نص الشريط
الدرس 21
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 15/12/1436 هـ
تعريف: انحلال العلم الإجمالي
مرات العرض: 1821
المدة: 00:33:50
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (189) حجم الملف: 15.4 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

ما زال الكلام في شمول دليل حجية الامارة للامارة المجملة. فهل يختلف هذا الشمول باختلاف المباني في الحجية ام لا؟.

وذكرنا سابقا: خلافا للسيد الشهيد «قده»: أنّ دليل الحجية يشمل حجية الأمارة المجملة على جميع المباني.

بقي الكلام في انه بناء على مسلك الشيخ الاعظم، من ان معنى حجية الامارة جعل الحكم المماثل. او ما يعبر عنه بجعل المؤدى، استناداً الى مثل صحيحة عبد العظيم: «العمري وابنه ثقتان فما اديا اليك عني فعني يؤديان وما قالا لك عني فعنّي يقولان» بدعوى: ان ظاهرها جعل المؤدى. فإذا قام خبر الثقة على وجوب صلاة الجمعة في عصر الغيبة تعييناً، فقد جعل الشارع لصلاة الجمعة وجوباً ظاهرياً على طبق مؤدى خبر الثقة، وهذا هو معنى جعل المؤدى، او جعل الحكم المماثل.

فأُشكل على ذلك: اذا كانت الامارة مجملة كما اذا قال زرارة: ما سمعته من الإمام في من أفطر في شهر رمضان لعذر انه يقضي أو يفدي. الترديد منّي. فهل جعل المؤدي يشمل مثل هذه الامارة ام لا؟

فقد يقال: بانه لو شمل هذه الأمارة لكان أثر ذلك هو التخيير. لأن هذه الأمارة لم تخبر إلا بالجامع لا بأحد معين، بل قال زرارة: الذي سمعته عن المعصوم وجوب احدهما، فمؤدى الامارة هو وجوب احدهما، فلو شملها دليل الحجية ومعنى الحجية جعل المؤدى لكان المؤدى المجعول هو وجوب الجامع. وأثر وجوب الجامع هو التخيير في مقام العمل، لأن كلاً من الطرفين مصداقٌ للجامع.

والجواب عن هذه الشبهة: بعين ما سبق بيانه: وهو أنّ ما أخبر به الثقة وما هو مؤدى الإمارة ليس هو الجامع بل الجامع المتخصص بخصوصية وهي: خصوصية المشيرية لواقع معين، فبما أن المؤدى ليس مطلق الجامع وإنما جامع متخصص بخصوصية فالمجعول ايضا على طبق هذا المؤدى هو ذلك. ومقتضى ان الشارع الشريف يجعل في ذمة المكلّف وجوباً ظاهرياً لجامع متخصص بخصوصية المشيرية للواقع: حكم العقل بلزوم الطرفين معاً احرازاً للفراغ اليقيني مما أشغل به الشارع ذمة المكلف.

وإلا إذا قبلنا بالإشكال على هذا المبنى او ما سبقه كما هو ظاهر تقرير كلام السيد الشهيد «قده»، فإنّ الإشكال حتى على مبنى السيد الشهيد واردٌ. والوجه في ذلك:

أنّه أفاد في التقرير «ج5، من البحوث، ص154»،: بأن هناك تفصيلاً في العلم الاجمالي بين الشبهة الحكمية والشبهة الموضوعية.

فتارة نعلم بأن الواجب في عصر الغيبة: الجمعة تعيينا او الظهر تعيينا؟، فهذا علم اجمالي على نحو الشبهة الحكمية.

وتارة نعلم ان احد الرجلين عالم يجب اكرامه. فهذا علم اجمالي على نحو الشبهة الموضوعية.

