نص الشريط
مفهوم الإسلام في القرآن والسنة
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 29/6/1438 هـ
مرات العرض: 1901
المدة: 00:25:25
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (384) حجم الملف: 7.27 MB
تشغيل:

السائل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم. سيدنا الفاضل، ذكرتم في جوابكم أنَّ الإسلام في القرآن هو ملّة إبراهيم التي تجمع الشرائع السماوية، فما هي مقوِّمات ملّة إبراهيم؟

العلامة المنير: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين. هنا علينا أن نلتفت إلى أمرين:

الأمر الأول: أنَّ ظاهر آيات القرآن الكريم أن الدين واحد، فليس هنالك أديان متعددة، الدين السماوي دين واحد يجمع الشرائع كلها، قال تبارك وتعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ، فهناك دين واحد وهو دين الإسلام الذي يجمع كلّ الشرائع، قال تبارك وتعالى في آية أخرى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا، فاختلاف اليهودية والمسيحية وشريعة النبي محمد كلها تختلف في الشرائع وليس في الدين، الدين واحد يجمع الشرائع كلها، وهو المسمى بدين الإسلام، والفرق بينها هو فرقٌ في الشريعة، وفرقٌ في الأحكام سعةً وضيقًا، شريعة النبي نسخت كثيرًا من أحكام الشرائع السابقة، واتسّعت دائرة التشريع في هذه الشريعة المباركة، فالشرائع تختلف كمًّا وكيفًا، سعةً وضيقًا، لكن الدين الذي يجمع الشرائع كلها هو دينٌ واحدٌ، وهو المسمّى بدين الإسلام.

الأمر الثاني: نحن عندما نقول بأنَّ دين الإسلام هو الدين الواحد الذي يجمع الشرائع كلّها، وهو ملّة إبراهيم، كما قال تبارك وتعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، هذه الفطرة هي دين إبراهيم، هي دين الإسلام، ما هي مقوّمات ملّة إبراهيم؟ نقول مقوّمات ملة إبراهيم الخليل «عليه وعلى نبينا وآله أفضل الصلاة والسلام» هي الإيمان بالله وصفاته، ومنها وحدانيته وكماله وعدله، والإيمان بالنبوّة، أي: الإيمان بأنَّ لله تبارك وتعالى رسلًا وأنبياء، بسائر أنبيائه ورسله وملائكته، والإيمان بيوم القيامة، يعني الإيمان بالمعاد. التسليم بهذه الأمور والإيمان بهذه الأمور هو ملّة إبراهيم الخليل «عليه وعلى نبينا وآله أفضل الصلاة والسلام»، فمن سلّم وآمن بالله ووحدانيته وعدله، وآمن بالأنبياء والملائكة والرسل، وآمن بأوامر الأنبياء والرسل، وآمن بيوم المعاد، فقد تحقّقت فيه ملّة إبراهيم، ودخل في دين الإسلام.

وهذا المعنى الذي ذكرناه أنّ المراد بالإسلام هو ملّة إبراهيم، وهو التسليم بهذه الأمور - تعرّض له السيّد صاحب الميزان «أعلى الله مقامه» ومال إليه، في الجزء الثالث من الميزان عند حديثه عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ، قال: وكأنّ هذا المعنى هو المراد هاهنا، بقرينة ما يذكره من اختلاف أهل الكتاب بعد العلم بغيًا بينهم، فيكون المعنى - يعني معنى الآية - إنّ الدين عند الله واحدٌ لا اختلاف فيه، لم يأمر عباده إلا به، ولم يبيّن لهم فيما أنزله من الكتاب على أنبيائه إلا إياه، ولم ينصب الآيات الدالة إلا له، وهو الإسلام الذي هو التسليم للحقّ، الذي هو حقّ الاعتقاد وحقّ العمل، وبعبارة أخرى: التسليم للبيان الصادر عن مقام الربوبيّة، وهو وإن اختلف كمًّا وكيفًا - يعني تختلف الشرائع كمًّا وكيفًا، إلا أنها تجتمع تحت ذلك الدين الواحد، وهو دين الإسلام - في شرائع أنبيائه ورسله على ما يحكيه الله سبحانه في كتابه، غير أنّه ليس في الحقيقة إلا أمرًا واحدًا، كله إسلام، وإنّما اختلاف الشرائع بالكمال والنقص دون التضاد والتنافي، والتفاضل بينها بالدرجات، ويجمع الجميع أنّها تسليمٌ وإطاعةٌ لله فيما يريده من عباده على لسان رسله.

