نص الشريط
أصالة الصحة | الدرس 12
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 8/9/1437 هـ
مرات العرض: 1812
المدة: 00:19:53
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (774) حجم الملف: 4.5 MB
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين

لكن السيد الأستاذ «دام ظله» أفاد:

بأن ما ذكر في الاستدلال على حجية أصالة الصحة بأنه لولاها لاختل النظام غير تام، وذلك لأن العقلاء أو المتشرعة في تبانيهم على ترتيب آثار الصحة لم يحرز استنادهم لأصالة الصحة بل إن هناك أصولاً وقواعد اخرى نجزم بأنهم استندوا إلى بعضها ونحتمل انهم استندوا للبعض الآخر في ترتيب آثار الصحة.

ومن أجل بيان هذا المطلب نتعرض لأمرين:

الأمر الاول: ان موضوع أصالة الصحة الشك في عمل الغير، وهناك عدة موارد يرتب العقلاء فيها اثار الصحة لكن من دون شك:

المورد الاول: مورد الغفلة، فكثيرا ما يغفل الانسان عن عمله أو عمل الغير فيرتب عليه اثر الصحة من دون التفاته، وهذا خارج موضوعاً عن أصالة الصحة.

المورد الثاني: موارد الوثوق، فكثيرا ما يحصل لنا الوثوق والاطمئنان بصحة عمل الغير بلحاظ ان الغير مؤمن متدين ملتزم، وهذا ايضا خارج موضوعاً عن أصالة الصحة ومنه يعلم عدم صحة الاستدلال بتوكيل النبي عروة البارقي بشراء شاة، أو توكيل امير المؤمنين العباس في زواج أم كلثوم «إن صح الخبر». أو توكيل الإمام الهادي محمد بن عيسى ابن عبيد اليقطيني في طلاق زوجته ان صح الخبر، حيث استدل بهذه الموارد على ان توكيل المعصوم لغيره مساوق لإجراء أصالة الصحة فيما قام به الوكيل وإلا لنبّه هؤلاء على أن العمل مشكوك أو انه لابد من امارة أو بينه تشهد بوقوع العمل صحيحاً، فانه لا يصح الاستدلال بهذه الموارد، أولاً: لأن فعل المعصوم غاية ما يدل على مشروعية العمل ولكنه لا يدل على ملاك العمل ومناطه، فهل أن المناط هو أصالة الصحة أو غيرها، هذا مجمل.

ثانياً: بأن المعصوم في هذه الموارد واثق من صحة عمل الوكيل وموارد الوثوق خارجة موضوعاً عن أصالة الصحة.

المورد الثالث: مورد اجراء قاعدة الالتزام عملاً بما تعهد، حيث سبق ان قلنا بانه إذا شككنا في عمل صادر من الغير فإن مقتضى أصالة الالتزام انه ملتزم عملاً بما يعتقد به من رأي اجتهادي أو مذهبي أو ديني، وهذا اصل عقلائي لا ربط له بأصالة الصحة، فإذا افترضنا اننا بعد إجراء أصالة الالتزام في عمله وجدنا ان رأيه موافق لنا من حيث شروط العلم، فحينئذٍ يصح ترتيب آثار الصحة الواقعية على عمله لا من باب أصالة الصحة بل من باب أصالة الالتزام.

هذا هو الامر الاول وهو وجود عدة موارد خارجة موضوعا ان أصالة الصحة.

الأمر الثاني: إذا شككنا في عمل الغير، فهناك عدة قواعد، بنى عليه العقلاء أو المتشرعة وليست من باب أصالة الصحة في شيء، منها: قاعدة اليد. فإن مفاد قاعدة اليد العقلائية مراتب من الاختصاص اي ان مفاد قاعدة اليد إثبات طبيعي الاختصاص، وطبيعي الاختصاص له مراتب. فالاستيلاء على عين مثلاً موضوع لأمارة عقلائية على الملكية ما لم تكن هناك قرينة على الخلاف، فاذا قامت قرينة على ان المال الذي تحت اليد ليس ملكا طلقا يحكم عند العقلاء بأنه ملك غير طلق كما في ملك الموقوف عليهم للمال الموقوف، وإن قامت قرينة على انه ليس ملكا اصلا يحمل المستولي على العين بانه مالك للمنفعة ولو من باب الاجارة، وإذا قامت قرينة على عدم ملكيته للمنفعة يحمل على أنه مالك للانتفاع ولو بالإباحة من قبل المالك، واذا قامت قرينة على أنه ليس مالكاً للانتفاع يحكم بأن له الولاية على التصرف اما من باب الولاية أو الوكالة.

