نص الشريط
الدرس 81
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 11/5/1437 هـ
تعريف: دوران الأمر بين الأقل والأكثر
مرات العرض: 1827
المدة: 00:27:49
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (386) حجم الملف: 12.7 MB
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

ذكرنا فيما سبق: أنه إذا دار الأمر بين الأقل والأكثر الاستقلاليين فأن البراءة تجري عن لزوم الاكثر، وذكرنا أن المحقق النائيني «قده» استثنى من ذلك موردين تعرضنا لهما مع المناقشة في ذلك. وحيث ان للمحقق النائيني «قده» تقريباً أو تصويراً آخر في عدم جريان البراءة عند دوران الأمر بين الأقل والأكثر الاستقلاليين فيما كان له علامة، تعرض له في «اجود التقريرات، ج1، ص484، وفي فوائد الاصول، ج2، ص545». لذلك نتعرض لهذا التقريب وان كان روحا يرجع إلى التقريب الذي ذكرناه سابقا وناقشناه.

ومحصّل ما افاده «قده»: إن كان المعلوم بالاجمال ذا علامة فحينئذٍ مرجع المسألة إلى علمين اجماليين: احدهما ينحل حقيقة، والآخر ليس كذلك.

وبيان المطلب: اذا علم المكلف أنه مدين لزيد بخمسة أو بعشرة مليون تومان، وعلم بأنه مدين لزيد بما في الدفتر، فهنا يوجد علمان اجماليان، احدهما العلم بأنه مدين بخمسة ملايين تومان أو عشرة؟ والآخر أنه مدين لزيد بما في الدفتر. فإذا نظرنا إلى العلم الأول وجدنا انه منحل حقيقة لمتيقن وهو المديونية بخمسة وشك بدوي في اشتغال ذمته بالعشرة، فإذا لاحظنا العلم الأول فلا يوجد في الحقيقة علم اجمالي بل صورة العلم الاجمالي والا فهو في الحقيقة علم تفصيلي في اشتغال الذمة بالاقل وشك بدوي في اشتغالها بالاكثر فهو منحل حقيقة.

وأما إذا نظرنا إلى العلم الثاني وهو علمه بأنه مدين لزيد بما في الدفتر، فحينئذ كل جزء جزء من الدفتر فهو متعلق حقيقة لا صورة كما في العلم الاول، ولذلك لو فحص في الدفتر فرأى انه مدين لزيد بعشرة كانت العشرة معلومة بالعلم السابق، أي أن العلم بأنه مدين لزيد بما في الدفتر علم متطابق بحيث لو تبين ان الأكثر مدين به لكان متعلقا للعلم لا انه مشكوك شكا بدوياً. وبالتالي فانحلال العلم الأول لا يقتضي انحلال العلم الثاني، مادام العلم الأول علما صوريا والثاني علم حقيقي فانحلال الأول لا يقتضي انحلال الثاني. بل غاية ما في الأول انه لا يقتضي تنجز الأكثر بينما الثاني يقتضي تنجز الاكثر، وما لا اقتضاء له للتنجيز لا يزاحم ما له الاقتضاء، فالعلم الأول لا يقتضي تنجز العشرة تومان في ذمته، بينما العلم الثاني يقتضي تنجزها وما لا اقتضاء له لا يزاحم ما فيه الاقتضاء. بل لو فرضنا _نزيد على كلامه_ ان العلم الأول يقتضي عدم التنجز أي ان انحلال العلم بين خمسة وعشرة يقتضي عدم تنجز العشرة، فغايته انه يقتضي عدم تنجز العشرة من حيث ذاته ولا ينافي تنجز العشرة بعلم آخر. إذن بالنتيجة لا ينحل العلم الثاني بجريان البراءة عن اشتغال ذمته بالأكثر.

وطبّق هذا المبنى على ما إذا علم بأصل التكليف وشك في المقدار أو ما إذا علم بالعام وشك في المخصص. أي كما انه طبّق هذا المبنى في بحث البراءة «دوران الأمر بين الأقل والأكثر الاستقلاليين» طبقه ايضا في موارد اخرى، مثلا: إذا بلغ المكلف وعلم حين بلوغه انه مكلف في شريعة الإسلام إما بمئة تكليف أو مئة وخمسين تكليف؟ هذا علم دائر بين الأقل والأكثر مجرى للبراءة من حيث الأكثر بعد الظفر بمئة تكليف. أما لو كان لديه علم _يعني مضافا إلى انه عالم بأنه مكلف بمئة أو بمئة وخمسين_ فهو عالم انه مكلف بما في الكتب الاربعة من التكاليف الإلزامية، فلديه علمان: علم انه مكلف اما بمئة أو مئة وخمسين، وعلم بأنه مكلف بما في الكتب الاربعة من التكاليف الالزامية، فمثل هذا المكلف لو انحل علمه الأول بأن ظفر بمئة تكليف من خارج الكتب الاربعة فهذا لا يعني ان العلم الاجمالي الثاني ينحل والا مجال لإجراء البراءة عن الخمسين الزائدة بعد عدم الفحص في الكتب الأربعة. وأيضاً لو كان لديه عمومات وعلم إجمالا بأن هناك مخصصات لهذه العمومات، فلديه أيضاً علمان: علم بأن المخصصات لهذه العمومات تدور بين مئة مخصص ومئة وخمسين مخصص، وهذا العلم منحل بيقين تفصيلي بأن هناك مئة مخصص وشك بدوي في الزائد، والشك البدوي في الزائد منفي بأصالة العموم، لأنه شك في التخصيص الزائد، فلو كان يعلم ان هذه العمومات مخصصة اما بمئة أو بمئة أو بمئة خمسين، ويعلم بأن هذه العمومات مخصصة بما في الكتب الاربعة من المخصصات، فلا تجري اصالة العموم في حقه عند الظفر بمقدار مئة مخصص ما لم يفحص في الكتب الاربعة.

