نص الشريط
الدرس 68
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 21/4/1437 هـ
تعريف: انحلال العلم الإجمالي
مرات العرض: 1810
المدة: 00:27:13
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (248) حجم الملف: 12.4 MB
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

ما زال الكلام في الوجوه المذكورة لحل العلم الاجمالي القائم بالملاقي، كما إذا علم اجمالا بنجاسة الإناء الأبيض أو الأزرق ثم علم بملاقاة الثوب للإناء الابيض، فحصل له علم اجمالي بنجاسة الثوب أو الإناء الازرق، فهل يوجد طريق لحل العلم الاجمالي الثاني أم لا؟ وقد سبق ان ذكرنا ستة طرق وصل الكلام إلى:

الطريق السابع: وهو الاستدلال ببعض الروايات الخاصة التي قد يتوهم أو يتصور دلالتها على حل العلم الاجمالي.

منها: رواية عمر ابن يزيد: «باب9، من أبواب الماء المضاف، حديث 7» قال: قلت لأبي عبد الله اغتسل في مغتسل يبال فيه ويغتسل من الجنابة فيقع في الإناء ما ينزو من الارض، _بمعنى انه هناك من الإناء تقع على الأرض ثم ترجع للإناء مرة أخرى_ فقال لا بأس به».

وتقريب الاستدلال بهذه الرواية: ان محط سؤال عمر ابن يزيد هو حكم الملاقي لأطراف العلم الاجمالي، حيث ان البول أو غسالة تطهير مكان الجنابة لم يقع على جميع الأرض عادة وإنّما يقع على قطعة من الارض، ولأجل أنّ البول يقع على قطعة من الارض أرض ما يغتسل فيه لا على جميعها. لذلك سأل عمر ابن يزيد أن هذه القطرة التي التي لاقت بعض أطراف الأرض التي يعلم بنجاسة بعضها اجمالا هل اجتنبها في الغسل أم لا؟

فأجاب : بأنه لا بأس به. أي ان الامام ذكر أن حكمه أن يجري أصالة الطهارة في هذه القطرة أو استصحاب الطهارة في هذه القطرة التي نزت من الأرض إلى الإناء الذي يجتمع فيه ماء الغسل، فتدل هذه الرواية على ان ملاقي أحد اطراف العلم الإجمالي خارج عن منجزية الاجمالي.

وسيدنا الخوئي «قده» «ص150، ج2، كتاب الطهارة من الموسوعة»، قال: لكن هذا الحمل بعيد غايته. يعني حمل الرواية على النظر لملاقي أحد اطراف العل الإجمالي هذا الحمل بعيد غايته. فإن ظاهر الرواية: ان النزو انما هو من المكان النجس. أي منشأ اشكال وسؤال عمر ابن يزيد ان القطرة نزت من المكان النجس، لا انه يشك في انه نزى من النجس أو الطاهر. فإن إرادة ذلك تتوقف على أن نظيف إلى السؤال جملة أخرى، بأن نقول: نزى من مكان لا اعلم انه طاهر أم نجس، أو ان يقول نزى من مكان اعلم اجمالا بنجاسة بعضه والحال ان السؤال خال عن هذه الإضافة كما ان الجواب خال من هذه الإضافة. فمقتضى اطلاق السؤال والجواب: دفع هذا الاحتمال، ان هذا الوجه للرواية بحيث يستدل بها على عدم منجزية العلم الاجمالي في ملاقي أحد الاطراف ليس عرفياً.

لكن الظاهر: لو كان مقصود عمر ابن يزيد السؤال عن ذلك لم يكن يحتاج إلى اضافة، فإن السؤال: «وقع في الإناء قطرة مما نزى على الارض التي يبال فيها؟» ظاهر عرفا في انه يسأل عن قطرة نزت من قطرة يعلم اجمالا بنجاسة بعضها لأنه عادة في مكان التبول لا يتنجس كله وانما يتنجس بعضه، وهذا لا يحتاج إلى اضافة في السؤال واضافة في الجواب، فإنه بمجرد ان يقول نزى على الإناء قطرة من الماء الذي لاقى ارضا يبال فيها، كفى ذلك في أنه ناظر إلى ملاقي بعض اطراف العلم الإجمالي.

