نص الشريط
الدرس 73
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 28/4/1437 هـ
تعريف: انحلال العلم الإجمالي
مرات العرض: 1824
المدة: 00:30:26
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (261) حجم الملف: 13.9 MB
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

المتحصّل من كلام السيد الشهيد «قده»: أنه إذا علم المكلف اجمالاً بنجاسة أحد الدرهمين مثلاً، فحينئذٍ لو لاقى أحد الدرهمين ماء فإنه بعد الملاقاة سيحصل علم اجمالي إما بنجاسة الماء الملاقي للدرهم الأول أو نجاسة الدرهم الثاني. وهذا العلم الاجمالي الحاصل بعد الملاقاة سبق البحث عنه مفصّلاً.

وإنما الكلام عند السيد الشهيد فيما قبل الملاقاة، أي إذا علم اجمالا بنجاسة أحد الدرهمين فهناك علم اجمالي بلحاظ الحرمة الوضعية، وهو انه: نعلم اجمالا إما بحرمة الصلاة في الثوب الملاقي للدرهم الأول على فرض ملاقاة، أو الثوب الملاقي للدرهم الثاني على فرض الملاقاة، فهل هذا العلم الاجمالي منجز قبل حصول الملاقاة أم لا؟

فذكر «قده» ان هذا العلم الاجمالي بناء على مسلك العلية منجز لأنه لا يتوقف على تعارض الاصول، ولكن بناء على مسلك الاقتضاء: من ان منجزية العلم الاجمالي فرع تعارض الأصول فهل تتعارض أصالة الطهارة في الدرهم الثاني مع أصالة الطهارة في الملاقي أو الدرهم الأول بلحاظ ملاقيه قبل الملاقاة أم لا؟

ونظير المقام ما إذا كان لدى المكلف كرّان: ثم علم بنقص احدهما عن الكرّية، وقد لاقت النجاسة الكر الأول الف، فقد ذكر «قده» في شرحه على العروة: انه على المباني المشهورة لا يكون العلم الاجمالي منجزا، بلحاظ ان استصحاب الكرية يجري في الكرّ «أ» لإثبات عدم انفعاله بملاقاة النجس ولا يعارضه استصحاب الكرّية في الكرّ «ب» إذ لا يوجد له أثر عملي. لكن على مبناه هو يتصور التعارض بلحاظ ان استصحاب الكرية في «أ» لإثبات عدم انفعاله بملاقاة النجس، معارض باستصحاب الكرية في «ب» لإثبات عدم مانعية نجس فيه من الوضوء به، وهذه الحرمة الوضعية متنجزة وان لم يحصل نجاسة في الخارج، فنقول: بالنسبة للكر «أ» الذي لاقته النجاسة لا ندري انه انفعل بملاقاة النجاسة أم لا؟ نستصحب عدم الكرية لاثبات عدم انفعاله. وبالنسبة للكرّ «ب» ليس له اثر فعلي، ولكن على فرض وقوع النجاسة فيه يترتب على وقوع النجاسة فيه وعدم كونه كرا حرمة الوضوء به، فنحن من الآن نستصحب كريته لأجل نفي مانعية الوضوء به على تقدير وقوع النجاسة فيه، فعلى مبنى السيد من أن الحرمة الوضعية تكون فعلية قبل فعلية موضوعها يقال في المقام: بتنجز العلم الاجمالي، فإن استصحاب الكرية في «أ» يترتب عليه اثر وهو عدم انفعاله، واستصحاب الكرية في «ب» يترتب عليه اثر وهو عدم مانعية الوضوء به لو وقعت النجاسة فيه.

وذكرنا سابقا: أن ما افاده «قده» محل تأمل.

