نص الشريط
أصالة الصحة | الدرس 22
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 23/9/1437 هـ
مرات العرض: 1817
المدة: 00:20:11
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (607) حجم الملف: 4.6 MB
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين

ما زال كلامنا في الشك في الصحة الفعلية وأنه إذا دار الأمر بين الصحة الفعلية والتأهلية فهل تتكفل أصالة الصحة بإثبات الصحة الفعلية أم لا؟ وذكرنا ان لهذا البحث فروعاً:

الفرع الأول: ما إذا احرز الإيجاب وشك في القبول، فقد أفيد بعدم جريان أصالة الصحة لإحراز القبول، وقد علل ذلك بوجوه، مضى الكلام في الوجه الثاني.

الوجه الثالث: ما ذكره العلمان النائيني والخوئي «قده» من ان موضوع أصالة الصحة لدى السيرة هو ما إذا احرزت الأهلية والقابلية وشك في الصحة، وأما مع الشك في أصل الأهلية والقابلية فليس المورد مجرى لأصالة الصحة ومن الواضح ان الشك في وجود القبول مساوق للشك في الأهلية والقابلية فلا يكون موضوعاً لأصالة الصحة.

وقد أورد على ذلك السيد الأستاذ «دام ظله» كما نقل عنه:

بأن العلمين يجريان أصالة الصحة عند الشك في إعمال السلطنة كما لو افترضنا ان ولي الوقف عندما باع الوقف هل باعه بإعمال ولايته أم باعه عصياناً، فإذا شككنا في أن البيع اقترن بإعمال الولاية والسلطنة أم لا؟ فهما يجريان أصالة الصحة في مثل ذلك، وبناء على هذا النقض فيأتي الكلام بأنه:

إذا لم تجري أصالة الصحة عند الشك في الأهلية والقابلية لم تجر أصالة الصحة عند الشك في إعمال السلطنة وذلك لأن إحراز الأهلية والقابلية ما هو إلا طريق لإحراز الولاية الفعلية، فالمنظور العقلائي لأهلية المتعاقدين وأنه شرط في صحة المعاملة لا لموضوعية لأهلية المتعاقدين بل لأن أهلية المتعاقدين طريق لثبوت الولاية الفعلية للعقد، أي انه طريق لإثبات أن العقد صدر عن ولاية بالفعل. فبما أن الأهلية مجرد طريق للولاية بالفعل فمقتضى ذلك انه إذا لم تجري أصالة الصحة عند الشك في الأهلية لم تجري أصالة الصحة عند الشك في إعمال السلطنة بالفعل، مع أنهم يجرون أصالة الصحة في هذا الفرض، وبالتالي يقال: بناء على مبناكم من جريان أصالة الصحة عند الشك في الولاية الفعلية فلا نحتاج إلى إحراز الأهلية إذ المفروض ان الأهلية ما هي الا مقدمة وطريق لإثبات الولاية بالفعل، فإذا امكن إثبات الولاية بالفعل بأصالة الصحة فلا حاجة لإحراز الأهلية في جريان أصالة الصحة.

وبالتالي بناء على هذا المبنى: لا مانع من جريان أصالة الصحة عند الشك في القبول.

ولكن يمكن المناقشة فيما أفاده:

أولاً: لم يثبت ان العلمين يجريان أصالة الصحة عند الشك في الولاية بالفعل. كما إذا شككنا في أن ولي الوقف هل باع عن ولاية، أي هل باع عن إعمال ولاية أم لا؟ وشككنا في أن ولي الطفل هل باع مال الطفل عن إعمال ولاية أم لا؟ وإنما باعه عصيانا مثلا أو لغواً؟ فإنهم لم يحرز بنائهم على إجراء أصالة الصحة في مثل هذا الفرض.

