نص الشريط
أصالة الصحة | الدرس 15
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 12/9/1437 هـ
مرات العرض: 1817
المدة: 00:26:47
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (669) حجم الملف: 6.1 MB
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين

الصورة الثانية: ما إذا احرز انه الفاعل عالم بالصحيح والفاسد. وأحرز أنّ رأيه مخالفه لرأي الحامل. فالتخالف على نحوين:

إذ تارة يكون على نحو التباين، وأخرى على نحو العموم والخصوص المطلق.

أما النحو الأول: وهو التخالف بين رأيه ورأينا على نحو التباين، كما إذا كان يعتقد وجوب الجهر بالقراءة في ظهر يوم الجمعة، وكان معتقدنا وجوب الاخفات بها، أو كان بمانعية التكبيرة الخامسة من صحة صلاة الجنازة وكان معتقدنا شرطية التكبيرة الخامسة في صحة صلاة الجنازة.

فهنا اتفق الأعلام على عدم جريان أصالة الصحة بمعنى حمل فعله على الصحيح الواقعي.

والوجه في ذلك: انه ان قلنا بأن أصالة الصحة أمارة عقلائية بمعنى ان ظاهر حاله إتيان العمل على وفق ما هو الصحيح الواقعي، فالواضح ان نكتة الامارية والكاشفية لا تشمل مثل هذا الفرض. والوجه في ذلك: إن للعمل ظهورا في موافقة الواقع، وظهورا في موافقة المعتقد. فالتحفظ على الامارية من جهة الظهور الأول دون الظهور الثاني تفكيك غير عقلائي، بأن يقال: بأن ظاهر عمله جريانه على وفق الواقع مخالفاً لما هو متعقدته فيتحفظ على الظهور الأول المساوق للمضادة للظهور الثاني. ومن الواضح ان الظهور لا ينعقد ولا يكون العمل أمارة على شيء مخالف للواقع من جهة أخرى.

وإن قلنا بأن أصالة الصحة أصل عقلائي نظامي فهناك وجهان لبيان عدم شموله لمثل هذا الفرض وهو فرض إحراز الاختلاف بين الفاعل والحامل على نحو التباين.

الوجه الأول: أن حمل عمله على الصحيح الواقعي مخالف لأصالة عدم الغفلة والاشتباه، لأنه ان صدر منه العمل على وفق الصحيح الواقعي فقد صدر منه على نحو الغفلة والاشتباه، إذ المفروض ان متعقده خلاف ذلك، فلازم إجراء أصالة الصحة في المقام بحمل فعله على الصحيح الواقعي مصادمة أصل عقلائي آخر وهو أصالة عدم الغفلة والاشتباه.

الوجه الثاني: أن بناء العقلاء دليل لبي يقتصر فيه على القدر المتيقن، والقدر المتيقن ما لم يحرز اختلاف الفاعل والعامل على نحو التباين.

وقد يقال: على مبنى السيد الأستاذ «دام ظله» من إطلاق قوله في معتبرة محمد بن مسلم: «كل ما شككت فيه مما قد مضى فأمضه كما هو» شمول مفاد الرواية لمحل كلامنا.

ولكنه أجاب عن ذلك بنحوين:

النحو الأول: ان لا اطلاق للرواية في محل الكلام باعتبار تقيد مفادها بالمرتكزات العقلائية، وبما أن تصحيح عمل الفاعل في هذا الفرض مخالف لاصالة عدم الغفلة والاشتباه فيكون اطلاق مفاد المعتبرة في مثل هذا الفرض مصادما مع المرتكز العقلائي، ومن الواضح أننا حتى لو حلمنا مفاد المعتبرة على التعبد فلا اطلاق للتعبد لما هو مصادم للمرتكز العقلائي من جهة. نعم قد يكون التعبد موسعاً وشاملا لما لم يشمله المرتكز العقلائي، ولكنه لا اطلاق له لفرض مصادمته مع المرتكز العقلائي.

الوجه الثاني: على فرض الاطلاق وعدم المصادمة مع المرتكز العقلائي فإنه مقيد بموثقة ابن بكير «هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك».