هذا المعنى الذي استفاده السيد صاحب الميزان من الآية استدلّ عليه بسياق الآيات، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يعني وما اختلف الذين أوتوا الكتاب فيه، يعني في الإسلام، ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ. إذن، هذه الآية الشريفة التي تعرّض لها أيضًا السيد صاحب الميزان.

الآية الثانية ألا وهي: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ، نلاحظ أيضًا أنّ بعض المفسّرين فسّرها بذلك، يعني بما يجمع الشرائع السماويّة المختلفة، هناك خيطٌ يجمع الشرائع السماوية المختلفة يسمّى بدين الإسلام، ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ كلّ النبيين ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا إلى أن يقول: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ما هو دين الله؟ ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ، ما هو الشيء الذي أسلم له من في السماوات ومن في الأرض؟ هو التوحيد، الخضوع، التسليم، فالإسلام الذي قال به من في السماوات ومن في الأرض الإسلام بمعنى التسليم والخضوع، ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ثم قال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ، هذا هو الإسلام الذي يجمع كلّ الشرائع، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ.

وقد ورد في بعض الروايات ما يؤيِّد أنَّ المراد بدين الإسلام هو التسليم، فمثلًا: في التوحيد وفي تفسير العياشي عن الصادق عندما تحدّث عن هذه الآية قال: ”هو توحيدهم لله عزَّ وجلَّ“، المراد بدين الإسلام توحيد الله عزّ وجلّ الذي يجمع الشرائع السماويّة كلّها.

فإذن هذا المعنى أيضًا قد يظهر من بعض الآيات الشريفة، كما نلحظ في سورة المائدة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا يعني التوراة متضمنة للإسلام، لذلك يحكم بها النبيون الذين أسلموا، ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا يعني يحكم الذين أسلموا للذين هادوا، ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ أيضًا يحكمون بذلك، ﴿وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا إلى آخر الآيات.

إذن بالنتيجة: نحن نقول بأنَّ المراد بدين الإسلام هو ملّة إبراهيم، والمراد بملّة إبراهيم التسليم، ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أي مسلِّمون، الإسلام هو التسليم الذي يتضمّن التوحيد، يعني الإيمان بالله ووحدانيته وكماله، ومن كماله عدله، والإيمان برسله وأنبيائه وملائكته، وأوامر أنبيائه، والإيمان بالمعاد، التسليم بهذه الأمور هو الإسلام، وهو ملّة إبراهيم الخليل .

السائل: هل يعني هذا الرأي أنّه لا ميزة للإيمان بشريعة النبي محمّد ، بحيث نحكم على جميع أبناء الشرائع الأخرى بأنّهم مسلمون ومن أهل الجنة، ولهم الحرمة والطهارة في هذه الدنيا؟

العلامة المنير: نحن ذكرنا بأنَّ المراد بدين الإسلام ملّة إبراهيم، والمراد بملّة إبراهيم التسليم، والتسليم يتضمّن التوحيد، ويتضمّن الإيمان بكمال الله عزَّ وجلَّ، ومن كماله عدله، ويتضمّن الإيمان بالأنبياء والرسل، ما لم يؤمن بجميع الأنبياء والرسل لم يحصل على إسلام، الذي هو بمعنى التسليم، ولذلك قرأنا الآيات المباركات، إبراهيم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء، الإيمان بجميع رسل الله وأنبيائه ركنٌ من أركان الإسلام، وركنٌ من أركان التسليم، وركنٌ من أركان ملّة إبراهيم.

