نص الشريط
ركائز القيادة الناجحة في الشخصية المحمدية
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: حسينية السنان | القطيف
التاريخ: 3/1/1441 هـ
مرات العرض: 2733
المدة: 01:06:54
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (353) حجم الملف: 19.1 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا

صدق الله العلي العظيم

انطلاقًا من الآية المباركة نتحدث حول محورين رئيسين وهما:

  • المحور الأول: معالم القيادة الناجحة.
  • المحور الثاني: ركائز القيادة النبوية في شخصية النبي .
المحور الأول: معالم القيادة الناجحة.

كيف تكون قائدًا ناجحًا في أسرتك؟ كيف تكون قائدًا ناجحًا في مدرستك؟ كيف تكون قائدًا ناجحًا في مجتمعك؟ من هنا نطرح عدة أسئلة:

  • ما هو تعريف القيادة؟
  • ما هي سمات القيادة؟
  • ما هي أدوات القيادة؟
  • ما هي عتبات سلم القيادة؟

السؤال الأول: ما هو تعريف القيادة؟

في منظور علم الإدارة: القيادة بذل الجهد في التأثير على سلوك الأفراد وتوجيه نشاطهم في جو من التعاون نحو تحقيق الهدف. كل مؤسسة كل شركة كل مدرسة كل مجتمع هو مثل سفينة شراعية تعبر البحر. السفن الشراعية عندما تعبر البحر وتواجه العواصف الهوجاء والأمواج العاتية، هنا تحتاج السفينة إلى القيادة. السفينة الشراعية وهي تجتاح البحر وتمر بالعواصف الهوجاء، تحتاج إلى فن القيادة، فالقائد هو الإنسان القادر على أن يرسم المسار الآمن لسير السفينة إلى أن يوصلها إلى المرفأ المقصود، ثم يسلم القيادة لغيره.

السؤال الثاني: ما هي سمات القيادة؟

أهم سمات القيادة سمات ثلاث، القدرة على التنظير والتطوير:

السمة الأولى: أن يمتلك القائد رؤية مستقبلية.

ليس كل من امتلك خبرة فهو قائد، الخبرة ليست كافية. لابد أن يمتلك طاقة عقلية يقتدر بها على التنظير ورسم الأهداف والتطلع إلى المستقبل. القدرة على التنظير ورسم الأهداف والتخطيط للمستقبل، هذه الرؤية المستقبلية سمة ضرورية من سمات القيادة الناجحة. قال أبو ذر لرسول الله : يا رسول الله أوصني، قال: ”فإني أوصيك إذا أنت هممت بأمر فتدبر عاقبته.“ اقرأ المستقبل. ”فإن يك رشدا فأمضه وإن يك غيا فانته عنه“ تراجع عنه.

السمة الثانية: اختيار الفريق ذوي الكفاءة المتعاون.

أنت كقائد، أنت مدير مدرسة، أنت مدير شركة، أنت رجل دين تدير عملية تبليغية تربوية اجتماعية، كل واحد في مجاله، كل واحد في منصبه، إذا كنت قادرًا على اختيار فريق من ذوي الكفاءة المتعاونين، ليس فقط ذووا كفاءة وإنما يملكون روح التعاون وتلاقح التجارب وتلاقح الطاقات. القدرة على اختيار فريق من ذوي الكفاءة قادر على التعاون هو سمة من سمات القيادة الناجحة. أما إذا كنت فاشلًا في اختيار الفريق المتعاون، أنت تفقد سمة أساسية من سمات القيادة ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ

السمة الثالثة: التدرج.

ليست القيادة بمشاريع ارتجالية ولا بمشاريع انفعالية، القيادة تعني مشاريع متدرجة تسير من مرحلة إلى أخرى من الأسهل فالأصعب. القيادة تدرج، النبي افتتح مشروعه القيادي بهذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ واختتم مشروعه القيادي بهذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ثلاث وعشرون سنة بين الآيتين. من خلال هذه المشاريع، بين هاتين الآيتين لمدة ثلاث وعشرين سنة استطاع رسول الله أن يؤهل الأمة لقبول رسالته. وأن يؤهل الأمة لقبول خليفته الذي نصبه من بعده يوم غدير خم. إذن التدرج سمة أساسية من سمات القيادة الناجحة.

