نص الشريط
الدرس 81
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 8/5/1437 هـ
تعريف: الخلل الواقع في الصلاة
مرات العرض: 1819
المدة: 00:32:49
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (258) حجم الملف: 15 MB
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

كان الكلام في أن المشرّع الشريف هل يمكن أن يجعل في باب الصلاة الشرطية لمأكول اللحم؟ بأن يقول: يشترط في صحة الصلاة أن يكون الثوب من مأكول اللحم؟ وأن يجعل المانعية أيضاً؟ بأن يقول: لبس ما لا يؤكل مانع، فيقوم بجعل الشرطية لما يؤكل والمانعية لما لا يؤكل؟. وحيث إن هذه المسألة من صغريات شرطية أحد الضدين ومانعية الضد الآخر، لذلك بحثها المحقق النائيني «قده» في فقهه، صلاته، وفي «رسالة اللباس المشكوك»، حيث ذهب: إلى أنه لا يمكن اجتماع شرطية أحد الضدين مع مانعية ضده الآخر، لا في الأمور التكوينية ولا في الأمور التشريعية، فهنا مقامان للبحث:

المقام الاول: انه لا يعقل اجتماع شرطية أحد الضدين مع مانعية الضد الآخر في الأمور التكوينية واستدل على ذلك المحقق النائيني بوجهين:

الوجه الاول: ما ذكره في «رسالته اللباس المشكوك، ص126»، وتبعه سيدنا الخوئي: ومحصّل هذ الوجه:

أنّ مقتضى الطولية بين الشرط وعدم المانع: أنه لو وجد الشرط فإن المانع معدوم، لأن المفروض ان هناك تضادا بين الشرط والمانع، فإذا وجد الشرط انعدم المانع، واذا كان المانع معدوما لم يتصف بالمانعية حال عدمه، وان عدم الشرط ووجد المانع ايضا لم يتصف بالمانعية لأن عدم الأثر لعدم الشرط لا وجود المانع، فلا يعقل ان يتصف الشرط بالمانعية مع اتصاف الضد بالمانعية لا حال وجوده ولا حال عدمه. وهذا الاستدلال ذكرنا أنه أجاب عنه المحقق الاصفهاني «قده» في «نهاية الدراية» _سبق أن نقلنا كلامه_ أجاب عنه بجوابين:

الجواب الاول: قال أنه لا يوجد لدينا شرط وعدم مانع، بل عدم المانع من مصاديق الشرط لتوفر ملاك الشرط فيه، فإذا كان عدم المانع مصدقا للشرط فلا معنى للطولية بين الشرط وعدم المانع، ومرّت المناقشة مع المحقق الاصفهاني في ذلك.

الجواب الثاني: لو سلّمنا أنّ هناك شرطاً وعدم مانع، أي قلنا ان للعلّة ثلاثة اجزاء: مقتضٍ، وشرط، وعدم مانع، كما ذهب إليه أهل المعقول، وأن الشرط خاص بالامور الوجودية، فلا يشمل عدم المانع، مع ذلك لا برهان على الطولية بينهما، فبمجرد ان هناك عنصرين: عنصر يسمى شك وهو ما كان وجوده دخيلا في وجود المعلول، وعنصرا يسمى عدم مانع، لكن لا بمعنى ان العدم دخيل دخلا خارجياً في وجود المعلول، بل بمعنى حكم العقل بمعنى ان العقل يدرك انه ما لم ينتف المزاحم ويرتفع المانع لا يوجد المعلول، فلا يكفي في وجود المعلول وجود متقضيه ووجود شرطه، بل لابد من انتفاء المزاحم، إذن صحيح ان عدم المزاحم ليس دخيلا في المعلول دخلاً وجودياً، لكن العقل يدرك انه ما دام المزاحم قائما فإن المعلول غير موجود.

اذن فدخل عدم المانع دخل عقلي بينما دخل الشرط دخل وجودي، فيوجد فرق بينما في التوقف، حيث إن التوقف في الشرط وجود والتوقف في عدم المانع عقلي، لو سلّمنا بذلك مع ذلك لا برهان على الطولية بينهما بأن يكون توقف المعلول على الشرط اسبق رتبة من توقفه على عدم المانع.

