نص الشريط
الدرس 82
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 11/5/1437 هـ
تعريف: الخلل الواقع في الصلاة
مرات العرض: 1815
المدة: 00:22:19
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (273) حجم الملف: 10.2 MB
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

ذكرنا فيما سبق: أنّ الصحيح ما ذهب إليه المحقق الاصفهاني «قده» من أنّ اجتماع سببين تامّين لضدين أمر ممكن، فلا مانع من أن يجتمع سببان تامّان لليقظة وللنعاس في آن واحد بحيث يستند التأثير الفعلي لكل منهما على عدم الآخر، ولكن هناك ايرادان يتصيدان من كلمات المحقق النائيني «قده» على هذا المبنى:

الإيراد الأول: ما تعرض له السيد الشهيد «قده» في «البحوث، ج2، ص311»:

ومحصّله: أنه في السببين المتساويين هل يعقل أن يكون تأثير كل منهما مستنداً إلى عدم الآخر أم لا؟

يقول، هذا غير معقول، أفاد «قده»: لا يتصور ان يتوقف تأثير كل من السببين على عدم الآخر في الضدين الذين لا ثالث لهما.

فلنفترض مثلا في الحركة والسكون، وهو ان الجسم اما متحرك أو ساكن، وحيث إن الحركة والسكون من الضدين الذين لا ثالث لهما، فلا يعقل في مثل هذا الفرض ان يتوقف تأثير كل من السببين «سبب الحركة وسبب السكون» على عدم الاخر، لأنه ما دام الحركة والسكون من الضدين الذين لا ثالث لهما فيجب وجود أحدهما، لأن عدم كل منهما يعني ارتفاع الضدين وارتفاع الضدين اللذين لا ثالث لهما أمر محال لأن لازمه ارتفاع النقيضين، إذن بالنتيجة بما ان الضدين اللذين لا ثالث لهما لابد من وجود احدهما إذ لا يعقل ارتفاعهما معاً، ففرض عدم احدهما مساوق لفرض وجوب الآخر لا جود الآخر فقد، فرض عدم احدهما مساوق لفرض ضرورة الآخر ووجوب وجوده، وبالتالي، فإذا كان الآخر واجب الوجود كالسكون مثلا، إذ متى ما افترضنا عدم الحركة كان السكون ضروري الوجود، فإذا كان السكون ضروري الوجود يستحيل ان يكون العدم الا وهو عدم الحركة مؤثر فيه، لأنه أمر ضروري الوجود، وانما يتصور التأثر فيما كان ممكن الوجود بحيث يكون متساوي الطرفين، فالشيء الممكن المتساوي الطرفين يعقل فيه ان يقال هذا يتسند وجوده إلى عدم المزاحم، اما إذا كان ضروري الوجود فلا يعقل ان يستند وجوده إلى عدم المزاحم. إذن عدم المزاحم يعني عدم الحركة لا يعقل ان يكون مؤثرا في وجود السكون، لأن وجوده ضروري في فرض عدم الحركة.

فتبين بذلك لنا: أنه في الضدين الذين لا ثالث لهما وجود احدهما ضروري، فلا يمكن ان يستند هذا الضروري الوجود إلى عدم الآخر. وإذا صح هذا في الضدين الذين لا ثالث لهما صح في البقية لنفس النكتة.

بيان ذلك:

لنفترض أنّ الاضداد متعددة لا أنّه من الضدين الذين لا ثالث لهما كالقيام والقعود، فالجسم يمكن أن يكون قائماً يمكن أن يكون مضطجعاً يمكن أن يكون متمايلاً، فهناك اضداد متعددة. فنقول: أن نفس النكتة التي اقتضت عدم الضد الذي لا يؤثر عدم الضد في وجود ضده تأتي حتى في الاضداد المتعددة، لأنه بالنتيجة يجب وجود احد هذه الاضداد، كما ان الجسم لا يخلون الضدين الذين لا ثالث لهما لا يمكن ان يخلون من جميع اضداده، وإلّا لزم ارتفاع النقيضين. فلابُّد أن نقول: ما يتصور في الضدين الذين لا ثالث لهما يتصور في الاضداد المتعددة، لأنه لا يتصور خلو الجسم من جميع الاضداد فيجب وجود ضد لا محالة. فإذا وجد ضد لا محالة كالقيام مثلا استحال ان يتوقف القيام على عدم الاضداد الأخرى لأن وجوده ضروري وما كان وجوده ضرورياً فلا يعقل ان يستند إلى عدم ضده أو عدم اضداده.