السؤال الثالث: ما هي أدوات القيادة؟

حتى أكون قائد، قائد رياضي، قائد ديني، قائد اجتماعي، أي مجال. حتى أكون قائداً ناجحًا ما هي أدوات القيادة؟ هناك أربع أدوات:

  • أداة التأثير.
  • أداة الاتصال.
  • أداة التحفيز.
  • أداة التطوير.

الأداة الأولى: أداة التأثير.

كيف أؤثر في الآخرين؟ القائد هو من يؤثر. يعرف نجاح القائد بمساحة تأثيره، يعرف نجاح القائد بنفوذه ; كلما كان أكثر تأثيرًا كان أقوى قيادةً. كيف أؤثر في الآخرين؟ أداة التأثير هي عبارة عن امتلاك القدرة البيانية على الإقناع، والقدرة السلوكية على الجذب، يمتلك قدرتين. قدرة بيانية على الإقناع، لديه بيان يقنع به الآخرين، يقنع الآخرين بأهدافه بمسيرته، القدرة البيانية على الإقناع أداة من أدوات التأثير. ورد عن الإمام علي : ”المرء مخبوء تحت طي لسانه لا تحت طيلسانه“. ليست قيمته بشكله، قيمته ببيانه، بإنتاجه، بعطائه. القدرة البيانية مهمة، والقدرة السلوكية أن يكون سلوكه جذابًا، يجذب الآخرين نحوه ليتأثروا بسلوكه، أن يكون سلوكه جذابًا. ورد عن الإمام الصادق : ”كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم“

الأداة الثانية: أداة الاتصال.

التواصل مع الناس، كيف تتحقق هذه الأداة؟ أداة الاتصال: بالاحترام المتبادل، بالتواضع، بزرع الثقة في الناس، بالتعاون معهم. عندما يكون القائد مع الناس، يحترمهم يتواضع لهم، يشاركهم في همومهم، يتعاون معهم، هذه الصفة هي التي تسمى بأداة التواصل مع الناس. ضرار ابن ضمرة دخل على معاوية بن أبي سفيان بعد استشهاد الإمام أمير المؤمنين علي ، قال له معاوية: يا ضرار صف لي عليًا. ضرار كان من أصحاب الإمام علي، قال: اعفني، قال: لا، أبيت عليك إلا أن تصف لي عليًا. بدأ يصف الإمام علي: كان والله بعيد المدى، شديد القوى، غزير الدمعة، طويل الفكرة، يحاسب نفسه إذا خلا، يقلب كفيه على ما مضى، إلى أن وصل إلى النقطة المهمة: وكان فينا كأحدنا. متواضع. وكان فينا كأحدنا، يدنينا منه إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، يعظم أهل الدين ويتحبب إلى المساكين، هو يبادر إلى الفقراء، هو يبادر إلى المساكين ويتحبب إلى المساكين. هذه أداة الاتصال. محمد أستاذ علي بن أبي طالب يصفه المؤرخون: كان إذا جلس، جلس على الأرض لا يتميز على أصحابه إطلاقا، يجلس معهم حتى إذا جاء الغريب لا يعرف من هو النبي إلا بعلامات خاصة.

الأداة الثالثة: أداة التحفيز.

كيف يقتدر القائد على تحفيز أتباعه ومن حوله على مواصلة النشاط والمسيرة من أجل تحقيق الأهداف؟ أداة التحفيز ما هي؟ أن يترك القائد لأتباعه مساحات للعمل، لا أن يتدخل في كل صغيرة وكبيرة، إذن كيف يزرع الثقة فيهم وهو يتدخل في كل صغيرة وكبيرة؟ يترك لهم المساحة لإنتاجهم، لعطائهم، وأيضًا يعطيهم فرصة لكي يحققوا طموحاتهم. إذا أنت لديك محيطين بك، أعطهم فرصة يحققون طموحاتهم، يعني كن متوازنًا بين تحقيق طموحات الأفراد وبين تحقيق الأهداف العليا.

الأداة الرابعة: أداة التطوير.