بتقريب: ان هذه الفقرة سواء حملت على العلة التامة المنحصرة أو حملت على العلة التامة غير المنحصرة أو حمل على احدى العلل وأنها حكمة للجعل، ولكن من الواضح انها بمثابة المقيد، بمعنى انها تمنع شمول دليل قاعدة الفراغ لفرض يكون منافياً لأصالة عدم الغفلة، فإن قوله «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك» امضاء لأصالة عدم الغفلة، فإذا كان مفاد هذه العبارة الامضاء لأصالة عدم الغفلة اذن بالنتيجة لو فرضنا اطلاق معتبرة محمد بن مسلم فإن هذا الاطلاق مقيد بقوله في موثقة ابن بكير «هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك» لأن ظاهرها عدم شمول مفاد قاعدة الفراغ لفرض مصادمة التعبد بالصحة لأصالة عدم الغفلة، فإننا وإن لم نشترط في جريان أصالة الصحة احتمال الغفلة «يعني على مبنى السيد الأستاذ» حيث إن أصالة الصحة وقاعدة الفراغ تجري إذا احتملنا ان الخلل ناشئ عن احتمال الغفلة أو احتملنا ان الخلل ناشئ عن احتمال الخطأ أو احتلمنا أن الخلل ناشئ عن احتمال الجهل بالحكم، أو احتملنا أن الخلل ناشئ عن احتمال عدم المبالاة، فبناء على مفاد اطلاق الرواية لجميع هذه الصور تعبداً إلا أنه مع ذلك لا اطلاق لها لفرض كون التعبد بالصحة منافياً لأصالة عدم الغفلة بمقتضى قوله «هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك» وإن اعتبرنا هذه الجملة حكمة بمعنى انها احدى العلل أو جزء العلة، فإن في تعبير علمائنا بالحكمة معنيين:

المعنى الأول: أن يراد بالحكمة انه مجرد مبرر اقناعي للمخاطب وان لم يكن لها دخل للحكم وجودا ولا عدما كما ذكر بعضهم في قوله عزّ وجلّ: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأٍ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين أن ما ذكر من الكبرى في ذيل الآية مجرد حكمة، بمعنى المبرر الاقناعي للمخاطب وان لم يكن له دخل في الحكم لا وجوداً ولا عدماً، فيتصور بناء عليه: ان يكون الحكم شاملاً للمورد الذي يتنافى مع هذا المبرر الاقناعي، ولكن هذا التفسير لمعنى الحكمة خلاف الظاهر جداً؛ أولا: ظاهر كلام الإمام في مقام التعليل أو التبرير هو انسجام الحكم مع التعليل لا اقل بنحو لا يكون الحكم ملغيا ً للتعليل فإنه لا يشمل فرض كون الحكم ملغياً للتعليل، فإن هذا موجب للتهافت عرفاً بين التعليل والحكم. فلا يتصور شمول في مفاد الرواية المقترنة بالتعليل ان يشمل الحكم ما هو موجب لإلغاء التعليل، فإن هذا موجب للتهافت، لذلك حمل الحكمة على مثل هذا المعنى الذي لا يتنافى مع شمول الحكم لما ينافي مورد التعليل خلاف الظاهر عرفاً.

المعنى الثاني: إن المراد بالحكمة أنها احدى العلل، أو جزء العلة، فإذا كانت احدى العلل أو جزء العلة، فإن الحكم وان لم يدر مدارها وجوداً إلا انه يدور مدارها عدماً بمعنى انه لا شمول للحكم في فرض منافاة هذه العلة أو منافاة جزء العلة، فإن هذا خلف دخله للحكم ولو بمقدار الجزئية.

إذن بالنتيجة: لو فرضنا الإطلاق في أدلة قاعدة الفراغ الاخرى فإنه مقيد بمثل موثقة ابن بكير.

النحو الثاني: أن يكون التخالف على نحو العموم والخصوص المطلق، كما إذا كنا نعتقد بوجوب السورة في الفريضة وإمام الجماعة لا يتعقد بوجوبها ولكنه يعتقد باستحبابها فنحتمل انه أتى بالسورة، أو معتقدنا اشتراط العربية في صحة عقد النكاح ومن اجرى العقد يرى جواز العقل بالفارسية الا انه يحتمل أتى بالعقد على طبق اللغة العربية.