فبهذا البرهان نثبت أنّ وجود سببين تامّين بحيث يتوقف كل منهما فقط على عدم الآخر محال في الضدين الذين لا ثالث لهما بل في جميع الاضداد لنفس النكتة.

الجواب عن ذلك:

أولاً: بأن هذه القاعدة التي تقول: «بأن الضدان اللذان لا ثالث لهما يستحيل ارتفاعهما فلابد من وجود احدهما»، إنما تتم في الاضداد الخارجية، واما في الاوصاف النفسية فيعقل ارتفاع كلا الضدين اللذين لا ثالث لهما. مثلا الحب والبغض من الضدين اللذين لا ثالث لهما، الفرح والحزن، من الضدين اللذين لا ثالث لهما، ولكن يمكن ارتفاعهما. فيمكن ان تكون النفس في آن ما لا فرحة ولا حزينة، لا محبّة ولا مبغضة. فالضدان اللذان لا ثالث لهما بحيث لا يعقل ارتفاعهما إنما يتم ذلك في العوارض الخارجية، واما في الاوصاف النفسية فالنفس لبساطتها يمكن ان تتجرد حتى من الضدين اللذين لا ثالث لهما.

ثانياً: لو نظرنا إلى الاضداد الخارجية، أو قلنا بعموم القاعدة وهو ان الضدين اللذين لا ثالث لهما لا محالة لا يرتفعان في جميع الاضداد خارجية كانت أو نفسية، مع ذلك نقول: فرق بين وجوب الوجود بالغير ووجوب الوجود بالذات. ففي الضدين الذين لا ثالث لهما كالحركة والسكون مثلا يجب ان يوجد احدهما لكن وجوب وجوده ليس بالذات بل بالغير، لأن لازم ارتفاعهما معا ارتفاع النقيضين، لذلك قلنا لابد من وجود احدهما، فلابُّدية الوجود ليست ناشئة عن ذاته وإنما ناشئة عن استحالة ارتفاع الضدين، فبما انه وجوب بالغير لا بالذات فلا ينافي ان يكون هو في حد ذاته متوقف على عدم ضده الآخر، فنقول: سبب الحركة في حدّ ذاته متوقف على عدم السكون، والسكون في ذاته متوقف على عدم الحركة، وإنما وجب وجود أحدهما لأمر خارجي وهو كونهما من الضدين الذين لا ثالث لهما.

فالوجوب بالغير لا ينافي أنه بالذات ممكن يتوقف وجوده على تمامية سببه وعدم الضد الآخر. إذن فهذا الوجه الذي اشكل به على مقالة المحقق الاصفهاني «قده» من نه يعقل وجود سببين تامّين فقط يتوقف تأثير كل منهما على عدم الآخر هذا الإشكال غير وارد.

الإيراد الثاني: وهو ناظر إلى السببين المتفاوتين. وقد تعرض له المحقق الاصفهاني «قده» في: «نهاية الدراية، ج2، ص192»:

ومحصّله: انه في السببين المتفاوتين حتماً يوجد احد الضدين لأن سببه أقوى فلابد ان يوجد أثره، لنفترض ان سبب القيام اقوى من سبب العقود لذلك وجد القيام. فإذا وجد القيام: فالمحقق النائيني يقول: وجود القيام لوجود سببه، وعدم القعود لعدم سببه من دون ان يستند احدهما للآخر، فوجود المعلول مستند لوجود علته، وعدم المعلوم الآخر مستند لعدم علته، من دون أن يكون عدم الآخر وهو عدم القعود مستند إلى سبب القيام، فعدم القعود لعدم سببه لا لوجود سبب القيام، لأنه كما ان الوجود لا يترشح من الوجود العدم أيضاً لا يترشح مع عدم الوجود. فلا يعقل أن يكون عدم القعود مترشحاً من سبب القيام، كما ان العدم ليس قابلا ولا فاعلا كي يحتاج إلى الشرط، لأن ما يحتاج إلى الشرط إما لأنه قابل فيحتاج إلى شرط متمم لقابليته أو فاعل فيحتاج إلى شرط مصحح لفاعليته وهذا انما يتصور في الوجود، اما العدم فليس قابلا ولا فاعلاً حتى فلا يحتاج إلى شرط متمم لقابليته أو مصحح لفاعليته، فلا محالة عدم القعود لا يستند إلى عدم القيام لا يترشح منه ولا يحتاج إليه احتياج المشروط إلى شرطه. والنتيجة: أن نقول: وجود القيام لتمامية سببه، وتمامية سببه لقوّته، وعدم القعود لضعف سببه، وضعف سببه لذاته من دون ان يستند احدهما إلى الاخر، فبهذا نتوصل إلى أنه: لا يتصور اجتماع سببين تامّين، بل متى ما وجد سببان أحدهما أقوى وجد مسببه، فوجود مسببه لعدم سببه وعدم وجود مسبب آخر لضعف سببه، لا انه اجتمعا السببان التامّان بحيث يتوقف تأثير كل منهما على عدم الآخر.