ففي الأول: وهو ما اذا كان العلم الاجمالي على نحو الشبهة الحكمية: قال «قده» بحسب التقرير: بناء على حرفية قاعدة «قبح العقاب بلا بيان» تجري البراءة ولا يكون العلم الاجمالي منجزا لوجوب الموافقة القطعية، مع انه علم اجمالي وجداني، في أن احدى الفريضتين واجب يوم الجمعة تعيينا، مع ذلك قال: «قده» اذا قبلنا بقاعدة قبح العقاب بلا بيان فان مؤدى هذه القاعدة ان المتنجز بمقدار البيان لا اكثر. فما ليس عليه بيان فليس له تنجز، والمقدار الذي تم عليه البيان هو الجامع اي احدى الفريضتين، واما خصوصية الفريضة من كونها جمعة او كونها ظهرا فليس عليه بيان بل شك، فبناءً على كبرى قبح العقاب بلا بيان تجري البراءة العقلية فضلاً عن الشرعية في الخصوصية. فيكفيك احدى الفريضتين حتى تمتثل الجامع.

وأما إذا كانت الشبهة موضوعية، كما إذا علمت أن العالم يجب اكرامه، وعلمت ان احد الرجلين عالم يجب اكرامه، فليس لدي شبهة في الحكم، وهو معلوم، اي انني جازم بثبوت حكم فعلي في حقي، وهو وجوب اكرام عالم، غاية ما في الباب أن موضوع هذا الحكم الفعلي مشتبه عندي بين طرفين والا فالحكم الفعلي متيقن به فهو متنجز في حقي، فلا شك عندي في تنجز حكم فعلي وهو وجوب اكرام عالم. فلا محالة الشك في الامتثال لا في التكليف. وإنما تجري البراءة عند الشك في التكليف لا عند الشك في الامتثال.

فهو «قده» فيما سبق فصّل بين العلم الاجمالي في الشبهة الحكمية والعلم الاجمالي في الشبهة الموضوعية بناءً على قبول كبرى قبح العقاب بلا بيان. فقال: بناءً على ذلك: لا يكون العلم الاجمالي في الشبهة الحكمية منجزاً لوجوب الموافقة القطعية. بخلافه في الشبهة الموضوعية، فنقول في المقام: على هذا الاساس: ينبغي التفصيل على مبناه في الحجة الاجمالية، وهو: ما اذا قامت امارة مجملة، بأن يقال: تارة تقوم الامارة المجملة في شبهة حكمية، بأن يقول لنا زرارة: «ما سمعته من الامام: ان من افطر في شهر رمضان عن عذر فعليه شيءٌ، اما القضاء او الفدية، والترديد منّي» فبناءً على ذلك يقال: ان معنى حجية الامارة عند السيد الشهيد ابراز الاهتمام بالواقع، والاهتمام المتنجز إنما هو بمقدار ما تم عليه البيان، بناء على كبرى قبح العقاب بلا بيان، وحيث ان البيان الواصل من زرارة هو الجامع حيث لم يشهد بشيء باكثر من الجامع، تجري البراءة عن الخصوصية. فيكفي أن يأتي بأحد الطرفين، لانه مصداق للجامع، فيترك الآخر.

وأما اذا قامت الامارة المجملة على الشبهة الموضوعية: بأن شهد الثقة أن احد الاناءين نجس، ففي مثل هذا المورد يكون مقتضى ابراز الشارع للاهتمام بالواقع الفعلي المتنجز على تقدير صدق الامارة هو حكم العقل بلزوم اجتناب الطرفين احرازاً للموافقة القطعية.

هذا تمام الكلام في هذه الجهة وهي: شمول دليل الحجية للامارة المجملة. وقد ثبت الشمول.

الجهة الثانية: إذا كانت الامارة المجملة حجة، فهل يجري الاصل الترخيصي في أحد الطرفين ام لا؟ وبعبارة أخرى: كيف نجمع بين دليل حجية الإمارة ودليل الأصل الترخيصي؟

فنقول قبل بيان الوجوه التي ذكرت: تارة: يكون دليل حجية الإمارة السيرة المتشرعية. وتارة: يكون دليل الحجية السيرة العقلائية. وتارة: يكون دليل الحجية دليلاً لفظياً شرعياً.

