نص الشريط
الحلقة 10 |
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 26/12/2019 م
مرات العرض: 265
المدة: 00:36:22
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (130) حجم الملف: 16.6 MB
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

ما زال البحث في عوامل ومناطات الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، وتحدّثنا في الجلسة السابقة عن المناط الأول وهو قاعدة اللطف، وفي هذه الليلة نتحدث عن مناطين آخرين.

المناط الثاني: هو الملازمة بين حكم العقل وروح الحكم الشرعي.

بيان ذلك: أن القانون الشرعي ما هو إلا صياغة اعتبارية تكشف عن مبغوضية أو محبوبية.

بمعنى أن المشرّع إذا قال ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ[1]  فإن ما له القيمة وما له الموضوعية بنظر العقل ليس هو هذا الخطاب؛ فإن الخطاب مجرد صياغة، وإنما القيمة والموضوعية لما ينكشف بهذا الخطاب حيث إن قوله ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ[2]  يعبّر عن محبوبية للصلاة، فتلك المحبوبية التي يعبّر عنها الخطاب هي ذات القيمة وذات الموضوعية، فالعقل عندما يُلزِم الإنسان بالتزام تكاليف الشرع، لا يُلزمه بتكليف الخطاب لأنه خطاب، وإنما يُلزمه بتكليف الخطاب لأنه كشف هذا الخطاب محبوبية لدى المشرّع، وكذلك في جانب المبغوضية فإذا فرضنا أن المشرع قال ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ[3]  أو قال ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ[4]  فإن هذا الخطاب بما هو خطاب مجرد صياغة لا موضوعية لها بنظر العقل إنما الموضوعية بنظر العقل التي تستحق أن يقف الإنسان عندها هي المبغوضية التي يكشف عنها هذا الخطاب حيث يكشف عن مبغوضية الخمر والميسر مثلاً، ولذلك قد يسقط الخطاب ويبقى روح الحكم من المحبوبية والمبغوضية.

مثلا السيد الخوئي قدس سره يقول بأنه: لو صلى الإنسان في الساتر المغصوب ناسياً، نسي أن هذا الساتر مغصوب وصلى فيه، صحيح أنّ خطابَه «لا تصلِّ في المغصوب» أو «لا تغصب» هذا الخطاب سقط لأجل النسيان، النسيان يرفع الخطاب «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعَةٌ الْخَطَأُ وَ النِّسْيَان‏..» [5]  النسيان يرفع الخطاب رفعاً واقعيا فلا يوجد في الواقع نهي فعلي في حق هذا الناسي، نهيه عن الغصب ارتفعت فعليته في ظرف النسيان، ومع ذلك صلاته باطلة، مع أنه لا يوجد في حقه خطابٌ أو نهي «لا تغصب» لأنه ناسي، لكن مع ذلك صلاته باطلة.

والسر في أن صلاته باطلة مع أن الخطاب ليس فعلياً في حقه: أنّ المبغوضية باقية وإن ارتفع النهي، فإنه صلاته في الساتر المغصوب غصبٌ والغصبُ مبغوضٌ وإن لم يكن النهي فعلياً في حقه، فلأجل أن صلاته غصبٌ والغصب مبغوضٌ والمبغوض لا يصلح للمقربية لله تبارك وتعالى إذاً صلاته باطلة، فهنا سقط الحكم، لكن روح الحكم وهي المبغوضية ما زالت باقية.

أو مثلاً ما يلتزم به أيضاً السيد الخوئي قدس سره، لو أن الإنسان صام صوماً ضررياً وهو جاهل بأن الصوم ضرري، يجهل أن الصوم يضره وصام، تارة يكون الضرر ضرراً غير محرم، صومه صحيح، أما لو تبيّن أن الضرر الذي يلحقه جرّاء الصوم ضررٌ محرم، الصوم يُتلِف له نفساً أو عضواً أو يسبب له خطراً، هو لا يدري بأن هذا خطرٌ، لا يدري بأن هذا ضررٌ معتدٌّ به محرمٌ، صام، وانكشف بأن صومه ضرريٌّ بضرر محرم، يقول: صومه باطل، مع أنه لم يكن منهياً عن ارتكاب هذا الضرر لأنه غافل بالمرة، إذا افترضنا أن جهله جهل مركب أو عنده غفلة تامة عن وجود الضرر «لا تُضِر بنفسك» أو ﴿لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ[6]  هذا الخطاب ليس فعلياً في حقه واقعا، لأنه إما قاطع إما غافل، والغافل والقاطع الخطاب مرتفعٌ عنه واقعا، لكن مع ذلك صومه باطل، لماذا؟