أجاب عنه ذلك المحقق الاصفهاني _وجوابه متين جداً_: حيث قال: نحن نسلّم معكم ان عدم الأثر لعدم علته، فعدم القعود لعدم علته، وعدم علته لعدم الشرط، فإن الشرط هو عدم المزاحم والسبب الأقوى مزاحم، فاستند عدم القعود لعدم سببه وعدم سببه لعدم لشرطه، لأن الشرط هو عدم المزاحم والمزاحم موجود وهو السبب الاقوى. وأما دعوى المحقق النائيني من أن عدم القعود لضعف سببه وضعف سببه لذاته لا لوجود المزاحم الاقوى.

يرد على ذلك المحقق الاصفهاني: المفروض أن السبب تام الاقتضاء، اي أنّ سبب القعود تام الاقتضاء فلا نقص فيه ابداً، وإنما ضعفه إضافي اي ان ضعفه ناشئ عن وجود سبب اقوى ومزاحم أقوى. فهذا الضعف الاضافي اما ان لا يوجب نقصا في فاعلية سبب القعود أو يوجب نقصاً فيه؟ فإن لم يوجب نقصاً في فعالية سبب القعود فيجب وجود القعود، لأن فاعله إذا لم يكن ناقصا وجب وجوده والا لزم انفكاك المعلول عن علته، وما ان يوجب نقصاً.

فتحصّل من ذلك: أنّ عدم وجود العقود وإن كان عدم سببه إلّا أنّ عدم سببه مستند إلى المزاحم الاقوى.

فإن قلت: سلّمنا ذلك في طرف العدم، اي أنّ عدم القعود مستند إلى وجود مزاحم اقوى وهو سبب القيام، لكن لا نسلّم ذلك في طرف الوجود، بأن نقول أن وجود القيام مستند إلى عدم القعود، بل مستند إلى قوة سببه لا إلى عدم القعود، لأنكم الآن بيّنتم ان عدم العقود هو مستند إلى القيام، فإذا كان عدم القعود مستنداً إلى القيام وناشئا عنه فكيف يتوقف القيام عليه؟! فما كان مستندا إلى الشيء كيف يكون متوقفا عليه. إذن لامحالة وجود القيام مستند لقوّة سببه من دون ان تستند قوة سببه إلى شيء آخر.

قلت: لا اشكال ولا ريب لو كان للقيام مزاحم مساوٍ له لما وجد، وهذا منبّهٌ على أن وجود القيام مستند إلى تمامية سببه لكن من شرائط تمامية سببه عدم المزاحم، غاية ما في الأمر أن سبب القعود لضعفه لا يصلح أن يكون مزاحم، فصحيح ان وجود القيام لم يستند إلى عدم القعود لأن عدم القعود لعدم سببه، لضعف سببه، لكن يصح بالنتيجة ان يقال: وجود القيام استند إلى تمامية سببه ومن تمامية سببه عدم المزاحم المساوي وعدم المزاحم المساوي من مصاديقه عدم القعود، لأن عدم القعود عدم مزاحم مساوي، باعتبار ان القعود لضعف سببه لا يصلح ان يكون مزاحماً، فصار عدم القعود مصداق من مصاديق عدم المزاحم المساوي.

فتلّخص بذلك: أن هذا الإشكال غير وارد، وأن الصحيح كما نبهنا عليه في الدرس السابق: انه يعقل وجود سببين تامين، والمقصود بالسببين التامين: يعني تمامية المقتضي والشرط، بحيث يتوقف تأثير كل منهما على عدم الآخر. سواء كان ذلك في المتفاوتين أو في المتساويين.

والحمد لله رب العالمين.

الدرس 81
الدرس 83