وقد ذكر السيد الأستاذ «دام ظله» بأنه يمكن تصحيح العمل بمثل هذا الفرض بإطلاق معتبرة محمد بن مسلم «كل ما شككت فيه مما قد مضى فأمضه» قال: ولعل السيرة أيضاً على ذلك فإنهم لا يتوقفون على إجراء العقد ممن لم يتعقد جواز الفارسة في العقود في تمامية الزواج مثلا مع ان الحامل يقول باعتبار العربية مثلا في مثل عقد النكاح.

الصورة الثالثة: ما إذا علم بأن الفاعل عالم بما هو الصحيح والفاسد الا أننا لا نحرز ان رأيه موافق لرأينا أم لا؟ أي لا يحرز ان رأيه موافق لرأي الحامل أم لا؟

وقد ذكر الشيخ الأعظم قال: وإن جهل الحال فالظاهر الحمل _الحمل على الصحة_ لجريان الأدلة بل يمكن جريان الحمل على الصحة في اعتقاده.

وذكر كثير من الأعلام أن السيرة قامت على جريان أصالة الصحة في هذه الصورة، فإنهم يصلون خلف الإمام من دون تحقق في انه هل قرأ السورة أم لا؟

وذكر السيد الأستاذ بحسب ما نقل عنه بانه: ولا يبعد أن يكون هذا هو الصحيح.

ثم قال: وذلك من أجل أنه إذا شك في ان الفاعل هل اشتبه في ذلك القانون أم لا؟ فالأصل انه لم يشتبه.

أقول هنا تعليقتان:

التعليقة الأولى: من الواضح ان أصالة عدم الاشتباه لا تعين احد الطرفين، إذ ما دام الفاعل ممن يرى صحة عقد النكاح بالفارسية والعربية فإن أصالة عدم اشتباهه وخطأه وغفلته كما تنسجم مع إجراء العقد بالفارسية تنسجم مع إجراء العقد بالعربية، وبالتالي فأصالة عدم الاشتباه لا تعين احد الطرفين فلعله اجرى العقد بالفارسية لاعتقاده بصحة ذلك، إذن فمجرد إجراء أصالة عدم الاشتباه لا يعين الحمل على الصحيح الواقعي.

ولذلك نقول: حيث ان دليل أصالة الصحة السيرة العقلائية وهو لبي فلا نحرز شموله لفرض الجهل بمعتقده فلعل معتقد مخالف لنا على نحو التباين، فإذا كان معتقده مخالف لنا على نحو التباين وقلنا بأن جريان أصالة الصحة في فرض التباين غير تام سواء كانت أصالة الصحة أمارة أم أصلاً عملياً حينئذٍ لا نحرز العقلاء على جريان أصالة الصحة حتى في مثل هذا الفرض.

استدراك بالنسبة إلى الصورة الثانية:

السيد الأستاذ فصّل بين فرضين: حيث نقل عنه أنه قال: إن الشك إذا كان حال العمل وأثناءه فلا وجه لجريان أصالة الصحة، وأما إذا كان بعد العمل فيمكن تصحيح العمل بقانون «كل ما شككت فيه مما قد مضى فأمضه».

والكلام في هذا التفصيل، فنقول: هل ان مبناه عدم جريان أصالة الصحة إذا شك في حال العمل مطلقاً؟ فإن كان هذا مبناه فهو منافٍ لإطلاق السيرة العقلائية القائمة على إجراء أصالة الصحة حتى في فرض الشك أثناء العمل.