بل قد يقال _يعني ظاهر كلمات المحقق الاصفهاني كما قرأنا امس_ أنهما في رتبة واحدة، حيث ان المقتضي كي يخرج تأثيره من عالم الاقتضاء إلى عالم الفعلية يحتاج إلى الشرط، فالنار كي يخرج تأثيرها من الاقتضاء إلى الفعلية تحتاج إلى الشرط وهو اقتراب الجسم منها، وفي هذه الرتبة نفسها، يعني في رتبة خروج الاقتضاء من الفعلية، يقوم المزاحم الا وهو الرطوبة، فالرطوبة في رتبة الشرط كما ان الشرط يساهم في اخراج التأثير من الاقتضاء إلى الفعلية فإن الرطوبة تساهم في منعه من الاقتضاء إلى الفعلية فهما في رتبة واحدة.

إذن بالنتيجة: دعوى أن توقف المعلول على الشرط اسبق رتبة من توقفه على عدم المانع بحيث إذا فقد الشرط لا يصح ان نعلل عدم المعلول بوجود المانع، بل يصح تعليله أيضاً لفقد الشرط. هذا ما ذكره المحقق الاصفهاني «قده» جوابين دعوى الطولية.

لكن قد يتأمل في هذا الجواب الثاني ايضاً: بأن دور المانع المزاحم كالرطوبة مثلا، هل هو تضعيف الاقتضاء أم منع الفعلية. فإذا كان دور المانع المزاحم تضعيف الاقتضاء أي ان اقتضاء النار للإحراق لا يقوى مع وجود المانع وهو الرطوبة مثلا، فدور المانع تضعيف الاقتضاء وتنقيص الاقتضاء، إذن مقتضى ذلك ان يكون عدم الاثر عند وجود المانع لا لوجود المانع بل لضعف المقتضي، أصلا المقتضي قاصر، وهذا خلاف دعوى الطولية بين المقتضي وعدم المانع.

وأما إذا قلنا بأن دور المانع ليس هو تضعيف الاقتضاء بل المقتضي تام، وانما دوره منع الفعلية لا منع الاقتضاء ولا تضعيف الاقتضاء، فإذا كان لا فعلية الا بوجود الشرط، أي لا يكون المقتضي متكلفا للفعلية الا بضميمة الشرط والا لا يتكفل لها فلا محالة سوف يكون دور عدم المانع متأخر رتبة عن الشرط، لأنه إما أن يكون دوره تنقيص الاقتضاء فسوف يرجع عدم المعلول إلى عدم الاقتضاء، وأما أن يكون دوره عدم الفعلية فهذا فرع وجود ما هو محقق للفعلية لولا المانع، فيقتضي ذلك ان يكون عدم المانع متأخراً رتبة عن الشرط، وهذا خلاف ما قررّه المحقق الاصفهاني «قده».

الوجه الثاني: الذي طرحه المحقق النائيني وهذا ذكره في «اجود التقريرات، ج1، ص255 - 257» قال: إذا كان تضاد بين المقتضيين فيمتنع وجود المتقضيين، لأن اقتضاء المحال محال، فإذا افترضنا ان بين اليقظة والنعاس تضاد، فلا يجتمعان خارجاً، فلا محالة بين مقتضي اليقظة وهو شرب الدواء الفلاني، وبين مقتضي النعاس وهو شرب الدواء الفلاني أيضاً تمانع، فكما لا يعقل اجتماع المقتضيين وهما اليقظة والنعاس في آن واحد لا يعقل اجتماع المقتضيين وهما شرب الدواء الموجب لليقظة وشرب الدواء الموجب للنعاس، لأن اقتضاء المحال محال، فبناءً على ذلك سوف يكون أحد المقتضيين هو المؤثر دون الآخر، فإذا كان أحد المقتضيين، وجد المقتضي الأول انعدم المقتضي الثاني، إذا انعدم المقتضي الثاني كيف يتصف بالمانعية وهو معدوم؟!.

فبما أن المقتضيين للضدين محال إذن فلا محالة لا يعقل ان يتصف احدهما بالمانعية من الاخر فإن الاتصاف بالمانعية فرع الوجود الحال انه لا يعقل وجودهما معاً. المحقق الاصفهاني ايضا اشكل على هذا الوجه، قال: لا يوجد مانع من اجتماع المقتضيين للضدين، يجتمع سببان مع شرطيهما وان كان هناك تمانع في المتقضيين، فالاستحالة والامتناع في اجتماع الضدين لا ان الاستحالة والاجتماع في اجتماع سببيهما بشرطيهما، غاية ما في الامر إذا اجتمع السببان فإما ان يكونا متساويين أو يكونا متفاوتين.

فإن كانا متساويين: لم يوجد الاثر، لا للأول لوجود المزاحم وهو الثاني، ولا للثاني لوجود المزاحم وهو الأول، فرجع عدم المعلول إلى وجود المانع.