لكن هذا المحتمل قد يقابله محتمل آخر: وهو ان يكون محط سؤال عمر ابن يزيد عن الملاقاة غير المستقرة، كما ذهب إلى عدم النجاسة بعض العلماء منهم الشيخ محمد رضا آل ياسين «ره»: من أنّ الملاقاة المستمرة لا توجب سراية النجاسة. فمن المحتمل ان محط سؤال عمر ابن يزيد انه: نزت قطرة من الإناء على المكان المتنجس، فإن البول وإن كان لا يشمل جميع الأرض الا انها تتنجس بملاقاة الماء للبول، هذا امر واضح. فالأرض التي يبال فيها وإن لم يسع البول كل الارض، لكن عادة إذا كانت الارض يغتسل بها فإن بقيت الارض تتنجس بملاقاة الماء للبول في هذه الارض. فهو يسأل بأن هذه القطرة من الماء نزلت من الإناء إلى الأرض ثم رجعت إلى الإناء بملاقاة عابرة بملاقاة غير مستقرة. فهل الملاقاة غير المستقرة للمتنجز توجب سراية النجاسة أم لا؟ فمن المحتمل ان محط سؤال عمر ابن يزيد هو هذا، فيقع من الإناء ما ينزو من الأرض، يعني ما ينزو من الارض المتنجسة، قال «لا بأس به».

فما دامت الرواية تحتمل المعنيين، بمعنى اننا نحتمل ان محط سؤال عمر ابن يزيد حكم الملاقي لأحد اطراف الشبهة المحصورة، أو أن محط سؤال عمر ابن يزيد حكم الملاقي ملاقاة غير مستقرة ما دام يحتمل الامرين فلا يصح الاستدلال بهذه الرواية على عدم منجزية العلم الاجمالي في ملاق أحد أطراف الشبهة المحصورة الذي هو محل كلامنا. هذا بناء على وثاقة معلّى ابن محمد الوارد في السند كما هو مبنى كامل الزيارات، وإلا فمع الغض عن هذا المبنى فالرواية محل اشكال من جهة سندها ايضاً.

الطريق الثامن: ما يتصيد من كلمات سيد المنتقى «قده» وسبق ان عرضناه في التنبيه السابق وهو ما إذا اشتركا علمان في طرفين. ومحصل كلامه يبتني على مقدمتين: كبروية وصغروية.

أمّا المقدمة الكبروية: فإن منجزية العلم الإجمالي فرع تعارض الأصول، والمناط في تعارض الأصول أن يكون شمول دليل الأصل لكلا الطرفي ترخيصا في المخالفة القطعية، وأن يكون شموله لاحدهما المعين دون الآخر ترجيحا بلا مرجح. هذا هو المناط في تعارض الاصول ومنجزية العلم الاجمالي.

أمّا المقدمة الصغروية: إذا افترضنا أنه في أحد طرفي العلم الاجماي يوجد مرجح عرفي أي اننا نقطع بعدم شمول دليل الأصل للطرف الآخر جزما ونشك في شمول دليل الأصل لهذا الطرف الذي فيه مرجح عرفي، فحينئذٍ بما أننا قطع بعدم شمول دليل الأصل للطرف الآخر ونشك في شموله لهذا الطرف ذي المرجح، فيكون الكلام من الشك في التخصيص الزائد، أي نقول: ما خرج عن عموم دليل الأصل بالتخصيص جزما هو الطرف الاخر. ونشك في خروج هذا الطرف ذي المرجح عن عمومه فنتسمك بأصالة العموم. بيان ذلك في محل كلامنا: إذا علمنا اجمالا اما بنجاسة الأبيض أو الأسود وعلمنا بملاقاة الثوب للأبيض فحصل لدينا علم اجمالي اما بنجاسة الثوب أو نجاسة الإناء الاسود.

نقول: لا اشكال ولا ريب ان دليل الأصل لا يشمل الإناء الأسود جزما، اما لأن الأصل ساقط فيه بالمعارضة فيه على كل حال، أي اما ان اصالة الطهارة فيه ساقطة إما بمعارضتها باصالة الطهارة في الاناء الأبيض أو لمعارضتها بأصالة الطهارة في الثوب. على اية حال اصالة الطهارة في الإناء الأسود لا تجري جزماً. فنحن نعلم بأن الإناء الأسود قطعا خارج قطعاً عن عموم أصالة الطهارة، إما عقلاً: فلأن جريانها فيه ترجيح بلا مرجح، أو شرعا: لموثقة سماعة «يهريقهما ويتيمم» فنحن نعلم بأن اصالة الطهارة في الإناء الأسود لا تجري أبداً. لكن نشك في جريانها في الثوب إذ لعل في الثوب مناط للجريان لأنه طرف متأخر رتبة عن طرف العلم الإجمالي السابق أو متأخر زماناً ورتبة. يعني اما ان تكون الملاقاة معاصرة أو ان الملاقاة متأخرة زمانا، بما ان هذا الطرف وهو طرف الملاقي ذو مزية عرفية وهو كونه متأخر رتبة أو متأخرة رتبة وزمانا فنحتمل جريان الاص فيه دون الآخر. فما دمنا نقطع بخروج الأسود ونشك بخروج الثوب ونحتمل داخل لمزيته، فمقتضى عموم أصالة الطهارة فيه هو جريانها فيه بلا معارض، فينحل العلم الاجمالي. هذا ما ينتزع من كلام السيد «قده» وذكرناه في التنبيه السابق.

