نص الشريط
الدرس 70
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 23/4/1437 هـ
تعريف: انحلال العلم الإجمالي
مرات العرض: 1813
المدة: 00:38:29
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (239) حجم الملف: 17.6 MB
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

ما زال الكلام في الأمر الثالث الذي تعرض له السيد الشهيد «قده» ضمن دليله لإثبات وجوب اجتناب الملاقي لأحد أطراف الشبهة المحصورة. حيث أفاد في هذا الأمر إشكالا على نفسه وهو:

إن قلت: بأن المقام نظير من علم اجمالا اما بوجوب اكرام ولده زيد أو اكرام اخيه عمر عند نزول المطر، حيث ان هذا العلم الاجمالي لوجوب اكرام زيد أو اكرام عمر عند نزول المطر ليس علما اجماليا منجزا وذلك لجريان أصالة البراءة عن وجوب اكرام زيد بلا معارض. إذ لا معنى لجريان أصالة البراءة عن وجوب اكرام عمر، إذ ليس هنا شك فعلي في وجوب اكرامه كي يكون مجرى للبراءة، وانما يكون وجوب اكرامه موردا لإجراء البراءة على فرض الشك الفعلي في وجوب الاكرام، والشك الفعلي في وجوب الاكرام انما يكون بعد فعلية نزول المطر واما قبل نزول المطر فلا يوجد شك فعلي في وجوب اكرامه كي يكون مجرى للبراءة، إذن لا تجري البراءة عن وجوب اكرام عمر بالفعل فتجري البراءة عن وجوب اكرام زيد بلا معارض وينحل العلم الاجمالي.