القائد أهم صفة فيه أنه قادر على تطوير من حوله. إذا ترى شخصًا الذين حوله متخلفين ثقافيًا، هذا لا يمتلك صفة القيادة. إذا ترى هذا إنسان لديه موظفين يخضعون له في الصغيرة والكبيرة ولا يبدعون ولا ينتجون، هذا فاقد صفة القيادة. القائد من يمتلك القدرة على تطوير من حوله، يؤهلهم، يطور قدراتهم، يحولهم إلى منتجين بارعين. لأجل ذلك، هناك دراسة قبل عشر سنوات أجريت على مئة ألف موظف في الولايات المتحدة وفي كندا. هذه الدراسة اهتمت بنقطة التقدير، تقدير المدير للموظفين. وجدوا 79% من الموظفين الذين استقالوا من أعمالهم وتركوا الوظيفة، سألوهم: ما هو السبب؟ السبب: عدم تقدير المدير لإنجازات الموظف، لأتعاب الموظف، وبالعكس وجدوا 94.4% ممن يملكون معنويات عالية في مجال العمل ويمتلكون قدرات فائقة في مجال العمل، ما هو السبب؟ تقدير المدير للموظف جعل الموظف صاحب معنويات عالية وقدرة فائقة في مجال العمل. إذن، القائد من يركز على الإيجابيات لا من يركز على السلبيات. القائد من يستغل إنجازات الموظفين. أنت مدير مدرسة استغل انجازات المدرسين لتشجيعهم على التطوير أكثر، أنت رئيس شركة استغل انجازات الموظفين من أجل تطويرهم على الإبداع والعطاء، وهكذا. كل من منطلقه، من منصبه، يمارس عملية التطوير.

السؤال الرابع: ما هي عتبات سلم القيادة؟

عتبة عتبة وتصل إلى سلم القيادة. جون ماكسويل في كتابه عتبات سلم القيادة يتعرض إلى خمس خطوات هي عتبات سلم القيادة:

العتبة الأولى: المنصب.

بالطبع، القائد يحتاج إلى منصب حتى ينطلق منه إلى العمل. المنصب ليس هدف، المنصب وسيلة لكن لا بد منه من أجل الإنطلاق. دخل ابن عباس على أمير المؤمنين في منطقة ذي قار، منطقة بالعراق وإذا به يصلح نعله، خليفة المسلمين يصلح نعله. ليس لديك نعال تشتريه؟ يصلح نعاله. فالتفت إليه الإمام أمير المؤمنين إلى ابن عباس، عرف ماذا يدور في ذهنه، قال: يا ابن عباس، ما قيمة هذه النعل؟ ماذا تساوي لو أردت أبيعها؟ لا تسوى شيء يا أمير المؤمنين. قال: إنها خير لي من إمرتكم إلا أن أقيم حقًا أو أدفع باطلًا. المنصب مجرد طريق، المنصب مجرد وسيلة، ”والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت“

العتبة الثانية: أن يأذن الناس لك في القيادة.

كيف يأذن الناس في القيادة؟ يعني تنشر إعلان في الجريدة؟ هل تأذنون لي في قيادتكم؟ كيف يعني؟ كيف استئذان الناس في القيادة؟ يقول: العتبة الثانية أذن الناس في القيادة. أن يأذن لك الناس في قيادتهم. كيف يأذن الناس لي في قيادتهم؟ يشرح هذا المعنى: القائد من خلال سلوكه وإنجازاته يستطيع أن يضمن انقياد الناس إليه طوعًا، وهذا هو أذن الناس. عندما يرون انجازاته، عندما يرون مواقفه، عندما يرون أنه منهم حينئذ ينقادون إليه طوعًا وهذا هو عبارة عن أذن الناس له في القيادة. ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وجدوه بهذه الصفات، وجدوه بهذه الهيئة ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ

العتبة الثالثة: اختيار الفريق الفعّال بمحو التمايز.

أكبر مهمة للقائد أن يلغي الفواصل بين أفراده، لا توجد فواصل. أن يلغي الفواصل والحواجز بين أفراده، بين أتباعه، بين محيطه، القضاء على الفواصل أهم سمة وأهم عتبة من عتبات القيادة وهذا ما صنعه النبي الأعظم ، بمجرد أن جاء قال: ”لا فضل لعربيّ على عجمي إلا بالتقوى“، ”كلكم لآدم وآدم من تراب“، امتثال للقرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ وحّد الناس ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا القدرة على توحيد الناس وتحويلهم إلى أخوة متعاونين متحابين، هذا هو عبارة عن اختيار الفريق الفعّال.

العتبة الرابعة: تنمية القدرة الشخصية لكل فرد من الأتباع.

