نص الشريط
لغة الحب وتأثيرها على شخصية الإنسان
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 3/1/1437 هـ
مرات العرض: 3639
المدة: 01:01:00
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (3138) حجم الملف: 17.4 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

صدق الله العلي العظيم

حديثنا في عدة محاور:

المحور الأول: تحديد مفهوم الحب وأقسامه.

ما هو الحب؟ الحب هو النزوع نحو الشيء، أحببت فلانًا بمعنى أن في قلبي نزوعًا وميولًا نحوه، فإذا كان في الحب نزوع وميول تجاه شيء معين فهذا النزوع هو الحب، وذلك الشيء هو المحبوب.

والحب ينقسم إلى ثلاثة أقسام: حب رباني، وحب إنساني، وحب شهواني. الحب الرباني هو حب الله، وهو ما يجده الإنسان في قلبه من نزوع وميول وتوجه نحو الباري تبارك وتعالى، والحب الإنساني هو الذي يجده الإنسان تجاه أخيه الإنسان، لا بدافع مصلحي، ولا بدافع برجماتي، والحب الشهواني هو الذي ينطلق بدافع تحصيل إشباع شهوة معينة، أو إشباع رغبة ملحة.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الأقسام الثلاثة، حيث أشار إلى الحب الرباني بقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ، وقال تبارك وتعالى: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ.

وأشار إلى الحب الإنساني، وهو الذي يكون ميلًا طبيعيًا بين بني البشر، عندما يقول عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، إنما أتعرف عليك لأن عندي ميولًا نحوك، وإنما تتعرف علي لأن لديك ميولا إنسانية نحوي، التعارف فرع المحبة الإنسانية المتبادلة.

وأشار إلى القسم الثالث بقوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ، ما تحبه لأجل شهوة، لأجل إشباع رغبة، فهذا حب شهواني، ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ.

عندما نبحث عن المنطلق لهذه الأقسام الثلاثة، ما هي فلسفة هذا التقسيم للحب إلى هذه الأقسام الثلاثة؟ نحن عندما نرجع إلى القرآن الكريم، وندقق في تعبيرات القرآن الكريم، القرآن الكريم يعبر عن وجود الإنسان بأنه نفخة من روح الله عز وجل، يقول: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي، ويقول في آية أخرى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وقال في آية ثالثة: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا، فما معنى نفخ الروح؟ ما معنى أن الإنسان نفخة من روح الله عز وجل؟ ما معنى هذا التعبير القرآني؟

الله تبارك وتعالى عندما أفاض وجود الإنسان، عندما برأ الإنسان، جعل وجود الإنسان ظلًا لوجوده، جعل وجود الإنسان حاكيًا عن وجوده، جعل حياة الإنسان حاكية عن حياته، خلق الإنسان صورة معبرة عنه تبارك وتعالى، نفخت فيه من روحي، أي: جعلته صورة معبرة عني، جعلته مثالًا حاكيًا عن حياتي وعن صفاتي، فالإنسان نفخة من الله، نفخة من روح الله تبارك وتعالى.

لأجل ذلك، ولد الإنسان وهو يحب بفطرته الكمال، لأن مصدره هو الكامل عز وجل، لأن الذي صاغ هذا الإنسان وخلق هذا الإنسان هو الكمال المطلق جل وعلا، لذلك جاء الإنسان إلى الوجود وهو يحمل بفطرته رغبة في الكمال، وحبًا للكمال، حب الإنسان إلى الله حب حقيقي خالص؛ لأنه حب للكمال المطلق، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ، لكن الذين آمنوا يعون هذا الأمر، أن الحب الحقيقي هو حب الكمال، وحب الكمال يعني حب الله عز وجل ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ.

وأما إذا أحب الإنسان الآخر لأنه يشترك معه في الإنسانية، أو أحب الإنسان شيئًا آخر لأجل إشباع شهوة أو غريزة، فهذا حب مجازي وليس حبًا حقيقيًا خالصًا، الحب الحقيقي الخالص هو الحب المعبر عن كون الإنسان نفخة من الله، وهو حب الكمال، حب الله تبارك وتعالى.

