نص الشريط
الدرس 74
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 28/4/1437 هـ
تعريف: الخلل الواقع في الصلاة
مرات العرض: 1822
المدة: 00:35:05
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (250) حجم الملف: 16 MB
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

ذكرنا فيما سبق: أن المحقق الاصفهاني «قده» أفاد بأنه يجوز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية إذا كان المخصّص لبيّاً، وما زال الكلام في مناقشته:

حيث ذكرنا أنّ البحث في مقامين: المقام الاول: ما إذا كان العام على نحو القضية الحقيقية. وفي هذا المقام ذكرن أنّ هناك صورتين: الصورة الاولى: ما إذا كان المخصص للعام مخصصا لفظيا، وهذا المخصص اللفظي ذكرنا له صنفين:

الصنف الاول: أن لا يكون منوعاً للعام. وتعرضنا لمثاله. الصنف الثاني: أن يكون المخصص اللفظي موجباً لتنويع العام إلى نوعين.

وهذا أيضاً تصور على نحوين: 1 - التنويع في مقام الاثبات. 2 - التنويع في مقام الثبوت.

النحو الاول: وهو ما إذا كان التنويع في مقام الاثبات. مثاله: لو قال المولى في دليل: «كل شيء لك نظيف»، وقال في دليل آخر: «إذا علمت ان الشيء قذر فلا تشربه»، فالذي خرج عن العام هو ما عُلِمَ أنه قذر لا ما كان قذراً واقعاً، فالمخصص منوع للعام لكنه تنويع اثباتي، يعني في مقام العلم، فما علم أنه قذر يخرج عن قوله: «كل شيء لك نظيف»، وأما ما لم يعلم فهو باقٍ تحت العام، وبناء على ذلك: فمتى ما شككنا في شيء أنه قذر أم لا؟ صح التمسك بالعام، لأنّ الذي خرج عنه ما علم، وهذا مما لم يعلم، بل لا يتصور في المقام شبهةٌ مصداقية، إذ ما دام الخارج ما عُلِم فكل ما لم يعلم هو مصداق حقيقي للعام وليس شبهة مصداقية.

وقد مثّل سيدنا الخوئي «قده» لهذا التنويع الاثباتي في «الموسوعة، ج12، ص211» في ذيل الصفحة: ذكر أن من امثلة المقام «التنويع الإثباتي» باب التزاحم، مثلاً: إذا وقع التزاحم بين وجوب انقاذ الغريق وبين حرمة التصرف في جسم الغير، كما لو فرضنا أنه لا يمكنه انقاذ الغريق حتى يقطع يد شخص آخر أو يكسر رجل شخص آخر وإلا لا يمكنه ذلك. فإذا افترضنا أنه قصرت قدرته عن الجمع بين الامتثالين، حيث لا يمكن امتثال الغريق وامتثال ان تعتدي على الغير لا يمكنه امتثالهما معا لقصور القدرة، وقلنا بأن النهي في مقام التزاحم مقدم ولو لاحتمال انه اهم، إذن بالنتيجة عندنا دليلان: أمر وهو قوله: انقض كل غريق. نهي: وهو قوله: الاعتداء على الغير مبغوض ومحرم. وقدّمنا النهي على القول، فهنا يتساءل سيدنا «قده»:

هل ان المقيِّد للأمر نفس المنهي عنه أو ما علم؟ فالذي خرج عن قوله «انقذ كل غريق» ما كان اعتداء على الغير؟ هذا الذي خرج؟ أم ما خرج ما علم انه اعتداء وانه حرام؟ فهل الخارج العنوان الواقعي اما لعلمي؟ هل ان التنويع هنا ثبوتي أم اثباتي؟

فأفاد «قده» بأن التنويع هنا إثباتي وليس ثبوتي، لم يخرج عن قوله «انقذ كل غريق» ما كان اعتداءً على الآخر، بل ما علم انه اعتداء على الآخر وما عُلِم. والسر في ذلك: ان المبنى المعروف بين الاصوليين ومنهم السيد الخوئي «قده» ان التزاحم فرع الوصول. ولا يتصور التزاحم بين التكاليف الواقعية. فهناك فرق بين التعارض والتزاحم، فالتعارض: تنافٍ بين التكاليف الواقعية وان لم تصل، فاذا افترضنا ان لدينا تكليفين واقعاً، تكليف يقول: اكرم كل عالم ولو كان فاسقا، وتكليف يقول: يحرم اكرام الفاسق ولو كان عالما، فهذا التكليفان متعارضان وان لم يصلا، لا التنافي بينهما في مرحلة الجعل والإنشاء فهما متعارضان ومتنافيان وإن لم يصلا.