نذكر هنا مقالتين:

المقالة الأولى:

بعض علماء الاقتصاد يقول: أفضل مورد للاستثمار هو الإنسان وليس الأموال، لا، أفضل مورد للاستثمار هو الإنسان. لماذا؟ لأن الأسواق تتغير، الإمدادات تستهلك، الأوضاع الاقتصادية تتغير وتتدهور بين فترة وأخرى. إذن السلع الأخرى ليست مضمونة في مجال الاستثمار، أفضل مورد للاستثمار هو الإنسان. الإنسان هو الطاقة القابلة للاستثمار؛ لأن الإنسان هو الطاقة التي تنسجم مع الظروف المتغيرة وتقبل النمو مع الظروف المختلفة، أفضل طاقة للاستثمار تنمية قدرة الموظف. أيها المدير للمدرسة، أيها الرئيس للشركة، أيها الرجل عالم الدين في مسجدك، في منبرك، أفضل مورد للاستثمار: أن تستثمر هذا الإنسان، أن تنمي قدرة هذا الإنسان، أن تجعل من هذا الإنسان طاقة إبداعية فعّالة.

المقالة الأخرى:

ليكسيس كارل يقول: السبيل الوحيد لاحترام الذات والثقة بالنفس: الانجاز. أنت متى تحترم ذاتك؟ إذا رأيت أنه لديك انجاز. إذا رأيت روحك فاشلاً، فمن الطبيعي أنه لن تحترم نفسك، ستنظر إلى نفسك بعين الإحباط والخجل. الطريق لكسب الثقة بالنفس واحترام الذات هو الانجاز، لذلك القائد هو من يربي أتباعه على الانجاز كي يربيهم على احترام الذات والثقة بالنفس.

العتبة الخامسة: القدرة على التطوير.

كما قلنا باستغلال الانجازات والتركيز على الإيجابيات وعدم التركيز على السلبيات. يذكر ماكسويل في كتابه هذا، يقول: فرق بين القادة التحويليين والقادة اللاصقين. القائد اللاصق الذي لا يتباعد عن موقعه، والقائد التحويلي يحول القيادة إلى غيره. القادة التحويليون يصرفون 20% من قدراتهم في تطوير أنفسهم، بينما يصرفون 80% من قدراتهم في تطوير الآخرين، يهتم بغيره أكثر من نفسه. 20% فقط لنفسه، 80% لغيره. يصرف 80% من قدرته في تطوير الآخرين، لماذا؟ لأن تطوير الموظف ربح للموظف، ربح للشركة، ربح للمجتمع بأسره ; فهو عندما يساهم في تطوير موظفيه هو أيضًا يساهم في تطوير نفسه، هو يساهم في انجاز أهدافه، هو يساهم في الوصول إلى أهم الأهداف المرسومة له. إذن، روح التطوير هي العتبة الخامسة من عتبات سلم القيادة. ولذلك، هنا يأتينا سؤال: ما هو الفرق بين القائد وبين المدير؟ كل قائد مدير، وليس كل مدير قائد.

المدير قيمته في منصبه ;ما دام هو في المنصب له قيمة، قيمته يكتسبها من منصبه، المدير مصدر أوامر ونواهي وتعليمات، المدير من يطبق اللائحة الرسمية بحذافيرها، المدير من يحافظ على التعليمات والأهداف المرسومة بحذافيرها، المدير من يتواصل مع الناس لكن بنسق واحد وهو التواصل من الأعلى إلى الأسفل؛ يتحدث مع الناس بلغة استعلائية حتى يحافظ على موقعه ومنصبه. وربما أحيانًا يحدث فتن بين الموظفين من أجل أن: يحافظ على منصبه. بينما نأتي للقائد، القائد من يكتسب قيمته لا من منصبه بل من انجازاته، بل من إنتاجه. القيادة موقف وليست منصب. القائد من لا يصدر أوامر وإنما يسأل عن الأعمال، القائد لا يقول أنا، لا ينسب الإنتاج إليه وإنما يقول: ”نحن“، إشارة إلى الفريق المتعاون. القائد من يخرج قادة، لا من يخرج أتباع. الأستاذ من يخرج أساتذة، لا من يخرج تلامذة، القائد من يخرج قادة لا من يخرج قطيعًا وأتباعًا. لذلك، سقراط أنتج أفلاطون، أفلاطون أنتج اورسطو، نائيني أنتج الخوئي، الخوئي أنتج الصدر، أستاذ ينتج أستاذ، قائد يولد قائدًا أخر. هنا تبدو عظمة القيادة في مجال العطاء وفي مجال الإنتاج.

المحور الثاني: ركائز القيادة النبوية في شخصية النبي .

