نص الشريط
أصالة الصحة | الدرس 4
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 28/8/1437 هـ
مرات العرض: 1824
المدة: 00:25:01
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (514) حجم الملف: 5.7 MB
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين

عند الدخول في البحث حول أصالة الصحة نتعرض لعدة جهات:

الجهة الأولى: في تحديد ما هو المراد من أصالة الصحة؟ وقد ذكرت عدة معاني في هذا المقام.

المعنى الأول لأصالة الصحة: هو أصالة السلامة في الأشياء التي تقع مورداً للمعاوضة كالبيع والإجارة والصلح القائم مقامهما، وبيان ذلك: ان البيع اذا وقع على سلعة معينة سواء كانت هذه السلعة حيواناً او كانت هذه السلعة جهازاً من الأجهزة او كانت هذه السلعة ثمرة من الثمرات، فإن وصف الصحة مقوم للمعوض سواء قلنا باشتراط المالية في صحة المعاوضات ام لم نقل باشتراط المالية، فإن الغرض الشخصي متقوم نوعاً وعادةً بأن يكون المعوض صحيحاً، او الثمن صحيحاً، فبالتالي بما أن وصف الصحة بنظر العرف مقوم للمبيع أي مقوم لما تقع المعاوضة عليه سواء قلنا باشتراط المالية ام لا؟ لأجل ذلك فإن الجهل بكون العوض او المعوض صحيحاً موجب لبطلان العقد، إما لشرطية العلم بالعوضين كما ذهب اليه جمع من الفقهاء، او لمانعية الغرر، أي سواء قلنا بأن الشرط في صحة المعاملة شرط وجودي وهو اشتراط العلم بالعوضين او قلنا بأن الشرط في المعاملة شرط عدميٌ وهو عبارة عن مانعية الغرر لما ورد «نهى النبي عن بيع الغرر» في رواية، او «نهى النبي عن الغرر» في رواية أخرى، وسواء قلنا بأن المراد بالغرر في الرواية الجهالة بالعوضين، او قلنا بأن المراد بالغرر الخطر المالي، سواء كانت هناك جهالة بالعوضين ام لم تكن، فإن المراد بالغرر أن يكون تمليك المبيع بتملك الثمن معرضا للوقوع في الخطر المالي، فعلى أية حال وعلى أي مبنى من المباني بنينا يقال:

بأنه بما أن وصف الصحة للعوضين وصف مقوم بنظر المرتكز العرفي فالجهل بوجود هذا الوصف مانع من صحة المعاملة، إما لشرطية العلم بالعوضين في صحتها او لمانعية الغرر سواء فسرنا الغرر بالجهالة او فسرناه بمعرضية الخطر المالي، فإن الجهل بوجود وصف الصحة معرض للوقوع في الخطر المالي، فعلى أي مبنى بنينا إذن المعاملة باطلة مع الجهل باتصاف المبيع او الثمن بالصحة، لذلك ذكر بعض الفقهاء وجهاً للتخلص من محذور بطلان المعاملة وهذا الوجه هو البناء على أصالة السلامة أي ان الاصل في الاشياء عوضا او معوضاً السلامة من العيب او السلامة من الفساد، فما هو المقصود بأصل السلامة، وقد ذكرت وجوه لكتاب البيع وفي بحث خيار العيب لتحديد معنى أصالة السلامة:

الوجه الاول: أنه اصل تكويني بمعنى ان الاصل التكويني في الاشياء ان تنخلق صحيحة، فالأصل في الخلقة والاصل في التكوين ان يقع الشيء ذا خلقة صحيحة ذا خلقة سليمة، وهذا الاصل محل منع عندهم باعتبار انه لو تم في المخلوقات لم يتم في المصنوعات كي يقال بان الأصل في الاشياء ان تتكون سليمة من العيب، او سليمة من الفساد فهذا الاصل اصل غير مسلم.

الوجه الثاني: لأصل السلامة: انه عبارة عن امارة عقلائية، بمعنى انه لما كان الغالب في الأشياء المخلوقة والمصنوعة ان تكون سليمة من العيب والفساد كانت هذه الغلبة منشئاً لوجود امارة عقلائية وهي بناء العقلاء على اصالة السلامة فهذا البناء هو عبارة عن امارة عقلائية هي ناشئة عن الغلبة، ومرجع هذه الإمارة الى ان تعلق المعاوضة بسلعة معينة ظاهر في كون السلعة صحيحة او سليمة.