أمّا في التزاحم: فالمفروض ان التكليفين لا تنافي بينهما في مرحلة الجعل، فعندما نلاحظ قوله: «انقذ كل غريق» ونلاحظ قوله: «لا تعتدي على الغير» لا يوجد بين التكليفين أي تنافي في مرحلة الجعل إطلاقاً. وإنما الذي اوجب تنافيهما أنهما وصلا للمكلف صغرى وكبرى، فعلم المكلّف بأنه يجب انقاذ كل غريق وهذا غريق، وعلم المكلف انه يحرم الاعتداء على الغير وهذا اعتداء. فلّما أحرز المكلف الكبرى والصغرى في كلا الدليلين وقصرت قدرته عن الجمع بينهما تنافيا، وإلا لولا وصولهما وقصور القدرة عن الجمع بينهما لما حصل بينهما تنافٍ.

فبما ان التنافي بنظر المشهور فرع الوصول، إذن ما الذي يخرج عن الأمر، على فرض تقديم النهي، هما الآن متنافيان، تارة نقول بأنه لا يتقدم احدهما على الاخر، فالمكلف مخير بين ان يمتثل هذا أو هذا. وتارة نقول بأن النهي مقدم على الامر، فما الذي خرج عن الأمر ليس واقع النهي، وإنما الذي خرج عن الأمر ما علم انه اعتداء وأنه حرام. لأنه لولا هذا العلم لما حصل التنافي ولولا التنافي لما قدمنا احدهما على الاخر، فبما انا لتقديم فرع التنافي والتنافي فرع الوصول، إذن ما خرج ما وصل إلى المكلف أنه اعتداء وأنه حرام، فالتنويع حينئذٍ تنويع إثباتي لا ثبوتي. وبناء على ذلك: يقول سيدنا «قده»: لو شككنا على نحو الشبهة المصداقية؟ هل هذا اعتداء عليه أم لطف وشفقة؟ فإذا شككنا في المصداق، المحرّم الاعتداء عليه، أما هل ضربه باليد اعتداء عليه أم شفقة ولطف به، فاذا شككنا في ذلك فنتمسك بالأمر، لأن الذي خرج عن الأمر ما عُلم وهذا لم يعلم، بل لا يتصور شبهة مصداقية في البين. وهذا الذي بنى عليه سيدنا «قد» بحثناه في بحث تعارض الادلة. وقلنا: بأن هذا البحث وهو: هل يقع التزاحم واقعا أم يتوقف التزاحم على الوصول؟ قلنا هذا البحث يتوقف على حقيقة التكليف، إذ لابد ان نحدد ما هو التكليف الحقيقي، وبناء على تحديد ما هو التكليف الحقيقي في الاصول يتصور لنا هل ان التزاحم يتصور في الواقع أو يتوقف على الوصول.

وهنا مباني ثلاثة:

المبنى الاول: ما ذهب اليه سيدنا «قده»: من أن التكليف الحقيقي اعتبار الفعل على ذمة المكلّف وليس مستبطن للمحركية اصلاً، فالمحركية لم تؤخذ قيدا في التكليف الحقيقي، فبناء على مبناه «قده» إذن التكاليف الواقعية لا تتنافى، لأنّها مجرد اعتبار، فاعتبار انقاذ الغريق عليه واعتبار المنع من الاعتداء على الغير عليه، مجرد اعتبارين في لوح الواقع لا موجب لتنافيهما، إنما يتنافيان إذا وصلا كبرى وصغرى وقصرت قدرت المكلف عن الجمع بينهما.

المبنى الثاني: وهو السيد الشهيد «قده»: من التكليف الحقيقي ما كان متقوماً بالمحركية على فرض الوصول.

كل تكليف محرك على فرض الوصول فهو تكليف حقيقي، فلو افترضنا ان هذا الشخص ناسي هل يصح تكليفه تكليفا حقيقا؟ يقول السيد الشهيد: نعم، لأنه متى ما وصله كان محركاً له، بينما المشلول لا يصح تكليفه لأنه حتى لو وصله لم يكن محركاً، فالتكليف الحقيقي ما كان محركا على فرض الوصول، ولذلك يتصور شمول التكليف الحقيقي للناسي وعدم شموله للعاجز.