وثانياً: على فرض ان النقض وارد عليهما الا ان المقام وهو الشك في القبول ليس من قبيل الشك في الأهلية والقابلية بل من قبيل الشك في المقتضي، بمعنى: أن للعلمين ان يخلصا من الإشكال بأن يقولا: تارة يقع الشك في الصحة لأجل الشك في أهلية المتعاقدين، وتارة يقع الشك في الصحة لأجل الشك في تمامية المقتضي للصحة. ونحن إذ نقول بأن العقلاء لا يحرز إجرائهم أصالة الصحة عند الشك في أهلية المتعاقدين فمن باب أولى ان لا نحرز بنائهم على جريان أصالة الصحة عند الشك في المقتضي وهو القبول، أي إذا كان الشك في أهلية المتعاقدين ليس مورداً لأصالة الصحة فالشك عند أهلية المعاملة لأن تكون صحيحة لأجل الشك في وجدانها للقبول ليس مورداً لأصالة الصحة من باب أولى. فلا يرد النقض علينا بأنكم تجرون أصالة الصحة عند الشك بالولاية بالفعل، والمفروض أن الأهلية ما هي الا مقدمة لثبوت الولاية بالفعل، لأننا نقول: إنما هذا يتم بلحاظ أهلية المتعاقدين فيقال: بأن اشتراط الصحة بأهلية المتعاقدين لا لموضوع في أهليتهما، بل لأن أهليتهما مقدمة وطريق للولاية بالفعل، اما أهلية العقد فليس طريقا ومقدمة لثبوت الولاية بالفعل كي يقال بأنه إذا تم بنائكم على جريان أصالة الصحة عند الشك في الولاية بالفعل فلا حاجة لإجراء أصالة الصحة عند الشك في الأهلية، فإن الأهلية التي تعد بالمنظور العقلائي مقدمة للولاية بالفعل هي أهلية المتعاقدين لا أهلية العقد، بأن يكون واجداً لتمام أركانه وعناصره، فإنها موضوع لأصالة الصحة بنظر العقلاء، لا أنها مقدمة وطريق للولاية بالفعل كي يكون موضوع إجراء أصالة الصحة عند الشك في الولاية بالفعل مغنيا عن لزوم إحراز الأهلية.

الوجه الرابع: أن يقال: إن الإيجاب معلق على القبول. وبيان ذلك:

إنّ للإيجاب بمعنى التمليك بعوض مرحلتان، مرحلة التمليك الإنشائي، ومرحلة التمليك الفعلي. فالتمليك الإنشائي يتحقق بمجرد الإيجاب، ولكن التمليك الفعلي إنما يتحقق بانضمام القبول، نظير الوصية والتدبير، فكما ان في الوصية لو أوصى على نحو التمليك لشخص، يقال بأن ما هو متحقق بالوصية قبل الموت هو التمليك الإنشائي، واما التمليك الفعلي فهو متحقق على تحقق الموت، كذلك في التدبير مثلاً فإن الحرية المتحققة بالتدبير هي الحرية الإنشائية، وأما الحرية الفعلية فهي متوقفة على حصول شرطها وبالتالي فيقال: بأنه هناك تمليك إنشائي يتحقق بالإيجاب وتمليك فعلي يتوقف على القبول، وبالتالي: إذا شككنا في تحقق القبول فليس مورداً لأصالة الصحة، لأن الصحة عبارة عن الآثار المعاملية الفعلية وهذه الآثار موضوعها ما كان تمليكا بالحمل الشائع لا ما كان تمليكا بالحمل الأولي، والمفروض ان التمليك بالحمل الشائع منوط بوجود القبول، فما لم يكن هناك قبول فلا تمليك بالحمل الشائع وإنما هو حاصل إنما هو التمليك الإنشائي أي التمليك بالحمل الأولي.

وقد ذكر السيد الأستاذ «دام ظله» بأن هذا الوجه هو المختار لعدم جريان أصالة الصحة عند إحراز الإيجاب والشك في القبول.

ولكن للتأمل فيه مجال، والسر في ذلك:

أن موضوع الآثار المعاملية الفعلية هو التمليك بالحمل الشائع، لكن هل يتوقف التمليك بالحمل الشائع على حصول القبول أم لا؟

