نص الشريط
الدرس 75
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 29/4/1437 هـ
تعريف: الخلل الواقع في الصلاة
مرات العرض: 1861
المدة: 00:39:00
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (257) حجم الملف: 18.7 MB
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

ما زال كلامنا في المناقشة التفصيلية لمبنى المحقق الاصفهاني «قده» من جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية إذا كان المخصص لبيّاً. وذكرنا فيما سبق: أنّ البحث في مقامين:

المقام الاول: ما إذا كان العام على نحو القضية الحقيقية، وذكرنا أنّ لهذا المقام صورتين:

الصورة الاولى: ما إذا كان المخصص للعام لفظياً. الصورة الثانية: ما إذا كان المخصص للعام لبيّاً. وقد وصل الكلام الى:

الصورة الثانية: وهي ما إذا كان العام الوارد على نحو القضية الحقيقية مخصص بمخصص لبّي. وهذا هو كلام المحقق الاصفهاني لملاحظة دعمه لكلام شيخه صاحب الكفاية «قده» والامثلة التي طرحها في المقام. وهنا نذكر امورا ثلاثة لها دخل في الوصول إلى النتيجة:

الامر الاول: كما ذكرنا في الصورة السابقة وهي: ما إذا كان المخصص لفظياً، أنّ المخصص اللفظي قد يكون مقسما للعام إثباتاً، وقد يكون مقسماً للعام ثبوتاً.

وإذا كان مقسّماً للعام إثباتاً صحّ التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. وهذا التصوير يأتي فيما إذا كان المخصص لبيّاً. فإنه قد يكون مصنفا للعام إثباتاً، وقد يكون مصنّفاً له ثبوتاً. فهنا قسمان:

القسم الأول: ما إذا كان مصنّفاً للعام إثباتاً. مثلا: إذا قال المولى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، احسن إلى والديك. أو «بر والديك». ونحن علمنا من الخارج أن هذا الأمر لا يمكن ان يشمل الاحسان اليهما الملازم للإساءة إلى غيرهما، أي لو كان العمل احساناً لهما ولكنه في نفس الوقت اساءة لمؤمن فلا نحتمل ان الأمر بالإحسان يشمل مثل هذا المورد. فتارة ندعي: ان هذه النكتة العقلية توجب انصراف الدليل من اول الأمر إلى الاحسان الخالي عن أي اساءة لمؤمن، فيكون هذا القطع بمثابة القرينة المتصلة المؤثر على الظهور.

ولكن تارة نقول: بأن هذا ليس امراً بديهيا بحيث يشكّل قرينة متّصلة فهو مدرك نظري بمثابة القرينة المنفصلة. فعلمنا بأن المكلف مأمور ببر والديه خرج عن هذا الأمر ما إذا كان البر اساءة لمؤمن. فهنا هذا الخارج وهو ما إذا كان البر اساءة لمؤمن، فهنا هذا الخارج وهو ما إذا كان البر إساءة لمؤمن، هل يوجب تقسيم العام السابق وهو «بر والديك» أو «احسن إلى والديك» هل يوجب تقسيمه ثبوتاً أو يوجب تقسيمه إثباتاً؟

قد يتصور لأول وهل ان هذا موجب للتقسيم ثبوتاً، حيث نقول: بأن البر على قسمين ثوبتاً: برٌّ سليم، وبر عليل: وهو البر المستلزم للإساءة إلى مؤمن. فهناك قسمان ثبوتا، وأنّ موضوع العام برّ والديك خاص بالقسم السليم.