فبناء على مبنى السيد الشهيد «قده»: أيضاً لا تزاحم قبل الوصول، لأن التكليف إنما يتصف بالمحركية عند الوصول، وقبل الوصول لا توجد محركية، فإذا لم توجد محركية لا يوجد تنافٍ. إذ التنافي اما حصل لأجل قصور القدرة، وقصور القدرة إنّما يحصل مع وجود محركين، فاذا كانت المحركية فرع الوصول ولم يصل كلاهما، اذن لا تنافي بينهما.

فعلى مبنى السيد الخوئي والسيد الصدر «قدس سرهما» يختص التزاحم بفرض الوصول دون التعارض.

وأمّا على مبنى شيخنا الأستاذ «قده» حيث اختص هو بهذا المبنى: قال: التكليف الحقيقي ليس مجرد اعتبار على ذمة المكلف «كما يقول السيد الخوئي» وليس التكليف الحقيقي ما كان محركا على فرض الوصول كما يقول به المسلك الثاني، وانما التكليف الحقيقي ما كان محركا عند الالتفات، وان كان الالتفات على نحو الشك. فمن التفت لتكليف من التكاليف، مثلاً: لا يدري ان التدخين حرام أم لا؟ على فرض ان التدخين حرام واقعا فإن هذه الحرمة تكليف حقيقي، لأنه في هذا الفرض وان لم تصل الحرمة للمكلف لكنه ملتفت يتصور محركية الحرمة لهذا المكلف وإن لم تصل اليه عبر الاحتياط، فإنه لو قلنا مثلا بأصالة الاحتياط في الشبهات التحريمية لكان التكليف محركاً لهذا الملتفت عبر الاحتياط ولو لم نقل لا اقل ان الاحتياط حسن فإذن المحركية حاصلة ولو محركية ندبية لا إلزامية.

إذن بما أن التكليف الحقيقي متقوم بالمحركية لا كما يقول السيد الخوئي «قده» ويكفي في المحركية الالتفات ولا يعتبر الوصول كما ذهب اليه السيد الشهيد، اذن بالنتيجة بمجرد ان يلتفت المكلف لتكليفين احدهما: انقذ الغريق، والآخر: لا تعتدي على جسم الغير، وكان لو وصلا لقصرت قدرته عن الجمع بينهما إذن هما متزاحمان من الآن. فالتنافي بينهما من الآن لا التنافي بينهما يتوقف على فرض الوصول، فبمجرد انه التفت، قال سوف ادخل البحر ولا ادري هل أنني في البحر استطيع ان انقذ الغريق من دون اعتداء على الغير؟ أو أنني لا يمكنني ذلك؟ شك على اية حال لكنه ملتفت، هذا وان لم يقع بعد في لجة البحر وإن لم يصل التكليفان اليه صغرى وكبرى الا ان التنافي بين التكليفين موجود، لأن كل منهما صالح للمحركية بلحاظ الالتفات، فبلحاظ صلاحيتهما للمحركية وقصور قدرته واقعا عن الجمع بينهما يقع بينهما التنافي. فبناء على هذا المبنى الثالث: سوف يكون الخارج عن الأمر ليس هو ما علم انه اعتداء وانه حرام، بل يكفي الالتفات في ذلك، فاذا شك على نحو الشبهة المصداقية ان هذا اعتداء أم لا؟ فالمفروض انه ملتفت لكلا الحكمين فالمفروض انهما متنافيان، وبما ان النهي مقدم على الأمر فالخارج عن الأمر ما كان اعتداء لا ما علم. إذن فتحديد النتيجة في المقام يتوقف على تحديد المباني في الأصول.

هذا ما إذا كان المخصص موجبا لتنويع العام تنويعا اثباتيا.

النحو الثاني: ما إذا كان المخصص اللفظي موجباً لتنويع العام تنويعاً ثبوتياً لا إثباتياً. «وهذا هو محل الكلام مع المحقق الاصفهاني». فاذا قال في دليل: اكرم كل فاطمي، وقال في دليل منفصل: لا تكرم الناصبي منهم، فالمفروض ان المخصص منصب على عنوان ثبوتي وهو واقع الناصبي لا ما علم انه ناصبي. فبما أن المخصص منصب على عنوان ثبوتي، إذن اوجب تنويع العام إلى نوعين: ما لم يكن ناصبيا، وما كان ناصبيا، واصبح موضوع العام الفاطمي الذي ليس بناصبي. فاذا شككنا في فرد أنّه ناصبي أم لا؟ هنا افاد المحقق الاصفهاني، قال: إنّ للعام «وهو قوله: اكرم كل فاطمي» مضافاً لمدلوله المطابقي مدلولين: الاول: ان الفاطمية علة تامة للامر بالاكرام. والمدلول الثاني: انه لا يوجد في الخارج ما يمنع من إكرام كل فاطمي. هذا المدلول العام.

