نص الشريط
الدرس 31
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 3/2/1437 هـ
تعريف: انحلال العلم الإجمالي
مرات العرض: 1820
المدة: 00:29:23
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (165) حجم الملف: 13.4 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

كان الكلام باستصحاب الجامع بعد الاضطرار الى ترك أحد الفردين، وقد أجاب سيدنا «قده» عن ذلك:

بأن استصحاب الجامع محكوم باستصحاب عدم الفرد الطويل مستشهداً بذلك:

بأن استصحاب جامع الحدث محكوم باستصحاب عدم الجنابة في الفرع الفقهي المشهور.

ولكن يلاحظ على ما أفيد في كلامه «قده»:

أنّ بقاء الجامع بوجود الفرد من اللوازم العقلية لا من اللوازم الشرعية؛ فإن الجامع إنما يوجد عقلاً بوجود فرده، فلذلك يكون اثبات وجود الفرد ببقاء الجامع أصلاً مثبتاً لأن لازم بقاء الجامع وجود الفرد عقلاً وليس شرعاً، مثلاً: إذا نذر المكلف إن عوفي ولده ليصومن يوماً معيناً، فعوفي ولده في علم الله وهو لا يعلم، وكان مضطرا لترك صوم يوم عرفه لأنه لا يقدر على الصوم وهو محرم، فبعد أن جاء يوم عرفه علم بأن ولده عوفي وعلم إجمالاً بأن الصوم المنذور إما صوم يوم عرفة أو صوم يوم الغدير. فإن كان ما نذره صوم يوم عرفة فليس فعلياً في حقه لاضطرار للترك. وإن كان ما نذره صوم يوم الغدير فهو فعلي متنجز في حقه. فهل يجري استصحاب وجوب الوفاء بالنذر ليترتب عليه صوم يوم الغدير أم لا؟.

فهنا أجاب سيدنا «قده»: بأن استصحاب بقاء الجامع وهو وجوب الوفاء بالنذر، ليس له أثر؛ لأن بقاء الجامع مسبب عن الشك في وجوب صوم يوم الغدير، إذ لو كان المنذور صوم يوم عرفة لارتفع الجامع قطعا لانه مضطر للترك، لكن ان كان المنذور صوم يوم الغدير فوجوب الوفاء ما زال باقيا، فالشك في بقاء وجوب الوفاء مسبب عن الشك في ان المنذور صوم يوم الغدير أم لا؟. فباستصحاب عدم نذر صوم يوم الغدير ينتفي وجوب الوفاء. فاستصحاب عدم نذر صوم يوم الغدير حاكم على استصحاب بقاء وجوب الوفاء.

والجواب عن ذلك:

أن الحكومة اي حكومة اصل على اصل فرع ان تكون الملازمة ملازمة شرعية، فرع ان تكون السببية سببية شرعية، فلو كان انتفاء وجوب الوفاء بانتفاء نذر صوم يوم الغدير شرعياً أي ان الأثر الشرعي لعدم نذر صوم الغدير هو انتفاء وجوب الوفاء فقد يتم الكلام. فإنه إذا نفى نذر صوم يوم الغدير بالاستصحاب ترتب على هذا النفي اثره الشرعي وهو انتفاء وجوب الوفاء. لكن المفروض أن الملازمة عقلية لا شرعية، لأن بقاء الجامع بالفرد وانتفاء الجامع بانتفاء الفرد عقلي وليس شرعياً، فلو كان المنذور صوم يوم الغدير لكان بقاء الجامع وهو وجوب الوفاء به عقليا، ولو لم يكن المنذور صوم يوم الغدير لكان انتفاء الجامع بانتفاءه عقليا، فحيث ان الملازمة بين بقاء الجامع والفرد وانتفاء الفرد والجامع عقليا لا تصح الحكومة، فلا وجه لحكومة استصحاب عدم الفرد الطويل اي عدم نذر صوم يوم الغدير على استصحاب بقاء الجامع وهو وجوب الوفاء.