فأجاب «قده»: بأنه ليس في المثال علم بتكليف فعلي وإنما في المثال علم بوجوب تقديري، أي على تقدير ان المعلوم وجوب اكرام زيد فهو وجوب بالفعل، واما على فرض ان المعلوم وجوب اكرام عمر فليس فعليا بل هو تقديري أي على فرض نزول المطر، بخلا محل كلامنا ففي محل كلامنا يوجد علم بتكليف فعلي وهو العلم بوجوب الصلاة فعلا ووجوب الصلاة فعلا هو عبارة عن وجود الصلاة المقيدة بقيود وجودية كالاطمئنان، وقيود عدمية كعدم الصلاة في النجس، فأنا أعلم من الآن بوجوب فعلي للصلاة، وأن تلك الصلاة الواجبة علي هي الصلاة المقيدة بالفعل بالاطمئنان والمقيدة بالفعل بعدم الصلاة في الثوب النجس. فكل ذلك علم بتكليف فعلي، إذن بما أنني أعلم بحرمة إيقاع الصلاة فعلاً في الثوب النجس، إذن فحرمة الصلاة في الثوب النجس متنجزة من الآن، وبما انه متنجزة من الآن فأقول: إذا علم اجمالا بنجاسة الابيض أو الأزرق إذن فأنا أعلم اجمالا بحرمة فعلية، أي أعلم اجمالا بحرمة ايقاع الصلاة فعلا في الملاقي للأبيض أو حرمة شرب الأزرق فهناك علم اجمالي بتكليف فعلي، وطرفه إما حرمة الصلاة في الثوب الملاقي للأبيض ان كان الابيض نجساً، أو حرمة شرب الماء الأزرق ان كان هو النجس، وهذه الحرمة متنجزة قبل حصول الملاقاة، فقبل حصول ملاقاة الثوب للإناء الابيض أنا أعلم بعلم اجمالي بتكليف فعلي اما حرمة ايقاع الصلاة في الملاقي لهذا الماء الابيض أو حرمة شرب الإناء الازرق، وبالتالي فمن الآن وقبل الملاقاة تنجز العلم الاجمالي، فجريان أصالة الطهارة في الملاقي لهذا الإناء في ملاقي هذا الإناء معارضة بأصالة الطهارة في الطرف الآخر الا وهو الإناء الأزرق أو الماء الأزرق ومقتضى تعارضهما تنجز العلم الاجمالي، نعم، لابد ان نلتفت الى هذه ان أصالة الطهارة في الملاقي من الآن نجريها عن أي شيء؟ بعبارة أخرى: اجراء أصالة البراءة عن مانعية الملاقي للصلاة نجريها بلحاظ امر مسقبلي وان كان الاصل الجاري فعليا، لأن الملحوظ في أصالة الطهارة في الملاقي نجاسة الثوب على تقدير ملاقته حال الصلاة، والمفروض انه لا معنى له انه نجس حال الصلاة إذ لعل الثوب يكون طاهرا اثناء الصلاة، فليس المنفي بأصالة الطهارة النجاسة الآن، بل المنفي بأصالة الطهارة الآن النجاسة في ظرف الصلاة لا النجاسة الآن، وهذا نظير ما يذكر في بحث البيع انه قد تكون الملكية فعلية لكن المملوك مستقبليا وان كانت الملكية فعلية، فمن استأجر داراً ملك منافعها المستقبلية بملكية فعلية فهو من حين تمامية عقد الاجارة يقول: أنا املك ملكية فعلية لتمام منافع هذه الدار ومنها المنافع التي ستتحقق بعد شهرين، فالملكية فعلية والمملوك مستقبلي. فأصالة الطهارة الجارية الآن في الملاقي أو في الماء بلحاظ ملاقيه المنفي بها هو نجاسة الملاقي في ظرف الصلاة، وحينئذ إذا حصلت الملاقاة والمفروض انه حين حصول الملاقاة _ملاقاة الثوب للماء الابيض خرج الماء الأزرق عن محل الابتلاء_ فيقول: هذا غير ضائر بالمجزية إذ المنجزية كانت في رتبة سابقة، فبعد حصول الملاقاة وان كان الثوب بعد حصول الملاقاة قد فقد المعادل له لخروج الماء الأزرق لمحل الابتلاء، ولكن هذا لا يمنع من منجزية العلم الاجمالي _يعني من بقاء العلم الاجمالي_ هذا نظري ان نعلم اجمالاً بنجاسة الابيض أو الأزرق ثم يخرج الأزرق عن محل الابتلاء فإن خروجه عن محل الابتلاء لا يضر بخروجه عن الطرف الباقي، فحيث إن العلم الاجمالي تنجز في الملاقي قبل الملاقاة إذن لو حصلت الملاقاة وكان حين حصولها خرج الطرف الآخر عن محل الابتلاء هذا لا يوجب انقلابا ولا تغيرا فالعلم الاجمالي ما زال باقيا على المنجزية.

ونظير هذا المثال يقول «قده»: لو كان لدينا درهمان، وعلمنا اجمالا بنجاسة احدهما، ومن الواضح ان الدرهم ليس له اثر فعلي في النجاسة، أي لا يترتب على نجاسته اثر فعلي. إذن هل العلم الاجمالي منجز بلحاظ الدرهمين؟

يقول: وان لم يكن العلم الاجمالي منجزا بلحاظ الدرهمين لكنه منجز لحاظ الدرهمين فاقول قبل الملاقاة: أعلم اجمالا بنجاسة احد الدرهمين فأنا أعلم إجمالا إما بحرمة ايقاع الصلاة في الثوب الملاقي للدرهم الاول أو حرمة ايقاع الصلاة في الثوب الملاقي للدرهم الثاني. أو أعلم اجمالا اما بحرمة الوضوء بالماء الملاقي للدرهم الاول أو بحرمة الوضوء الملاقي للدرهم الثاني، فأصالة الطهارة في الدرهم الاول لا تجري فيه بلحاظ درهميته، وإنما تجري فيه بلحاظ ملاقيه، لذلك أصالة الطهارة في الدرهم الاول معارضة لأصالة الطهارة في الدرهم الثاني. كل بحسب ملاقيه، فلو حصل بعد ذلك الملاقاة وحين حصول الملاقاة الدرهمان فقدا، هذا لا يؤثر على المطلب شيء، لأن العلم الاجمالي قد تنجز في الملاقي قبل حصول الملاقاة.