المدلول الخاص: وهو لا تكرم الناصبي منهم _يقول المحقق الاصفهاني_ مضافاً لمدلوله المطابقي يوجد مدلولان: المدلول الاول: أن الفاطمية ليست علة تامة للأمر بالإكرام بل موضوع الأمر بالاكرام: الفاطمي مع عدم النصب. فضرب الدلالة الإلتزامية الأولى للعام. ثم قال نفس الخاص: لا تكرم الناصبي منهم، والمدلول الثاني لهذا الخاص: أن الناصبي موجود، وإلّا لو لم يكن موجوداً لكان هذا التنبيه لغواً. فبما أنه ضرب العام في كلا دلالتيه، أصبح تعارض بين الحجتين، حجية العام: الذي يقول لا يوجد ناصبي، وحجية الخاص: الذي يقول اكرم النصابي، فإذا شككنا في فرد أنه ناصبي أم لا يمكننا التمسك بالعام. ولكن هذا الذي افاده محل تأمل كما ذكر الاعلام:

وهو ان المدار في صحة التمسك بالعام وعدم صحته على دلالة العام على تنقيح المصداق وعدمه، ولا ربط له بالمسألة بأن الخاص يدل على وجود المنافي أو لا يدل، فاذا افترضنا أن العام ينقح موضوعه؟ صح التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، لان المفروض أن العام منقح لموضوع، كما إذا قال المولى: اكرم كل فاطمي، وانا نقّحت الصغرى فوجدت كل فاطمي خال من أي مانع، فاذا كان العام منقّحاً لموضوعه صح التمسك بموضوعه للشبهة المصداقية، ولكن العام الوارد على نحو القضية الحقيقية ليست منقحاً لموضوعه، لأن القضية الحقيقية مرجعها إلى قضية فرضية شرطية، وهي: كلما وجد وكان فاطميا فاكرمه، واما ما هو فاطمي وما ليس فاطمي وهل هو خال عن الموانع أم لا؟ فلست في مقام تنقيحه، لأن مفاده قضية شرطية. إذن فالعام الوارد على نحو القضية الحقيقية بما ان مرجعه قضية شرطية لا إلى قضية فعلية، فلا يتكفل إحراز موضوعه، وهذا كافٍ لنا في عدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، بلا حاجة إلى ان نبحث ان الخاص دال على وجود المنافي خارجاً أم ليس بدال. فإن هذه الجهة لا اثر لها في تنقيح النتيجة. مضافا إلى ان قوله «لا تكرم الناصبي منهم»، لا دلالة فيه على وجود الناصبي خارجاً، فهو مثله مثل العام. فكما أن العام وارد على نحو القضية الحقيقية فالخاص ايضاً وارد على نحو القضية الحقيقية. وكما ان العام لا ثبت موضوعه فالخاص لا يثبت موضوعه، بل غاية مفاده وهو قوله «لا تكرم الناصبي منهم» الإرشاد إلى ضيق موضوع العام وان موضوعه الفاطمي الذي ليس بناصبي، واما ان الناصبي موجود أو ليس موجود فالخاص لا يتكفل في ذلك، ويكفي في صحته وعدم لغويته معرضية وجود الناصبي ولو في زمان من الازمنة قد يوجد.

إذن بالنتيجة: ما افاده المحقق الاصفهاني في عدم صحة التمسك بالعام في الشبهة المصداقية لعلّة دلالة الخاص على عدم وجود المنافي ليس تامّاً، بل العلة في ذلك ان العام ليس متعرضا لإثبات موضوعه.

وأما إذا كان المخصص لبيّاً ألا وهو القسم الثاني: أن يكون المخصص للعام الوارد على نحو القضية الخارجية مخصصاً لبيّاً. سيأتي الكلام في النقاش مع المحقق الاصفهاني في هذا البحث.

والحمد لله رب العالمين.

الدرس 73
الدرس 75