ولكن قد يقال بأن التقسيم إثباتي لا ثبوتي. والوجه في ذلك:

ان عدم شمول العام وهو قوله: «بر والديك» للبر الملازم للإساءة إلى مؤمن، لأن البّر الملازم للإساءة إلى مؤمن قبيح، فلم يخرج هذا البّر لموضوعيه فيه بل لعلّة وهو أنّ البّر الملازم للإساءة إلى مؤمن قبيح، فوجه خروجه انه قبيح والامر لا يشمل القبيح. ومتى ما كان الخارج عنوان القبيح كان التقسيم اثباتيا «هذه قاعدة عامة»، لأن القبح كما سبق في بحث حجية العقل في الاصول، القبح متقوم بالوصول كبرى وصغرى، فإن العقل لا يحكم بقبح حكم حتى يصل إلى العامل كبرى وصغرى. فما لم يعلم العامل ان العمل قبيح لا يكون صدوره منه قبيحاً، فالقبح متقوم بالعلم والوصول. والسر في ذلك:

ما ذكر في الاصول مكرراً من أن الحيثيات التعليلية في الاحكام العقلية حيثيات تقييدية، بخلاف الاحكام الشرعية. مثلا: إذا قال الشارع: يحرم شرب الكحول لأنه مسكر، أو يحرم شرب الخمر لكونه مسكرا. فالحكم الشرعي يتصور فيه مقام جعل ومقام ملاك، أي هناك ملاك ويترتب على هذا الملاك جعل، فهناك مقام ثبوت ومقام إثبات، فلاجل ان الحكم الشرعي يتصور فيه مقامان مقام ملاك وجعل، مقام ثبوت وإثبات. يمكن التفصيل فيه بين الحيثية التعليلية والحيثية التقييدية. بأن نقول: هل الاسكار حيثية تعليلية أو حيثية تقييدية، يعني هل ان العنوان الذي صبّت عليه الحرمة وجعلت له الحرمة هو عنوان الخمر والاسكار مجرد علّة أي أن الاسكار واسطة في الثبوت، أي في ثبوت الحرمة للخمر، الا ان المحرّم هو الخمر، إذن الاسكار حيثية تعليلية فقط. أم ان المحرّم واقعاً هو المسكر، والخمر مجرد تطبيق له؟ إذن هذا يعني ان الاسكار حيثية تقييدية، فحيث ان الحكم الشرعي يتصور فيه التفكيك بين الملاك وبين المجعول بين الثبوت وبين الإثبات. لذلك يصح فيه هذا التفصيل وهو ان الحيثية تعليلية أو تقييدية. أمّا في الاحكام العقلية فلا يتصور لها ثبوت واثبات، وملاك ومجعول، بل مصبّ الحكم العقلي دائماً ملاكه وليس شيئاً آخر. فاذا حكم العقل بالبراءة العقلية المعبر عنه بقبح العقاب بلا بيان، فيسأل ما هو ملاك قبح العقاب بلا بيان؟ فيقال هو ظلم، إذن ما حكم العقل بقبحه هو ظلم، وقبح العقاب بلا بيان مجرد مصداق وتطبيق ليس إلا، فليس لدى العقل ملاك ومجعول، بل ما لدى العقل هو حكم وموضوع ليس إلا، إذ ليس في الاحكام العقلية مقامان، ملاك وجعل، أو ثبوت واثبات، فنباء على ذلك ما حكم به العقل بقبحه ابتداء هو الظلم، وقبح العقاب بلا بيان تطبيق. لاجل ذلك قالوا: الحيثيات التعليلية في الاحكام العقلية حيثيات تقييدية، العلة ترجع إلى الموضوع لا محالة. فإذن إذا قال العقل في المقام: أنّ الاحسان إلى احد الوالدين اساءة إلى مؤمن هذا الاحسان ليس مأموراً لكونه قبيح، فما حكم به العقل به في الواقع هو خروج القبيح لا خروج الإحسان الملازم للإساءة، فإن العقل إنما حكم بخروج الإحسان الملازم للإساءة عن الأمر وهو قوله: «بر والديك» لعلة والعلة أنه قبيح، إذن فالخارج عقلا عن الأمر هو عنوان القبيح. فكأنه قال: ان قول المولى ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا بر والديك حيين وميتين، نفس قول المولى لا يشمل القبيح ومن مصاديقه الاحسان المساوق للإساءة إلى مؤمن.