لأن هذا الصوم يصدق عليه أنه إتلافٌ للنفس، يصدق عليه أنه إضرارٌ بالنفس، وبما أن الإضرار مبغوضٌ فإذاً هذا الصوم مبغوضٌ والمبغوض لا يصلح للمقربية، صومه باطل.

إذاً: هذا يكشف لنا عن أن الخطاب شيء وروح الحكم شيءٌ آخر، روح الحكم هو المحبوبية والمبغوضية.

فلأجل ذلك من يرى الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع يقول: الملازمة بين حكم العقل وروح الحكم الشرعي، فإذا أدرك العقل - بنحوِ الجزم والقطع - أن هذا العمل قبيح، أدرك أن الرِّق قبيح مثلاً، أدرك أن عدم إعطاء المخترع والمبتكر لحقه قبيح، أدرك ذلك، إذا أدرك العقل أن العمل قبيحٌ فقد أدرك العقل أن العمل مبغوضٌ شرعاً، وإن لم يدرك أن المشرع جعل خطاباً أو لم يجعل خطاباً، لا يُهم ذلك، يعني لا يُهمنا أن ندرك أن المشرع أنشأ خطاباً مطابقاً لحكم العقل أم لم يُنشِئ خطاباً، ليس هذا مهماً، المهم عندنا روح الحكم، سواءً أدركنا أنه أنشأ خطاباً أم لم ندرك، المهم أن ندرك روح الحكم، إذا أدركنا أن العمل قبيح، أدركنا أنه مبغوضٌ شرعاً، وإذا أدركنا أنه مبغوضٌ شرعا هذا يكفينا في الملازمة. نحن نريد أن نصل إلى ملازمة بين حكم العقل وروح الحكم الشرعي، وهذه الملازمة مما يدركها العقل سواءً أدركنا وجود خطابٍ شرعي مطابقٍ لحكم العقل أم لم ندرك، هذا ليس مهماً.

إذاً: هذا هو المناط الثاني من مناطات قاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، وهو المناط الراجع إلى الملازمة بين حكم العقل وروح الحكم الشرعي.

المناقشة: هذا المناط الثاني أيضاً محل مناقشة لأن روح الحكم الشرعي ليست في المحبوبية والمبغوضية، روح الحكم الشرعي في الملاك المُلزِم، في المصلحة الملزمة والمفسدة الملزمة، بمعنى أن المشرع عندما يفرض الزكاة فروح الحكم الشرعي ليست في كون الزكاة محبوبة، روح الحكم الشرعي في أن الزكاة ذات مصلحة ضرورية للمجتمع، فروح الحكم الشرعي في المصلحة الضرورية لا في المحبوبية، أو عندما يحرم الخمر، روح الحرمة ليست في المبغوضية، روح الحرمة في كون الخمر مشتملاً على مفسدة خطيرة، إذاً المصلحة الضرورية والمفسدة الخطيرة هما روح الحكم وليس روح الحكم مجرد المحبوبية والمبغوضية.

فلأجل ذلك نقول: هل إذا أدرك العقل قبح عملٍ يدرك أنه ذو مفسدة خطيرة شرعاً؟ غير معلوم، العقل قد يُدرك قُبح عملٍ من الأعمال، يقول: بما أنا عقلٌ أرى أن هذا العمل قبيح، لكن هل أن هذا العمل بنظر المشرّع ذو مفسدة خطيرة تقتضي تحريمه أم لا، الله أعلم بذلك، لا يمكن للعقل أن يحدد ذلك.

