نص الشريط
الحلقة 5 | مقارنة بين المذهب الحسي والعقلي
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 6/12/2018 م
مرات العرض: 961
المدة: 00:30:36
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (180) حجم الملف: 8.75 MB
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

ما زال الكلام في المقارنة بين المذهب الحسي والمذهب العقلي، وبما أن «ديفيد هيوم» هو قمة المذهب الحسي - حيث إن المدرسة التجريبية منذ «فرانسيس بيكون» و«جون لوك» و«باركلي» انتهت إلى ديفيد هيوم - فهو الذي شيّد مباني هذه المدرسة، وهو الذي أصّل أفكارها بحيث تولّدت مدرسة فلسفية يُعبّر عنها بالمدرسة الحسية أو التجريبية.

ولذلك ذكر زكي نجيب محمود في كتابه «ديفيد هيوم» أن «هيوم» يعتبر أبًا لحركة فلسفية نعاصرها وتعاصرنا وهي الحركة المسماة بالفلسفة الوضعية المنطقية، ولأجل ذلك نحن نركز في مناقشة المذهب الحسي على ما طرحه «هيوم»، ونتعرض هنا لعدة نقاط ركّز عليها في تشييد وتأصيل المدرسة الحسية:

النقطة الأولى: رفض المبادئ الفطرية.

يعتقد المذهب العقلي أن هناك مبادئ قبلية - أي سابقة على التجربة - يُعبّر عنها بالمبادئ الفطرية، كمبدأ الهوية، ومبدأ امتناع اجتماع النقيضين، ومبدأ السببية «أن لكل مسبب سببًا»، فهذه المبادئ التي يراها المذهب العقلي أنها مبادئ فطرية مغروسة في فطرة الإنسان يرفضها المذهب الحسي.

لماذا يرفض المذهب الحسي المبادئ العقلية؟

يرى العقليون أن المبادئ العقليّة مبادئ ضرورية، بمعنى أن العقل إذا تصوّر الموضوع وتصور المحمول أدرك ضرورة ثبوت المحمول للموضوع، فالعقل إذا تصور النقيضين وتصوّر اجتماعهما أدرك بالضرورة أن اجتماع النقيضين مستحيل، إذن المبادئ الضرورية أو الفطرية هي التي إذا تصور العقل الموضوع والمحمول أذعن بضرورة ثبوت هذا المحمول للموضوع أو بضرورة انتفاء هذا المحمول عن هذا الموضوع.

إلا أن «جون لوك» يقول: لو كانت هذه المبادئ فطرية ضرورية لأدركها كل البشر، والحال بأننا نرى أن القبائل المتوحشة في أفريقيا لا تدرك هذه المبادئ ولا تعترف بها، وكذلك نرى الأطفال والبُلْه الذين لا يملكون نضجًا عقليًا غير مدركين لهذه المبادئ، فلو قيل لهم: ما هو اجتماع النقيضين؟ فقد لا يقولوا شيئًا، ولو قيل لهم: هل بالضرورة أن لكل مسبب سبب؟ فقد لا يقولوا شيئًا، إذن فهذه هي الحجة في رفض المبادئ الفطرية.

ولكن ليس المقصود بكون هذه المبادئ فطرية أنها غريزة لدى الإنسان، إذ هناك فرق بين فطرة الغريزة وفطرة العقل، ففطرة الغريزة تعني أن هناك غريزة كامنة في الإنسان بالفطرة، كغريزة الخوف وغريزة الحب، حيث أن الإنسان يخاف مما يهدد حياته ويحب ما يبقي حياته، أما فطرة العقل تعني أنه عندما نقول بأن هذا المبدأ فطري فإن العقل لو خُلّي وحده لأدركه، فلا يحتاج إلى تلقين عاطفي أو تلقين بيئي.

والمقصود من قولنا بأن هذه المبادئ ضرورية ليس كونها مرتسمة بالفعل بمعنى أن كل إنسان يولد يجد في فطرته بالفعل استحالة اجتماع النقيضين أو يجد بفطرته بالفعل أن لكل مسبب سبب، وإنما المقصود بذلك أنها كامنة فيه بالقوة وإن لم تكن مرتسمة بالفعل، بمعنى أنه لو حصل منبّه حسي لصدق بها الإنسان، فالإنسان لا يحتاج في الإيمان بهذه المبادئ إلى دليل وإلى برهان، بل يكفي أن يقوم منبّه حسي فيؤمن بهذه المبادئ.