فبما ان الخارج عقلا «المخصص اللبي» عنوان القبيح، والقبح متقوم بالوصول، فما لم يصل إلى العامل لا يكون صدوره منه قبيحاً، إذن الذي علم خروجه عن العام ما علم انه قبيح، يعني ما علم انه احسان مساوق للإساءة. فإذا شككنا في احسان كما لو لزم من زيارته لوالديه أو لأحدهما أذية مؤمن لأنه لا يزوره، فشكّ في أن هذا الاحسان هل هو ملازم للإساءة إلى مؤمن أم لا؟ وبالتالي لا ادري هل هذا قبيح أم لا؟ فبما انني أشك في قبحه إذن لا اعلم بقبحه وبالتالي فليس خارجا عن قوله ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا أو «بر والديك» إذا ما خرج عنه ما علم، فالمشكوك مصداق قهري للعام وليس شبهة مصداقية.

القسم الثاني من المخصص اللبي: ما كان مقسّما للعام ثبوتاً لا إثباتاً. وقد مثله له المحقق الاصفهاني، في بحث المكاسب في «ج3، حاشية المكاسب، ص25» في «من احيا ارضا مواتا فهي له» الوارد عن النبي . فلو افترضنا ان شخصا اراد ان يحيي أرض غيره. الارض مملوكة لغيره، قطعا لا يشمله «من أحيا أرضاً مواتا فهي له» لأنه لا يتصور ان يكون التصرف في ملك الغير موجبا للتملك، هذا غير محتمل. إذن بالنتيجة: قوله «من احيا ارضا مواتا فهي له» عام وارد على نحو القضية الحقيقية مخصص بمخصص لبّي وهو أنّ هذا العام لا يشمل ما إذا كانت الارض ملكاً للغير، لأن ملك الغير لا يعقل تملكه بالتصرف فيه.

فلو حصلت شبهة مصداقية، بأن أحيا احد المؤمنين ارضا ثم هجرها إلى ان خربت، اصبحت مواتا نتيجة هجرانه. شككنا هل خرجت عن ملكه بالخراب؟ إذن فيصح احيائها من قبل غيره؟! أو ما زالت باقية تحت ملكه؟!

فهذه شبهة مصداقية، لأن من احيا أرضاً مواتاً لا يشمل ما كان ملكاً للغير، ولا ندري هذه ما زالت ملكا للغير أم لا؟.

طبعا على بعض المباني كالسيد الشهيد «قده» حيث افاد في كتاب «اقتصادنا» بأن الملك يدور مدار الحياة، يعني الحياة علّة دائمة، يدور الملك مدارها، فإذا فقدت الحياة وأصبحت خربة خرجت عن ملك الأول بمجرد الخراب.

طبعا على هذا المبنى لا يوجد شك تخرج الارض عن ملكه بمجرد خرابها فيصح للآخر احيائها. «بل هو «قده» لا يرى ملكية الارض. خصوصا يقول الاراضي لا تملك، كما هو المذهب الماركسي الذي يقول: رقبة الارض لا تملك وليس هناك ارتكاز عقلائي على رقبة الارض دائما الملكية للبنيان للآثار واما نفس رقبة الارض لا تدخل تحت الملكية اصلا في جميع الموارد وانما يثبت له حق نتيجة الاحياء، فاذا اصبحت خربة خرجت عن حقه».

فنحن الآن لا نتكلم على ضوء مبنى السيد الشهيد من أن رقبة الارض لا تملك أو ان ملكيتها تدور مدار حياتها. نتكلم على المبنى المعروف بين الفقهاء: من أن الإحياء موجب للملكية، ملكية الارض، بمقتضى قوله «من أحيا أرضاً مواتاً فهي له» فإن «اللام» عندهم ظاهرة في الملكية لا مجرد الحق. حينئذ على هذا المبنى نتكلم فنقول:

لو كان المخصص لفظيا بأن قال في دليل: «من احيا ارضا مواتا فهي له». وقال في دليل آخر: «الارض المملوكة لا تملك بالإحياء». فهناك دليلان، والمخصص لفظي.