وهنا امور ثلاثة ينبغي توضيحها:

الأمر الأول: ذكرنا فيما سبق أن ذا العلامة «العنوان ذا العلامة» تارة يكون له موضوعية لدى المرتكز العقلائي وتارة يكون مجرد مشير لما في الواقع من دون ان تكون له موضوعية. فإذا كان ذو العلامة ذا موضوعية لدى المرتكز العقلائي، كما مثل المحقق النائيني: أن يعلم المكلف انه مدين لزيد بما يساوي خمسة توامين أو ما يساوي عشرة تومان، هذا علم. ويعلم انه مدين لزيد بثمن السيارة، لكن لا يدري هل ان ثمن السيارة نقد أم عروض؟ يعني هل تعامل مع البائع بنقد، يعني اشترى السيارة بنقد أو اشترى السيارة بعروض، فحينئذ مالية الثمن «اذا نظرنا للثمن من حيث المالية» وان كانت مرددة بين الأقل والاكثر، لان هذه المالية قد تعادل خمسة مليون وقد تعادل عشرة مليون، إلا انه حيث أن للعقلاء غرضا في النقد وغرضا للعروض، حيث تختلف اغراضهم إذا كان الثمن نقدا أو إذا كان الثمن عروضاً، فالجامع وان كان من حيث المالية من حيث المالية مرددا بين الأقل والأكثر لكن حيث ان العلامة ذات موضوعية بلحاظ الاغراض العقلائية يرون المقام من الدوران بين المتباينين لا من الدوران بين الأقل والاكثر. وان كان من حيث المالية مردداً بين الأقل والاكثر. وهنا، قد يقال: انحلال العلم لا يوجب انحلال العلم الثاني. أما إذا كان ذو العلامة مجرد مشير إلى الواقع، لا اكثر، كما في كلمة «ما في الدفتر» فأن ما في الدفتر ليس الا مثبتا لما تشتغل به الذمة واقعا ليس الا فهو مجرد طريق محظ ومجرد مشير محظ، فبما أن ذو العلامة مجرد مشير بنظر المرتكز العقلائي، لذلك يقولون: كما ان العلم الأول مردد بين الأقل والأكثر وهو خمسة أو عشرة، ما في الدفتر ايضا مردد بين الأقل والاكثر، والمفروض ان ما في الدفتر مجرد عنوان مشير لما اشتغلت به ذمته واقعا فمتى ما تيقن بالأقل أجرى البراءة عن الزائد، فكلاهما منحل حقيقة لعلم تفصيلي وشك بدوي، فحينئذ تجري البراءة عن الزائد.

ونظير هذا المطلب مسألة الكتب الاربعة، فأنه يعلم حين بلوغه بأنه مكلف من قبل الشارع المقدّس إما بمئة تكليف أو مئة وخمسين، وحيث ان وجود التكاليف في الكتب الاربعة لا موضوعية له فأن وجودها في الكتب الاربعة مجرد مشير إلى ما اشتغلت به عهدته واقعاً، فحينئذٍ يجري البراءة عن الخمسين المشكوكة. - هذا بحسب تقريبنا وتعبيرنا للمطلب - وبحسب عبارة سيدنا الخوئي في «مصباح الأصول» وشيخنا الأستاذ «قده» في «دروسه في مسائل علم الاصول»: انه إذا كان ذو العلامة محتمل الانطباق على ما ظفر به فليس لديه علم بالزائد، وان كان لم يحرز الانطباق، إذ ان الانحلال لا يتوقف على احراز الانطباق بل يكفي احتمال الانطباق، فبما انه إذا علم انه مدين اما بخمسة أو بعشرة ومدين بما في الدفتر ويحتمل ان ما في الدفتر هو الخمسة التي يعلم بها، فمع احتمال ما في الدفتر على ما يتقين به اذن لا يوجد علم بالزائد وان كان لا يحرز الانطباق، فلا يحتاج الانحلال إلى احراز الانطباق بل يكفي احتمال الانطباق. وكذلك الأمر إذا علم بأنه مكلف بمئة أو مئة وخمسين وعلم بأنه مكلف بما في الكتب الاربعة ويحتمل ان ما في الكتب الاربعة هو المقدار الذي ظفر به خارج الكتب الاربعة، فحينئذ تجري البراءة عن الأكثر بلا مانع، بل لا مقتضي للتنجز في المقام. وبعبارة ثالثة: إذا دار أمر المكلف بين الأقل والأكثر والمفروض ان لديه علما آخر بعنوان ذي علامة، فحيث انه يحتمل تطابق العلمين والمعلومين _لانه لا يعلم بدين آخر ولا يعلم بتكليف آخر إنما لديه علمان لكن يحتمل تطابق المعلومين لهذين العلمين على شيء واحد_ إذن بالنتيجة حيث لا يحرز تكليفا بالزائد يكون مجرى للبراءة.

