية.

والحمد لله رب العالمين.

الدرس 13
الدرس 15