نعم، من لم يدرك رسالة النبي ، مات قبل أن يبعَث النبيّ ، وآمن بجميع رسل الله وأنبيائه وإن لم يعرفهم تفصيلًا، لنفترض أنّ شخصًا عاش في زمن نوح، أو عاش في زمن إبراهيم، أو عاش في زمن موسى أو عيسى، وآمن بأنَّ لله أنبياء ورسلًا، وأنَّ لهذه الأنبياء والرسل خاتمًا يختمهم، آمن بكلّ ذلك، لكن لا يعرفهم تفصيلًا، من هو هذا الخاتم؟ ما اسمه؟ لا يعرف ذلك تفصيلًا، إلا أنّه آمن بجميع الأنبياء والرسل، مات وهو على ذلك، نعم هذا من أهل الجنّة، وله الحرمة وله الطهارة، لأنه آمن بجميع الأنبياء والرسل وإن لم يعرف أسماءهم تفصيلًا، آمن بهم وآمن بخاتمهم.

أو من أدرك نبوّة النبيّ ولم يستطع الوصول إليه، لعجزٍ فيه، بحيث يكون معذورًا في عجزه، فهو يؤمن بالنبي وإن لم يعرفه تفصيلًا، يؤمن بالنبي وإن لم يعرف اسمه تفصيلًا، نعم هذا أيضًا يحكَم له بالحرمة والطهارة.

أمّا من أدرك النبي، وأمكنه الوصول إلى معرفة دينه، فقصّر في الوصول إليه، فهذا غير معذور، ولا تشمله الآية المباركة، ولا تشمله سائر هذه الآيات، كلامنا فيمن لم يدرك أو أدرك وكان عاجزًا عن الوصول، وكان مؤمنًا بجميع أنبياء الله ورسله وخاتمهم، وإن لم يعرفهم تفصيلًا لعجزٍ فيه أو لتعذّر عنده، نعم هذا الذي نقول بأنّه تشمله الآيات المباركات.

إذن، عندما نقول بأنَّ الدين عند الله الإسلام هو ملّة إبراهيم، التي تجمع الشرائع كلّها، لا يعني هذا أن لا ميزة للإيمان بنبوّة النبيّ ، بل كلّ الميزة لها، لأنه لا بدّ من أن يؤمن بأنَّ للأنبياء خاتمًا، وإن لم يعرفه وإن لم يستطع الوصول إليه، لا بدَّ من ذلك.

ولذلك نحن قرأنا قبل قليل هذه الآية المباركة، أنّ الله تبارك وتعالى خاطب الأنبياء بأنّهم لا بدَّ من أن يؤمنوا برسالة النبيّ المصدِّق لهم، وأن يقوموا بنصرته، ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ.

فلذلك عندما نلحظ بعض الآيات القرآنية، مثلًا قوله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، مع أنّهم يهود، نصارى، صابئة، كيف لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؟ معنى هذه الآية المباركة أنَّ جميع أهل الشرائع إذا آمنوا بجميع أنبياء الله ورسله وآمنوا بخاتمهم وإن لم يعرفوه تفصيلًا لعجزٍ فيهم فهم يدخلون تحت الآية، هم من أهل الجنة، من أهل النجاة، إنّما يكونون من أهل النجاة مع أنّهم يهود ونصارى وصابئة إذا آمنوا بجميع أنبياء ورسله وآمنوا بخاتمهم وإن لم يعرفوه تفصيلًا، لا لتقصير فيهم، بل لقصورٍ وعجزٍ.

السائل: ولكن الآية ذكرت فقط ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وليس الرسل والأنبياء.

العلامة المنير: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا، إذا آمن بالله فقد آمن بجميع أوامره وآمن بجميع نواهيه، لا يصدق على الإنسان أنّه آمن بالله وعمل صالحًا إلا إذا اتّبع الأوامر التي نزلت من السماء، كيف يقال له آمن بالله وعمل صالحًا؟ كيف عمل صالحًا؟ عمل بماذا؟! لو لم يؤمن بالأنبياء واتّبع رسالاتهم لا يصدق عليه أنّه عمل صالحًا، لأنَّ العمل الصالح فرع وجود رسالات وأوامر ونواهٍ يأتمر بها حتى يصدق عليه أنّه عمل صالحًا.

السائل: هل هناك اختلافٌ في معنى الإسلام بين القرآن المجيد والروايات الشريفة؟

العلامة المنير: لا إشكال في أنَّ الروايات الشريفة حاكمةٌ على القرآن الكريم، بمعنى ما يذكره علماء الأصول عندنا، الحكومة بمعنى إمّا الشرح، إمّا التوسعة، إمّا التضييق. قد تكون الآية القرآنية مجملةً، فتأتي الرواية مفسِّرةً لها، هنا الحكومة على نحو التفسير، عندما يقول تبارك وتعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وتأتي الرواية وتقول: المؤمنون هم الأئمة الطاهرون ، هذه الرواية حاكمةٌ على الآية لأنّها في مقام تفسيرها.