أولاً: بأن هناك فرقا بين صدق التقيد العدمي وبين فعلية الحرمة الوضعية لفعلية موضوعها، فبما ان الدليل الدال على تبعية كل حكم لموضوعه سواء الوجوب أو الحرمة وسواء كانت الحرمة تكليفية أو وضعية، اذن فمقتضى ذلك تبعية فعلية الحكم لفعلية موضوعه، فلا يتصور انحلال للحرمة الوضعية قبل انحلال افرادها «افراد موضوعها» فكما ان نجاسة الدم لا فعلية لها قبل فعلية دم خارجاً ولا انحلال لها قبل تعدد افراد الدم خارجاً، كذلك مانعية نجاسة الدم في الصلاة لا فعلية لها قبل فعلية دم، ولا انحلالية لها قبل تعدد افراد الدم خارجاً.

ويؤيد ذلك ما ذكره في «ج5، ص144» عند حديثه عن جريان البراءة في الشبهة الموضوعية للمحرم كالواجب: فقد افاد: بانه لا يتنجز الحكم الا بعد وصوله كبرى وصغرى، فمع الشك في الانطباق «الشك في الانحلال» تجري البراءة، مثلا إذا شككنا ان هذا المائع خمر أم لا؟ اجرينا البراءة عن حرمة شربه وعن مانعية بيعه وعن مانعية الصلاة في ملاقيه إن كان ثوباً ومانعية الوضوء بملاقيه إن كان ماءً، فتجري البراءة بجميع هذه الآثار، إذ الشك في الخمرية شك في انطباق وفعلية الموضوع _الا وهو موضوع الحرمة_ على هذا المائع الخارجي، بل عمم ذلك حتى في المتعلق فضلاً عن الموضوع. فقال حتى إذا شككنا في المتعلق صغرى تجري البراءة.

مثلا: إذا شككنا في صوت زيد هل هو غناء فيحرم علينا استماعه أم لا؟ مع ان نسبة الحرمة للغناء نسبة الحكم لمتعلقه لا موضوعه، مع ذلك قال: تجري البراءة، لأن مرجع حرمة الغناء إلى قضية شرطية وهي كل صوت لو وجد لاتصف بالغناء كان حراماً، ونحن نشك في اتصاف هذا الصوت العذب بالغناء أم لا؟ فنجري البراءة عن حرمة استماعه. فإذن بالنتيجة: جريان البراءة عند الشك في الانطباق إلى ان انطباق الحرمة تكليفية أو وضعية فرع فعلية موضوعها وأفرادها خارجاً ولذلك يكون الشك في الانحلال مجرى للبراءة.

ولذلك ناقشنا السيد الاستاذ «دام ظله» في الفرق بين مورد ملاقي أحد اطراف الشبهة المحصورة والخنثى إذا وطئه الذكر:

حيث قلنا: إذا وطئ هذا الذكر الخنثى فشك هذا الخنثى هل أنه خنثى فيجب عليه غسل الجنابة، أم أنه ذكر فلا يصح عقد النكاح بينه وبين هذا الذكر؟

فحينئذٍ أفاد السيد الاستاذ «دام ظله» بأنه يجب على الخنثى غسل الجنابة. فسألنا ما هو الملاك في ذلك؟؟

فأجيب: بانه لا يوجد في المقام علم اجمالي جديد بل المقام من صغريات العلم الاجمالي الأول حيث ان هذا الخنثى قبل ان يطئه الذكر أنه لديه علم اجمالي بأنه مخاطب بتكاليف الذكر أو تكاليف الخنثى، ومن جملة التكاليف المخاطب بها من أول الأمر أنه يجب عليه غسل الجنابة لو لاقاه الذكر من دون انزال منه، فإن هذا تكليف متنجز عليه من الأول فلم يحصل في المقام الا صورة تكليف ليس إلا.

فيقال: إذا كان المقام من صغريات العلم الاجمالي العام فكذلك في الملاقى والملاقي، فإن المكلف يعلم من الأول بنجاسة أحد هذين الإناءنين، فهو يعلم من الأول بنجاسة «أ» وجميع آثاره ومنها نجاسة ملاقيه، فاذا حصلت الملاقاة لم يحصل علم اجمالي جديد، بل هو صغرى ما كان أولاً، حيث علم اولا بنجاسة أحد الاناءين اذن هو يعلم بنجاسة احدهما وآثار هذه النجاسة وهي نجاسة الملاقي له ان كان هو النجس، كما يعلم هنا من الأول بوجوب غسل الجنابة عليه إن لاقاه الذكر وكان انثى.