ويجمع هذه المضامين كلها قاعدة اليد، فإن بناء العقلاء على اجراء قاعدة اليد لإثبات طبيعي الاختصاص بهذه المراتب الطولية، وبهذا يحل كثير من الموارد من دون حاجة إلى اجراء أصالة الصحة كما إذا اردنا شراء دار من شخص أو تملك منفعة منها أو استباحة منفعة منه أو غير ذلك. بل ترقى المحقق الاصفهاني «قده» حيث قال: ان بناء العقلاء على قاعدة اليد كأمارة على الملكية لا لموضوعية على الملكية، فإن عنوان الملكية لا موضوعية له بنظر العقلاء، بل ما هو المناط في بناءهم ان تكون اليد أو الاستيلاء الحسي أو الاستيلاء الاجتماعي امارة على حق الاختصاص الاعم من الملكية ومراتبها. فمثلاً: إذا وجدنا امرأة تحت يد رجل حكما بأن له حق اختصاص فيها من باب الزوجية أو ملك اليمين، فإن الزوجية موضوع يثبت نوع اختصاص من قبل الزوج بالزوجة، أو إذا وجدنا طفلا تحت شخص اثبتت اليد ان له حق اختصاص ولو من باب الولاية على الطفل أو كون الطفل ولداً له، فما قام عليه موضوع امارية اليد هو اماريته على نحو من الاختصاص وهذا يشمل حتى مثل هذه الموارد.

وشبيه باليد امارية سوق المسلمين على كون اللحم فيه مذكى، فيصح شراءه وتناوله، أو امارية يد المسلم على التذكية إذا كان يتصرف في اللحم تصرف المذكى.

وكذا حجية خبر ذي اليد فيما تحت يده إذا اخبر بأنه طاهر أو نجس، فإن هذه الموارد المشتركة مع اليد بحسب النتيجة تحل كثيراً من الموارد التي يشك فيها في الصحة وعدمها.

ومن هذه القواعد: «قاعدة الفراغ» فإن مفاد معتبرة محمد بن مسلم «كل شيء شككت فيه مما قد مضى فامضه» مطلق يشمل عمل النفس ويشمل عمل الغير ولا قرينة على اختصاصه بعمل النفس. وبإطلاقه يشمل العقود والإيقاعات والتقسيمات والأفرازات في موارد الشركة وغير ذلك.

وبالتالي فيمكن بنفس قاعدة الفراغ اثبات صحة كثير من اعمال العقلاء الاعتبارية والحسية بلحاظ الاثر الشرعي أو بلحاظ الاثر العقلي من دون حاجة إلى اقحام أصالة الصحة.

فإن قلت: بان كثيراً من هذه الموارد يقع الشك في صحتها اثناء العمل بينما موضوع أصالة الصحة الشك بعد العمل؟

قلنا: مقتضى اطلاق محمد بن مسلم ان الشك الفعلي بعد العمل موضوع لترتيب آثار الصحة وإن حصل شك أثناء العمل، فوجود الشك أثناء العمل لا يضر بإجراء القاعدة بعد الفراغ من العمل بمقتضى اطلاق هذه النصوص.

وبهذا تخرج موارد كثيرة عما يسمى بأصالة الصحة. ومن هذه القواعد «الاستصحاب» استصحاب الملكية، استصحاب الولاية استصحاب الزوجية، استصحاب الحق، استصحاب الوكالة، وبذلك نستغني عن اجراء أصالة الصحة في مثل هذه الموارد.

ومن هذه الموارد: قاعدة «لا تنقض السنة الفريضة» المستفادة من ذيل صحيحة زرارة حيث إن مفادها: نفي الارتباطية بين الفرائض والسنن في حال العذر.

فالارتباط بين الفرائض والسنن حيث يبطل المركب بالاخلال بسننه انما يحصل في حال عدم العذر، واما في حال العذر فلا ارتباط بين الفرائض والسنن، بحيث لو أخل بالسنة عن نسيان أو جهل قصوري أو اضطرار أو اكراه فإن العلم صحيح. وبهذا يمكن اثبات الصحة الواقعية فضلاً عن الصحة الظاهرية في كثير من الأفعال بالنسبة إلى فعل الغير سواء كان عبادة أم معاملة بالمعنى الأخص كالعقود والإيقاعات، أم بالمعنى الاعم كالتطهير ونحوه.

ومن هذه القواعد «قاعدة الإقرار والاحترام»، حيث عبّر بعض الفقهاء عن هذه القاعدة بأنها قاعدة الإلزام «ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم» وحيث لم تثبت هذه الرواية سنداً وأمثالها نرجع إلى المرتكز العقلائي وما قام عليه المرتكز العقلائي ليس هو عنوان الالزام بل هو عنوان الاقرار والاحترام بمعنى انه متى ما وجدت طوائف مختلفة من حيث الدين أو المذهب في منطقة معينة أو مجتمع معين فإن بناءهم على السلم الاجتماعي واحترام كل طائفة للطائفة الأخرى في دينهم وعقودهم وإيقاعاتهم أو فقل قام ارتكاز عقلائي عام على اقرار كل ملة أو دين أو مذهب على قانونه. فيرتب آثار الصحة الواقعية على عقوده وإيقاعاته.