فإن قلت: فكيف قال الاعلام في الفرع الفقهي المعروف «بأن استصحاب عدم الجنابة مقدّمٌ على استصحاب بقاء الحدث»؟. مثلا: شخص محدث بالأصغر، اي البلل المشتبه بين البول والمني، فتوضأ فإن كان الخارج بولاً فهو طاهر، وان كان الخارج منياً فالحدث ما زال باقياً، فهل يجري استصحاب بقاء الحدث بعد الوضوء ويترتب عليه حرمة مسّ المصحف أو اسم الجلالة؟.

قالوا: لا، لأنّ استصحاب عدم الجنابة إذ لا يدري أنه اجنب أم أشمل فاستصحاب عدم الجنابة حاكم على استصحاب بقاء الحدث. فهنا: حكّموا الاستصحاب الجاري في الفرد على الاستصحاب الجاري في الجامع مع ان الملازمة عقلية لا شرعية.

قلت: لا، إن وجه جريان استصحاب عدم الجنابة لا لأجل نفي الجامع بل لأجل ابطال اثره بتنقيح موضوع وجوب الوضوء، بيان ذلك:

ما هو موضوع وجوب الوضوء المستفاد من الآية: «إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ............. وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا» إن المستفاد من الآية:

أن موضوع وجوب الوضوء المحدث بالاصغر مع عدم الجنابة لان التقسيم قاطع للشركة، «إذا قمت الى الصلاة» اي إذا قمتم الى النوم بحسب تفسير ابن بكير، يعني من قام من النوم، اي من أحدث بالاصغر، من احدث بالاصغر فوظيفته الوضوء إذا لم يكن جنبا لقوله: «وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا»، أي: فاغتسلوا. فبما أن موضوع وجوب الوضوء بحسب ما يستفاد من الآية مركب من جزءين محدث بالاصغر وليس جنبا، فهذا الشخص محدث بالاصغر للوجدان لانه جالس من النوم، وليس جنبا باستصحاب عدم الجنابة، فحيث تنقح موضوع وجوب الوضوء كان الوضوء محققا للطهارة، لان موضوعه متحقق، فالوضوء محقق للطهارة، فاذا تحقق الطهارة بالوضوء كان استصحاب بقاء الحدث بلا اثر، إذاً وجه تقديم استصحاب عدم الجنابة على استصحاب بقاء الحدث ليس من باب نفي الجامع بنفي الفرد كي يقال هذه الملازمة عقلية، بل من باب محو اثر الجامع حيث باستصحاب عدم الجنابة تنقح موضوع وجوب الوضوء وكان الوضوء محققا للطهارة فلم يبق أثر لاستصحاب الجامع، فلا وجه لقياس مسالتنا على ما ذكر في الفرع المشهور.

الجواب الثالث: ما ذكره المحقق العراقي «قده» بحسب «النهاية» ومحصّله مؤلف من أمرين:

الأمر الاول: ان يقال ان المستفاد من دليل الاستصحاب: «لا تنقض اليقين بالشك» جعل الحكم المماثل، فاذا افترضنا ان وجوب صلاة الجمعة كان ثابتا في عصر الحضور وشككنا فيه في عصر الغيبة فاستصحبنا بقاءه فمعنى الاستصحاب أن الشارع في مرحلة البقاء جعل حكماً مماثلاً للحكم المتيقن، فمفاد دليل الاستصحاب جعل الحكم المماثل.

الأمر الثاني: بما أن المستصحب في مثالنا كلي جامع، لأن المفروض ان المكلف نذر: إن عوفي ولده ان يصوم، فعلم بأن ولده عوفي بعد ان اضطر الى ترك صوم يوم عرفة ولا يدري ان المنذور صوم عرفة أو الغدير، فهنا يريد ان يتسصحب جامعا وهو وجوب الوفاء بالنذر، فجريان الاستصحاب فيه معناه: جعل الحكم المماثل بقاء اي انشاء الشارع لوجوب هذا الجامع وهو وجوب الوفاء. وحيث إن من الأمور الواضحة لدى العلماء أن الجامع لا يوجد الا بفصل وبخصوصية، إذ الجامع لا يوجد خارجا من دون فصل وخصوصية يتميز بها، اذاً لو بقي الجامع وهو وجوب الوفاء بالنذر لكان وجوده في خصوصية ما، اما لخصوصية يوم عرفة أو خصوصية يوم الغدير، وحيث ان خصوصية يوم عرفة منتفية، فلا محالة إن بقي وجوب الوفاء فهو باقٍ في صوم يوم الغدير.