فمثلاً لو عُرض على طفل صغير - ابن سنتين أو ثلاث - قد يفكر للتو، لو عُرض عليه جسمان فقيل له: هذا كأس وهذا جهاز، فهل هذا هو هذا؟ فسيقول: لا، فهذا معنى إيمانه بمبدأ الهوية: أن كل شيء هو هو وما ليس هو فليس هو، إذ الإيمان بمبدأ الهوية إيمان فطري لا يحتاج إلا إلى منبّه حسي، بأن يقال له هذا كأس وهذا جهاز، فهذا ليس هذا، ولو قيل له هذا وهذا هما واحد، فسيقول: لا، لا يجتمعان؛ لأن لكل منهما ميزة فلا يمكن أن يجتمعا.

وبالنتيجة: إن إيمان الذهن وإذعان العقل بمبدأ الهوية، أو بامتناع اجتماع الضدين أو النقيضين يحتاج فقط إلى منبّه حسي، فهو كامن لدى الإنسان بالقوة وإن لم يكن مرتسماً بالفعل، إنما خروجه من مرحلة القوة إلى مرحلة الفعلية يحتاج إلى منبّه من المنبّهات الحسية، ولذلك حتى القبائل المتوحشة وحتى الأطفال يحتاجون فقط إلى منبه حسي يثير عندهم إذعان العقل وإدراك العقل إدراكاً حتمياً أن هذه المبادئ ثابتة ولا إشكال فيها.

النقطة الثانية: تقسيم الصور الذهنيّة.

قسّم هيوم الصور الموجودة في الذهن إلى قسمين، وهما: الانطباعات والأفكار.

القسم الأول: الانطباعات.

أمّا الانطباعات فهي ما يدركها الإنسان إما إدراكًا ظاهريًا أو إدراكًا باطنيًا، إذ هناك فرق بين الإدراك الظاهري والإدراك الباطني، فالإدراك الظاهري هو إدراك جسم ما باللمس، أو إدراك امتداد وشكل طاولة ما، فإدراك هذه الأشياء إنما يتم عن طريق الحس، لذا يسمى إدراكًا ظاهريًا.

وهناك أشياء تُدرك إدراكاً باطنياً، كإدراكي بأنني ملتذ بالطعام، أو كوني متألمًا من إساءة فلان، أو أن في قلبي قلقًا، فهذه أشياء باطنية أدركها بوجداني لذا تسمى إدراكًا باطنيًّا.

وبالنتيجة: جميع الصور التي تصل إلى الإنسان عبر الإدراك الظاهري أو عبر الإدراك الباطني يعبرعنها بالانطباعات.

القسم الثاني: الأفكار.

والأفكار هي نفس الانطباعات، إلّا أنّها اختزنت أي بقيت في النفس، فتارة تختزن الصورة الذهنية بشكل قوي لا ينمحي، فصورة أمي لا تنمحي من ذهني لذا فهي فكرة، وإن كانت في الأصل انطباعًا، إلّا أنه بعد اختزانها بشكل قوي في الذاكرة أصبحت فكرة.

وقد تكون الصورة منطبعة لكن ليس بشكل قوي، بل بشكل متزلزل، كما لو رأينا - مثلاً - صورة إنسان في الشارع، فبقيت هذه الصورة بشكل خافت في ذهني - لا بشكل قوي -، فهذه الصورة المنطبعة أيضاً فكرة، إلا أنها في وعاء الخيال لا في وعاء الذاكرة. وعليه: كل ما هو مختزن برسوخ فهو في وعاء الذاكرة، وما هو مختزن بتزلزل فهو في وعاء الخيال، والأفكار هي الانطباعات ولكنها انطباعات ثابتة ومختزنة.

إن تقسيم هيوم للصور بهذا النحو له غاية محددة وهي أنّه يريد أن يقول: كل فكرة لا ترجع إلى انطباعات فهي وهم لا أساس لها، ولذلك هناك فرق بين الفكرة الكاذبة والفكرة الميتافيزيقية، فالفكرة الكاذبة فكرة حقيقية بينما الفكرة الميتافيزيقية فكرةٌ وهم، ومثال ذلك هو التفريق بين فكرة «جبل من ذهب» وبين فكرة «الله».