إلّا أن تقولوا بمبنى السيد الشهيد: من ان الحرمة الوضعية فعلية قبل فعلية موضوعها، واذا قلتم بذلك ففي كلا المثالين، فكما أنه في مثال الخنثى تعلم بفعلية جميع الحرمات الوضعية عليها، ومنها تعلم اجمالا بانها يحرم عليها الصلاة من دون غسل مثلا، هذا من الاول. فكذلك في مثال الملاقاة كما قرّبنا فيه مبنى السيد الشهيد.

وإن قلتم: لا، نحن لا نقول بذلك، يوجد في الخنثى علم اجمالي جديد غير العلوم السابقة، أي قبل الملاقاة «ملاقاة الذكر لها» كانت تعلم بأنها إما مخاطبة بتكاليف الذكر أو تكاليف الأنثى على نحو عام، وبعد ملاقاة الذكر لها حصل علم اجمالي جديد، وليس صغرى للعلم الاول، وهذا العلم الاجمالي الجديد هو: أنها ان كانت انثى وجب عليها غسل الجنابة لأجل الملاقاة، حيث إن وجوب غسل الجنابة ليس فعلياً قبل فعلية الملاقاة، وإن كانت ذكراً فيحرم عليها حرمة وضعية النكاح مع هذا الذكر، أو يحرم عليها كشف عورته أمامه.

فحدث علم إجمالي جديد بأنها إن كانت انثى يجب عليها غسل الجنابة من ملاقاة هذا الذكر لها، وإن كانت ذكراً يحرم عليها عقد الزواج حرمة وضعية مع هذا الذكر، هذا علم إجمالي جديد، فهذا العلم الإجمالي الجديد أحد طرفيه متنجز قبل الملاقاة، فإنه قبل ملاقاة الذكر لها هي تعلم بأنها ان كانت اثنى فيحرم عليها كشف محاسنها امامه وإن كانت ذكراً فيحرم عليها عقد الزواج معه، هذا قبل الملاقاة، ويحرم عليها كشف العورة لها، هذا قبل الملاقاة، فأحد طرفي العلم الاجمالي متنجز قبل الملاقاة، كذلك في مثال ملاقاة أحد طرفي الشبهة، إذا علمنا بنجاسة أحد الاناءين ثم حصلت ملاقاة الثوب لإناء «أ»، فنقول: حصل علم اجمالي جديد لم يكن موجودا وهو اما نجاسة الملاقي أو نجاسة ذاك الطرف، ونجاسة ذاك الطرف متنجز بعلم اجمالي سابق. فلا نرى أي فرق بين المثالين والموردين إطلاقاً.

الملاحظة الثانية: هل يرى السيد الشهيد فعلية الحرمة الوضعية في جميع الموارد حتى لو لم يكن هناك تكليف بواجب متقيد بحرمة وضعية في حقه؟ مثلا: اذا كان لديه كران ثم علم اجمالا بنقص احدهما ولاقت النجاسة كر «أ» قطعا، بحيث سقطت ماليته، ولكنه يجري استصحاب الكرّية فيه لأجل اثبات طهارته ليتوضأ به ويشرب منه، وأمّا كرُّ «ب» فإنه على فرض وقوع النجاسة فيه لا يصح بيعه بناء على حرمة بيع المتنجس، فهناك حرمة وضعية ثابتة في «ب» على فرض وقوع النجاسة فيه، فهل يلتزم السيد «قده» بفعلية هذه الحرمة قبل فعلية موضوعها، فنقول: من الآن وقبل وقوع النجاسة في كرّ «ب» لا يصح بيعه، يعني متصفا بمانعيته من صحة بيعه على فرض وقوع النجاسة فيه، فنحن ننفي المانعية باستصحاب الكرية؟ لا يحتمل أنه يلتزم بذلك.