المحور الثاني: الحب مفتاح الأخلاق.

الحب بذرة الأخلاق، فما معنى هذا الكلام؟ نحن عندما نرجع إلى علم الأخلاق، فلاسفة الأخلاق ماذا يقولون في تعريف الخلق؟ متى نعتبر الفعل خلقًا؟ مثلًا: الإنسان يأكل، الأكل فعل من أفعاله، لكن الأكل ليس خلقًا، الإنسان يمشي، المشي فعل، لكنه ليس خلقًا، بينما الصدق خلق، العدالة خلق، الأمانة خلق، فما هو الفرق بين الخلق وغيره؟ كلاهما فعل، المشي فعل لكننا لا نقول المشي خلق، بينما الأمانة خلق، فما هو الميزان والمقياس الذي على أساسه نعتبر بعض الأفعال أفعالًا طبيعية كالمشي والأكل، ونعتبر بعض الأفعال خلقًا كالصدق والأمانة والعدالة؟ ما هو المقياس الذي يفرز لنا الأفعال، ويقسم لنا الأفعال، فيجعل بعضها فعلًا طبيعيًا، ويجعل بعضها الآخر فعلًا خلقيًا؟ ما هو المعيار في ذلك؟

هنا أتعرض باختصار للنظريات المذكورة في فلسفة الأخلاق في تحديد ما هو الخلق، عندنا نظرية لديكارت، وعندنا نظرية لكانت، وعندنا نظرية لسارتر، وكل نظرية تحاول أن تفرز الخلق من غيره من الأفعال الطبيعية.

التعريف الأول: تعريف ديكارت.

ديكارت يقول: الخلق ما كان تجاوزًا للأنا، الإنسان يعيش ميولين: أنا وغيري، هل يتجاوز «الأنا» ويتجه نحو «أنت»؟ الفعل الذي يصدر بدافع الأنا ليس خلقًا، حتى لو كان جميلًا في نظر الناس، فمثلًا: من يعطِ الفقراء بدافع أن تكون له سمعة حسنة، بدافع أن يكون له لقب حسن بين الناس، فإن هذا الفعل ليس خلقًا، لأن الفعل منطلقه الأنا، منطلقه النفس، منطلقه المصلحة الشخصية، هذا الإنسان الذي تصدر أفعاله عن دافع الأنا ما زال يعيش في إطار ذاته، ما زال متقوقعًا في ذاته، هذا الفعل ليس خلقًا.

الفعل الخلقي هو الذي يتجاوز الأنا وينطلق نحو الغير، أنا أقضي حاجتك لأنك أنت لا لأجلي أنا، عندما يصدر الفعل بدافع الغيرية، بدافع الإيثار، بدافع تقديم مصلحة الغير على مصلحة النفس، هنا يكون الفعل خلقًا، الميزان في الخلق عند ديكارت أن تتجاوز الأنا وتنطلق نحو الغير، وبعبارة أخرى: الخلق هو الإيثار، أن تؤثر غيرك على نفسك، كما في القرآن الكريم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، ويقول القرآن الكريم في آية أخرى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا.

هذا تعريف ديكارت للخلق، وهو ليس دقيقًا؛ لأن هناك خلطًا بين الفعل الغريزي والفعل الخلقي، فمثلًا: الأم تضحي بنفسها من أجل وليدها، من أجل طفلها، الأم تسهل الليل وتتعب نفسها من أجل تربية ولدها، حنان الأم هل هو خلق أم هو فعل غريزي؟ هذا فعل غريزي، مع أن الأم تقوم بهذا الحنان لا لأجل نفسها بل لأجل طفلها، مع أن الأم تضحي بمصلحتها من أجل مصلحة طفلها، لكن هذا الحنان الذي تبذله الأم ليس خلقًا، وإنما هو فعل غريزي صادر عن غريزة الأمومة، عن روح الأمومة، هذا الفعل ليس خلقًا مع أنه فيه تجاوز للأنا، فيه تقديم لمصلحة الغير على مصلحة النفس، فليس كل فعل صادر بدافع مصلحة الغير خلقًا، بل قد يكون فعلًا غزيريًا، كالأفعال الصادرة من الأم بدافع الأمومة.