ففكرة «جبل من ذهب» فكرة حقيقية وإن كانت كاذبة، لأن هذه الفكرة نشأت عن انطباعات، فلو لم تنطبع في ذهني صورة «جبل» ولو لم تنطبع في ذهني صورة «ذهب» لما ألّف ذهني «جبل من ذهب»، فجبل من ذهب فكرة كاذبة إلا أنها فكرة حقيقية، بينما عندما نأتي لفكرة «الله» أو فكرة «الملَك» فهذه الأفكار وهم ولا تستحق حتى وصفها بالأفكار الكاذبة، لأنها لا ترجع إلى انطباعات، فنحن نقول: الله وجود أزلي لا مبدأ له ولا حد، ووجود لا مبدأ له ولا حد لا يمكن أن يأتي من الانطباعات، وعليه: بما أن هذه الفكرة لا تعود إلى الانطباعات فهي فكرة وهم لا واقع لها، وبالتالي أنكر المذهب الحسي على يد «هيوم» المعارف الميتافيزيقية.

ولنا وقفة مع هذه النقطة نسأل فيها: هل مقولة «كل فكرة لا ترجع إلى انطباعات فهي وهم» تمثل فكرة؟ والجواب أنّها فكرة ولكنها لا ترجع إلى انطباعات، وحينها نسأل: هل هذه الفكرة صادقة أم كاذبة؟ فإن كانت صادقة فقد كذّبت نفسها؛ لأنها هي بنفسها لا تعود إلى انطباعات لا ظاهرية ولا باطنية، وإن كانت كاذبة فلن تصلح أن تكون قاعدة للمذهب الحسي في إنكاره المعارف الميتافيزيقية، لأنه أنكر المعارف الميتافيزيقية بناء على هذه القاعدة، والحال أن هذه القاعدة فكرة كاذبة.

النقطة الثالثة: تداعي الأفكار.

يذكر هيوم أننا نؤمن بظاهرة موجودة في أذهاننا وهي اتصال الأفكار وترابطها، فكل فكرة تستدعي فكرة أخرى، وكل فكرة تربطها فكرة أخرى، وذكر أن هذا التداعي يرجع إلى أربعة أسباب: التشابه، والتضاد، والتجاور، والسببية.

السبب الأول: التشابه.

فلان يشبه فلان - يخلق الله كل عشرة من طينة -، ففلان الذي رأيته هنا يشبه فلانًا الذي رأيته مثلاً في ألمانيا، فمتى ما تصورت فلاناً تصورت فلاناً الآخر؛ لأنهما متشابهان، صورة الأول تجذب صورة الثاني بدافع وعامل التشابه.

السبب الثاني: التضاد.

فإذا تصورت الظلام تصورت النور، وإذا تصورت الألم تصورت اللذة، وإن تصورت القوة تصورت الضعف، وبالنتيجة: الضد يستدعي صورة ضده.

السبب الثالث: التجاور

وهو على قسمين:

التجاور الزمني: كحادثتين منفصلتين وقعتا في زمان واحد، ولكن كلما تصورت الحادثة الأولى تصورت الحادثة الثانية، مع أنه لا ربط بينهما، لكن لأنهما وقعا في وقت واحد أصبح التجاور الزمني سبباً لترابطهما.

التجاور المكاني: كحادثين وقعا في مكان واحد، وليكونا حادث حريق وحادث غرق، فلا ربط بينهما ولكن لأنهما وقعا في مكان واحد أصبح تصور هذا يستدعي تصور هذا.

السبب الرابع: السببية.

فكلما تصورنا النار تصورنا الحرارة، وكلما تصورنا الطاقة الكهربائية تصورنا الضوء.