واعترض على هذا الوجه:

أولاً: بعدم تسليم الغلبة خصوصاً في المصنوعات. ثانياً: على فرض وجود هذه الغلبة فلا نسلم انها منشأ لأمارة عقلائية، بل غاية الغلبة حدوث الظن بالسلامة والصحة لا أن هناك كاشفية وإمارية عقلائية بان يقال: ظاهر تعلق العقل بشيء انه سليم، لا يوجد لدينا مثل هذه الإمارة العقلائية وان كان هناك ظن بالصحة.

الوجه الثالث: التمسك بالاستصحاب، بدعوى ان المرجع في الصحة الى عدم طرو العيب، وبما ان طرو العيب والفساد امر وجودي فهو مسبوق بالعدم، فمقتضى استصحاب عدم طرو العيب تنقيح الموضوع لصحة المعاملة او لصحة المعاوضة.

ولكن أشكل على ذلك:

بأن رجوع الفساد او العيب الى عامل وجودي دائما، هذا اول الكلام، اذ قد يكون انتظام اجزاء الشيء هو المفتقر لعامل وجودي لا ان الفساد والعيب ناشئ عن طرو عالم وجودي كي يتنقح موضوع صحة المعاملة باستصحاب عدمه، مضافاً لعدم اطراد هذا الاستصحاب لموارد توارد الحالتين، مضافاً الى انه اذا قلنا بان المعاملة الواقعة على ما تجهل صحته معاملة خطرية فإن استصحاب عدم طرو العيب لا ينفع في نفي الخطر، فإن منشأ الخطر أو منشأ الغرر هو الاحتمال الوجداني، الاحتمال الوجداني لمعرضة الخطر المالي فالاحتمال الوجداني لمعرضية الخطر المالي مصداق للغرر، وهذا الاحتمال الوجداني لا ينفع باستصحاب عدم طرو العيب، فتأمل.

الوجه الرابع: ان المراد بأصالة السلامة الشرط الارتكازي، بمعنى: ان هناك شرطاً تبانا عليه العقلاء وهو: اشتراط وصف الصحة في أية معاملة، بحيث لو لم يكن هذا الوصف موجوداً لثبت الخيار لفاقد الوصف بائعا ومشترياً، ولكن الكلام كله في انه: ما هو مرجع اشتراط وصف الصحة كشرط ارتكازي بحيث يكون دافعاً للغرر؟

فهل ان مرجعه للإخبار بوصف الصحة؟. او ان مرجعه الى ارتكاز عقلائي الى ثبوت الخيار بشكل مباشر؟ فما هو معنى اشتراط وصف الصحة؟

فقد يقال: كما ذكره بعض الأعلام: بأن مرجع الشرط الارتكازي الى التزام البائع مثلاً بأني أبيعك سلعة صحيحة، فكما أنه لو قال البائع ابيعك سلعة صحيحة لكان اخبار البائع بالصحة دافعاً للغرر باعتبار ان اخبار البائع عن وصف الصحة إمارة عقلائية والإمارة العقلائية منقحة للموضوع سواء قلنا بشرطية العلم بالعوضين او بمانعية الجهل بهما، او بمانعية معرضية الخطر المالي فإن قيام امارة على اتصاف المبيع بوصف الصحة منقح للشرط ودافع للمانع. فاشتراط وصف الصحة بالشرط الارتكازي راجع الى التزام البائع بكون المبيع صحيحاً وهذا بمثابة الإخبار باتصاف المبيع بالصحة وبالتالي فهو منقح لموضوع صحة المعاملة. ولكن هذه الدعوى وان ايدها بعض الاستاذة تحتاج الى الشواهد العقلائية. صحيح ان العقلاء يبنون على أن المبيع صحيح فإن لم يكن صحيحاً فإنّ هناك خيار العيب، أما أن مرجع اشتراط الصحة الى الالتزام بوصف الصحة الذي هو بمثابة الاخبار فهذا هو محل تأمل، بلحاظ:

أولاً: هناك فرق بين ظهور المبيع فاسداً وظهور المعيب معيباً، وبين ظهور المعيب معيبا بعيب قابل للتدارك المالي وبعيب غير قابل للتدارك المالي، فلا شاهد على ان البناء العقلائي في جميع الاحوال يبني على أن وصف الصحة التزام من البائع او المشتري يترتب على فقده ثبوت الخيار، بل قد يحكم بالبطلان.