لذلك ذهب السيد الشهيد «قده» الى انه بناء على الفرق بين الحرمة التكليفية والحرمة الوضعية يمكن التفصيل في الآثار فنقول: إذا حصل لدينا علم اجمالي بنجاسة احد الدرهمين فنحن نقول: هناك علم اجمالي منجز في الماء الملاقي لأحدهما بلحاظ حرمة الوضوء وان لم يكن منجزا بلحاظ حرمة الشرب، لاننا اخترنا التفصيل «السيد الصدر اختار التفصيل» بين الحرمة التكليفية والحرمة الوضعية، حيث قال: بأن الحرمة الوضعية فعلية بفعلية موضوعها بخلاف الحرمة التكليفية فليست فعلية قبل فعلية موضوعها. فلأجل ذلك يقول السيد الشهيد: إذا علم اجمالا بأحد الدرهمين، فأنا أعلم بحرمة الوضوء اجمالاً إما بالماء الملاقي للدرهم الاول أو الماء الملاقي للدرهم الثاني وإن كنت ليس لدي علم اجمالي منجز بحرمة الشرب ما الماء الملاقي للدرهم الاول أو الماء الملاقي للدرهم الثاني، إذ قبل الملاقاة لا فعلية لحرمة الشرب، فالعلم بها ليس علما اجماليا بتكليف فعلي، نعم، على مبنى سيدنا الخوئي «قده» نقول: نعم العلم الاجمالي بنجاسة احد الدرهمين علم اجمالي منجز بلحاظ جميع الآثار التكليفية والوضعية.

وبهذا البيان يتبين اندفاع ما اشكل به تلميذه في أضواء وآراء على كلامه. حيث انه ذكر: ان ظاهر قوله ع: «كل شيء لك نظيف حتى تعلم انه قذر» أن موضوع أصالة الطهارة الشيء، والشيء ظاهر فيما هو موجود في الفعل، فمجرى أصالة الطهارة ما هو موجود بالفعل، وبالتالي فلا معنى لإجراء أصالة الطهارة في الثوب الملاقي قبل الملاقاة لانه ليس شيئا بالفعل كي يكون مجرى لأصالة الطهارة. إذن فاذا علمنا اجمالا بنجاسة احد الدرهمين لا معنى لأن يقال أصالة الطهارة في الملاقي للدرهم الاول معارضة لاصالة الطهارة في الملاقي للدرهم الثاني، وسر المعارضة ارتكاز المناقضة لدى العقلاء بين الغرض الترخيصي والغرض الإلزامي المعلوم بالاجمالي، لا يقال ذلك، إذ لا تجري أصالة الطهارة في الملاقي قبل الملاقاة، فاذا لا تجري فيه قبل الملاقاة فبالنسبة الى الدرهمين لا يوجد اثر فعلي يترتب على نجاسة الدرهمين، وبالنسبة للملاقي لم يوجد الملاقي حتى يكون مجرى لاصالة الطهارة ويتحقق ارتكاز المناقضة. لذلك بعد حصول ملاقاة الماء للدرهم الاول، لنفترض ان الدرهم الثاني خرج عن محل الابتلاء أو فقد، تجري أصالة الطهارة في الملاقي للدرهم الاول بلا معارض، لأن الطرف الآخر لا يوجد فيه اصل الطهارة، لا حين وجوده، لعدم اثر فعلي ولا بعد تلفه لعدم اثر فعلي، إذن بالنتيجة: تجري أصالة الطهارة في ملاقي الدرهم الاول بلا معارض.

