نص الشريط
الدرس 26
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 22/12/1436 هـ
تعريف: الخلل الواقع في الصلاة
مرات العرض: 1811
المدة: 00:40:32
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (126) حجم الملف: 18.5 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

ما زال الكلام في «من اشترى ثوباً من المال المتعلق للخمس وكانت المعاملة شخصية».

اذا اشترى الثوب بعين المال المتعلق بالخمس، فإن لم يكن البائع مؤمناً ولم يؤدّ الخمس من مال آخر فحينئذٍ تكون المعاملة فضولية في مقدار الخمس، لأنه إذا كان البائع مؤمناً وقلنا بأنّ معنى التحليل هو إمضاء المعاملة فمقتضى ذلك: أنّ المعاملة صحيحة، غاية مافي الباب انتقل الخمس من الثمن إلى المثمن. كما أنه إذا اشترى بعين المال المتعلق للخمس ثوباً وبعد ذلك أدى الخمس من مال آخر مع فرض ان البائع ليس مؤمنا - حتى لا تشمل المعاملة اخبار التحليل - فاداء الخمس من مال آخر هل يوجب ان يتملك المشتري ما وصل اليه أم لا؟.

فمحل البحث: ما إذا اشترى بعين مال متعلق للخمس ثوباً. وكان البائع غير مؤمن. فلو لم يؤد الخمس من مال اخر فالمعاملة فضولية، واما إذا ادى الخمس من مال اخر فهل يملك الثوب أم لا؟.

لذلك ادخل الاعلام ومنهم سيدنا «قده» هذه المسألة في كبرى «من باع شيئا ثم ملكه» فمن باع شيئاً ثم ملكه هل يصح بيعه السابق أم لا؟. إذن نعطف الكلام تارة: بالبحث في الكبرى نفسها. وتارة: في الصغرى وهو تطبيق هذه الكبرى على محل كلامنا، وهو من اشترى ثوباً بمال متعلق للخمس. فالكلام في جهتين:

الجهة الاولى: في الكبرى: «من باع شيئا ثم ملكه» والمثال: ما لو باع الوراث ساعة ابيه، أو داره أو سيارته وهو ما زال حيّاً، عن نفسه - الوارث -، ثم مات أبوه، فهل تصح المعاملة السابقة أم لا؟.

ذكر سيدنا «قده» في «منهاج الصالحين، كتاب التجارة، مسالة 70»: أنّ في المسالة اقوالا ثلاثة: 1 الصحة مطلقا، 2  البطلان مطلقا، 3  الصحة بشرط الاجازة.

وقد اختار سيدنا كل الاقوال. فإنه أفاد «قده»: «ج12، في بحث لباس المصلي ص147»: ما ظاهره: أنه يرى الصحة مطلقا، فإذا باع شيئا ثم ملكه صح ذلك البيع بلا حاجة إلى إجازة منه. قال: [بما ان الزكاة يجوز دفعها من مال اخر ولا يجوز ان يكون الدفع من نفس العين، فإذا باع مالا زكويا ثم أدّى الزكاة من مال آخر فبعد الدفع يملك تلك الحصة التي باعها، ويكون المقام من صغريات من باع شيئا ثم ملكه المحكوم بالصحة من غير حاجة إلى الاجازة. وعليه فقبل الدفع يجري عليه حكم المغصوب، فلو كان ثوبا لا تجوز الصلاة فيه] وبعد الدفع يكون ملكاً له فتصح الصلاة فيه.

وفي المنهاج ذكر ان القول الاقوى هو: الصحة المتوقفة على الاجازة، فإذا اجاز بيعه السابق صح والا فلا.

وفي بحثه في «المكاسب» عندما تعرض لهذه الكبرى «من باع شيئا ثم ملكه» ذهب إلى البطلان مطلقا، وان هذا البيع لا يمكن تصحيحه حتى بالاجازة.

فالسيد «قده» باختلاف تقريراته واقواله اختار الاقوال الثلاثة.