هل اطلعتم على كتاب قيادة محمد؟ لم يكتبه مسلم، كتبه مسيحي. جون أدير مسيحي انجليزي كتب أفضل كتاب في قيادة النبي، قيادة محمد . البروفيسور في مجال القيادة، القيادي الكبير جون أدير الذي خرّج من دوراته، يعطي دورات في مجال القيادة والإدارة. خرّج من دوراته أكثر من مليون إداري، كتب أكثر من خمسين كتاب في مجال القيادة، اختير زميلًا للملكية التاريخية البريطانية، اختير رئيسًا لقسم دراسات القيادة في الأمم المتحدة، توج كتاباته بهذا الكتاب: قيادة محمد. في هذا الكتاب يذكر هو، يقول: وصلت إلى هذه النتيجة، القيادي الأمثل في المجتمع البشري: محمد ابن عبدالله . ويؤكد ما ذكره مايكل هارت الذي قال: أعظم القادة قاطبة محمد . معهد الإدارة، المعهد الأول للإدارة في بريطانيا اختار هذا الكتاب بالذات لجائزة أفضل كتاب في مجال الإدارة. معالم القيادة في شخصية النبي ، بعضها عقلي، بعضها روحي، بعضها اجتماعي، نتعرض إليها:

المعلم الأول: الطاقة العقلية.

الطاقة العقلية التي كان يمتلكها النبي، التميز في القدرة على التنظير، والتميز في القدرة على التطبيق. يعني جمع القدرتين. في علم القانون ماذا يقولون؟ يقولون السلطات الثلاث لا تجتمع في واحد: سلطة تشريعية، وسلطة تنفيذية، وسلطة قضائية، لا بد من الفصل بين السلطات لضمان مسيرتها، لكن نفس علم القانون يستثني إلا إذا كان الشخص هو الأكفأ في السلطات الثلاث. هو الأكفأ في مجال التنظير، هو الأكفأ في مجال التنفيذ، هو الأكفأ في مجال اتخاذ القرار. إذا أمتلك شخص واحد الأكفئية والأقوائية في المجالات الثلاث استحق أن يجمع السلطات الثلاث كما جمعها محمد . القرآن يتحدث عنه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا يعني سلطة رقابية، ﴿وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا يعني سلطة تنفيذية، ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ يعني سلطة تشريعية، ﴿وَسِرَاجًا مُّنِيرًا سلطات تمثلت في شخصيته. وقال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ قدرة على التزكية وقدرة على التعليم، جمع القدرتين. هو الأقدر على التزكية، هو الأقدر على التعليم. ﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ، ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ

المعلم الثاني: الروح النهضوية.

القائد لا يجلس راحة. تراه يخرج من مشروع، ويدخل في مشروع ;لأنه يمتلك روح نهضوية لا تهدأ، عنده روح تغييرية، دائمًا ينطلق نحو التغيير، دائمًا ينطلق نحو الإبداع، دائمًا ينطلق نحو النتاج الأفضل ; لأن الروح النهضوية تتغلغل في أعماقه. القرآن الكريم يشير إلى هذه الروح في النبي عندما يقول: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ماذا يعني إصرهم والأغلال التي كانت عليهم؟ العادات والتقاليد هي أكبر أغلال، أكبر إصر. في علم الاجتماع أكثر شيء ضاغط على الإبداع والإنتاج: العادات والتقاليد الاجتماعية، تخنق الإبداع، تخنق الإنتاج. لذلك، العادات والتقاليد إذا لم يكن لها جذر ديني، جذر عقلائي، أول من يتصدى لتغييرها هم القادة الناجحون لأنها عائق أمام الإبداع، عائق أمام الإنتاج.

لما جاء النبي وجد المجتمع المكي: قريش أفضل القبائل، وبنو هاشم أفضل قريش، والعرب أفضل من غير العرب، والغني أفضل من الفقير، عادات وتقاليد محاها النبي خلال سنوات قلائل ”لا فضل لعربيّ على عجمي إلا بالتقوى“ ولا فضل لقرشي على غيره، محا هذه الأمور. ولذلك، عاش مع الناس سواسية. بلال ابن رباح عبد، صار يصلي ويمارس العطاء والإنتاج إلى جنب الهاشمي. بلال ابن رباح، عمار ابن ياسر إلى جانب جعفر ابن أبي طالب يمارسان العطاء والإنتاج في جو من التعاون. زين العابدين علي رآه ابن شهاب الزهري وهو متعلق بأستار الكعبة يبكي، قال: ما يبكيك يا زين العابدين وأنت سيد بني هاشم جدك رسول الله. قال: دع عنك حديث أبي وجدي، إن الله خلق الجنة لمن أطاع ولو كان عبدًا حبشيًا، وخلق النار لمن عصاه ولو كان سيدًا قرشيا.