ثانياً: بأن الشرط الارتكازي العقلائي لا يرجع الى امارة شخصية من قبل البائع او من قبل المشتري بأنني اخبرك او التزم لك بأن المبيع متصف بوصف الصحة او أن الثمن متصف بوصف الصحة، فرجوع الشرط الارتكازي الى ذلك هو اول الكلام، فإن مرجع بناء العقلاء على وصف الصحة كبناء العقلاء على كثير من الإمارات والأصول النظامية ما هو الا طريق لأثر عملي معين فقط، بمعنى أن العقلاء يقولون: كل معاملة وقعت على سلعة فإن لوصف الصحة في هذه السلعة أثراً وهو كذا. فلنفترض أنه ثبوت الخيار عند تبين الفقد، لا ان مرجع بناءهم على وصف الصحة الى التزام من البائع او المشتري بثبوت وصف الصحة بحيث يكون إخباراً دافعاً للغرر.

وذهب بعض الأكابر وهو السيد الخميني «قده» الى أن مرجع وصف الصحة الى ثبوت خيار العيب بشكل مباشر. أي ان مرجع بناء العقلاء على شرط ارتكازي اسمه شرط الصحة الى تعليق التزام المشتري مثلاً بالمعاملة على ثبوت وصف الصحة، فكأن المشتري عندما قال: قبلت البيع، قال: ملكتك الثمن بإزاء تمليكك المثمن والتزامي بهذا التمليك معلق ومنوط بوجود وصف الصحة، بحيث لو لم يكن وصف الصحة موجوداً فلا التزام لي بالمعاملة، فلا التزام لي، أي ان لي الخيار، فمرجع هذا الشرط الارتكازي الى تعليق التزام المشتري بالمعاملة على ثبوت اصل الصحة.

وهذا ايضا غير مطرد بل قد يكون مرجعه الى تعليق اصل المعاملة على الالتزام بوصف الصحة لا تعليق الالتزام بالمعاملة على وصف الصحة، فلعل مرجع ذلك الى قول المشتري: اصل تمليكي للثمن بإزاء تمليكك للمثمن معلق على كون المبيع متصفاً بوصف الصحة، بحيث لو لم يكن متصفاً فلا تمليك، وهذا ليس من التعليق المبطل لانه تعليق على ما هو دخيل في صحة المعاملة، والتعليق على ما هو دخيل في صحة المعاملة ليس من التعليق المبطل أو انه تعليق على الالتزام بمعنى ان علقت تمليكي على الثمن على التزامك أيها البائع بوجود وصف الصحة، وهذا لا ينتج ثبوت الخيار، إنما ينتج الحكم التكليفي وهو أنه يجب على البائع ان يوفر وصف الصحة، لا انه ينتج الخيار، ففرق بين تعليق الالتزام بالتمليك على ثبوت وصف الصحة فإن نتيجته انه لو لم يكن الوصف موجوداً فلا التزام بالتكليف، يعني على المشتري خيار، وبين تعليق التمليك على وصف الصحة الذي ينتج انتفاء التمليك عند امتلاك وصف الصحة، او تعليق التمليك على التزام البائع بثبوت وصف الصحة، فإذا التزم البائع حين المعاملة بثبوت وصف الصحة تحقق المعلق عليه فتحقق المعلق الا وهو التمليك غاية ما في الامر ان البائع اصبح ملزم تكليفا بتوفير وصف الصحة.

إذن فدعوى رجوع الشرط الارتكازي الى ثبوت خيار العيب بشكل مباشر هذا أول الكلام.

والنتيجة: أن هذه الدعوى وهي: أن الحكم «حكم المعاملة مع الجهل بوصف الصحة» هو البطلان اما لشرطية العلم بالعوضين او لمانعية الغرر.

والتخلص من البطلان بأصالة السلامة بأحد الوجوه التي تعرض لها وقررت محل تأمل ونظر كما نظرنا حيث إن كل وجه من هذه الوجوه محل تأمل ونظر.

ويأتي الكلام في المعنى الثاني من معاني اصالة الصحة.

والحمد لله رب العالمين.

أصالة الصحة | الدرس 3
أصالة الصحة | الدرس 5