نص الشريط
أصالة الصحة | الدرس 2
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 24/8/1437 هـ
مرات العرض: 1818
المدة: 00:24:09
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (408) حجم الملف: 5.5 MB
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

ما زال كلامنا في المدخل لبحث أصالة الصحة وهو البحث حول الاعتبار وأقسامه وتفاصيله، وقد ذكرنا فيما سبق: ان الاعتبار ينقسم الى: أدبي، وقانوني. وأن الاعتبار الأدبي مرجعه إلى التنزيل، ولكن في كلمات المحقق النائيني «قده» أفاد بأن جعل العلمية في باب الإمارات، اي اعتبار الإمارة علما ليس من باب التنزيل بل هو من باب الاستعارة على مسلك السكاكي في باب المجاز.

ولكن، جعل المصداق أو التنزيل كلاهما فرد من الاعتبار الأدبي لا الاعتبار القانوني، بيان ذلك:

ان المشرع اذا اعتبر الإمارة علماً فتارة: ينزل الإمارة منزلة العلم، بمعنى: أنه يعطي حد شيء وهو العلم لشيء آخر وهو الإمارة بغرض نقل التأثير للمنزل عليه إلى المنزل، فحيث إن للعلم تأثيراً نفسياً معيناً فالمولى عندما يقول الإمارة علم قصده من إعطاء الإمارة عنوان العلم وحدّ العلم نقل التأثير النفسي للعلم إلى الإمارة، هذا يسمى اعتباراً أدبياً من باب التنزيل.

والمصداق الآخر للاعتبار الادبي: أن يجعل الإمارة فردا من العلم، بمعنى انه يقول: أنا أدعي وأزعم أن الإمارة فرد حقيقي للعلم، فليس هناك عملية تنزيل فإن عملية التنزيل تقتضي نوعاً من الأثنينية والمغايرة، فليس هناك تنزيل للإمارة منزلة العلم، وهذا التنزيل أعبر عنه إثباتاً بالتعبير عن الإمارة بأنها علم، بل أنا ادعي أن الإمارة فرد حقيقي للعلم، هذا هو ما يسمى بمسلك السكاكي أو ما يعبر عنه بالاستعارة.

إذن كلاهما من الاعتبار الأدبي، الاعتبار الأدبي هو: عبارة عن إعطاء حد شيء لشيء آخر بهدف نقل التأثير النفسي للمأخوذ منه للمعطى له، سواء كان الإعطاء، أي اعطاء الحد من باب التنزيل أو كان من باب ادعاء الفردية الحقيقية، فكلاهما مصداق للاعتبار الادبي، غاية ما في الباب انه: هذا الاعتبار الأدبي مبرز للاعتبار القانوني، بمعنى: ان المشرع حيث يريد أن الإمارة منزلة ومعذرة، وحيث يريد أن الإمارة تقوم مقام القطع الموضوعي، وحيث يريد ان الامارة مثلا حجة في لوازمها كالعلم، فحينئذٍ من أجل ترتيب هذه الآثار التي هي ثابتة للعلم على الإمارة يعني من أجل ان يتوصل إلى الاعتبار القانوني وهو ترتيب آثار العلم على الإمارة، من أجل ان يتوصل إلى ذلك يبرز هذا الاعتبار القانوني باعتبار أدبي سواء كان مرجع هذا الاعتبار الأدبي إلى عملية التنزيل وأن عبر عن الإمارة بأنها علم أو كان من باب ادعاء الفردية الحقيقية فكلاهما من الاعتبار الأدبي الذي لا يتطابق المراد الاستعمالي فيه مع المراد الجدي وإن كان هذا الاعتبار الأدبي مبرزاً لاعتبار قانوني، هذا ما يتعلق بالجهة الثانية التي بحثناها وهي تقسيم الاعتبار إلى اعتبار أدبي واعتبار قانوني.