المعلم الثالث: الطاقة الروحية.

الطاقة الروحية تتألف من عناصر ثلاثة:

العنصر الأول: الاستقامة.

إذا القائد غير مستقيم، لا تصبح قيادة ناجحة. الاستقامة لا بد منها ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ إذا رأى الأتباع استقامة القائد أصبحت قيادته جذابة ناجحة. الاستقامة عنصر ضروري في حصول القيادة الفاعلة الناجحة، والقرآن يتحدث عن استقامة النبي ويقول: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا يستطيع! ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ وقال: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ. استقامة.

العنصر الثاني: الإخلاص.

القائد مخلص للأهداف، يتفانى، يسهر الليل، يفني جسده يفني طاقته في سبيل الأهداف. لأجل الإخلاص يضمن استمرار المسيرة. القرآن يمدح الرسول في ذلك: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ كل طاقته يبذلها في سبيل تربيتكم، في سبيل نجاح أهدافه.

العنصر الثالث: الزهد.

الزهد فردي، ويوجد زهد قيادي. يعني أنا وأنت ما هو الزهد المطلوب من عندنا؟ وما هو الزهد المطلوب من المرجع؟ يختلف القائد عن غيره في درجة الزهد. نأتي إلى الزهد المطلوب من الإنسان العادي، كل إنسان مطلوب منه الزهد، لكن ما هو الزهد المطلوب من الإنسان العادي؟ الإمام أمير المؤمنين يقول: "الزهد كله في كلمتين: ﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ لا تغتر بالنعم إذا أقبلت إليك، حاول أن تستثمرها في رضا الله، ولا تأسف على نعمٍ فاتت عليك. كن متوازنًا. هذا الزهد. بينما القائد الديني، لا، لا يكفي هذا، يطلب منه زهد بدرجة أعلى. الإمام أمير المؤمنين علي جاءه الحارث ابن زياد، قال له: إن أخي عاصم لبس المسوح وترك العمل وهجر الناس وجلس في المسجد. يعني رجل يريد أن يصبح ماذا؟ زاهد عابد. فأقبل إليه الإمام علي، قال: يا عاص: يعني يا عاصم. يا عاص، لقد استهام بك الخبيث: الشيطان أثر عليك. أتظن أن الله الذي أحل لك الطيبات حرمها عليك؟ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق؟ هذا استغرب الرجل، كيف الإمام علي وهو رجل زاهد يقول له لا تصبح زاهد، يعني استغرب من الموضوع،

فالتفت إليه، قال: يا أمير المؤمنين أنا أقتدي بك، ها أنت في خشونة ملبسك، وجشوبة مطعمك، أنا جالس أقتدي بك، التفت إليه الإمام علي، قال: يا عاص، أنت لست كأنا، يعني الموقع يختلف. أنا موقعي موقع قيادة يتطلب مني أمر أخر. ”إن الله فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كي لا يتبيغ بالفقير فقره“ إذن الزهد المطلوب من القائد، القائد الديني، الزهد المطلوب من القيادة الدينية: أن تعيش مع الناس في فقرهم، في مآسيهم، في همومهم، في غمومهم. وكان علي يلبس الثوب المرقع، والنعل المخصف، ويحمل جراب الطعام على ظهره، يدور به على فقراء المدينة وكان في ذلك منتهجًا منهاج محمد . كان النبي يلبس الخشن من الثياب، ويأكل الجشب من الطعام، وكان يسكن في بيت من سعف النخل وجذوعه، النبي لم يبنِ له بيت، هو سكن هكذا وعاش هكذا. وكان يربط حجر المجاعة على بطنه حتى يعيش صائم النهار قائم الليل، هكذا كانت حياة القائد محمد ابن عبد الله .

المعلم الرابع: الرشد.

الرشد، تارة رشد فردي وتارة رشد اجتماعي.

الرشد الأول: الرشد الفردي.

كيف أنت تصبح رشيد؟

الرشد الفردي على نوعين، كل إنسان منا لا بد أن يكون لديه رشد فكري، رشد اقتصادي:

• الرشد الفكري.