إذاً: حتى لو أدرك العقل أن في استرقاق الإنسان للإنسان قُبحاً، أدرك العقل أن في استرقاق الإنسان للإنسان مبغوضية، هذا لا يعني أنه أدرك روح الحكم الشرعي، روح الحكم الشرعي في أن هناك مفسدة مُلزمة، أن هناك مفسدة خطيرة تقتضي التحريم، إذا أدرك العقل تلك المفسدة الخطيرة التي تقتضي التحريم، نعم أدرك الحكم الشرعي من باب الدليل اللّمّي، إذا أدرك العلة أدرك المعلول، أما مجرد أنه يُدرك القُبح أو يدرك المبغوضية فهذا ليس كافيا في إثبات الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع.

المناط الثالث: [7]  ما يستفاد من الروايات الشريفة من أن لكل واقعة حكم في الشريعة.

بيانه: بذكر روايات أربع:

الرواية الأولى: معتبرة أبي بصير قال لي أبو عبدالله الصادق : وَ إِنَّ عِنْدَنَا الْجَامِعَةَ وَ مَا يُدْرِيهِمْ مَا الْجَامِعَةُ قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ وَ مَا الْجَامِعَةُ قَالَ صَحِيفَةٌ طُولُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً بِذِرَاعِ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ إِمْلَائِهِ‏ مِنْ فَلْقِ فِيهِ وَ خَطِّ عَلِيٍّ بِيَمِينِهِ فِيهَا كُلُّ حَلَالٍ وَ حَرَامٍ وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْهِ حَتَّى‏ الْأَرْشُ‏ فِي‏ الْخَدْشِ. [8] 

بمعنى أن لدينا صحيفة للتشريع تشتمل على كلّ الأحكام حتى الأرش في الخدش، فلا يوجد شيءٌ إلا وله حكم في هذه الصحيفة.

الرواية الثانية: موثقة سَمَاعَةَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ع قَالَ: قُلْتُ أَصْلَحَكَ‏ اللَّهُ‏ أَتَى‏ رَسُولُ‏ اللَّهِ‏ ص النَّاسَ بِمَا يَكْتَفُونَ بِهِ فِي عَهْدِهِ قَالَ نَعَمْ وَ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَقُلْتُ فَضَاعَ مِنْ ذَلِكَ شَيْ‏ءٌ فَقَالَ لَا هُوَ عِنْدَ أَهْلِهِ. [9] 

يعني المسألة ليست مرتبطة بعهد النبي حتى تقول بأن هذا يرتبط فقط بالمسائل في عهد النبي، بل كل ما يحتاج الناس إليه إلى يوم القيامة، وهذه التشريعات كلها التي اشتملت على كل ما يحتاجه الناس إلى يوم القيامة موجودة عند أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

الرواية الثالثة: موثقة سماعة الأخرى أيضاً عن أبي الحسن موسى : قُلْتُ لَهُ أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ص أَوْ تَقُولُونَ‏ فِيهِ‏ قَالَ بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ص. [10] 

يعني: كل شيء نضع أيدينا عليه، هل له حكم في الكتاب والسنة؟ أم أنكم تُفتون برأيكم؟ قال: كل شيء في كتاب الله وسنة نبيه .

الرواية الرابعة: صحيحة حماد عن أبي عبدالله قال: سَمِعْتُهُ يَقُولُ مَا مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا وَ فِيهِ كِتَابٌ أَوْ سُنَّة. [11] 

فيقال بأن ظاهر هذه الروايات الشريفة أن التشريع الإسلامي استوعب كل شيء، كل مسألة ابتلائية، استوعبها وشرّع لها قانوناً وجعل لها حكماً.

إذاً: بعد المفروغية عن هذه النقطة «وهي أن التشريع الإسلامي استوعب كل المفاصل» استوعب كل شيء، نأتي ونقول: إذا حكم العقل القطعي بأمرٍ كأن حكم العقل بأن الاسترقاق قبيح أو حكم العقل بأن للمخترع حقا أو حكم العقل بأن الظلم قبيح أو حكم العقل بأن العدل حسن، أي حكم يحكم به العقل القطعي.