التعريف الثاني: تعريف كانت.

كانت يقول: الخلق ما كان صادرًا بدافع الإحساس بالمسؤولية، ويمكن شرح هذا المعنى من منطلق قرآني، وذلك بالرجوع إلى قوله عز وجل: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ «1» وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ، هذه الآية تشير إلى أن هناك محكمتين تحاصر الإنسان: محكمة داخلية، ومحكمة خارجية، المحكمة الداخلية هي النفس اللوامة، والمحكمة الخارجية هي الوقوف أمام الله يوم القيامة، والمقصود بالنفس اللوامة الضمير، الضمير تارة يشجعك وتارة يوبخك، الإساءة للطفل البريء أمر يشجبه الضمير، الإحسان لليتيم أمر يشجع عليه الضمير، الضمير هو النفس اللوامة التي عبر عنها القرآن الكريم بقوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا «7» فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، النفس بطبيعتها توبخك على بعض الأشياء وتشجعك على بعض الأشياء الأخرى، النفس بطبيعتها تمدحك وتذمك، تنفر من أشياء، وتبتهج بأشياء أخرى.

ومن هنا ينطلق كانت من تحديده للخلق، يقول: الخلق هو الذي إذا عرضته على ضميرك يؤنبك على تركه، يقول لك: لا تتركه، حاول أن تفعله، الخلق هو العمل الذي يصدر منك بدافع المسؤولية، هو العمل الذي يصدر منك لا لأجل مصلحة، بل لأن ضميرك يدفعك نحو هذا العمل، هذا هو الخلق، لماذا أكون محسنًا لليتيم؟ لماذا أكون متعاونًا مع الفقير؟ لأن ضميري يفرض علي ذلك، لأني لو لم أحسن إلى اليتيم لأنبني ضمير، فالخلق هو العمل الذي يؤنبك الضمير على تركه، الخلق هو العمل الذي تؤنبك النفس اللوامة على تركه، الخلق هو العمل الذي يخضع للمحكمة الداخلية قبل خضوعه للمحكمة الخارجية.

إذن، التعريف الثاني للخلق أن الخلق ما كان منبعثًا من دافع الإحساس بالمسؤولية، وهذا التعريف أيضًا تعريف غير دقيق للخلق، لأن هناك قسمًا من الأخلاق لا يلزمك الضمير بعمله، فمثلًا: الإحسان، افترض أنك التقيت بشخص لا تربطه به أية علاقة، لا من دين، ولا من نسب، ولا من لغة، ولا من بلد، ولا من أي شيء، التقيت بشخص لا تربطك به أية علاقة، وأنت ترددت هل تحسن إليه، هل تقدم إليه هدية بدون مقابل وبدون طلب منه أم لا؟ هذا العمل لو تركته لا يؤنبك الضمير على تركه، لكنك لو عملته لكان خلقًا.

إذن، ليس كل خلق هو ما يؤنبك الضمير على تركه، هناك قسم من الأفعال الخلقية تصدر منك وإن لم يكن هناك مسؤولية، وإن لم يكن هناك إلزام من الضمير، قد تلتقي بإنسان لا تربطه به أية صلة لا دينية ولا لغوية ولا قومية، ومع ذلك أنت بدافع الأخوة الإنسانية المحضة تهديه هدية، أو تقدم له عملًا، أو تقضي له حاجة، لو تركت الإنسان لم يؤنبك الضمير على ترك الإحسان، لأن الإحسان تفضل محض، وعطف محض، والإحسان من أروع الأخلاق، القرآن الكريم يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، ويقول في آية أخرى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.

التعريف الثالث: تعريف سارتر.