فنحن نبدأ في «كتاب البيع»: أول مختار له وهو القول بالبطلان مطلقاً، والذي اختاره تلميذه الشيخ الوحيد «دام ظله» كما في «تعليقة المنهاج»: فما ذكره مستندا إلى وجهين: ثبوتي واثباتي.

الوجه الثبوتي: ومحصّله: «ج37، من الموسوعة، ص18 - 19» إنّ البيع هو عبارة عن المعاوضة الحقيقية، ومعنى المعاوضة الحقيقية: حلول كل من الطرفين محل الآخر، فالعوض يحل محل المعوض، والمعوض يحل محل العوض، فالوارث عندما يبيع الساعة عن نفسه ملتفتا إلى انها ليست له وانما لأبيه لم يقصد المعاوضة الحقيقية ومع عدم قصد المعاوضة الحقيقية فلم يقصد البيع، وإذا لم يقصد البيع فكيف يصح بالإجازة بعد ذلك، والحال أنه لم يقصد البيع اصلاً.

وتوضيح ذلك: ان هناك فرقا بين الغاصب ومحل الكلام. فإن الغاصب قصد المعاوضة الحقيقية لأجل أنه طبقها على نفسه ادعاءً بمعنى ان الغاصب ادعى هو المالك، ثم نقل العين عن ملكه ليدخل الثمن في ملكه فالغاصب قصد المعاوضة الحقيقية. وأمّا في محل الكلام: وهو: من باع ملك غيره ملتفتا إلى أنه ملك غيره، ولم يدعي انه مالك، يعني لم يتقمص عنوان المالكية، فباع مال ابيه بقصد ان يدخل الثمن في ملك نفسه وان يخرج المثمن من ملك ابيه، فما قصده يختلف عما يقصده الغاصب، فما يقصده في المقام هو ان يخرج المثمن من ملك ابيه مقابل ان يدخل الثمن في ملك نفسه. وفي مثل ذلك كيف تتحقق المعاوضة الحقيقية؟ والحال بأن الثمن لم يحل محل المثمن فهو لم يقصد المعاوضة الحقيقية اصلا، كيف، والمثمن ليس ملكا لمن يرجع اليه الثمن فكيف تتحقق المعاوضة. إذن هذا البيع لا يصح حتى مع الاجازة. فيكون بيعا صوريا وليس بيعا حقيقياً.

الجواب عن هذه الشبهة: أولا: أننا لا نسلّم أنّ البيع من قبيل المعاوضة الحقيقية، وإنما البيع بحسب تعريف «المصباح»: مبادلة مال بمال. والمقصود: المبادلة في وعاء الاعتبار. أي مبادلة إضافة بإضافة. بيان ذلك: أنّ هذه الساعة كانت ملكا لوالده فكانت الساعة مضافة لوالده بإضافة الملك، وهذا الثمن كان ملكا للمشتري فهو مضافا للمشتري باضافة الملك، والذي قام به هو المبادلة بين المالين في الاضافة فبعد ان كانت الساعة مضافة لابيه اصبحت مضافة للمشتري وبعد ان كان الثمن مضافا إلى المشتري اصبح مضافا اليه فالنتيجة انه اصبحت مبادلة بين المالية في الاضافة. فما قام به في وعاء الاعتبار هو المبادلة بين المالين في الاضافة كل مال تغيرت اضافته مقابل المال الآخر. فليس البيع غير ذلك، المبادلة بين المالين في الاضافة الاعتبارية. لا انه احلال كل منهما محل الآخر من حيث الملكية. إذن فالمعاملة في المقام بيع وقد قصدها.

ولو سلّمنا أنّ البيع معاوضة ولكن يكفي في تحقق المعاوضة تحققها في احد الطرفين، فبالنسبة للبائع حصلت معاوضة حقيقية، كان الثمن ملكا له فحلّت الساعة محل الثمن بكونها ملكاً له. فلو أصررنا على أن البيع معاوضة ومبادلة قلنا يكفي في تحقق هذه المبادلة والمعاوضة تحققها في طرف المشتري، فهو كان مالكا للثمن اصبح مالكا للمثمن فحل المثمن محل الثمن.