إن قلنا بأن المقتضي للأثر متوقف على القبول بمعنى أن العقلاء يرون أن العقد أو أن عنوان البيع مركب من الإيجاب والقبول فما هو موضوع لأصالة الصحة ما كان تمليكا بالحمل الشائع، وما هو تمليك بالحمل الشائع ما يصدق عليه أنه بيع بالحمل الشائع، لأن التمليك بالحمل الشائع بنظر العقلاء مساوق لحصول المعاملة بالحمل الشائع. فما كان إجارة بالحمل الشائع أو صلحا بالحمل الشائع أو هبة بالحمل الشائع فهو تمليك بالحمل الشائع لا انه مجرد مفهوم للتمليك. فإن قلنا بأن البيع نظر العقلاء مركب من الإيجاب والقبول فرجع هذا الوجه إلى الوجه الأول وليس وجهاً مستقلاً، فقد أفيد في الوجه الأول بأن موضوع أصالة الصحة إحراز أصل العنوان فما لم يحرز عنوان المعاملة وهو البيع فليس مجرى لأصالة الصحة والمفروض ان عنوان البيع متقوم بالإيجاب والقبول، وهنا قيل بأن ما هو موضوع لأصالة الصحة التمليك بالحمل الشائع، بالنتيجة لا يتحقق تمليك بالحمل الشائع الا بالبيع بالحمل الشائع فإذا كان البيع بالحمل الشائع متوقفا على الإيجاب والقبول فرجعت النكتة إلى نكتة الوجه الأول، غاية الأمر اختلاف الصياغة، هناك قلنا موضوع أصالة الصحة إحراز أصل عنوان المعاملة وهنا قلنا موضوع أصالة الصحة ما هو تمليك بالحمل الشائع، الا انه مع الالتفات إلى أن ما هو تمليك بالحمل الشائع ما كان معاملة بالحمل الشائع فلم يبقى فرق جوهري بين الفرضين.

والمفروض ان السيد الأستاذ «دام ظله» ناقش في الوجه الأول بأن البيع لدى المرتكز العقلائي هو عنوان للإيجاب وليس مركباً من الإيجاب والقبول فمقتضى مناقشته ان ما هو تمليك بالحمل الشائع هو الإيجاب ولا يتوقف التمليك بالحمل الشائع على انضمام القبول، بلحاظ أن الإيجاب ليس تمليكا بالحمل الأولي فإن التمليك بالحمل الأولي هو عبارة عن إبراز عنوان التمليك بأن يقول: ملكت فلان كذا سواء كان هذا الإبراز بقصد الإخبار أم بقصد الإنشاء أم بقصد التلفظ أم بقصد تعلم اللغة، فمتى ما أبرز كلمة التمليك كان تمليكا بالحمل الأولي، إخباراً أو إنشاءً تعلما، ومن الواضح فليس مؤدى الإيجاب هو إبراز التمليك أي إبراز عنوان التمليك وإنما مؤدى الإيجاب هو إنشاء تمليك عين بعوض عن إرادة جدية، وهذا مصداق للتمليك بالحمل الشائع لا للتمليك بالحمل الأولي. فإذا قلنا بأن البيع يتحقق بالإيجاب فالإيجاب تمليك بالحمل الشائع، بل حتى لو قلنا بأن البيع مركب من الإيجاب والقبول، لكنه من الواضح أن الإيجاب تمليك بالحمل الشائع، غاية ما في الباب ان هذا التمليك بالحمل الشائع غير تام الاقتضاء ما لم ينضم إليه القبول، فالصحيح في منع جريان أصالة الصحة في هذا الفرع وهو ما إذا شك في القبول هو أن الصحة الفعلية متأخرة رتبة عن الاقتضاء فما لم يحرز المقتضي للصحة الفعلية فليس موضوعاً لأصالة الصحة لدى المرتكز العقلائي، والبيع المؤلف من الإيجاب والقبول سواء كان القبول مقوماً لعنوان البيع أم لم يكن مقتضٍ للصحة، لا ان القبول شرط للصحة بل مقتضٍ، أي حتى لو اخترنا مبنى السيد الأستاذ: ان البيع عرفاً متقوم بالإيجاب فقط، واخترنا ان ما هو تمليك بالحمل الشائع هو البيع المتحقق بالإيجاب، مع ذلك نقول: إن المقتضي للصحة بنظر العقلاء ما كان مؤلفاً من إيجاب وقبول، حتى ولو صدق البيع على الإيجاب فقط، لكن المقتضي بنظرهم للصحة ما كان مؤلفا من إيجاب وقبول فمع الشك في القبول فمرجع الشك حينئذٍ إلى الشك في المقتضي وما كان شكاً في الاقتضاء فهو متقدم رتبة على ما كان شكاً في الصحة فليس مورداً لأصالة الصحة لدى المرتكز العقلائي.

والحمد لله رب العالمين.

أصالة الصحة | الدرس 21
أصالة الصحة | الدرس 23