نص الشريط
الدرس 78
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 6/5/1437 هـ
تعريف: انحلال العلم الإجمالي
مرات العرض: 1842
المدة: 00:25:43
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (275) حجم الملف: 11.7 MB
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

الصورة الثانية: ما إذا كانت العينان مسبوقتين بملك الغير، كما إذا افترضنا انه وضع يده على شجرتين مسبوقتين بملك الغير، فحينئذٍ مقتضى استصحاب ملك الغير في كل منهما: حرمة التصرف في كل منهما ذاتاً ومنفعة، سواء كانت المنفعة فعلية أم مقدرة، وسواء كانت الحرمة تكليفية كوجوب الاجتناب أو وضعية كالضمان، فإن جميع هذه الآثار تتنجز بوضع اليد على العين، وهذا المنجز وهو الاستصحاب حيث إنه منجز تفصيليٌ فعلى مبنى المحقق العراقي والاصفهاني «قده» من ان المتنجز لا يتنجز يكون هذا المنجز التفصيلي رافعا لمنجزية العلم الاجمالي بكون احدى الشجرتين ملكا للغير وموجبا لانحلاله، وعلى مبنى المحقق النائيني «قده»: من أن المنجز العقلي مورود للمنجز الشرعي وان كانا متوافقين، أي ان المنجز الشرعي وارد على المنجز العقلي رافع لموضوعه، فمقتضى هذا المبنى انتفاء منجزية العلم الاجمالي بانتفاء موضوعها.

هذا ما يتعلق بالمقام الاول وهو الكلام في حكم المنافع المنفصلة.

المقام الثاني: ما يتعلق بحكم المنافع المتصلة، كما إذا علم بغصبية احدى الدارين، فهما هو حكم السكنى في احدهما أو علم اجمالاً بغصبية احدى الشجرتين فما هو حكم الاستضلال باحدهما.

فالكلام فعلا عن المنافع المفنصلة، وبحسب تقرير السيد الشهيد «قده» في «مباحث الاصول»: بان البحث هنا في جهتين:

الجهة الاولى: في حكم نفس الشجرتين. الجهة الثانية: في حكم منافعهما المتصلة.

فأما بالنسبة الى الشجرتين اللتين يعلم المكلف بغصبية احداهما أو الدارين اللتين يعلم المكلف بغصبية احداهما. فاذا نظرنا لكلمات الاعلام نجدهم أنهم ساوروا في المنجزية بين الحكم التكليفي والوضعي، فقالوا: من وضع يده على شجرتين يعلم بغصبية احداهما تنجز عليه بنفس وضع اليد حرمة التصرف «وهوا لحكم التكليفي» والضمان، بمعنى انه لو تلفت احداهما كان ضامنا لها منذ استيلاءه على العين لا من حين تلف الشجرة، بل من حين استيلاءه على العين. ولذلك نبحث هل ان المدار على قيمة يوم التلف أو ان المدار على قيمة يوم الاستيلاء؟ أو ان المدار على قيمة يوم الأداء؟ أم أن المدار على أعلى القيم؟ فالضمان حاصل منذ حين الاستيلاء، فالاستيلاء على العين منجز للحرمة التكليفية والحرمة الوضعية الا وهي الضمان. وهذا ما اثار بحثاً لدى السيد الشهيد بحسب نقل المقرر في مباحث الاصول. كما نقله نفس المقرر في كتابه «فقه العقود» عن السيد الشهيد في بحثه حول مقدمات فقهة المعاملات، حيث بحث في مقدمات فقه المعاملات: عن الفرق بين الملكية والحق والفرق بين الحق والحكم، والفرق بين الحكم التكليفي والوضعي وما اشبه ذلك من المقدمات. فهناك مقدمة بحثها السيد الشهيد في مقدمات فقه المعاملات ونقلها عنه تلميذاه أحدهما في «فقه العقود» والآخر في «كتاب الاجارة والمضاربة»، وهي: ان الاعلام خلطوا بين وعائيين اعتباريين، وهما وعاء الوحدة ووعاء الذمة. وبيان ذلك: ان العقلاء اخترعوا وعائين كلاً لغرض، وهما وعاء العهدة ووعاء الذمة.