الجواب عن ذلك:

أولا: لو سلمنا بظهور قوله «كل شيء لك نظيف حتى تعلم انه قذر» في الشيء الموجود بالفعل، لأجريناها في الدرهم لا في الملاقي، فإن الدرهم موجود بالفعل، فاذا علمنا اجمالا بنجاسة احد الدرهمين قلنا: الدرهم الاول مجرى لاصالة الطهارة بلحاظ ملاقيه، فالمجرى هو الدرهم الموجود، وليس المجرى هو ملاقيه، وإنما جرت أصالة الطهارة في الدرهم الموجود لأن في جريانها اثرا فعليا وهو طهارة ملاقيه، إذن بالنتيجة موضوع أصالة الطهارة متحقق بالفعل، تجري أصالة الطهارة بالدرهم الاول بلحاظ ملاقيه، وتجري أصالة الطهارة في الدرهم الثاني بلحاظ ملاقيه، ونتيجة جريان أصالة الطهارة فيهما معا يحصل ارتكاز المناقضة لدى العقلاء وبالنتيجة سوف يتنجز العلم الاجمالي بحرمة الوضوء بالملاقي للاول أو الملاقي للثاني قبل الملاقاة. ولو اغمضنا النظر عن ذلك، تصل النوبة الى البراءة، «رفع عن امتي ما لا يعلمون» فنقول بلحاظ دليل البراءة: نشك في أن الملاقي للدرهم الاول ان كان ثوبا هل هو مانع من صحة الصلاة أم لا؟

فنقول: تجري البراءة عن مانعية الثوب الملاقي للدرهم الأول _عن مانعيته من الصلاة_ وتتعارض مع البراءة في الثوب الملاقي للدرهم الثاني، وبلحاظ جريان البراءتين يكون العلم الاجمالي منجزا، لارتكاز المناقضة عقلائيا بين الغرض الترخيصي وبين الغرض الإلزامي المعلوم.

إذن بالنتيجة: ما افاده السيد الشهيد «قده» تام، ومقتضاه منجزية العلم الاجمالي في ملاقي احد اطراف الشبهة المحصورة. إلّا أن نقول: هناك نكتة لابد من بحثها. وبهذه النكتة يعلم كثير من الأمثلة الفقهية، وهي:

ان فعلية الحرمة بلحاظ الطبيعي قبل فعلية موضوعها هل تعني انحلال الحرمة ايضا، أي كما ان الحرمة فعلية قبل فعلية الموضوع هل هي منحل انحلالا فعليا قبل وجود افراد موضوعها؟

مثلا: إذا قال المولى: يحرم الكذب، لا إشكال ان حرمة الكذب فعلية قبل وجود الكذب، لا تتوق فعلية حرمة الكذب على وجود الكذب، بل ما دام يوجد مكلف يحرم عليه الكذب، فحينئذٍ حرمة الكذب فعلية بفعلية المكلف، لا أن فعليتها تتوقف على فعلية الكذب، إذ لا معنى لأن تكون الحرمة فعلية الا بعد وجود الكذب، هذا خلف كون الغرض من الحرمة الزجر عن ارتكاب الكذب. إذن بالنتيجة: الملاحظ في مسألة الكذب أننا نرى أن الحرمة فعلية قبل فعلية الموضوع ومنحلة قبل وجوده، أي قبل وجود الكذب نقول: كل ما لو وجد لكان كذبا فهو حرام بالفعل. هذا مما لا كلام فيه. كل ما لو وجد كان كذبا لكان حراماً بالفعل من الآن. إذن كما ان الحرمة فعلية قبل فعلية الموضوع انحلالها ايضا فعلي قبل فعلية افرادها، فهل هذا الامر يجري في جميع انواع الحرمة التكليفية والوضعية؟

مثلا: إذا قلنا بأن الدم نجس، فهل نجاسة الدم فعلية قبل فعلية وجود الدم ومنحلّة الى نجاسات عديدة بعدد افراد الدم قبل وجود هذه الافراد؟

واذا قلنا بحرمة الصلاة في الثوب النجس وانها حرمة فعلية قبل فعلية وجود الثوب النجس، فهل هي منحلة لكل ثوب ثوب حتى قبل وجوده، بمعنى أن هذا الثوب يتصف بحرمة ايقاع الصلاة فيه قبل نجاسته، نقول: هذا الثوب يحرم ايقاع الصلاة فيه قبل نجاسته؟ هل هذا كلام تام؟ إذن لا بد من التدقيق فيه هذه المطالب. التي نتكلم عنها يوم السبت ان شاء الله.

والحمد لله رب العالمين.

الدرس 69
الدرس 71