سارتر يقول: الخلق هو اتفاق اجتماعي، فمثلًا: أنا لا أظلمك حتى لا تظلمني، فبيننا اتفاق، أنا لا أكذب عليك حتى لا تكذب علي، أنا لا أغشك حتى لا تغشني، فالخلق هو عبارة عن نظام اجتماعي اخترعه المجتمع العقلائي من أجل أن تبقى الحياة الاجتماعية حياة مستقرة، هذا هو الخلق، ليس الخلق ما كان تجاوزًا للأنا كما عرّفه ديكارت، وليس الخلق ما كان بدافع الإحساس بالمسؤولية أو انطلاقًا من الضمير كما يعرفه كانت، وإنما الخلق هو ما كان انطلاقًا من بناء اجتماعي واتفاق اجتماعي، لا أكذب على أحد حتى لا يكذب علي أحد، ولا أخون أحدًا حتى لا يخونني أحد، ولا أظلم أحدًا حتى لا يظلمني أحد، هذه هي المسألة، الخلق يرجع إلى تعاون واتفاق اجتماعي بين أبناء المجتمع البشري.

ديورانت في كتابه «مباهج الفلسفة» يسميه بغريزة الذكاء، أي أن الخلق ينطلق من ذكاء معين، أن تفهم أنك إن كذبت كُذِب عليك، وإن ظلمت ظُلِمت، ولذلك عليك أن تترك الكذب والخيانة والظلم والغش وغير ذلك، لأن هذه الأفعال لو ارتكبتها لقوبلت بمثلها، هذا هو معنى الخلق.

ومن الواضح أن هذا التعريف ليس دقيقًا أبدًا؛ لأنّ هذا يعني أنه لا أخلاق للأقوياء، الأخلاق للضعفاء فقط الذين يخافون من الآخرين، أما الأقوياء فلا أخلاق لهم، ما دام المنطلق للخلق هو الخوف من الغير، هو الخوف أن يقابلني غيري بمثل ما قابلته، إذن سوف يختص الخلق بالضعفاء الذين يخافون الآخرين، أما لو تمكن الإنسان وأصبح رئيس دولة لا يخاف من أحد، ولا يخشى أن يظلمه أحد، ولا يخشى أن يكذب عليه أحد، ولا يخشى أن يغشه أحد، إذن هذا الشخص غير محتاج إلى الأخلاق!

إذا كان المنطلق للخلق هو الخوف من ردة الفعل أو من المقابلة بالمثل فمعنى ذلك أن الخلق لا ينطبق إلا على الأشخاص المتساوين في القوة والدرجة، ولا يكون شاملًا للأقوياء المستغنين عن الآخرين، كما في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى، إذا رأى نفسه قد استغنى عن الآخرين فإنه يطغى ويفعل ما يشاء.

التعريف الصحيح:

نحن كل التعريفات التي ذكرناها للأخلاق لم نقبلها، فما هو التعريف الصحيح للخلق؟ ما هو الميزان للفعل الخلقي عن الفعل الطبيعي؟ الخلق هو حب الجمال، كل عمل يصدر منك منطلقًا من حبك للجمال فهو خلق، نرجع إلى الحب الذي هو محور حديثنا هذه الليلة، من أجل أن نشرح هذا المعنى نقول: الإنسان بفطرته يحب الجمال، لا يوجد إنسان لا يحب الجمال، القرآن الكريم يقول: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ «6» وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ «7» وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ، الخير هو الجمال.

الإنسان بطبعه يحب الخير، يحب الجمال، الجمال لا ينحصر في الجمال الحسي، الجمال هو تناسق الأجزاء، إذا رأيت وجهًا متناسقًا، العين متناسقة مع الأنف والفم، إذا تناسقت أجزاء الوجه اتصف الوجه بالجمال، الجمال هو تناسق أجزاء الصورة، كل صورة تتناسق أجزاؤها، لا يزيد جزء على آخر، ولا يتعدى جزء على آخر، كل صورة متناسقة الأجزاء فهي صورة جميلة، ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ.

بما أن الجمال هو التناسق، إذن الجمال لا ينحصر في جمال الصور، بل حتى الأفعال تكون أفعالًا جميلة، التناسق قد يكون في الصور وقد يكون في الأفعال، وبذلك يصبح الفعل جميلًا كما تصبح الصورة جميلة، فمثلًا: الإنسان يمتلك ثلاث قوى: القوة الغضبية، وهي القوة التي تحفز الإنسان على أن يثأر، والقوة الشهوية، وهي التي تحفز الإنسان على أن يشبع رغباته وميوله، كما يقول القرآن الكريم: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ، النفس الأمارة هي القوة الشهوية، والقوة الثالثة هي القوة العقلية، وهي التي تفكر وتحلل.