اما وعاء العهدة، فهو عبارة عن وعاء لحكم تكليفي، ومفاده: ان من وضع يدا على عين الغير أو علم بأن العين التي أمامه للغير فهي في عهدته ومسؤوليته بمعنى انه يجب عليه ردها، فان لم يمكن ردها لمالكا يجب عليه حفظها، فوجوب الرد والحفظ ثابتان في عهدته أي في مسؤوليته، فالعهدة وعاء اعتباري اخترع لغرض وهذا الغرض هو حفظ مال الغير وحرمة مال الغير. فإن مقتضى حرمة مال الغير ان لا يذهب هدرا ومقتضى ذلك ان يرد أو يحفظ، فلأجل تحقيق هذا الغرض اخترع وعاء العهدة، وهناك وعاء آخر وهو وعاء الذمة وهذا الوعاء انما اخترع بحس التعبير المنقول عن السيد الشهيد: لتحقيق التعامل على الاموال التي لا وجود لها خارجاً، فاذا افترضنا ان المال ليس له وجود خارجي فكيف نتعامل عليه بالنقل بالإرث، بالمصالحة. كيف نتعامل على مال لا وجود له في الخارج؟

فلابد أن نخترع وعاء يثبت فيه المال حيث لا وجود له خارجا لتتم المعاملة عليه بلحاظ هذا الوعاء الاعتباري. فاخترع وعاء الذمة، فالذمة وعاء للاموال التي لا وجود لها خارجا، وانما اخترع بغرض التعامل مع هذه الاموال وان لم يكن لها وجود خارجي. لذلك الذمة وعاء للكليات ولا تكون وعاء للجزئيات، بخلاف العهدة، فالعهدة يتصور كونها وعاء للجزئي الخارجي، فيقال: هذا الجزئي الخارجي كالدار أو السيارة هو في عهدتك ترده أو تحفظه، اما الذمة فليست وعاء للخارج وانما وعاء للمال الكلي بلحاظ ان الغرض من اختراع هذا الوعاء هو التعامل على هذه الاموال التي لا وجود لها خارجا، لذلك يقال: المال الذي ليس له تشخص هو في الذمة فيقع التعامل عليه بلحاظ وعاء الذمة.

وقد تنتزع الذمة من العهدة وقد تنتزع العهدة من الذمة.

اما انتزاع العهدة من الذمة فواضح: فان من كان في ذمته مال لشخص كما إذا كان مدينا بمال لشخص ترتب على هذه الذمة عهدة وهو أنه يجب عليه اداء الدين فالعهدة ناشئة عن الذمة.

وقد تنشأ الذمة عن العهدة وان لم يمثل له المقرر، وذلك بموارد الخمس مثلا، فاذا وقع بين الامامي وبين العامي معاملة على ما فيه الخمس، كما إذا باع الامامي مالا متعلقا للخمس للعامي، فقد ذكر المتأخرون:

بأنه إن كان البيع بثمن شخصي فمقتضى الامضاء انتقال الخمس من المعوض للعوض، وان كان البيع بثمن كلي كما إذا باع السيارة المتعلقة بالخمس بألف دولار كلية يعني في ذمة المشتري. فهنا مقتضى امضاء الشارع لهذه المعاملة بحسب ما يستفاد من روايات التحليل: ان الخمس ينتقل الى الذمة، بمعنى انه ابتداء يحرم عليه ان يتصرف في المال المتعلق للخمس، هذه عهدة يحرم عليه ان يتصرف في ذلك، فاذا تصرف بالبيع بثمن كل عدّ ذلك اتلافا موجبا لانتقال الخمسة الى الذمة، فنشأت الذمة عن العهدة.

وبين الوعاءين «الذمة والعهدة» عموم من وجه، إذ قد تثبت العهدة بلا ذمة، وقد تثبت الذمة بلا عهدة، وقد يجتمعان.

اما ثبوت العهدة بلا ذمة فمثلوا له بعقد الضمان وعقد الكفالة والمساقاة والمزارعة، مثلاً: عقد الضمان، هناك عقد عقلائي صرح به السيد الخوئي «قده» في «بحث المضاربة» غير ما هو المتعارف لدى العامة من ان الضمان عبارة عن نقل الدين من ذمة الى ذمة أو من ضم ذمة الى ذمة. فعندما يقول شخص لشخص، اقرض فلانا الف دولار «وانا ضامن»، فتارة يكون المقصود بقوله: «وانا ضامن»، نقل الدين من ذمة الى ذمة، يعني الدين يثبت في ذمتي بعد ان ثبت في ذمته. أو ضم ذمة الى ذمة، بمعنى ان الدين الذي لك في ذمتين. هذا ما ذهب اليه العامة، ولكن السيد الخوئي يقول: «انا ضامن» عند العقلاء ليس معناها ذمة، معناها عهدة، أنا ضامن معناه: ان ادى المدين في وقته والا فأنا اضمن الاداء ان ينتقل الدين الى ذمتي، فهناك عهدة بلا ذمة، أو كما في عقد الكفالة كما إذا تكفل شخص بشخص، قال: اقرض فلان وأنا اتكفل بإحضاره لا باداء دينه اتكلف باحضاره عند الطلب، هذا يسمى عقد الكفالة. هذه عهدة بلا ذمة.