والنتيجة التي يتوخاها هيوم من كلامه هذا هي أن إدراك الأشياء الواقعية ليس عن طريق العقل، بل عن طريق الخيال والذاكرة، وإليك توضيح نقطته بالمثال الذي ركّز عليه: عندما نسأل: كيف أدرك البرتقالة؟ هل يكون ذلك بالعقل؟ أو باجتماع الانطباعات الواردة عن إدراك ظاهري أو إدراك باطني؟

يذكر هيوم أن العقل لا دور له في ذلك، لأنني أدرك أولًا اللون وهو الانطباع الأول، ثم أدرك ثانياً - مثلاً - الرائحة وهذا انطباع آخر، ثم أدرك ثالثاً الطعم وهو الانطباع الثالث، ثم أدرك مثلاً الصلابة بلمسي فهذا انطباع رابع، فهذه الانطباعات إذا تتابعت في الذهن بحكم التجاور الزمني والمكاني أدركت أن هناك برتقالة، فإدراكي للبرتقالة جاء بسبب تداعي الأفكار، وليس لأن هناك عقلًا يدرك.

ولنا وقفة مع هذه النقطة نؤكد فيها مدخلية العقل في الإدراك: فلو لا العقل لا يمكن أن تثبت أن هناك برتقالة، ولو لا العقل لا يمكنك أن تثبت أن عندك إصبع، بل لولاه لم تدرك أنك أنت، ومجرد وجود الانطباعات لا يكفي في الإذعان بالشيء.

نأتي إلى مثال البرتقالة، فنقول:

أولاً: لو لم نؤمن سابقًا أن لكل عرض جوهر يحل فيه لما آمنّا أن وراء اللون والطعم والرائحة جسمًا، فما الذي يقودك أن تقول هناك شيء إذا كنت لا تؤمن مسبقًا أن لا يمكن أن توجد الصفة إلا بوجود الموصوف؛ وذلك لأن وجود الصفة وجود غيري، أما وجود الموصوف فهو وجود نفسي، وعليه: فما لم نؤمن بوجود هذه المفاهيم العقلية القبلية لا يمكننا أن نقول أن هناك شيء، بل يمكن أن نقول أن هناك لون فقط، وأن هناك طعم فقط، وهناك رائحة فقط، وهناك صلابة فقط، وليس وراء هذه الأشياء شيء، إلا أننا نؤمن مسبقًا بمعرفة عقلية قبلية أن الصفة - وهي التي لا يكون وجودها وجودًا نفسيًا - تحتاج إلى محل - معروض جوهر تعرض عليه -، إذن لابد من الإيمان بهذا المبدأ العقلي في رتبة سابقة كي يقودك الذهن إلى القول بأن هناك شيء.

ثانيًا: قد تتجاور الألوان ولا يكون وراءها شيء واحد، وقد تتجاور الروائح ويكون وراءها أشياء وليس شيئًا واحدًا، فالتجاور وحده لا يكفي في الوصول إلى أن هناك شيئًا واحدًا، إذن من أين حكمت أن وراء هذه الأشياء المتجاورة زمنًا ومكانًا شيء جوهري اسمه البرتقال؟

وبالنتيجة: احتجنا إلى تدخل العقل، فالعقل بدليل حساب الاحتمالات يصل إلى الإيمان بوجود البرتقالة، لعاملين: كمي وكيفي:

العامل الكمي: وهو تتابع هذه الصور: صورة اللون، وصورة الطعم، وصورة الرائحة، وصورة الصلابة، فتكرر هذه الصور على ذهنك هذا يسمى عاملاً كمّيًا.

العامل الكيفي: وهو إدراك التسانخ، فالإنسان عنده حس غريب في الداخل، يرى أن هذا اللون له تسانخ مع هذا الطعم، وهذا الطعم له تسانخ مع هذه الرائحة، وهذه الرائحة لها تسانخ مع هذا المجموع.

إذن: بالعامل الكمي والعامل الكيفي يصل العقل - عبر دليل حساب الاحتمالات - إلى الإيمان بأن هناك جسمًا وراء هذه الأعراض والصفات يسميه البرتقال مثلًا. وبهذا تكون دعوى أن ليس في الذهن إلا انطباعات وأفكار، وأن الوصول إلى إدراك الأشياء إنما هو بوسيلة تحكيم الانطباعات لا أكثر من ذلك، من دون أن يكون للعقل دور في الوصول إلى الإيمان بوجود الأشياء، إن هذه الدعوى - كما رأينا - دعوى باطلة.

وإن شاء الله في الأسبوع القادم نواصل نقد المدرسة الحسية في نقاط أخرى وردت في كلام «ديفيد هيوم» والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.

الحلقة 4 | ماهو الفارق بين المذهب الحسي والمذهب العقلي
الحلقة 6 | علاقة الإحساس بالواقع