إذن بالنتيجة: دعوى أن الحرمة الوضعية فعلية قبل فعلية موضوعها ولأجل ذلك بنى على منجزية العلم الاجمالي في الملاقي قبل الملاقاة لو تصورت فإنما تتصور في فرض وجود حكم تكليفي كوجوب الصلاة بواجب مقيد بقيود عدمية، ومن تلك القيود العدمية الحرمة الوضعية. وأما إذا لم يكن هناك حكم تكليفي في حقه بمجرد أن لديه كرين، علم اجمالا بنقص احدهما ووقعت نجاسة في احدهما بحيث سقط عن المالية وان كان كرّاً فحينئذٍ بالنسبة إلى الثاني توجد حرمة وضعية يمكن نفيها باستصحاب الكرية.

الملاحظة الثالثة: يظهر من كلامه عندما تعرض لمناقشة مبنى الشيخ الأعظم الذي حل العلم الاجمالي الثاني بالأصل الطولي. هناك افاد: بأن والده «قد» السيد حيدر الصدر، أشكل على ذلك، وهو لم يعترض على مناقشته فكأنه ارتضى مناقشة والده. ومرجع مناقشة والده يؤول إلى حكم لا يقول به أحد.

فكذلك في هذا المورد فإن السيد «قده» فكَّك بين الحرمة التكليفية والحرمة الوضعية. فقال بأن الحرمة التكليفية لا تكون فعلية قبل فعلية موضوعها، أما الحرمة الوضعية تكون فعلية قبل فعلية موضوعها. وعلى هذا الاساس فنقول: إذا علم اجمالا بنجاسة أحد الدرهمين نقول قبل الملاقاة: الملاقي لأحد هذين الدرهمين لا تصح الصلاة فيه ان كان ثوبا ولا يصح الوضوء به ان كان ماء، هذه حرمة وضعية. لكن يجوز شربه، لأن الحرمة التكليفية لا تكون فعلية قبل فعلية موضوعها. فبلحاظ حرمة الوضوء به تجري أصالة الطهارة وتتعارض مع أصالة الطهارة في الطرف الآخر، لكن بلحاظ حلية شربه تجري أصالة الحل بلا معارض. فمثلا لو افترضنا انه لاقى الدرهم الأول ماء، ولاقى الدرهم الثاني ثوب، فبناء على هذا المبنى: أصالة الطهارة في ملاقي الدرهم الأول وهو الماء تتعارض مع أصالة الطهارة في الثوب الملاقي للدرهم الثاني ونتيجتهما تنجز الحرمة الوضعية وهي إما عدم صحة الوضوء بالماء الملاقي للدرهم الأول أو عدم صحة الصلاة في الثوب الملاقي للدرهم الثاني، ثم تجري أصالة الحل في الماء الملاقي للدرهم الأول من أجل جواز حلية شربه. هذا هو مبناه ومحل المناقشة فيه.

وذكر - كما نقل لنا بعض الفضلاء - عن تلميذه أن السيد الشهيد عدل عن هذا المبنى في شرح العروة ولم استفد أنا العدول، ففي «ج1، ص496» ظاهره: ان هذا هو مبناه لأنه قال على المبنى المشهور لا يتنجز بخلافه على مبناه، ولا يتم الا على هذا المبنى الذي ذكره في الاصول. وفي «ج2، ص234»، قال: ولنا تقريبات لمنجزية العلم الاجمالي لكن لا تثبت المنجزية على مبنى الاقتضاء الذي يبتني على تعارض الاصول، الا انه في حد علمي كلامه في الأصول متأخر عن بحثه في الفقه.

تم البحث عن ملاقي أحد اطراف الشبهة المحصورة. وعلى المسلك المختار: ليس العلم الإجمالي فيه منجزاً.

أما الاعلام كالسيد الخوئي والسيد الصدر فتعرضوا لفروع نحن نتعرض لهذا الفروع الفقهية في الأيام الآتية.

والحمد لله رب العالمين.

الدرس 72
الدرس 74