كل قوة من هذه القوى الثلاث ما لم تكن متناسقة يحصل خلل في شخصية الإنسان، فالإنسان في القوة الغضبية مثلًا على نوعين: هناك إنسان بارد جبان، حتى لو ضُرِب مليون مرة فإنه لا يتحرك ولا يثأر ولا يتكلم، وهناك إنسان يغضب لأدنى سبب، وينفعل لأدنى سبب، كلا النوعين لا يعيش تناسقًا في القوة الغضبية، القوة الغضبية حتى تكون خلقًا لا بد أن تصبح جميلة، ولا تصبح القوة الغضبية جميلة إلا إذا كانت متناسقة، ولا تصبح القوة الغضبية متناسقة إلا إذا عاشت وسطًا بين الإفراط والتفريط.

الإنسان الذي لا يغضب لأدنى سبب، لكنه يغضب لمبادئه وقيمه، فإنه يعيش فعلًا خلقيًا، ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ، أي: يعيشون حالة وسط، القوة الغضبية عندهم تعيش تناسقًا واعتدالًا ووسطية، لا هم جبناء ولا هم انفعاليون، الإنسان الذي ليس انفعاليًا ولا جبانًا بل يعيش وسطًا، هو يعيش خلقًا جميلًا، يسمى ذلك الخلق بالحلم، الحلم هو حالة وسط بين الغضب والجبن، هو ليس جبانًا ولا غضوبًا، بل هو حليم، الحلم هو الحالة الوسط.

نأتي إلى القوة الشهوية: كل إنسان عنده شهوات، لكن هناك نوعًا من الناس بارد لا يشبع شهوته بشيء أبدًا، لا يطلب، لا يرغب في شيء، لا يحاول أن يشبع شهوته بشيء، هذا إنسان يعيش خمولًا، وهناك إنسان كل وقته في شهواته، كل وقته يصرفه في إشباع شهواته، هذا إنسان يعيش شرهًا. نريد تناسقًا في القوة الشهوية، نريد وسطية في القوة الشهوية، لا شره ولا خمول، الحالة الوسط في القوة الشهوية تسمى عفة، ولذلك كانت العفة خلقًا، لأنها وسط واعتدال بين الشره والخمول.

إذن، الخلق هو العمل الذي يصدر بدافع حب الجمال، والجمال - كما قلنا - كما يكون جمالًا حسيًا في الصور يكون جمالًا خلقيًا عمليًا سلوكيًا، والجمال السلوكي هو عبارة عن أن تكون القوى الإنسانية وسطية بين الإفراط والتفريط، القوة الغضبية، القوة الشهوية، القوة العقلية. إذن، رجعنا إلى مركز كلامنا، الحب هو مفتاح الأخلاق، لأن الخلق هو الفعل الصادر عن حب الجمال.

المحور الثالث: الحب هو مفتاح الأمن الاجتماعي.

كل مجتمع يطمح نحو الأمن، لا يوجد مجتمع يريد أن يعيش حروبًا، كل مجتمع يرغب أن يكون مجتمعًا آمنًا، كل مجتمع يطمح إلى أن يسود فيه الأمان والأمن، ما هو المفتاح للأمان؟ المفتاح للأمان لغة الحب، لغة المحبة هي التي تنشر الأمان الاجتماعي، لغة المحبة هي المفتاح للسلم الاجتماعي، لغة المحبة هي البذرة لزرع الأمن الاجتماعي، كل مجتمع يعيش الحب بين أبنائه يعيش أمانًا وسلامًا، وكل مجتمع يعيش كراهية بين أبنائه يعيش قنابل موقوتة تهدد هذا المجتمع بالاندثار والخراب، الحب مفتاح الأمن وبذرة السلام.

لذلك ركز القرآن على لغة الحب: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، حاول أن تظهر الحب إما على وجهك أو على لسانك، الحب ليس أمرًا منكمشًا في النفس، ليس أمرًا متقوقعًا في القلب، الحب يحتاج إلى تعبير، الحب يحتاج إلى إظهار، الحب يحتاج إلى أن تحكي عنه إما بفعلك أو بلسانك.

