نص الشريط
الدرس 76
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 4/5/1437 هـ
تعريف: انحلال العلم الإجمالي
مرات العرض: 1818
المدة: 00:25:01
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (247) حجم الملف: 11.4 MB
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

ما زال الكلام في التنبيه الثاني: وهو ما إذا علم بغصبية احدى الشجرتين قبل العلم بإثمارهما، فهل يكون هذا العلم الاجمالي منجزاً من جهة التصرف في الثمرة تكليفا ووضعا ام لا؟

وذكرنا أن هناك صورتين: إذ تارة لا تكونان الشجرتان مسبوقتين بملك الغير. وتارة: تكونان مسبوقتين.

والصورة الاولى لها فرضان: إذ تارة لا يكون المكلف مستوليا على الشجرتين. واخرى يكون مستوليا عليهما.

فالكلام فعلاً في الفرض الثاني من الصورة الاولى: وهو ما إذا استولى المكلف على شجرتين يعلم اجمالا بغصبية احداهما. فلا اشكال حينئذٍ ان يده على احداهما يد عارية، واليد العارية حكما الضمان، كما هي حقيقة الضمان في مثل هذا المورد.

فهنا تعرض العلمان المحقق النائيني والسيد الشهيد «قدس سرهما» لبيان حقيقة الضمان في مثل هذا الفرض:

الوجه الاول: ما ذكره المحقق النائيني «قده» حيث افاد في «اجود التقريرات، ج2، ص256»: ان الثمرة وان لم توجد بل وان لم يعلم بوجودها مستقبلا بل كان وجودها محتملا مع ذلك يترتب عليها الحرمة التكليفية والوضعية، اي أن حرمة التصرف في الثمرة تكليفاً وحرمتها وضعها، بمعنى ضمانها كلا الحرمتين فعلية قبل فعلية وجود الثمرة، بل قبل العلم بوجودها ولو مستقبلاً، والوجه في ذلك:

اما بالنسبة للحرمة التكليفية، اي حرمة التصرف في الثمرة: فإن المرتكز العقلائي قائم على حرمة التصرف في مال الغير وشموله وتوابعه، بل لا يصدق التصرف في مال الغير الا بلحاظ التصرف في شؤونه ولوازمه، فلأجل ذلك إذا قيل يحرم عليك التصرف في الشاة مثلا فإن المرتكز العقلائي يفهم من ذلك حرمة التصرف في شعرها، في جلدها في لبنها، وان لم يكن موجودا بعد، فيقول المرتكز العقلائي مال الغير ومنها الشاة يحرم التصرف فيه ذاتاً وشؤوناً ومن شؤون الشاة لبنها، فيحرم عليك التصرف فيه من الآن وان لم يوجد اللبن الآن، وإن كنت تحتمل عدم وجوده، كذلك بالنسبة إلى الشجرة فإن حرمة التصرف في مال الغير ملاكها الغصب، وان المال ملك للغير ولم يأذن فيه، فبما ان ملاك حرمة التصرف في مال الغير كون التصرف غصبا لانه من دون إذن الغير هذا الملاك لا فرق بينه وبين ان يتصرف في الشاة او في شؤونها. لذلك مع استولى على عين حرم عليه التصرف فيها بالفعل ومعنى التصرف فيه فيها يعني التصرف في ذاتها وشؤونها فحرمةا لتصرف فعلية.

وأما بالنسبة الى الحرمة الوضعية، اي الضمان: فقد افاد المحقق النائيني ان هناك ارتكازا عقلائيا، محصّله: ان من استولى على عين عدوانا كان ضمانا لها، فالضمان فعلي بمجرد فعلية الاستيلاء وان لم يتلف الشيء بعد، فإن العرف يقول: بما انك استوليت عليه عدوانا فالاستيلاء موضوع لفعلية الضمان وان لم يتلف بعد او لم يتلف شؤونه وتوابعه، الا ان التلف ليس شرطا في الفعلية بل قيد مقوم للحقيقة، وهذا ما شرحناه في الدرس السابق، اي أن الضمان هو معنى شرطي لا أن التلف شرط في فعليته، فلا يقال: ان تلفت ضمنت، بحيث يكون التلف شرطا في فعلية الضمان، فلا فعلية للضمان قبل التلف، بل معنى الضمان ان تلفت اشتغلت ذمتك بقيمته. فالضمان معنى شرطي والتلف قيد مقوم لحقيقته لا انه شرط في فعليته، لذلك يقال: من استولى على عين كان ضامنا له بالفعل وان لم تتلف بعد لان الضمان هو معناه ذلك، معناه: اشتغال الذمة بالقيمة على فرض التلف.