او كما في المساقاة والمزارعة بناء على ان المزارعة بناء على ان المزارعة ليست من سنخ الاجارة، فاذا قال: زارعتك ارضي على أن يكون لك النصف من نمائها، فهل المزارعة تملك الى تمليك منفعة أو تمليك علم، يعني هل ان العامل يملك جزءا من منفعة الارض أو أن المالك يملك عمل العامل؟ هذا خلاف في بحث المزارعة، وسيدنا الخوئي «قده» ذهب الى ان لا العامل يملك منفعة من الارض ولا مالك الارض يملك عمل العالم، فلا يوجد تمليك وملكية لأحدهما على الآخر وإنما تعهد من كل من منهما بشيء تجاه الآخر، فالعامل يتعهد بالعمل وصاحب الارض يتعهد بالارض، فهما عهدتان من دون ذمة، نعم إذا حصل نماء كانا شريكين بالنماء كل بحسب نسبته. فهذه الموارد عهدة بلا ذمة.

وهناك ذمة بلا عهدة، ويمكن التمثيل بذلك: بالدين قبل حلول الاجل أو مع عدم مطالبة الدائن. فان الدائن إذا لم يطالب المدين بالأداء فهناك ذمة وهو اشتغالها بالدين من دون عهده.

او كما في باب البيع كما مثل به المقرر حيث انه في باب المعاوضات يوجد ارتكاز عقلائي ان التسليم بإزاء التسلم، أي لا يجب على المشتري تسليم العوض ما لم يسلمه البائع المعوض، فهناك ارتكاز عقلائي على ان وجوب التسليم هو عند التسلم، فاذا افترضنا ان البائع لم يسلم المبيع فلا عهدة على المشتري بأن يسلم الثمن، لكن ذمته مشغولة به ما دام البيع صحيحا تامّاً.

ويجتمعان فيما إذا اتلف مال الغير. فأنه إذا اتلف مال الغير كانت هناك ذمة وكانت هناك عهدة، أي يجب اداء قيمة ما اتلف لمالكه.

وبعد هذه المقدمة قد يقال في المقام: ان الاعلام الذين قالوا بأن من وضع يده على العين تنجز في حقه الحرمة التكليفية وهو حرمة التصرف ووجوب الرد، والحرمة الوضعية وهو الضمان.

فماذا يقصدون بالضمان؟ هل يقصدون بالضمان العهدة؟ يعني من وضع يده على العين خوطب ب «رد»؟ فإن لم يقدر على الرد خوب ب «احفظ»؟ إذا لم تقدر على الرد احفظ العين، فهل يقصدون بالضمان هو هذا المعنى؟

فهذا حكم تكليفي يتنجز بالعلم الاجمالي، لإحراز موضوعه التام، فإن موضوع الحكم التكليفي وهو وجوب الرد ووجوب الحفظ هو وضع اليد على ملك الغير وقد احرز انه وضع يده على ملك الغير اما الشجرة الاولى أو الشجرة الثانية. اما إذا كان مقصودهم بالضمان: الذمة، أي اشتغال ذمته بقيمة الشجرة التالفة. هذا هو يقصدونه بالضمان. فلا، لأن موضوع الضمان ليس هو اليد بل اليد جزء من موضوع الضمان والجزء الآخر ان يكون ما وضع اليد عليه ملك الغير، فاذا وضع اليد على شجرتين احداهما ملك الغير وتلفت احداهما لا كلاهما، فهنا اليد جزء وكون التالف تحت اليد ملك الغير جزء آخر وهو احرز الجزء الاول لكن لم يحرز الجزء الثاني وهو كون التالف تحت يده ملك الغير، لعل ملك الغير هو الشجرة الباقية. فموضوع العهدة متحقق بالعلم الاجمالي اما موضوع الذمة فلم يحرز ان لم يحرز ان التالف هو ملك الغير كي يكون مضمونا، لذلك ما قالوه من التسوية بين الحكم التكليفي والوضعي لمن وضع يده على العين غير مسلّم.

ولكن اجيب عن ذلك «عن هذا البيان» بوجوه يرجع كلها الى تحليل المرتكز العقلائي في معنى «على اليد» حيث ورد في النبوي الشريف: «على اليد ما اخذت حتى تؤدي» فلأجل تحليل المرتكز العقلائي لمفاد «على اليد» اختلفت الوجوه للأجوبة على هذا الاشكال، وللمحقق النائيني بيان في كتاب «البيع، في قاعدة ما يضمن بصحيحة يضمن بفاسده» يعرف معنى دخل الارتكاز العقلائي في تحليل «على اليد» موضوعاً أو حكماً.

يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

والحمد لله رب العالمين.

الدرس 77
الدرس 79