أن يكون فكرك جوّال، متفتّح. كثير من شبابنا، من أبناءنا، من أخوانا، لا يحرر فكره، لا يحاول أن يناقش، لا يحاول أن يتأمل وهذا خطأ كبير. اترك المجال والمساحة لفكرك أن يتأمل، أن يناقش، أن يدقق. لا تقبل أي فكرة تسمعها ما لم تحللها، ما لم تتأمل فيها. القرآن يطلب منك أن تكون رشيدًا برشد فكري ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ

• الرشد الاقتصادي.

هذه الثروة: لا تسرف، لا تبذر. ضع الثروة في مواضعها ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ الرشد في الثروة.

الرشد الثاني: الرشد الاجتماعي.

أما الرشد الاجتماعي فله موردان: الأسرة والمجتمع.

ألست رب أسرة؟ أليس لديك زوجة وأولاد؟ كيف تدير أسرتك إدارة رشيدة؟ كيف تربي أسرتك تربية رشيدة؟ هذا رشد أسري يحتاج إليه كل إنسان ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ. أما الرشد الاجتماعي العام فهو محل حديثنا. القائد هو الرشيد. والرشد هو عبارة عن حسن إدارة المجتمع. كيف يكون القائد رشيدًا؟ حتى يمتلك هذا المعلم النبوي ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ القائد رشيد. يمتلك الرشد إدارة المجتمع إدارة حسنة. ما هي عناصر الرشد؟ عناصر الرشد ثلاثة:

العنصر الأول: العقلية المؤسساتية.

مع الأسف نرى، صار مدير مدرسة، صار ماذا؟ ديكتاتور لا يوجد إلا رأيه الذي يؤخذ. صار رئيس شركة صار مستبد لا يوجد إلا قراره الذي يؤخذ. صار له موقع اجتماعي، يتصور أنه بلغ العرش لا أحد يتكلم أمامه. لا، القائد: من يمتلك عقلية مؤسساتية. العقلية المؤسساتية يعني المشاركة في القرار. القائد يفتح مجال المشاركة في القرار لمن حوله حتى يربي القادة. قلنا القائد يخرج قادة، كيف يخرج قادة؟ عندما يفتح لهم المساحة في المشاركة في القرار. القائد من يستفيد من تجارب غيره ومن يستفيد من قدرات غيره، لذلك القرآن الكريم يقول لنبيه: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ النبي لا يحتاج إلى المشورة لكن حتى يربينا على معالم القيادة الناجحة ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ ورد عن الإمام علي : ”ومن استبد برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها“ وقال : ”أعقل الناس من جمع عقول الناس إلى عقله“ إذن العقلية المؤسساتية ضرورية جدًا.

العنصر الثاني: تأهيل الطاقات.

طول الوقت القائد يربي طاقات. عن الإمام علي في حق النبي : ”وقد علمتم موضعي من رسول الله بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة“ ما هي هذه المنزلة التي كانت لعلي عند النبي؟ ”وضعني في حجره وأنا ولد“. منذ صغري أخذني إلى حجره. ”يضمني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسني جسده، وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه، ولقد كنت اتبعه اتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما، ويأمرني بالاقتداء به، وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل“ هذه تربية الطاقات، تربية القدرات منذ الصغر إلى أن أصبح علي قائد. قلنا القائد يربي قادة. علي رباه النبي منذ صغره إلى أن وصل إلى درجة حمل يده ورفعها وقال: ”من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيثما دار“

العنصر الثالث: نشر لغة الحب.

القائد من يتعامل مع أبنائه، مع أتباعه، مع الموظفين الذين معه، مع من يعمل معه، بلغة الحب لغة التواضع لغة الانفتاح لغة الانشراح، يكون بينهم كأحدهم، هكذا يجذبهم إليه، هكذا يحقق هذا المعلم ألا وهو معلم الرشد من خلال لغة الحب والتواضع. النبي الأعظم محمد كان هناك يهودي يؤذي النبي، والنبي سنذكر في الليالي السابقة النبي كيف أسس الدولة وكيف أقام عهد بين المواطنين في دولته، اليهود كانوا مواطنين في دولة النبي، هذا مواطن له حقوقه، لكنه كان يؤذي النبي، شخص النبي يؤذيه بالكلام، يرمي في طريقه الأوساخ والأشواك، قال أصحابه: دعنا نؤدبه، قال: دعوه، إلى أن مرض اليهودي سأل عنه النبي قالوا: إنه مريض، فذهب النبي لعيادته مبتسما مبتهجًا متفقدًا أوضاعه، مساعدًا له على تجاوز حالته، فلما رأى اليهودي ذلك قال: الله أعلم حيث يجعل رسالته فيك، أشهد أنك رسول الله.