لكن، هل أنّ العرف يساعد على هذا. أي هل أن مجرد واجدية أحد الطرفين لمزية ثبوتية يقتضي ان تكون هذه المزية اثباتية بحيث يشمله الأصل دون الطرف الآخر أم لا؟ مثلاً: إذا علم المكلّف أن طلاق إحدى زوجتيه باطل، فطلق كليهما فعلم أن طلاق إحداهما باطل، ثم تزوج أخت إحداهما، فبعد ان تزوج أخت احداهما وهو يعلم ان طلاق إحداهما باطل، هل يمكن التمسك «عرفا» بدليل صحة النكاح في زواجه اخت احداهما بلحاظ ان دليل صحة النكاح لا يجري في الثانية ولا في الاولى للمعارضة لعلمه بطلاق احداهما، إذن يجري في أخت احداهما بلا معارض. هل هذا عرفي؟

أو مثلا: إذا علم المكلف ان احدى المرأتين أم له من الرضاعة، واولدت احداهما بنتا لها، فهل يمكن ان يتزوج من هذه البنت ويجري فيها عموم دليل صحة النكاح، مع علمه بأن احدى المرأتين أم له من الرضاعة يعني يعلم إجمالا إما هذه البنت اخت له أو تلك الام الثانية.

أو إذا علم المكلف مثلا: بأن احدى الدجاجتين ملك لغيره فباضت احداهما فهل تجري أصالة الحل في البيضة مع تعارض أصالة الحل في احدى الدجاجتين مع الاخر. واشباه ذلك من الموارد. فمجرد كون أحد الطرفين ذا مزية ثبوتية ككونه متأخر زمانا عن طرفية العلم الإجمالي كافي في شمول دليل الترخيص بلا معارض أم لا؟.

الطريق التاسع: ما يبتني على المسلك المختار: وهو أن نقول: مقتضى صحيحة ابن سنان: «كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعلم الحرام منه بعينه فتدعه» شمول هذه الصحيحة لأطراف العلم الاجمالي فإن موردها مورد العلم الاجمالي، خرج عنها بموثقة سماعة: «سألته عن الرجل عنده إناءان قع في احدهما قذر كيف يصنع؟ قال: يهريقهما ويتيمم» فببركة موثقة سماعة التزمنا بعدم شمول دليل الأصل لأطراف العلم الاجمالي إذا كانت الشبهة موضوعية كما في موثقة سماعة، وكان اطرافها داخلين في محل الابتلاء، ولم يكن لأحدهما مرجح على الآخر كما في موثقة سماعة. وبالتالي: فيقال: بالنسبة لملاقي أحد طرفي العلم الاجمالي تشمله صحيحة عبد الله ابن سنان بمقتضى اطلاقها فإن مقتضى اطلاقها الافرادي _وان سقط الاطلاق الاحوالي_ جريانها في أحد طرفي العلم الاجمالي، خرج عن ذلك ما إذا كانت الشبهة محصورة موضوعية مع دخول اطرافها في محل الابتلاء ولم يكن لأحدهما مرجح. هذا المقدار الخارج، وأما ملاقي أحد اطراف الشبهة المحصورة مع تأخره رتبة وزماناً فإن هذا مرجح له يثير احتمال شمول دليل الأصل له فنتمسك باطلاق صحيحة ابن سنان لمثله ومقتضى ذلك انحلال العلم الاجمالي في ملاقي أحد أطراف الشبهة المحصورة مع فرض تأخره زماناً كما افتى به المشهور بذلك. ولعل السيرة العلمية إن صحت التي قامت على عدم اجتناب الثوب إذا لاقى أحد اطراف العلم الارض التي يعلم بنجاستها راجع لذلك.

اي راجع إلى ان دليل الأصل العملي بمقتضى اطلاقه الافرادي يشمل الملاقي لأحد اطراف الشبهة المحصورة.

والحمد لله رب العالمين.

الدرس 67
الدرس 69