إذاً: لا يخلو موقف الشرع إما مخالف أو موافق، وحيث لا يُعقل أن يكون مخالف لما ذكرناه في الجلسات السابقة من أن المشرّع لا يعقل أن يردع عن حكم العقل القطعي، يعني الحكم الصادر من العقل على سبيل القطع لا يُعقل للمشرّع أن ينهى عنه، أن يردع عنه.

إذاً: موقف الشارع تجاه هذا الحكم العقلي إما مخالف أو موافق، لأن له في كل شيء حكم، فهذا المورد الذي حكم فيه العقل بالقبح قطعاً المشرع له حكمٌ فيه، لأن لكل شيءٍ حكماً، وحكمه إما مخالف لحكم العقل أو موافق، وحيث لا يُعقل أن يكون موقف المشرع مخالفاً لموقف العقل القطعي إذاً تعين أن يكون موافقاً له، فمتى ما أدرك العقل حكماً على سبيل القطع والجزم أدرك أ ن المشرع موافقٌ له لأن للمشرع في كل شيء حكم ولا يُعقل أن يكون حكمه مخالفاً لحكم العقل فتعين أن يكون موافقاً له.

المناقشة: هذا الاستدلال أيضاً سُجِّلت عليه ملاحظات:

الملاحظة الأولى: هل هذه الروايات مطلقة؟ هذه الروايات هل تدل فعلاً على أن في كل مسألة حكم حتى لو كانت من الصغريات، حتى لو كانت بالعناوين الثانوية؟

فقد يقول قائل: إن مفاد هذه الروايات الشريفة أن كل شيء بالعنوان الأولي له حكم، أما ما هو حكمه بالعنوان الثانوي فهذه الروايات لا تتعرض له، إنما هذه الروايات تتحدث عن كل شيء بالعنوان الأولي، كل شيء بالعنوان الأولى نعم له حكم، أما بالعنوان الثانوي هل وضع الشارع له حكماً أم لا؟ ما ذكرته الروايات، مثلاً بالعنوان الأولي للإنسان أن يصيد من البحر ما شاء ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ[12]  يصيد من البحر ما يريد، هذا حلالٌ له بالعنوان الأولي، أما إذا استطاع الإنسان أن يصيد نصف البحر فهل له ذلك؟ أن يقول بالعنوان الأولي يجوز لي صيد البحر، فأنا أصطاد نصف الثروة السمكية في البحر وأأسّس شركة وأبيع، لأن المشرّع حلل لي.

يقولون: بالعنوان الثانوي لا يجوز، هذا بالعنوان الأولي نعم يحل، أما بالعنوان الثانوي هذا إضرارٌ بالبُنية الاقتصادية، إضرارٌ بالثروة، بالعنوان الثانوي لا يمكن قبوله.

أو أن الإنسان مثلاً يستمع إلى ما ورد عن الرسول : «مَنْ‏ أَحْيَا أَرْضاً مَوَاتاً فَهِيَ‏ لَه» [13]  فيخرج إلى الصحراء إلى البر ويُحيي أرضاً مواتاً بمقدار مثلاً لنفترض 400 متر 600 متر 1000 متر، معقولة، أما لو استطاع هذا الإنسان أن يُحيي في يومٍ واحد، بالزرع مثلاً شتلات يزرعها في يوم واحد، يستطيع أن يُحيي 1000 كيلو متر مثلاً، يعني يملك ذلك؟ يعني يشمله «مَنْ‏ أَحْيَا أَرْضاً مَوَاتاً فَهِيَ‏ لَه»؟

هذا وإن كان مباحاً بالعنوان الأولي لكن بالعنوان الثانوي هذا إخلالٌ بالبُنية الاقتصادية، إخلالٌ بنظام المجتمع كله.