فإن كان دليل حجية الإمارة السيرة المتشرعية وأحرز شمولها للامارة المجملة، مثلاً: لا شكّ لدى المتشرعة في حجية الإقرار وشمول هذه الحجية للاقرار المجمل. فلو أقرّ صاحب اليد على كتابين بأن احد الكتابين لزيد، ولم يعينه، ففي مثل هذا المورد، لا اشكال في حكومة دليل حجية الاقرار على دليل الاصل، ولو كان هذا الاصل هو امارية اليد او كان هذا الاصل البراءة عن حرمة التصرف، فنقول: مقتضى شمول دليل حجية الاقرار للاقرار المجمل لزوم الموافقة القطعية، ومعنى لزوم الموافقة القطعية المصالحة مع الاخر وهو زيد لانه لا يدرى ما هو ملكه، وان لم تتم المصالحة جرت القرعة في تعيين ملكه، اما اذا قلنا يكفي ان يسلمه احدهما وتجري امارة اليد لاثبات الملكية للاخر او تجري حرمة التصرف للاخر فلا.

وان كان دليل الحجية السيرة العقلائية: كما ادعي قيام السيرة العقلائية على حجية البيّنة. او خبر الثقة. فشهد الثقة أن احد الكأسين نجس، فحينئذٍ: نسأل: هل أن دليل الأصل الترخيصي منصرف عن موارد الحجة كما سبق نقله عن السيد الاستاذ في مبحث العلم الاجمالي او غير منصرف؟. فاذا قلنا بان ادلة الاصول موضوعها الشك، فهي منصرفة عن موارد العلم بمعنى قيام الحجة، فقوله: «رفع عن امتي ما لا يعلمون» منصرف عن مورد «ما يعلمون»، ولو كان علما تعبدياً. فاذا كان دليل الاصل منصرفا فعدم جريان اصالة الطهارة في أحد الإناءين بعد شهادة الثقة بنجاسة احدهما لا لحكومة في دليل حجية خبر الثقة بل لقصور في دليل اصالة الطهارة لكونه منصرفا عن موارد قيام الحجة.

وأما لو لم نقل بانصرافه: فقد يقال بالعكس، اي ان دليل الاصل هو الحاكم لان دليل الحجية لبّيٌ وهو السيرة العقلائية. فهو دليل لبّيٌ تعليقي، اي معلق على إمضاء الشارع وعدم ردعه، فنقول مقتضى اطلاق دليل الاصل وهو دليل اصالة الطهارة ردع السيرة العقلائية لو كانت قائمة على وجوب الموافقة القطعية فتجري اصالة الطهارة في احد الطرفين. هذا كله اذا كان دليل الحجية السيرة.

وأما اذا كان دليل الحجية دليلا لفظياً: كما تمسك به السيد الشهيد دليلا على حجية خبر الثقة حيث تمسك بهذه الصحيحة: «العمري وابنه ثقتان فما اديا اليك عني فعني يؤديان» فبناءً على هذا المبنى وهو: أنّ دليل حجية خبر الثقة دليل لفظي، ودليل الاصل الترخيصي ايضا دليل لفظي، فما هو المرجح لأحدهما على الآخر؟.

فإن دليل حجية خبر الثقة يقول: خذ بهذا الخبر القائل بنجاسة احد الاناءين، ومقتضى الاخذ به ان تجتنب كلا الطرفين، ودليل الاصل الترخيصي وهو قوله: «كل شيء لك نظيف حتى تعلم انه قذر»، يقول: انت لا تعلم بقذارة اناء الف وانما علمت بقذارة احدهما، فلك ان تجري الطهارة في اناء الف، فيقع التعارض بين الدليلين فما هو الحل؟.

لذلك ذكرت وجوه للحل في كلمات الاعلام «قدست اسرارهم»:

الوجه الاول: ما ذكره المحقق العراقي «قده» من أن المدلول الإلتزامي لخبر الثقة حاكم على إطلاق دليل الاصل.

والحمد لله رب العالمين.

الدرس 20
الدرس 22