أو تكون الآية واسعةً، فالرواية تضيِّقها، تأتي الرواية لتضيِّق، مثلًا: عندما نسمع قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا، فقد يسمع الإنسان الآية ويقول: أهل البيت كلّ أهل بيت الرسول، وكلّ أهل بيت الرسول يشمل أبناء الحسن، ويشمل أبناء زيد بن علي، ويشمل كذا وكذا، لأنهم كلهم ذرية فاطمة، كلهم ذرية رسول الله ، تأتي الرواية لتقول: أهل البيت الخمسة أصحاب الكساء، ومن بعدهم هم خصوص الأئمة التسعة من ولد الحسين ، فهنا تكون الرواية مضيِّقة للآية، فهي حاكمةٌ على الآية حكومة تضييق.

وقد تكون الرواية حاكمةً على الآية حكومةَ توسعةٍ، يعني الآية ناظرةٌ لفردٍ معيَّنٍ والرواية توسِّعها، كما ورد في بعض الروايات في هذه الآية المباركة: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، هذه الآية نزلت في فرد، وهو الإمام أمير المؤمنين علي ، فكيف تنطبق على الأئمة الباقين؟ توجد بعض الروايات مفادها أنّه ما من إمام من الأئمة من الإمام علي حتى الإمام الحجّة إلا وتصدّق وهو راكعٌ، فشملته الآية المباركة.

إذن بالنتيجة، نحن نقول: الرواية حاكمةٌ على الآية، إمّا حكومة تفسير، إمّا حكومة توسعة، إمّا حكومة تضييق. عندما نأتي إلى هذه الآيات التي تقول: يا أيها الذين آمنوا افعلوا كذا، ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ، أو عندما يقول: إنما المؤمنون كذا، هذا الإيمان الموجود في القرآن الكريم في أوائل عصر النبيّ المصطفى كان هذا الإيمان في أوائل دعوة النبي المصطفى هو عبارة عن الإيمان بالله، وبصفاته، والإيمان بنبوّة النبيّ والأنبياء من قبله، وأنّه خاتمهم وآخرهم، والإيمان بيوم القيامة. جاءت الروايات لتقول: الإيمان متقوِّمٌ بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، إذن فالروايات هنا ضيّقت معنى الإيمان، الإيمان في القرآن بمعنى أوسع، ولكن ببركة الروايات أصبح الإيمان القويم هو المتقوِّم بالاعتقاد بولاية الإمام أمير المؤمنين علي .

كذلك في الآيات التي ذكرناها، هذه الآيات قالت: الإسلام ملّة إبراهيم، ملّة إبراهيم هي التسليم لله تبارك وتعالى، والتسليم لله عبارة عن الإيمان به وبصفاته والإيمان بالأنبياء والإيمان بالمعاد يوم القيامة، الإيمان بالأنبياء جميعًا، من هم الأنبياء جميعًا؟ تأتي الروايات تضيِّق، تقول: ”الإسلام - كما ورد عن النبيّ - شهادة أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمّدًا رسول الله، به حُقِنَت الدماء وجرت المناكح والمواريث“، هذه الرواية تقول هكذا: الإسلام الموجود في القرآن متقوِّمٌ بهاتين الشهادتين، فلا بدَّ من أن يشهد تفصيلًا لا إجمالًا بنبوّة النبيّ ، هذا من حكومة الرواية على الآية، حكومة تضييق، لا بدَّ من أن يكون بهذا الضمن وبهذا الإطار.

وكذلك روايات متعدِّدة عندنا تتحدّث عن الإسلام، هذه طريقةٌ متّبعةٌ لدى علمائنا، حكومة الرواية على الآية، فكذلك هنا الروايات حاكمةٌ على هذه الآيات الشريفة الموجبة لجعلها متقوِّمةً بما ذكرناه.

في رحاب البتول فاطمة (ع)
تراث أهل البيت (ع) أمان للأمة