ذهب النبي إلى الطائف فأمر أهل الطائف صبيانهم وسفهائهم أن يخرجوا إليه، خرجوا إليه يلقفونه بالحجارة والأشواك حتى دميت رجلاه، فأقبل إلى حائط، حائط يعني بستان واستند إليه. لم يبك، ولم ينزعج ولم يقل هؤلاء لا يستحقون ولا يستحقوني، أبدا. رفع يديه إلى السماء بتلك النبضات الشريفة، بتلك الدعوات الحنونة وقال: ”اللهم أهدِ قومي فإنهم لا يعلمون“ هذا التعامل بلغة الحب، بلغة التواضع، بلغة تفقد الهموم والغموم هو الذي جعل تلك القيادة قيادة رشيدة فاعلة ناجحة وخصوصًا القيادة الدينية التي تحتاج إلى هذا النوع من اللمسات الإنسانية المباركة التي تجعل الأتباع يلتفون حول قائدهم التفافا إنسانيًا مشفوعًا مقرونًا بالإجلال والتعظيم. هكذا كانت قيادة محمد ، وهكذا كانت قيادة أمير المؤمنين.

زيد ابن دفنة، هذا أسير أسر بعد معكرة أحد، بعد معركة أحد المشركين انتصروا فأخذوا أسرى، منهم زيد ابن دفنة جاءوا به إلى مكة. عادات أهل مكة لا يقتلون في الحرم إذا أرادوا أن يقتلوا شخص يخرجون به خارج الحرم، يقتل. خارج منطقة الحرم. أخرجوه من منطقة الحرم ليقتلوه، أقبل أبو سفيان إليه. قال: يا زيد، ألا تحب أن يكون مكانك الآن محمد ويضرب عنقه وأنت آمن جالس في أهلك؟ لماذا تتعب نفسك لأجل محمد؟ ألا تقبل أن نأتي بمحمد الآن ونضرب عنقه وأنت تأمن؟ قال: لا والله، والله لا أرضى أن تصيب محمد شوكة فتؤذيه وأنا جالس. أبو سفيان استغرب، قال: ما رأيت أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد لمحمد . هذا الفناء، هذا العشق، هذا الغرام يكشف عن رشد القيادة. علي هكذا، أحاط به رشيد الهجري، عمار ابن ياسر، ميثم التمار، حجر ابن عدي، يعشقونه يذوبون فيه، يفنون فيه، حتى أن حجر ابن عدي عندما عرض عليه الموت قالوا تبرأ من علي وتنجو أنت وولدك. قال: لا والله، لو أقطع بالسيف أربًا أربا ما تبرأت من علي ابن أبي طالب حتى ألقى الله وأنا على ذلك. هكذا أصحاب النبي، هكذا أصحاب علي، هكذا أصحاب الحسين ابن علي الذين ذابوا فيه عشقًا وغراما، وتفانوا في نصرته وفدائه.

الحسين ابن علي يوم خروجه من مكة يلتقط أصحابه، يلتقط الفدائيين من أصحابه وأتباعه، يقف على الصفا ويقول: ألا فمن كان فينا باذل مهجته موطنًا على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا فإنني راحل مصبحًا إن شاء الله، فمالت إليه صفوة من الناس، نخبة من الناس أقبلت إليه، فأحل من إحرامه، وجعلها عمرة مفردة. أقبل الرجل إلى محمد ابن الحنفية، قال: يا محمد أدرك أخاك الحسين، فلقد عزم على الخروج، أقبل محمد ابن الحنفية: أبا عبد الله ألم تعدني أن تنظر في الأمر؟ قال بلى، ولكن رأيت رسول الله وهو يقول: بني حسين، إن لك لدرجة في الجنة لا تنالها إلا بالشهادة، شاء الله أن يراني قتيلا، قال: أخي أبا عبدالله، إذا كنت عزمت على القتل فلماذا تأخذ النسوة والأطفال معك؟ قال: أخي محمد، شاء الله أن يراني قتيلا وأن يراهن سبايا"

والحمدلله رب العالمين

تجليات الحكمة في الشخصية النبوية
القانون الجزائي في القرآن وَسنة النبي محمد (ص)