الأمر الثاني: ذكرنا في بحث العام والخاص أننا لا نحرز بناء العرف على العمل بأصالة العموم بعد الظفر بمقدار من المخصصات في بعض الموارد، منها:

ما إذا كان السّجل ذا موضوعية لدى المشرع ولو من خلال سيرة اتباعه. مثلا: إذا افترضنا - كما ادعاه جمع ولا يبعد ذلك - ان سيرة اصحاب الأئمة جرت على الرجوع إلى الاصول الاربعمائة، وانه متى شكوا في وجود المخصص رجعوا إلى الاصول الأربعمائة، ولا يبنون على اصالة العموم الا بعد الفحص واحراز عدم وجود المخصص في هذا السجل، فإذا استفيد من هذه السيرة المتشرعية لدى اصحاب الأئمة انه هناك عهدة وهو ان مصدر تكاليفنا في هذه الاصول، ومصدر علمنا في هذه الاصول، لا ان هذه الاصول مجرد مثبت للتكليف ومشير اليه ليس الا بل هي مصدر علومنا وتكاليفنا. فإذا استفيد من المقنن أو من حاشيته واتباعه ان هناك مصدرا معينا لعلومه وتكاليفه، فمجرد الظفر بمخصص خارج هذا السجل نفسه لا يحرز به بناء العرف على العمل بأصالة العموم _بان يقال: المخصصات دائرة بين مئة ومئة وخمسين وقد حصلنا على مئة مخصص من خارج هذه الأصول الاربعمائة فنجري اصالة العموم بلحاظ ما زاد عليها من المخصصات_ لا نحرز بنائهم على اصالة العموم في مثل هذا المورد. فإذا قلنا بأن الكتب الاربعة هي تمثيل للاصول الاربعمائة التي جرت عليها السيرة، فحينئذٍ يشكل التمسك بأصالة العموم بالظفر بمخصصات متيقنة خارج هذه الكتب. المورد الثاني: قلنا خلافا لسيدنا «قده»: أنه إذا احتمل ضياع المخصص، فإنه هنا لا يحرز بناء العرف على العمل بأصالة العموم، مثلا: إذا احتملنا ان لهذا العام: «في الغنم السائمة زكاة» أو قوله «اذا شككت فابن على الاكثر»، إذا احتلمنا ان المخصص لهذا العام مما ضاع لا انه مما سجّل في الكتب الاربعة، وكان منشأ هذا الاحتمال عقلائيا حيث ان كتبا كثيرة من اصول الامامية تعرضت لسطو الظالمين واتلافهم، فمع وجود منشأ عقلائي لاحتمال ضياع المخصص، ولو من باب سطوت الظالمين على ذلك لا نحرز بناء العرف على التمسك بأصالة العموم في مثل هذا المورد، وإن فحصنا ويأسنا عن وجود مخصص فيما بأيدينا من الكتب الواصلة الينا لكن لا نحرز بنائهم على اصالة العموم في مثل هذا المورد. فقد يقال تأييدا للمحق النائيني في المقام بإدخال كلامه في أحد الموردين.

الأمر الثالث: ذكرنا في الدرس السابق أنه: نعم قد لا يرجع العقلاء إلى اصالة البراءة عن المديونية بالاكثر مع علمهم بأن الدين مسجل في الدفتر لا لأجل ان العلم الاجمالي غير منحل بل لموانع اخرى وهي: اما ان سيرة العقلاء جارية على اعتبار الدفتر امارة وحجة منجزة للتكليف فمن الواضح حينئذٍ انه لا يصح الرجوع إلى الأصل العملي مع وجود حجة منجزة للتكليف، فإذا كانوا يرون الدفتر حجة منجزة للتكليف فينتفي موضوع الأصل لوجود حجة منجزة فيرجعون لما في الدفتر. أو لم يقم اعتبارهم على ان الدفتر حجة منجزة، ولكن حيث ان موضوع الأصل العملي هو عدم العلم، ولا يرون من يتمكن من الفحص بلا مؤونة جاهلا، بل يقولون هذا عالم لأنه متمكن من الفحص بلا مؤونة. فإذا كان المكلف متمكنا من الفحص بلا مؤنة ولا حرج فالعقلاء يقولون أنت لست من الجاهل حتى يشملك دليل الأصل العلمي، بل أنت من العالم، فدليل الأصل العملي منصرف عنه. والا إذا لم يكن الدفتر مصداقا للحجة المنجزة أو صارفا لدليل الأصل العملي، فالكلام كما قلنا من جريان البراءة عن المديونية بالأكثر.

والحمد لله رب العالمين.

الدرس 80