واذا كان مبناه ان هنا خصوصية في المقام، وهو انه إذا شك في حال العمل فلا معين لحمل فعله على الصحيح الواقعي، باعتبار ان مدرك حمل الفعل على الصحيح الواقعي أصالة عدم الغفلة. وأصالة عدم الغفلة مشتركة بين الوجهين، فإذا شككنا في صحة عمل الفاعل وكان الشك أثناء العمل فإن إتيانه بالعمل على وفق الصحيح الواقعي منسجم مع أصالة عدم الغفلة والاشتباه، وإتيانه بالعمل على وفق الصحيح بحسب متعقدة أيضاً منسجم مع أصالة عدم الغفلة والاشتباه، فحيث لا يوجد لنا أصل يعين احد الطرفين بمعنى ان أصالة عدم الغفلة والاشتباه لا تصلح ان تكون معينة للحمل على الصحيح الواقعي دون الحمل على الصحيح الاعتقادي بنظره، لذلك لا تجري أصالة الصحة أثناء العلم بينما تجري بعد العلم لا بناء على أصالة عدم الغفلة كي يقال بأنه لا يعين احد الطرفين بل بمقتضى اطلاق معتبرة محمد بن مسلم. ونقول: هذا الكلام يتم لو لم نستند للسيرة العقلائية، أما إذا استندنا لدليلية السيرة العقلائية على أصالة الصحة فإن المستند هو نفس إجرائهم أصالة الصحة وليس المستند الاستناد إلى أصالة عدم الغفلة فقد ذكرنا سابقا بأن أصالة عدم الغفلة بمثابة الموضوع المنقح لمجرى أصالة الصحة، ولأجل ذلك فالمستند في إجراء أصالة الصحة عند الشك في أثناء العمل نفس السيرة العقلائية القائمة على هذا الأصل بعينه، لا الاستناد إلى أصالة عدم الغفلة كي يقال بأنه ليس معيناً لأحد الطرفين فنعود إلى الصورة الثالثة وقد ذكرنا ما هو الحكم فيها.

الصورة الرابعة: ما إذا عُلِمَ أنه جاهل بالصحيح والفاسد، وقد استشكل الشيخ الأعظم في جريان الأصل في هذه الصورة، لأنه إن كان أصالة الصحة من صغريات أن ظاهر حال المسلم الإتيان بالعمل الصحيح فظاهره ان ظاهر حاله الإتيان بالعمل الصحيح على وفق نظره، الإتيان بالعمل الصحيح الواقعي. مضافاً إلى ان هذا الظهور إنما يتحقق في العالم المتلفت، فنقول: ظاهر حال المسلم المتلفت إلى القانون أن عمله على وفق القانون، وأما إذا احرزنا انه جاهل بالقانون فلا إطلاق لهذا الأصل وهو أصالة ظهور حال المسلم في موافقته للقانون.

وإن كان أن المستند هو أصالة الصحة بالمعنى الأعم مستندين في ذلك إلى السيرة فالسيرة دليل لبي لا يحرز شموله لما إذا احرزنا جهله بالقانون.

ودعوى المحقق الهمداني ان اغلب العوام جهلة بالقانون ومع ذلك لم يتوقف احد في إجراء أصالة الصحة في عملهم، فهذا أول الكلام فإن إحراز مورد قام الغير فيه بعمل ولم يحصل لنا اطمئنان بصحة عمله ولم تقم أمارة عقلائية من شهادة ثقة أو حجية خبر ذي اليد فيما تحت يده أو كبرى من ملك شيئا ملك الإقرار به، وانحصر المورد في الشك في صحة عمله من دون قيام أمارة عقلائية على ذلك ولم تكن الصحة مجرى للاستصحاب ولا لقاعدة خاصة كقاعدة لا تنقض السنة الفريضة، أو قاعدة الإقرار والمقاصة النوعية ونحو ذلك، إحراز وجود مورد وقع الشك الفعلي في صحة عمل الغير من دون أي أمارة أخرى واحرزنا أنّ الفاعل جاهل ومع ذلك بنى العقلاء على ترتيب آثار الصحة الواقعية هذا غير محرز.

نعم، بناء على إطلاق معتبرة محمد بن مسلم الذي قال به السيد الأستاذ يمكن ذلك، ولكن هذا أول الكلام.

الصورة الخامسة: أن يكون الفاعل مجهول الحال بمعنى أننا لا ندري أصلاً انه عالم بالحكم أو جاهل به؟

وهنا أيضاً قد تسمكوا بالسيرة العقلائية والإشكال هو الإشكال.

والحمد لله رب العالمين.

أصالة الصحة | الدرس 14
أصالة الصحة | الدرس 16