إذاً: قد يقال بأن هذه الروايات الشريفة «ما من شيء إلا وفيه كتابٌ أو سنة» ناظرةٌ للشيء بالعنوان الأولي وليست ناظرة له حتى بالعنوان الثانوي، فإذاً تركت مساحة للعقل، المشرع استوعب الأشياء بالعنوان الأولي، وهناك منطقة فراغ تركها للعقل يشغلها وهي الأشياء والأعمال والأفعال بالعنوان الثانوي، فلا نستفيد من هذه الروايات أن للمشرّع في كل شيء حكم.

أو يقال بصياغة ثانية: هذه الروايات ذكرت الأحكام العامة، يعني الشريعة استوعبت كل الأحكام العامة، أما التفاصيل وتفاصيل التفاصيل هذه الروايات لا نُحرز إطلاقها لذلك.

مثلاً: لا إشكال عندنا أن من الأحكام الشرعية الثابتة حرمة التفاوت في البيع بالمكيل والموزون، أن يبيع بأكثر، يعني أن يكون الثمن والمُثمن كلاهما من المكيل أو كلاهما من الموزون ويكون الثمن أعلى من المُثمن، هذا رباً محرم، أما ما هو المكيل وما هو الموزون؟ الشرع لم يتدخّل، الشرع يقول: التفاضل في البيع، مكيلٍ بمكيل، التفاضل في بيع المكيل حرامٌ، التفاضل في بيع الموزون حرامٌ، والسيد السيستاني يعممه حتى للمعدود، التفاضل حرامٌ لكن الشرع لم يحدد ما هو المكيل، ما هو الموزون، ما هو المعدود.

إذاً: أوكل للعرف العقلائي تحديد ما هو المكيل، ما هو الموزون، ما هو المعدود، وشرّع الحكم الكلي.

أو مثلاً عندما نأتي إلى قوله: ما تركه الميّت من مالٍ فهو لوارثه، أما ما هو المال؟ من الذي يحدد لنا المال؟ هذا متروكٌ للعرف العقلائي، العرف العقلائي هو يحدد لنا ما هو المال، إذا حدّد لنا أن هذا مالٌ، شمله الدليل «ما تركه الميّت من مالٍ فهو لوارثه» فكما أنه في مسألة حرمة التفاضل في المكيل والموزون، وكذلك في مسألة الميراث «ما تركه الميت من مالٍ فهو لوارثه» لم يتدخل في التفصيل، لم يحدد الموضوع، كذلك في الأمور الكلية. مثلاً أن نقول: المشرع قال «الظلم حرام» هذه قضية كلية، والظلم هو عبارة عن سلب ذي الحق حقه، فمن الذي يحدد لنا الحق؟ من الذي يقول هذا حق، فإذا سُلِب صار ظلماً وإذا صار ظلماً صار حرماً؟ نحتمل أن الشارع ترك للعقل ذلك، هو يحدد الحق، فإذا أدرك العقل القطعي أن من اخترع شيئاً فله حقٌّ في مُخترَعه.

إذاً: العقل حدد الحق، وبعد أن حدد العقل الحق، صار سلب هذا الحق عن ذيه ظلماً وأصبح حراماً، فلعل هذه الروايات الشريفة ناظرة إلى القضايا الكلية، أما تحديد موضوعها ومناطها فهو منطقة فراغ متروكة للعقل، لعل ذلك.