وهذا ليس من باب الملازمة العقلية كي تقول بأنه اصل مثبت، اي لازم بقاء الجامع عقلاً وجوده في خصوصية. فيكون اثبات الخصوصية ببقاء الجامع اصلا مثبتا لان الملازمة عقلية. والسر في ذلك:

ان الملازمة بين بقاء الجامع والخصوصية ملازمة ارتكازية واضحة، فبما أنها من الملازمات الواضحة كانت لازماً للاستصحاب لا للمستصحب؛ وبعبارة: لو شمل دليل الاستصحاب هذا المثال لكان مدلوله الالتزامي هو بقاء الجامع ضمن الخصوصية وهي يوم الغدير، فهذا من باب التشبث بالمدلول الالتزامي لدليل الاستصحاب، ودليل الاستصحاب من الإمارات فمدلوله الالتزامي حجة.

ولكن يلاحظ على كلام المحقق العراقي «قده»: أن هذا اللازم مع غمض النظر عن دعوى انه من الملازمات الواضحة لدى كل وجدان -. انه لو سلم فهو لازم اطلاق دليل الاستصحاب لا انه من اللوازم الارتكازية لنفس «لا تنقض اليقين بالشك» بل لاطلاقه، اي لو كان لدليل الاستصحاب اطلاق يشمل استصحاب الجامع في هذا المورد لكان لازم شموله لهذا الاطلاق ثبوت الخصوصية اذ لا يبقى الجامع من دون خصوصية. إلا أنّ الكلام هو الاطلاقه لمثل هذا المورد.

إذاً فبالنتيجة: لو قال قائل: إن استصحاب بقاء الجامع وهو وجوب الوفاء بالنذر لا اثر له، لأن الجامع - بناء على جعل الحكم المماثل - لو بقي بما هو جامع لا اثر له الا التخيير بين صوم عرفة وصوم الغدير مثلا، وهذا ليس هو المقصود بالاستصحاب بل المقصود بالاستصحاب اثبات الفرد وهو صوم يوم الغدير، إذاً هذا الجامع لا أثر له في نفسه كي يشمله اطلاق دليل الاستصحاب، فأنتم تقولون لو كان لدليل الاستصحاب اطلاق يشمله لكان لازم هذا الاطلاق عرفا ثبوت الخصوصية، لأن هذا من اللوازم الواضحة. إلا ان ترتب هذا اللازم اللواضح فرع ان يكون للدليل اطلاق ووجود اطلاق له فرع ان يكون للجامع اثر في نفسه وليس له اثر.

فالنتيجة: قلنا بجعل الحكم المماثل في مفاد دليل الاستصحاب او قلنا بمنى آخر، على اية حال لا وجه للتشبت بالدليل لاثبات الخصوصية بدعوى ان هذا ليس من الاصل المثبت لأن الملازمة واضحة لكل ذي وجدان، فإن ثبوت الملازمة فرع الاطلاق والاطلاق اول الكلام.

تمّ بذلك البحث في الصورة الثانية، وهي: ما إذا كان الاضطرار بين تحقق سبب التكليف وبين العلم الإجمالي؛ حيث تشبت لإثبات التكليف تارة بقاعدة الاشتغال، ومر الكلام فيها، وتارة: بالاستصحاب.

وأشكلنا على الاستصحاب بأنه: استصحاب الجامع بين ما لا يقبل التنجيز وبين ما يقبل.

وأما جواب الخوئي والعراقي على الاستصحاب ففيهما تأمل.

والحمد لله رب العالمين.

الدرس 30
الدرس 32