فالنتيجة: هذه الشبهة وهي ان البائع لم يقصد بيعا فلا يمكن تصحيحه بالإجازة، محل تأمل.

والملاحظ ان سيدنا «قده» مع انه افاد في «ص18»: بأن هذا الاشكال إشكال محكّم ولا جواب عنه في المقام، الا انه في «بحث الإجارة ج30، ص486» ذهب إلى ما اختاره في «منهاج الصالحين» من صحة المعاملة إذا تعقبتها الاجازة. فقال في التعليق على «المسالة 13 من خاتمة الاجارة،»: [ولكن الاظهر هو الصحة، - في محل كلامنا: من باع شيئا ثم ملكه -، والعمدة في تقرير الصحة أن الإجازة اللاحقة تستوجب استناد العقد السابق إلى المجيز اسنادا حقيقيا عرفياً.] مثلا: لو بيعت دار زيد فضولا فاجاز زيد المعاملة يصح ان يقال وقتئذٍ إنه «زيد» باع داره، ولكنه حيث اجاز استند البيع اليه، فيضاف البيع اليه بعد الاجازة بعد ما كان فاقدا لهذه الاضافة، فيندرج تحت عمومات «أحلَّ الله البيع» و«تجارة عن تراض». فلا جرم يكون صحيحاً ونافذاً. وهذا التقرير لا يعتبر فيه إلا ملكية المجيز حال الإجازة. المهم انك حال الاجازة مالك، ففي اجازتك بالبيع السابق، ينتسب البيع إليك وإذا انتسب البيع إليك خوطبت ب «اوفوا بالعقود»، ومقتضى ذلك صحة هذه المعاملة. وأما ملكيته حال العقد فلا مدخلية لها بوجه بعد ان لم يقم عليها دليل، يعني لا يشترط في ملكية البيع الا ان يكون مالكا حين انتساب البيع إليه وحيث إنه بالاجازة يتنسب البيع اليه فيدخل تحت العمومات. فإن المعاملة تتقوم بالمعاوضة بين الطرفين عن تراضي المالكين، عاجلا أم آجلاً. ليس بالضرورة ان يكونا متراضيين حال ايقاع المعاملة، فمتى تحققت المعاملة وتعقبت بالرضا حكم بصحتها، سواء كانت الملكية «ملكية المجيز» حاصلة حال العقد أم بعدها، لتساوي الصورتين في ضابط الصحة ومناطها.

فيفيد: بأن هذه المعاملة «من باع شيئاً ثم ملكه» معاملة صحيحة، إذ لا يشترط في صحة أي معاملة إلا أن يكون مالكا حين الاجازة، وهذا الذي باع ثوب أبيه ثم مات أبوه فصار مالكا فأجاز المعاملة صحت منه. لذلك قال «قده»: [مثل ما لو باع ملك ابيه ثم ورثه فأجاز. أو باع مال زيد ثم اشتراه فأجاز. فإن المسألة من وادٍ واحد].

لكنه لم يتعرض لاشكاله الذي ذكره في «كتاب البيع». من أن هذا لم يقصد المعاوضة وإنما قصد أن يدخل الثمن في ملك نفسه مقابل ان يخرج المثمن عن ملك والده فهو لم يقصد المعاوضة الحقيقة والبيع متقوم بقصد المعاوضة الحقيقية فكيف يصحح بالاجازة؟!.