وأيضاً ذكرنا سابقا في الجهة الاولى كلا السيد الأستاذ «دام ظله» والذي هو موجود أيضاً في كلمات المحقق الاصفهاني «قده» في حاشيته على المكاسب: من أن الاعتبار مرجعه إلى المحاكاة وإلا لكان تخيلاً وفرضاً خيالياً، فإن الفرق بين التخيل وبين الاعتبار ان الاعتبار: هو عبارة عن محاكاة شيء واقعي أو خارجي أو ذهني من أجل ترتيب آثاره العملية على هذا المعتبر. فحقيقة الاعتبار مرجعها إلى المحاكاة، فحينما نقول: من حاز ملك. أو من أحيا أرضاً مواتاً فهي له. فنريد ان نقول:

بأن الملكية الحقيقية التي هي حاصلة وجداناً بين الإنسان وجوارحه وبين الإنسان وعمله حيث إن الإنسان يملك جوارحه وأعمالها ملكية حقيقية وهذه الملكية الحقيقية منشأ لسلطنة حقيقية للإنسان على أفعاله وجوارحه فإننا نقول: من حاز ملك أي نعتبر أن الحيازة سبب لحصول علقة محاكية لتلك العلقة التكوينية الحقيقية ألا وهي الملكية الحقيقية، مرجع الاعتبار إلى المحاكاة اي جعل شيء بمثابة أمر واقعي أو خارجي أو ذهني بغرض نقل آثاره العملية إلى المعتبر، وإلا لو لم يتضمن الاعتبار المحاكاة لكان فرضاً تخيلياً بحسب ما أوضحه المحقق الأصفهاني «قده» وتبعه السيد الأستاذ «دام ظله».

ووصلنا في البحث عن الاعتبار وحقيقته وأقسامه وتفاصيله الى: الجهة الرابعة: وهي الفرق بين الاعتبار التعييني والاعتبار التعيني. فإن الاعتبارات العقلائية تارة تكون من قبل الاعتبار التعييني، كما اذا افترضنا ان الدولة اصدرت قانوناً بأن الجار وارث ومورث، أو أن الحيوان كالكلب مثلاً وراث ومورث، فإن هذا اعتبار وضعي تعييني.

او كان الاعتباري اعتباراً تعيناً: كما اذا رأى العقلاء أن في ترتيب آثار الملكية على الحيازة مصلحة عامة، فيجري بنائهم عملا على ترتيب آثار الملكية على الحيازة وهذا اعتبار تعيني. فالاعتبار على قسمين: اعتبار تعيني. واعتبار تعييني.

كما قسم الوضع الى: وضع تعييني، وتعيني، فإن الاعتبار القانوني سواء كان اعتباراً وضعياً أو تكليفياً قد يكون بنحو الاعتبار التعييني وقد يكون بنحو الاعتبار التعيني، وهما قسمان موجودان لدى العقلاء.

الجهة الخامسة: أن السيد الأستاذ «دام ظله» له كبرى يكررها في أصوله وهي كبرى علاقة الاندماج، حيث يذكر أن بين المفردات القانونية قد تكون العلاقة علاقة اندماج غاية ما في الامر انه قد يكون الاندماج بين الاعتبارين القانونيين اندماجاً إثباتياً، وقد يكون اندماجاً ثبوتياً.

فنمثل للاندماج الإثباتي بالوجوب الغيري والنفسي:

فإن المولى أو الموالي في سالف الزمان وفي قدم التأريخ كانوا اذا امروا بذي مقدمة أمروا بالمقدمة، حتى لا يبقوا لاحد عذرا في انه لم يأمر بالمقدمة كي يأتي بذي المقدمة، فكانوا كما يصدرون امراً بذي المقدمة يصدرون أمراً بالمقدمة، فهنا اعتباران: احدهما اعتبار نفسي لذي المقدمة، والآخر: اعتبار غيري لذي المقدمة، غاية ما في الباب ان هذين الاعتبارين بمرور الوقت وبمرور التاريخ اندمجا اثباتاً، فكان المبرز لاعتبار الوجوب النفسي لذي المقدمة مبرزا لاعتبار الوجوب الغيري للمقدمة، اي ان المولى اذا قال: «ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلاً» فأنه قام باعتبارين وجعلين: جعلاً لوجوب نفسي لذي المقدمة وهو الحج، وجعلاً لوجوب غيري لمقدمة الحج الا وهو السفر، الا انه ابرز هذين الاعتبارين بمبرز واحد وهو هذه الآية. فبين الاعتبارين اندماج اثباتي.