تعبير الوجه لا بد أن يكون تعبير محبة، الإمام أمير المؤمنين علي يقول: ”انقباض الوجه مكسبة للعداوة“، عبوسك في وجه الآخر يحدث في نفسه نفرة منك، يحدث في نفسه ضيقًا منك، وقد ورد عن النبي محمد : ”حسن البشر يذهب بالسخيمة“، البسمة تزيل الاحتقان، تزيل التوتر من النفوس، عليك أن تعبر عن حبك للبشرية، عن حبك للإنسان، بالابتسامة، ببشاشة الوجه، فإن هذا التعبير ضروري للأمن الاجتماعي.

أو تعبر بلسانك، تبدأ بإلقاء التحية على من تلقى، فقد ورد عن الإمام الصادق : ”من التواضع أن ترضى بالمجلس دون المجلس“، أي مكان تجلس فيه تقبل به، هذا تواضع، ”وأن تسلم على من تلقى“ تبدأ الآخرين بالسلام، ”وأن تترك الجدال ولو كنت محقًا“.

أيضًا الإمام الباقر يقول: ”إذا أحببت شخصًا فأظهره على حبك له؛ فإنه أوثق للمودة بينكما“، أنت تحب إنسانًا، تقول له: أنا أحبك، هذا الإبراز، إظهار الحب، يقوي المودة، يرسخها، تعبير إنساني عن الحب، يشيع الأمن والسلام بين أبناء المجتمع.

المحور الأخير: الحب قوام العبادة.

كما أن الحب مفتاح السلام، الحب بذرة العبادة، أفضل العبادة هي العبادة التي تنطلق من الحب، أروع العبادة هي العبادة التي تنبعث عن الحب، الحب هو أساس العبادة، كيف؟

الناس على أقسام: قسم يعبد الله خوفًا منه، هو لا يحب الله، لكن يخاف منه، فيعبده، وقسم يعبد الله لا حبًا له، وإنما رغبة في ثوابه، لأن عنده جنة ونعيمًا، فنحن نعبده للجنة والنعيم، وليس حبًا له، لو رجع إلى وجدانه لما رأى في قلبه حب الله، وإنما يعبد ربه إنما طمعًا في جنته أو خوفًا من عقابه، لكن هناك قسمًا ثالثًا يعبد الله لأنه يحب الله، فقد ورد عن الإمام أمير المؤمنين : ”ما عبدتك خوفًا من نارك، ولا طمعًا في جنتك، ولكن وجدتك أهلًا للعبادة فعبدتك“، أي: وجدتك الكمال المطلق فأحببتك، ودفعني هذا الحب لعبادتك.

لذلك عبادة علي عبادة الحب، وليست عبادة الخوف، وليست عبادة الطمع، وقد ورد عنه : ”ركعة لي في دنياكم أحب إلي من الجنة وما فيها“، أنا لا أريد جنة ولا شيئًا آخر، أريد أفقط أن أقف بين يدي الله لأعبر عن حبي له، لأعبر عن تعلقي به، ركعة لي في دنياكم أحب إلي من الجنة وما فيها. حب الله على درجات ثلاث:

الدرجة الأولى: درجة الانشراح.

﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ، الإنسان الذي يجد صدره منشرحًا مع الله، الإنسان الذي إذا دعي إلى العبادة قال سمعًا وطاعة، إذا قيل له: صل النافلة، قال: سمعًا وطاعة، إذا قيل له: اقرأ القرآن، قال: سمعًا وطاعة، لا نتكلم عن الواجبات، الواجبات كل الناس تقوم بها، وإنما نتكلم عن المستحبات.