ونحن حيث أجبنا عن الشبهة وقلنا: بأن البيع من قبيل المبادلة بين المالين في وعاء الاعتبار فقصد ان يدخل الثمن في ملك نفسه مقابل أن يخرج المثمن من ملك والده غير ضائر بقصد البيع. نقول: بل لا حاجة إلى الاجازة بل يصح البيع مطلقا، والسر في ذلك:

انه إذا حصل بيع فضولي، كما لو بعت كتاب زيد لكن عن زيد، فهل يصح هذا البيع لي؟ أو لمالك الكتاب وهو زيد؟. فيقولون: لا يصح البيع للفضولي، لأنه ليس بمالك، فالمانع من صحته للفضولي ليس عدم الانتساب بل البيع منتسب اليه لأنه صادر منه حقيقة فالفضولي هو الذي اصدر البيع، فليس المانع من صحة الفضولي هو عدم الانتساب بل البيع منتسب اليه، إنما المانع من صحة بيع الفضولي انه ليس مالك، ولا يصح هذا البيع عن المالك لعدم الانتساب، فقبل ان يجيز المالك هذا البيع، فهذا البيع لا يصح عن الفضولي لعدم الملك ولا يصح عن المالك لعدم الانتساب، فإذا اجاز المالك، انتسب البيع اليه، وخوطب ب «اوفوا بالعقود»، فصار هذا البيع نافذاً.

ففي محل كلامنا: إذا باع عن نفسه، قال: أنا اقصد بهذه المعاملة ان يدخل الثمن في ملكي. فلا مانع من صحة هذا البيع الا عدم الملك فقط، وإلا فالانتساب حاصل لأن البيع قد صدر منه فمتى ما صار مالكا لأن اباه مات نفذ البيع بلا حاجة إلى الاجازة، فإن الحاجة إلى الاجازة، لأجل الانتساب، فإذا كان البيع منتسبا اليه بلا اجازة لم يكن هناك حاجة إلى الاجازة، فتلقائيا البيع بيعه لكن يحتاج إلى ملك والملك قد حصل بموت ابيه.

أما المانع الإثباتي «اطلاق الروايات»: فذكر سيدنا «قده»: «ج37، ص31»: مقتضى اطلاق الروايات ان هذه المعاملة غير صحيحة اصلا. أي حتى افترضنا انه لا توجد مشكلة ثبوتية وأنه قصد المعاوضة مع ذلك لا تصح هذه المعاملة لأجل اطلاق الروايات: «الوسائل، باب 8 من أبواب احكام العقود»:

الرواية الأولى: رواية سليمان بن صالح عن ابي عبد الله : قال: «نهى رسول الله عن سلف وبيع، وعن بيعين في بيع وعن بيع ما ليس عندك وعن ربح ما لم يُفهم».

الشاهد في الفقرة الثالثة «وعن بيع ما ليس عندك»: بناء على تفسير العندية بالملك لا بالقدرة. لأن بعضهم فسّر العندية بالقدرة، فتصير المسالة مرتبطة بالقدرة «لا تبع ما ليس عندك» يعني لا تبع ما ليس مقدورا على تسليمه. فتخرج عن محل الكلام. فمحل كلامنا بناء على أن معنى العندية «الملك» فكأنه قال: وعن بيع ما ليس ملكاً.

فالسيد الخوئي: قال: هذه الرواية مطلقة، بيع ما ليس ملكا منهي عنه والنهي ارشادي، فمقتضاه فساد المعاملة، سواء تعقبته الاجازة أم لم تتعقبه، ما دام عندما وقع كان بيع ما ليس ملك فهو فاسد.

الرواية الثانية: رواية منصور بن حازم، عن ابي عبد الله : «في رجل أمر رجلاً يشتري له متاعاً فيشتريه منه؟، قال: لا بأس بذلك إنما البيع بعد ما يشتري». يعني لا يحدث البيع قبل الشراء.

فظاهره: ان البيع قبل ان يشتريه فاسد، ومقتضى اطلاقه أن لا فرق بين ذلك بين تعقبه بالإجازة وعدمه.

الرواية الثالثة: وهي اصرح الروايات: رواية يحيى بن الحجاج، قال: سالت ابا عبد الله : «عن رجل قال لي أشتر هذا الثوب وبعنيه اربحك فيه كذا وكذا؟ قال: لا بأس بذلك اشترها ولا تواجه البيع قبل ان تشتريها». ظاهر هذا النهي: الارشاد إلى فساد البيع لو وقع قبل الشراء.

والحمد لله رب العالمين.

الدرس 25
الدرس 27