قد يقال: بأن هذه الملاحظة خلاف ظاهر الأدلة، يعني عندما يقول: فيها كل حلال وحرام، وكل ما يحتاج الناس إليه، بل يذكر قضية جداً صغيرة وبسيطة «حَتَّى‏ الْأَرْشُ‏ فِي‏ الْخَدْشِ» فهذا ظاهرٌ في استيعاب الشريعة لكل شيء حتى لو كان بالعنوان الثانوي، وظاهرٌ في استيعاب الشريعة لكل شيء حتى بلحاظ تفاصيل التفاصيل، أو عندما يقول «قُلْتُ أَصْلَحَكَ‏ اللَّهُ‏ أَتَى‏ رَسُولُ‏ اللَّهِ‏ ص النَّاسَ بِمَا يَكْتَفُونَ بِهِ فِي عَهْدِهِ قَالَ نَعَمْ وَ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَقُلْتُ فَضَاعَ مِنْ ذَلِكَ شَيْ‏ءٌ فَقَالَ لَا هُوَ عِنْدَ أَهْلِهِ» إذاً قد يقال هذا التحليل خلاف ظاهر الأدلة، خلاف الإطلاق فيها، وعلى فرض أننا احتملنا ذلك، هذا خلاف المقصود، بالنتيجة سوف يثبت للعقل قيمة، ونحن نريد الآن في هذه الملاحظات أن نمنع الاستدلال لإثبات الملازمة بهذه الروايات، فإذا استفدنا من هذه الروايات أن المشرّع ترك للعقل منطقة فراغ يملؤها بإدراكاتها القطعية، صار هذا خلاف الاستدلال، هذا خلاف المطلوب.

الملاحظة الثانية: لو سلّمنا بأنّ هذه الروايات تدل على أن في كل شيءٍ حكماً حتى التفاصيل وحتى ما كان بالعنوان الثانوي، وسلّمنا أن كل ما يحكم به العقل أو يُدركه على سبيل الجزم لا يمكن للشرع أن يخالفه، لكن هذا لا يعني أن الشرع وافقه، لأن عدم مخالفة الشرع له لوجود مانع، لأنه لا يمكن أن يردعه بعد أن قطع، لا لأنه مصيبٌ في إدراكه، فرقٌ بين الأمرين.

العقل حكم - مثلاً - بأن الاسترقاق قبيح، ولأن هذا حكم عقلي قطعي لا يستطيع الشارع أن يردعه، لأنه لو ردعه مليون مرة، ما دام هو قاطع لن يتفاعل لن يتأثر لن ينفعل بهذا الردع، فعدم إمكان ردعه لا لأن الشارع موافقٌ له، لا لأن الشارع مصوِّبٌ له، لأن الشارع أصلاً لا يمكنه أن يردعه، فعدم الردع لوجود المانع لا لتمامية المقتضي، وبالتالي عدم الردع لوجود المانع لا يكشف لنا أن المشرّع موافقٌ لحكم العقل فيما وصل إليه، وإن وصل إليه على سبيل القطع والجزم.

وبالتالي: هذه المناطات التي ذُكِرت لبيان أن هناك ملازمة بين حكم العقل وبين حكم الشرع، وقد تبيّن لنا أنه لم يتم مناطٌ من هذه المناطات، يعني لم تتم عندنا قاعدة الملازمة وكبرى الملازمة بين حكم العقل وبين حكم الشرع.

إذاً: إن كان الحكم العقلي معاصراً لزمن النص، نستفيد الملازمة الإثباتية، يعني حيث إن الحكم العقلي كان معاصراً لزمان الأئمة المعصومين ولم يردعوا عنه استكشفنا من عدم الردع إمضاؤه، وهذا ما يُعبر عنه بالملازمة الإثباتية المبنية على عدم الردع.

أما لو لم يكن الحكم العقلي معاصراً لزمن النص، الآن حكم العقل بسبيل القطع أن في الاسترقاق قُبحاً، لكن هذا الحكم العقلي لم يكن معاصراً لزمن النص، الآن حكم العقل بأن للمخترع حقاً فيما اخترعه، أما هذا الحكم لم يكن في زمن النص، ولم يثبت عندنا مناطٌ من المناطات التي تعرضنا إليها التي تُثبت الملازمة، لم تنهض عندنا، إذاً بالنتيجة لا دليل عندنا على وجود حكمٍ شرعيٍّ مطابق لحكم العقل.