وقد يكون الاندماج اندماجاً ثبوتياً: كما فيما بين الحكم الوضعي والحكم التكليفي، حيث إن الأعلام اختلفوا في بحث الاستصحاب كما تعرض لذلك الشيخ في الرسائل إلى ان الحكم الوضعي هل هو عين الحكم التكليفي؟ فمثلاً إذا قال من حاز ملك، فهل الملكية تعني حرمة تصرف الغير فيه من دون إذنه؟ الذي هو الحكم التكليفي؟! أو أن الحكم الوضعي منتزع من الحكم التكليفي، بمعنى: أن المجعول لدى الشارع إنما هو الحكم التكليفي وهو حرمة تصرف الغير بدون إذن المحيز، من حاز شيئاً حرم على غيره التصرف فيه بدون إذنه، وينتزع العقل من ذلك عنوان الملكية؟

أم هناك جعلين: احدهما بالأصالة والآخر بالتبع، بمعنى أن الشارع جعل بالأصالة حرمة التصرف لغير المحيز في المال المحاز من دون إذن المحيز وجعل بتبع ذلك الملكية؟

لكن السيد الأستاذ «دام ظله» ذهب إلى ان العلاقة بينهما علاقة إندماجية ثبوتية، بمعنى: ان الملكية متقومة ثبوتاً ولدى المرتكز العقلائي بهذا الحكم التكليفي، بحيث لولا هذا الحكم التكليفي لم يكن معنى عقلائي للملكية، فالملكية، اي جعل الملكية مستبطن لجعل الحكم التكليفي وجعل الحكم التكليفي مستبطن لجعل الملكية، فهناك اعتبار مستبطن في اعتبار آخر لتقوم كل منهما بالآخر، وهذا ما يسمى بالاندماج الثبوتي وذكر ان هذا هو مراد من عبر عن أن الحكم الوضعي عين الحكم التكليفي فإن مراده بالعينية: العلاقة الاندماجية الإثباتية.

والسيد الشهيد «قده» كما في حلقاته: ذهب إلى ان الغرض من الحكم الوضعي تنظيم مجموعة من الاحكام، فكأنه بهذا الكلام: يرى ان الحكم الوضعي علاقته بالحكم التكليفي علاقة الرمزية والمشيرية، بمعنى أن المولى قام بجعل مجموعة من الاحكام، منها: جواز الاستمتاع، منها: استحقاق النفقة، منها: القوامة. ثم أشار لهذه المجموعة من الأحكام بعنوان وهو الزوجية، فعلاقة الزوجية بهذه المجموعة من الاحكام علاقة الرمز المشير لمجموعة من الاحكام، فالغرض من الحكم الوضعي يختلف عن الغرض من الحكم التكليفي، حيث إن الغرض من الحكم التكليفي قيادة نفس المكلف بالتأثير عليه بعثاً أو زجراً أو ترخيصاً أو ترجيحاً، بينما الغرض من الحكم الوضعي هو تنظيم الجعل، تنظيم دائرة التشريع، بأن يقوم المولى بجمع مجموعة من الأحكام والإشارة اليها برمز معين الا وهو العنوان الوضعي كالزوجية والملكية. ولكن قد يقال:

عند الرجوع إلى المرتكزات العقلائية ومطالبة تحليل علقة الحكم الوضعي بالحكم التكليفي نرى أن العلقة علقة الموضوعية، لا أن بينهما عينية ولا انتزاعية ولا جعل بالتبع ولا اندماجية ولا رمزية وإنما المرتكز العقلائي قائم على ان الملكية موضوع لآثار، «من حاز ملك» أي أن الحيازة تترتب عليه مباشرة هذا المجعول القانوني وهو الملكية، والملكية نسبتها إلى حرمة التصرف إلا بدون إذنه مثلا ونفوذ بيعه وأمثال ذلك من الآثار نسبة الموضوع للحكم. إذن من هذا نستطيع ان نقول:

إن الغرض من الحكم الوضعي مقابل الغرض من الحكم التكليفي ان الغرض من الحكم التكليفي هو قيادة نفس المكلف، بينما الغرض من الحكم الوضعي التمهيد لمجموعة من الآثار العملية تكليفية أو وضعية.