وان كانا متفاوتين: فالأقوى مؤثّر دون الاضعف، فوجود اثر اقوى لوجود مقتضيه، وشرطه، وعدم المزاحم، وعدم وجود اثر الاضعف لوجود المزاحم وهو المؤثر الاقوى. هذا الكلام من المحقق الاصفهاني.

وكأن المحقق النائيني ملتفت إلى هذا الجواب، لذلك ذكر في «اجود التقريرات»: إذا كان المقتضيان بحسب كلامكم تامين وموجودين فهما اما متساويان أو متفاوتان فلا يرجع عدم الاثر حينئذ لوجود المانع بل لضعف المقتضي.

بيان ذلك: لو افترضنا ان الريح مقتض لميل الجسم إلى المشرق، وهناك ماكنة تقتضي ميل الجسم إلى المغرب، فتنافى المقتضيان حيث يوجهه احدهما إلى المشرق والاخر إلى المغرب، فحينئذ ان كانا المقتضيان متساويين فانعدم أثر كل منهما صار الجسم بالوسط لا إلى المشرق ولا إلى المغرب، فحينئذٍ عدم المعلول في كل منهما لا لوجود المزاحم بل لعدم تمامية المقتضي، فليست الريح مقتضيا تاما وليست الماكنة مقتضيا تاما، فلضعف كل من المقتضيين لم يوجد المعلول لا لوجود المانع، واذا افترضنا ان احدهما اقوى من الآخر فحينئذ من الواضح جدا ان اثر الاقوى انما وجد لقوة المقتضي، وعدم اثر الاضعف لعدم المقتضي وهو ضعفه لا لوجود الأقوى. فنحن نقول: بأنه لا يعقل وجود مقتضيين تامي الاقتضاء للمحال. هذا محال، وأما ما ذكرتموه من فرض تساوي المقتضيين أو فرض تفاوتهما فهو راجع لا محالة لنقص في المقتضي، لا أن المقتضيين تامّان ومع ذلك لم يوجد. هذا الذي ذكره النائيني «قده».

وهنا جوابان عن كلام المحقق النائيني:

الجواب الاول: ما ذكره السيد الاستاذ «دام ظله» في بحثه في مسألة الضد، حيث أفاد بأننا إذا ارجعنا وجود المانع إلى ضعف في المقتضي أو نقص في المقتضي لم يبق للمانع دور في تمام موارده، وسوف تنحصر العلّة في المقتضي ولا يبقى للمانع دور على هذا التحليل، لأنه إذا افترضنا ان المقتضي المساوي ليس مقتضيا تاماً، _حسب كلام النائيني_ بل هو ناقص، إذن مقتضى هذا الكلام ان لا يكون المقتضي متقضياً بالفعل حتى يكون اقوى، النتيجة هكذا لأنكم التزمت في المقتضي المساوي بأنه ليس تام الاقتضاء، إذن نتيجة كلامكم انه لا يمكن ان يكون المقتضي مقتضيا بالفعل الا إذا كان هو الاقوى «الأقوى من سائر المزاحمات» فإذا كان هو الاقتضاء فالنتيجة ان عدم وجود اثر مقتضي الضد الآخر لضعف مقتضيه وحيث لا خصوصية لكون المقتضي الاخر ضد أو غير ضد لأن النكتة عندكم ان المقتضي لا يكون تام الاقتضاء حتى يكون اقوى، فبما ان النكتة هي الاقوائية إذن لا يفرّق بين ان يكون الأضعف ضداً أو غير ضد لأن النكتة في تمامية الاقتضاء ان يكون اقوى من سائر المزاحمات والموانع، والنتيجة: انه لا خصوصية لكون الأضعف المغلوب ضداً أو غير ضد.

فعلى هذا بما ان المتقضي لا يكون متقضيا بالفعل حتى يكون اقوى وسواء كان المغلوب به من أضداده أم من غيرها نتج عن ذلك بأنه دائما لا يتحقق المعلول الا بتمامية المقتضي، ولا تتحقق تمامية المقتضي الا باقوائيته، وهذا كافٍ في الوجود، فلا يبقى للمانع وعدمه أي دور وأي أثر. لأن المقتضي إما اقوى فوجد المعلول، إما ليس بأقوى فعدم المعلول لضعف مقتضيه لا لوجود المانع، فلم يبقى للمانع دور لا في الاضداد ولا في غيرها، وهذا رفع يد عن ما هو المقرر من تركب أجزاء العلة. هل هذا وارد أو غير وارد؟.

والحمد لله رب العالمين.

الدرس 80
الدرس 82