لأجل ذلك يقول المحقق النائيني هذه الشجرة مضمونة ذاتا ومنفعة بمجرد الاستيلاء على العين، والشاهد على ذلك: إذا تعاقبت الايدي على العين صح للمالك ان يرجع الى اليد الأولى في ضمان المنافع المتجددة على يد الثاني. وهذا شاهد على ان الضمان ضمان للمنافع المقدرة وان لم تكن فعلية.

الوجه الثاني: ما ذكره السيد الشهيد «قده» في «مباحث الاصول، ج4، ص294» ولم يذكر هذا الوجه في بحوث في علم الاصول.

ومحصله يبتني على مقدمتين:

المقدمة الاولى: ان الارتكاز العقلائي في باب الضمان قائم على الموضوع وعلى الحكم. بيان ذلك: الارتكاز العقلائي يقول: من ملك الاصل ملك النماء ولا يمكن ان يملك النماء الا بعد ملكية الاصل، وهذا الارتكاز ارتكاز كبروي، اي انه ارتكاز على الحكم وهو الملكية، من ملك الاصل ملك النماء هذا ارتكاز عقلائي على الحكم. إنما الكلام في الموضوع، وهو: انما يتصور ملكية النماء بعد وجوده حتى يقال: من ملك الاصل الموجود ملك نمائه الموجود لا قبل وجوده، فمن حيث الكبرى الارتكاز العقلائي لا يقرر شيئا لانه يحتاج الى الصغرى، غاية ما يقول: من ملك الاصل ملك النماء، اما ملكية النماء فهي فرع وجوده اما متى وجوده؟ هذا يحتاج الى ارتكاز آخر قائم على الصغرى قائم على الموضوع.

وهناك ارتكاز قائم على الصغرى وهو: يكفي في ملكية النماء وجوده التقديري الشأني ولا حاجة الى وجوده الفعلي، فمتى ما كان للثمرة وجود عنائي تقديري وهو وجود الثمرة بوجود الشجرة كان هذا النماء مملوكاً، فيصح للمالك ان يقول من أول الامر: ملك الشجرة فملكت نمائها بالفعل، فإن قيل: كيف ملكت نمائها والحال بأن نمائها ليس موجوداً؟ قال: هو موجود تقديراً وشأناً، فالوجود الشأني التقديري للنماء هذا الوجود الشأني مصحح للآثار العقلائية لكل مملوك، فإنه إذا اتصف بالملكية مع أنه لم يوجد بالفعل بل موجود شأناً اتصب بآثار الملكية أيضاً، ومنها صحة البيع، ومنها الضمان على فرض التلف. فيقال: بما ان النماء مملوك فعلا لأنه موجود تقديراً إذن هذا الوجود التقديري كما صحح ملكيته صحح بيعه فيصح لمالك الشجر ان يبيع الثمر بلحاظ الوجود الشأني وإن لم يوجد بعد بالفعل، فمن استولى على الشجرة ضمنها وضمن منافعها الموجودة شأناً.

إذن بما أن الارتكاز العقلائي قائم على الكبرى «من ملك الاصل ملك النماء» وقائم على الصغرى «ان الوجود التقديري محقق لموضوع الملكية» إذن يترتب آثار الملكية على الوجود التقديري.

المقدمة الثانية: انه بعد فرض تصور الضمان «ضمان النماء بلحاظ وجوده التقديري» فما هي كيفية الضمان؟ هل هو ضمان مستقل او ضمان تابع؟

قال: الضمان المتصور في المقام، ضمان تابع، بيان ذلك:

صحيح ان الوجود التقديري للنماء صحح ملكيته فصحح بيعه فصحح ضمانه، الا انه ليس للنماء مالية زائدة وراء مالية الشجرة، اي لا يرى العقلاء مالين مستلقين شجرة ونماء، بل يرون مالية النماء مندّكة بمالية الشجرة، بمعنى ان الوجود التقديري للنماء اوجب زيادة مالية الشجرة، لا ان له مالية مستقلة بإزاء مالية الشجرة. والشاهد على ذلك: انه لو باع الشجرة مسلوبة النماء لكان سعرها وقيمتها أقل من شجرة واجدة للنماء ولو تقديراً مما يكشف عن ان الوجود التقديري للنماء اوجب زيادة مالية الشجرة لا ان له مالية مستقلة، وهذا يعني: ان ضمانه وهو عبارة عن ضمان ماليته مندك في ضمان نفس الشجرة، لا ان له ضماناً مستقلاً.