بل قد يقال: عندنا روايات واردة في النهي عن الركون للاستدلالات العقلية من دون الرجوع إلى النصوص الشرعية، كما ورد في معتبرة طلحة عن الصادق عن أبيه عن أمير المؤمنين علي : «لَا رَأْيَ‏ فِي‏ الدِّين». [14] 

أو كما في صحيحة أبان بن تغلب: «يَا أَبَانُ إِنَّكَ أَخَذْتَنِي بِالْقِيَاسِ وَ السُّنَّةُ إِذَا قِيسَتْ مُحِقَ الدِّين». [15] 

ولكن: هذه الروايات الشريفة، نحن ناقشنا بالاستدلال بها فيما سبق في إحدى الجلسات وقلنا: بأن هذه الروايات الشريفة منصرفة إلى الاعتماد على الأدلة العقلية مستقلّاً عن النص.

يعني هذه الروايات الشريفة لا يستفاد منها النهي عن الاستدلال العقلي مطلقاً، لا يستفاد منها الردع عن الاستدلال العقلي مطلقا.

يستفاد منها الردع عن الاستقلال بالعقل مقابل النص، يعني مع وجود النص يستقلُّ الإنسان بعقله مقابل النص، أما أنها تردع عن الاستدلال العقلي مطلقا ولو لم يكن هناك نصٌّ فهذا لا يستفاد من هذه الروايات الشريفة.

كما أننا ذكرنا ملاحظة عليها فيما سبق وهي أنه قد يقال: هذه الروايات منصرفة إلى ما عليه طريقة العامة من الاعتماد على الأقيِسة والاستحسانات وسد الذرائع والمصالح المرسلة، يعني الأدلة الظنية. هذه ناظرة إلى تلك، هذه الروايات ناظرة إلى منهج العامة، لا أنها تنهى عن كل استدلال عقلي ولو كان استدلالاً عقلياً قطعياً مبتنيا على مناشئ عقلائية. هذه مناقشة للروايات.

لكن لو أغمضنا النظر عن هاتين المناقشتين فربما يقال: بأن هذه الروايات تنهى عن الخوض والاعتماد على الأدلة العقلية وبالتالي حتى لو وصل الإنسان إلى القطع نتيجة خوضه واستعماله للأدلة العقلية لا يكون معذوراً لأنه في المقدمات السابقة على قطعه خالف النهي الشرعي عن الدخول في هذه المقدمات.

يأتي الكلام إن شاء الله في الجلسة القادمة حول حكم العقل بالحُسن والقُبح، هل هو من المُدركات الواقعية أو هو من المشهورات العقلائية، والخلاف بين الفلاسفة والمتكلمين في هذه النقطة.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

[1]  الإسراء: 78.
[2]  الإسراء: 78.
[3]  المائدة: 3.
[4]  المائدة: 90.
[5]  ابن بابويه، محمد بن على، التوحيد «للصدوق» - ايران؛ قم، چاپ: اول، 1398ق، ص353.
[6]  البقرة: 195.
[7]  في قاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع
[8]  كلينى، محمد بن يعقوب، الكافي «ط - الإسلامية» - تهران، چاپ: چهارم، 1407 ق، ج‏1؛ ص239.
[9]  كلينى، محمد بن يعقوب، الكافي «ط - الإسلامية» - تهران، چاپ: چهارم، 1407 ق، ج‏1؛ ص57.
[10]  كلينى، محمد بن يعقوب، الكافي «ط - الإسلامية» - تهران، چاپ: چهارم، 1407 ق، ج‏1؛ ص62.
[11]  كلينى، محمد بن يعقوب، الكافي «ط - الإسلامية» - تهران، چاپ: چهارم، 1407 ق ج‏1؛ ص59.
[12]  المائدة: 96.
[13]  شيخ حر عاملى، محمد بن حسن، وسائل الشيعة - قم، چاپ: اول، 1409 ق، ج‏25؛ ص412.
[14]  شيخ حر عاملى، محمد بن حسن، وسائل الشيعة - قم، چاپ: اول، 1409 ق، ج‏27؛ ص51.
[15]  كلينى، محمد بن يعقوب، الكافي «ط - الإسلامية» - تهران، چاپ: چهارم، 1407 ق، ج‏7؛ ص299.

الحلقة 9 | قاعدة اللطف في الميزان