فهنا إذا شككنا على نحو الشبهة المصداقية، هل هذه الارض التي خربت بعد احيائها ما زالت مملوكة فلا يشملها من أحيا أرضا مواتاً لوجود مخصص لفظي له؟ أو يشملها؟

فبما ان المخصص لفظي يقول المحقق الاصفهاني، لا يصح التمسك بالعام، لأنه تمسك بالدليل في الشبهة المصداقية، فلابد من إجراء الاستصحاب، نقول لا ندري هل خرجت عن ملكية الارض أو لا؟ فنستصحب بقاء ملكية الاول فمقتضى استصحاب بقاء ملكية الاول: عدم شمول «من أحيا ارضاً مواتاً فهي له» للإحياء الثاني. لأنها اصبحت ملكا للاول بالاستصحاب، فصار الاستصحاب رافعا لموضوع الدليل.

أما إذا قلنا بأن المخصص لبّي: فاذا قلنا بأن المخصص لبي: بأن قال: «من أحيا أرضاً مواتا فهي له» وعلمنا من الخارج ان الارض المملوكة لا تملك بالإحياء، هذا العقل يحكم به مخصص لبي. وشككنا في أن هذه الارض ملك له أم لا؟

يقول المحقق الاصفهاني فنتمسك بالعام في الشبهة المصداقية. فنقول: مقتضى عموم «من احيا ارضا مواتا فهي له» ان الثاني لو احياها _مع الشك في أنها ملك للأول أم لا؟ _ لكانت ملكا له لأنها موات، وقد قال الدليل «من أحيا أرضاً مواتاً فهي له».

وقد علل ذلك بما سبق: انه قال: المخصص اللفظي يدل دلالتين، وهما: وجود عنوان منافي: وهو أن لا تكون الارض مملوكة للغير، ووجود هذا المنافي خارجاً، وهو يوجد اراضي مملوكة للغير. فبما ان المخصص اللفظي يدل على وجود المنافي خارجاً وهو وجود أرض مملوكة للغير خارجاً لا يصح التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، لأن دلالتيه قد ضربتا بدلالتي المخصص اللفظي. وأما إذا كان المخصص لبيّاً وهو حكم العقل بأن المملوك لا يتملك بالاحياء، هذا لا يضرب الدلالة الثانية، يضرب الدلالة الاولى، يعني غاية ما يدل هذا المخصص اللّبي على أن مجرد كون الارض مواتاً غير كافي في التملك بل لابد ان تكون مملوكة، أمّا هل يوجد اراضي مملوكة في الخارج أم لا يوجد؟ المخصص اللّبي ساكت عنه. فنتمسك بالعام لإثبات أن هذه الأرض مصداق له، فعليه من أحياها بعد احياء الاول لها وخرابها بهجرانه تكون ملكا للمحيي الجديد.

هذا ما أردنا بيانه في الأمر الاول وهو أن التقسيم يتصور ان يكون ثبوتي وإثباتي.

الامر الثاني: مناقشة المحقق:

فأنه يرد على كلام المحقق الاصفهاني «قده» ما ذكره جملة من الاعلام: بأن التمسك بالدليل فرع تصدي الدليل لإحراز موضوعه، فلو كان الدليل العام وهو قوله: «من أحيا ارضا مواتاً فهي له» ظاهراً في احراز موضوعه. أي أنّ المولى اولا تصدى لإحراز الموضوع وثبت لديه ان جميع الاراضي غير مملوكة ثم قال: «من احيا ارضا مواتا فهي له». فحينئذ يصح التمسك بالعام، لأن المولى عندما قال قد احرز الموضوع، فإن المولى عندما قال: «من أحيا أرضاً مواتاً فهي له» قد أحرز موضوع حكمه، إذن قوله «من احيا أرضا مواتاً فهي له» يدل على حكم فعلي لا على حكم حيثي، فهو لا يقول: من أحيا ارضا مواتاً فهي له من حيث كونها مواتاً، بل يقول «من أحيا أرضاً مواتاً فهي له» فعلاً، مع غمض النظر عن الارض ما تكون، حينئذ نتمسك بالعام في الشبهة المصداقية، لأن المولى احرز الموضوع. إذن هذه الشبهة منفية بإحراز المولى.