نعم تدل نصوص على هذه القاعدة، منها: حكم بعض النصوص بالضمان على من اتلف خنزيرا أو خمرا لذمي. أو مثلاً ما دل في بعض النصوص أن لكل قوم نكاحاً، وأمثال ذلك.

ومن هذه القواعد: «أن من ملك شيئاً ملك الإقرار به» فكل من ثبتت له الولاية على عمل إذا اقر بان العلم صدر منه أو ان العلم صدر منه صحيحاً يقبل قوله: فمن طلق امرأة وثبتت له الولاية على طلاق المرأة إذا ادعى انه اصدر الطلاق أو ادعى انه اصدر الطلاق صحيحاً يؤخذ بكلامه بمقتضى قانون من ملك شيئا ملك الإقرار به.

ومنها: «قاعدة الائتمان بالوكيل» حيث ورد في بعض النصوص: «الأمين لا يضمن» فمتى ما وكلنا شخصا على عمل كان مؤتمنا عليه، ومقتضى ائتمانه عليه هو قبول قوله بأنه اصدر العمل الموكل فيه صحيحا من طلاق أو عقد أو بيع أو ما اشبه ذلك.

ومن هذه القواعد: من ورد في مرسلة يونس عن بعض رجاله عن أبي عبد الله× قال: خمسة أشياء يجب على الناس ان يؤخذوا بها بظاهر الحال: الولايات والتناكح والمواريث والذبائح والشهادات، فلو تمت هذه الرواية سنداً فإن مفادها كما ذكر صاحب الوافي في معناها يعني ان المتولي لأمور غيره إذا ادعى النيابة قال، وجدنا شخصا يتولى امور شخص وادعى انه نائم عنه أو وصي عنه يقبل كلامه، أو من وجدناه مباشرا لامرأة إذا ادعى انه زوجها يقبل كلامه، أو وجدنا متصرفاً في تركة ميت إذا ادعى أنه وارث يقبل كلامه، أو وجدنا من يبيع لحماً إذا ادعى انه مذكى يقبل كلامه. أو وجدنا شاهدا على امر إذا ادعى انه عالم بما شهد به ولا معارض له يقبل كلامه، إذن الأخذ بالظاهر «ظاهر الحال» بالولايات والتناكح والمواريث والذبائح والشهادات لو تمت فإنه قاعدة أصلا توجب لغوية جريان أصالة الصحة في اغلب الموارد.

إذن بالنتيجة: مقتضى هذه القواعد الاستغناء عن أصالة الصحة في كثير من الموارد، بل يكفينا الاحتمال، أي اننا نحتمل ان مجرى عمل العقلاء على ترتيب آثار الصحة ليس استناداً لأصالة الصحة بل لهذه القواعد، صحيح ان هذه القواعد على اقسام: فقسم منها ناظر لأثر العمل لا للعمل، كجريان بناء العقلاء على امارية اليد على الملكية، فإن نظرهم للنتيجة وهي ثبوت الملكية بغض النظر عن السبب وبغض النظر عن أن الملكية جاءت من عمل كالشراء أو من إرث، بغض النظر عن ذلك فهي ناظرة للنتيجة. وهكذا قاعدة اقرار كل مذهب على ما هو عليه، فإنها ناظرة للنتيجة وهي ثبوت الزوجية أو البينونة أو الارث سواء جاء ذلك عن طريق عمل أم لا؟

وقسم منها ناظر لتوسعة دائرة الجعل مثل قانون «لا تنقض السنة الفريضة» فإن مفاده النظر لمقام الجعل وهو تضييق الارتباط بين السنة والفريضة بحال عدم العذر وتوسعة الصحة بمعنى سقوط الامر بفرض الاخلال بالسنة عن عذر. وقسم منها ناظر للعمل وإثبات صحته عند الشك كقانون: من ملك شيئاً ملك الإقرار به، مثلا. هذا إمارة قولية على صحة العمل، وهناك امارة غير قولية كإجراء قاعدة الفراغ في عمل الغير بناء على إطلاق صحيح محمد بن مسلم، والمقصود أن هذه القواعد وإن لم يكن مفادها متطابقاً تماماً عن مفاد أصالة الصحة باعتبار ان بعضها ناظر للأثر وليس لسبب الأثر، وليس ناظراً لعمل. ولكننا نريد ان نقول: ان ما استدل به الشيخ وغيره من انه لو لم تكن أصالة الصحة حجة لوقع محذور اختلال النظام غير تام، إذ ما دام يحتمل الاستناد في كثير من الموارد إلى غير أصالة الصحة فلا يثبت من عدم حجيتها محذور اختلاف النظام. فتأمل.

والحمد لله رب العالمين.

أصالة الصحة | الدرس 11
أصالة الصحة | الدرس 13