فبما ان المستفاد في المقدمة الأولى بمقتضى الارتكاز العقلائي ان الوجود التقديري للنماء كاف في ترتب آثار الملكية، والمستفاد من هذه المقدمة الثانية ان هذه المالية التي اتصف بها النماء بلحاظ وجوده التقديري إنما هي مالية مندكة في مالية الشجرة، إذن من استولى على الشجرة ضمن نمائها ضمن نمائه لذات الشجرة، غايته انه ضمان تبعي اندكاكي لا انه غير مضمون.

فبهذا الوجه صوّر ثبوت الضمان في المقام قبل وجود الثمرة بل قبل العلم بوجودها. وهنا مناقشتان لكلام العلمين:

المناقشة الاولى: لسيدنا الخوئي «قده» كما في «مصباح الاصول، والدراسات» أيضاً:

نسلم الكبرى انما الكلام في الصغرى، والوجه في ذلك: اننا نسلم معكم ان من وضع اليد على العين فقد ضمنها. فالضمان فعلي، من استولى على عين ضمنها ذاتاً ومنفعةً. ككبرى نحن نسلّم مع النائيني قام الارتكاز العقلائي على هذه الكبرى.

إنّما الكلام في الصغرى، اي: إذا علمت اجمالا ان احدى الشجرتين غصب، فضماني بالفعل للمنفعة «للثمرة» فرع كون الثمرة ثمرة لشجرة مغصوبة، فلابد ان نحرز ذلك، مجرد انني اعلم ان احدى الشجرتين غصب، لا يعني انني اعلم لو وجدت ثمرة لإحداهما لكانت ثمرة لشجرة مغصوبة، فالصغرى اول الكلام. نعم، من استولى على عين ضمن ثمرتها، لانها ثمرة لعين مغصوبة، لكن الكلام في الصغرى، بمجرد ان العلم الاجمالي بأن احدى الشجرتين مغصوبة لا يعني العلم بأنه لو وجدت ثمرة لإحداهما لكانت ثمرة لشجرة مغصوبة فتكون مضمونة من الآن. فإحراز الكبرى شيء وإحراز الصغرى شيء آخر، وتنجز الضمان بالعلم الاجمالي فرع احراز الصورة ولم تحرز الصورة، فلأجل ذلك يجري الاصل الموضوعي، فإن لم، يجري الاصل الحكمي.

اما الاصل الموضوعي، فعلى فرض انه حصلت الثمرة، وأشك انها ثمرة لشجرة مغصوبة ام لا؟ استصحب عدم كونها ثمرة لشجرة مغصوبة. انتفى موضوع الضمان.

وعلى فرض ان الاصل الموضوعي لا يجري تصل النوبة للأصل الحكمي، البراءة عن الضمان، لأنني اشك في اشتغال الذمة بقيمة هذه الثمرة فأجري البراءة عن اشتغالها.

هذا بالنسبة للحرمة الوضعية، وهي: الضمان.

واما بالنسبة الى الحرمة التكليفية وهي حرمة التصرف فأصلا غير معقولة لا الكبرى ولا الصغرى، إنما نسلم معكم بفعلية الكبرى في الحرمة الوضعية، وإن لم نحرز الصغرى.

اما في الحرمة التكليفية فقد افاد في «الدراسات» لا في «المصباح»، فانها غير معقولة قبل فعلية الموضوع، والسر في ذلك: أن الملاك قبل حرمة الغصب لا يعقل وجوده قبل وجود المغصوب، فعندما يقول الشارع: يحرم عليك التصرف في المغصوب، إذا قال الشارع ذلك: فإنما كانت الحرمة فعلية لفعلية الملاك، إذ لا حرمة من دون ملاك، فلولا وجود ملاك في الغصب كالمفسدة مثلاً لما حرم الشارع الغصب، وبما ان الملاك لا يعقل وجوده قبل وجود المغصوب نفسه فلا يعقل إذن فعلية الحرمة، ففعلية حرمة الغصب لملاك في الغصب، وبما ان الملاك لا يعقل وجوده قبل وجود الموضوع وهو الغصب، إذن لا يعقل فعلية الحرمة قبل فعلية الغصب. فقبل وجود الثمرة أصلاً لا يعقل فعلية حرمة التصرف فيها تكليفاً من باب حرمة الغصب.

فما ذكره المحقق النائيني «قده» من أن هناك تنجزاً «قبل لا توجد الثمرة بل قبل العلم بها» تكليفاً ووضعاً ممنوع. فافهم واغتنم.

والحمد لله رب العالمين.

الدرس 75
الدرس 77