اما إذا كان الدليل وارداً على نحو القضية الحقيقية والقضية الحقيقية قضية شرطية فرضية. إذن فالدليل ليس محرزاً لموضوعه، وإنما يقول: إذا فرض أرض اتصفت بكونها مواتا فمن احياها فهي له من حيث كونها مواتا ولا اتصدى لبيان الامور الاخرى انها خالية عن الموانع أو ليست خالية، قال انا لا اتصدى لها لأنني اريد بيان قضية شرطية فرضية لا اكثر، فحيث ان العام لم يتصدى لموضوعه فكيف نتمسك به لإثبات الحكم في الشبهة المصداقية؟! إذن لا فرق حينئذ بين المخصص اللّبي وبين المخصص اللفظي فيما إذا كان العام واردا على نحو القضية الحقيقية وكانت المخصص مقسّماً تقسيماً ثبوتياً، وأما إذا كان المخصص مقسما تقسيما اثباتياً أيضاً فلا فرق بين المخصص اللفظي وبين المخصص اللبي.

الامر الثالث: الذي استوقفنا في كلام المحقق «قده» نقول: ذكر المحقق الاصفهاني في الاصول في «نهاية الدراية، ج2، 457 حسب الطبعة المحققة»: أن المخصص لفظيا أو لبيّاً يقسّم العام، إنما المخصص اللفظي يدل على وجود المنافي خارجاً والمخصص اللّبي لا يدل وإلا كلاهما مقسم للعام، لكنه في بحث الاجارة في «ص123» افاد: من ان المانع إذا كان لبيّاً فلا يتصرف في الدليل اصلا ولا يصنفه ولا يقسمه ولذلك تمسكنا بالدليل، لأن المخصص اللّبي اصلا لم يقسم الدليل إلى قسمين حتى تحصل لنا شبهة مصداقية. فكيف نجمع بين كلاميه؟ قد يقال في الجمع بين كلاميه:

أن المخصص اللّبي تارة يكون ناظرا لمقام الجعل، وتارة يكون ناظرا لمقام الامتثال.

فان كان المخصص اللّبي ناظرا لمقام الجعل، كالمثال الذي مثّل به. حيث إن عندنا عام وهو: «من احيا ارضا مواتا فهي له» وعلمنا بحكم العقل أن المملوكة لا تملك بالإحياء. فهذا المخصص ناظر لمقام الجعل، ويبين لنا ان هذه القضية وهي «من احيا ارضا مواتا فهي له» من حين الجعل هي لا تشمل الارض المملوكة، فبما ان المخصص اللّبي ناظر لمقام الجعل اوجب تقسيم الدليل وتصنيفه إلى صنفين.

واما إذا كان المخصص اللّبي ليس ناظراً إلى مقام التطبيق، فهو يتكلم عن مقام التطبيق ومقام الامتثال، نظير بحث التزاحم على مبنى سيدنا الخوئي «قده» فإن المولى إذا قال: انقذ كل غريق، وقال في دليل آخر: لا تعتدي على الغير. ثم حصل تزاحم بأن لم يتمكن المكلف من انقاذ الغريق حتى يعتدي على جسم غيره. فالعقل يقول: لا يعقل فعلية كلا الحكمين، لعدم قدرة المكلف على امتثاله، إلا أنني لا انظر إلى مقام الجعل ولا اتصرف فيه، وانما لي حكم في مقام الامتثال، حيث اقول: بما ان المكلف قاصر القدرة عن الجمع بين الامتثالين فلا يعقل فعلية كلا الحكمين في حقه أو لا يعقل تنجز كلا الحكمين عليه، أما نفس الادلة فأنا لا اتصرف فيها. إذن هنا حكم العقل لا يتصرف في مقام الجعل كي يقسّمه إلى قسمين. لذلك لو حصلت شبهة مصداقية لباب التزاحم بأن لا أدري هل أن انقاذ الغريق «أ» يلزم منه الاعتداء على جسم «ب» فهنا يصح التمسك بقوله: انقذ كل غريق، لأن موضوعه متحقق وجداناً، والذي خرج عن حكم العقل امر يرتبط بمقام الامتثال ولم يتصرف في موضوع الدليل بشيء فما خرج ما علم انه اعتداء، وحيث لم يعلم ان هذا اعتداء فأتمسك بقوله «انقذ كل غريق لإنقاذه».

والحمد لله رب العالمين.

الدرس 74
الدرس 76