فليس الحكم الوضعي متأخراً رتبة عن هذه الأحكام كي يكون رمزاً مشير لها ولا أنه في عرضها ولا ان بينهما علاقة الاندماجية أو الطولية، وإنما علاقة الموضوع الممهد لمجموعة من الآثار، وإن كان بعض هذه الآثار أثراً وضعياً ايضاً، لكن هذا الأثر الوضعي أيضاً، مثلاً من آثار الملكية نفوذ البيع وهو ما نعبر عنه بالولاية، الولاية على البيع، هذه الولاية كحكم وضعي أيضاً هي بالنسبة للآثار التكليفية الأخرى نسبتها نسبة الموضوع للحكم وهكذا.

هذا بسحب التحليل العقلائي. وبالتالي لا نرى مثلاً مصداقاً عقلائيا للإندماج الثبوتي مضافاً إلى عدم معقوليته عندنا، إذ لا يعقل ان يندمج اعتباران حقيقة، بالنتيجة: اما ان اعتبار الملكية مكون من جنس وفصل، الجنس والاعتبار، والفصل هو أن يحرم التصرف فيما حيز من دون إذن الحائز، فلا يكون هناك اعتباران أصلاً حتى يكون بينهما اندماج. بل اعتبار واحد متقوم من جنس وفصل وفصله هو هذا الحكم التكليفي. حينئذٍ يصح أن نقول بأن الحكم الوضعي مستبطن للحكم التكليفي بمعنى انه متقوم به تقوم الحقيقة بفصلها، وهذا ليس من باب الاندماجية في شيء.

وأما أننا ندعي ان الاعتبارين التكليفي والوضعي مع انهما سنخان يندمجان ثبوتاً بأن يتحدا في حقيقة واحدة فهذا غير معقول.

وأما الاندماج الإثباتي بين اعتبارين قانونيين منفصلين فهو أمر ممكن ومعقول، لكن الصغرات تحتاج إلى إثبات، أي دعوى أن الوجوب النفسي لذي المقدمة وجوباً غيرياً لذي المقدمة وأن الوجوب الغيري مندمج في الوجوب النفسي إثباتاً وبحسب المبرز، هذا امر ممكن ومعقول لكنه يحتاج إلى إثبات.

هذا تمام الكلام فيه هذه الجهة وهي الخامسة، وهي بيان أن ما ذكره السيد الأستاذ مكرراً من وجود كبرى أصولية وهي علاقة الاندماج بين المفردات القانونية محل تأمل.

الجهة السادسة: هل أن امضاء الاعتبار العقلائي التعيني إمضاء للنكتة التي وراءه أم لا؟

مثلا: نجد ان للعقلاء اعتباراً تعينياً لترتيب آثار العلم على خبر الواحد، هل أن إمضاء هذا الارتكاز امضاء للنكتة التي خلفه أم لا؟

من باب المثال الأوضح: نرى أن هناك اعتباراً عقلائيا عملياً تعينياً على ترتيب آثار الواقع على إخبار ذي اليد عما تحت يده، ولنفترض أن النكتة وراء هذا الاعتبار العقلائي هي نكتة الأخبرية، أن ذي اليد أخبر بما تحت يده من غيره. لنفترض ان النكتة هكذا. فهل امضاء هذا الاعتبار التعيني امضاء للنكتة أم لا؟

نقول: تارة تكون النكتة واضحة لدى المرتكز العرفي فلا محالة إمضاء الاعتبار العقلائي إمضاء لها بالدلالة الإلتزامية. وتارة لا تكون واضحة، ولكن إذا كانت هذه النكتة ذات معرضية للوصول والنيل من أغراض الشارع بمعنى ان الشارع يرى أن هذه النكتة بمرور الأيام سوف تتدخل حتى في أغراضه بحيث أن الجري العقلائي وراء هذه النكتة قد يتوسع من مسألة خبر ذي اليد عما تحت يده إلى كل ما يكون به الإنسان أخبر به من غيره، فإذا رأى الشارع أن النكتة ذات معرضية للوصول إلى أغراضه فسكوته عن التنبيه على حدود النكتة وحدود الاعتبار العقلائي محقق لإطلاق مقامي للإمضاء، ومقتضى هذا الإطلاق المقامي للإمضاء إمضاء النكتة أيضاً، وإن كان لشيخنا الأستاذ تأمل في ذلك لا يسعنا ذكره.

والحمد لله رب العالمين.

أصالة الصحة | الدرس 1
أصالة الصحة | الدرس 3