إذا أردت أن تكتشف أنك تحب الله فاكتشف نفسك في الأعمال المستحبة، لا في الأعمال الواجبة، فإن الواجبات الكل يقوم بها خوفًا من الله عز وجل، كلامنا في المستحبات، إذا أردت أن تكتشف أن في قلبك نصيبًا من حب الله فاكتشف قلبك في المستحبات، هل أنت تبادر بنفسك وبدون أن يطلب منك أحد إلى قراءة القرآن، تبادر إلى صلاة النافلة، تبادر إلى الدعاء، تبادر إلى الصدقة؟ إذا وجدت قلبك منشرحًا ومبادرًا إلى الأعمال المستحبة بطواعية وقناعة ورضا، وهذه أول درجة من درجات حب الله، ألا وهي درجة الانشراح.

الدرجة الثانية: الجذب.

أنت تترقى فتصل إلى درجة الجذب، تصبح إنسانًا دائمًا تفكر في الله، منجذب نحو الله تبارك وتعالى، ”واجعل لساني بذكرك لهجًا، وقلبي بحبك متيمًا“، أنا وصلت إلى درجة الجذب، يعني أصبحت متيمًا بحبك يا رب، المتيم بحب الله هو الذي يلهج بذكر الله، هو الذي يعيش ذكر الله في كل أحواله وفي كل حركاته وفي كل سكناته، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ.

الدرجة الثالثة: درجة الفناء في الله.

إذا وصل الإنسان إلى الدرجة الأرقى فإنه لا يرى إلا الله، وهذا الذي وصل إليه أمير المؤمنين، قال: ”ما رأيت شيئًا إلا ورأيت الله قبله وبعده وفوقه وتحته وفيه“، ويقول الحديث القدسي: ”ما يزال العبد يتقرب إلي بالنافلة حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها“، أنا أهيمن على جوارحه، وأهيمن على جوانحه، فلا يرى غيري، ولا يحب سواي.

إذا سيطر حب الله وعشق الله والتعلق بالله على الإنسان بكل كيانه وبكل جوانحه وجوارحه وصل إلى درجة الفناء التي يعبر عنها الحسين بن علي ، ”أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك؟! متى غبت“، أنت تعيش في قلبي، أنت تعيش في جوانحي، صورتك - الصورة التي يصطنعها الذهن لله عز وجل - لا تغيب عن بالي أبدًا، ”متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟! ومتى كانت الآثار هي التي توصل إليك؟! عميت عين لا تراك عليها رقيبًا، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من ودّك نصيبًا“.

الإمام زين العابدين له 15 مناجاة، من أروع الأدعية، حاول أن تحافظ على هذه المناجات، كل يوم اقرأ واحدة من هذه المناجات، مناجاة الخائفين، مناجاة الراغبين، مناجاة المحبين، مناجاة الشاكرين، ومن تلك المناجات: مناجاة المحبين، هذه المناجاة تعلمنا كيف نحب الله، والمناجاة تختلف عن الدعاء، هناك أناس يخلطون بين الدعاء والمناجاة، الدعاء هو الطلب من الله عز وجل، أما المناجاة فهي الخلوة مع الله، كما أن الإنسان يخلو مع حبيبه، كذلك الخلوة مع الله مناجاة، عندما تخلو مع ربك في ظلام الليل، تتحدث إلى ربك بما في نفسك، هذه هي المناجاة، وهي غير الدعاء.

الإمام زين العابدين له 15 مناجاة، منها مناجاة المحبين، الإمام زين العابدين يقول في مناجاة المحبين: ”من ذا الذي ذاق حلاوة حبك فرام منك بدلًا، ومن ذا الذي ذاق أنس قربك فابتغى عنك حولًا“، الإمام زين العابدين يقول: ”يا من أنوار قدسه لأبصار محبيه رائقة، ويا من سبحات وجهه في قلوب عارفيه شائقة، يا منى قلوب المحبين، ويا غاية آمال العارفين، اللهم ارزقني حبك، وحب من يحبك، وحب كل عمل يوصلني إلى قربك، واجعلك عندي أحب إلي مما سواك“. هذا الحب العظيم الذي يعبر عنه الإمام الحسين في آخر لحظات حياته وهو يقول: ”اللهم رضًا بقضائك، وتسليمًا لأمرك، يا غياث المستغيثين“.

العطاء الإنساني في تراث أهل البيت (ع)
هل الدين منشأ للصراعات البشرية