نص الشريط
الدرس 13 | فذلكة النظريات الثلاث: الحسية والعقلية والفلسفية.
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مجلس آل جمعة
التاريخ: 22/6/1442 هـ
مرات العرض: 1932
المدة: 01:04:43
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (44) حجم الملف: 18.5 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

فذلكة الأبحاث الماضية أن واقع البحث بين المدرسة العقلية والمدرسة الحسيّة والمدرسة الصدرائية حول المفاهيم التي ليس لها مصداق في عالم الحس الخارجي، مثلا: مفهوم الامتداد - امتداد الجسم - ومفهوم العليّة ومفهوم الإمكان فإن هذه المفاهيم ليس لها مصداقٌ في عالم الخارج، إذن فمن أين أتت إلى الذهن؟ وهنا ثلاث نظريات محورية:

النظرية الأولى: النظرية الحسيّة.

هذه النظرية ترى أن المعرفة الحقيقية مصدرها الحس، فكل مفهومٍ يَرد على ذهن الإنسان وليس له مصداقٌ حسّي فهو مجرَّدُ ألفاظٍ وليس له مضمون حقيقي كمفهوم الامتداد، أو مفهوم العليّة، أو مفهوم الوحدة، أو مفهوم الجوهر، فكل هذه المفاهيم حيث لم يوجد لها مصداق في العالم الخارج فهي مجرد ألفاظ فارغة عن المعنى الحقيقي.

النظرية الثانية: النظرية العقلية.

هذه النظرية ترى أن مصدر المفاهيم على قسمين وهما الحس والعقل، فهناك مفاهيم ترد من الحس كالحرارة والضوء والصوت، وهناك مفاهيم يصنعها العقل وتصنعها النفس وإن لم يكن لها مصداق في عالم الخارج، وأما هذه المفاهيم - كالامتداد والعليّة والإمكان والوحدة - هي مفاهيم صنعها العقل، وهذه المفاهيم هي مفاهيم صحيحة وحقيقية وإن كانت من مصنوعات العقل، ولذلك سُميت هذه المدرسة بالمدرسة العقلية.

النظرية الثالثة: النظرية الفلسفية الشرقية. [1] 

وهنا نستعرض بعض هذه النظريات:

النظرية الأولى: النظرية المنطقية.

نُلاحظ أنَّ السيد الشهيد محمد باقر الصدر «قدس سره» عالج هذه النقطة - نقطة المفاهيم التي ليس لها مصداق في الخارج - متحررا من نظرية الملا صدرا الشيرازي ومتحرراً من العلم الحصولي والعلم الحضوري وكل هذه المصطلحات، فهو قد طرح في كتاب «فلسفتنا» النظرية المنطقية التي يذكرها علماء المنطق ورأى أنها كافية في علاج النقطة بلا حاجة للدخول إلى المصطلحات الفلسفية الأخرى، فالنظرية المنطقية التي طرحها السيد الصدر «قدس سره» تعتمد على عنصرين:

العنصر الأول: الفرق بين المعقولات الأولية والمعقولات الثانوية.

هنا نذكر أمثلة من خلالها يتبين الفرق بين المعقولات الأولية والمعقولات الثانوية:

مثال أول:

عندما تصل إلى الذهن صورة الإنسان فإن هذا معقول أولي، أو صورة الحرارة أو صورة الضوء فإن هذه كلها معقولات أولية، والمعقولات الثانوية هي التي يتعقلها الذهن بعد توسع - يعبر عنه السيد الطباطبائي في نهاية الحكمة [2]  بالتوسع الاضطراري - ونحن نشرح هذا بمثال، الذهن مثلا يُدرك أن النار علة للحرارة، فإذا أدرك النار وعليتها للحرارة فهو مجبور ومضطر للقول بأنه إذا ذهبت النار ذهبت الحرارة، فالذي أدركه ابتداء هو الجانب الإيجابي وهو عليّة النار للحرارة، لكن إدراك الجانب السلبي - إذا انتفت النار انتفت الحرارة - فإن تركيبة الذهن جبلت على أن ينتزع مفهوما من مفهوم، نعم المفهوم الثاني ليس له وجود في الخارج، فالخارج ليس فيه إلا الوجود والآن نتكلم عن العدم - إذا عُدمت النار عُدمت الحرارة - والعدم ليس موجوداً في الخارج، فالعدم لا شيء وهو بطلان محض ولا حقيقة له ولا مصداق له في الخارج ومع ذلك الذهن يقول إذا ارتفعت النار ارتفعت الحرارة، بل يقول عدم النار علّة لعدم الحرارة مع أنه لا علية في الأعدام كما يقول الملا هادي السبزواري في منظومته:

كَذاكَ فِي الأَعْدامِ لا عِلِّيّة   وَإنْ  بِها  فَاهُو iiفَتَقْريبِيّة

يعني الذهن جُبل على التوسعة والانتزاع والاشتقاق فالمفهوم الذي استورده الذهن من الخارج هو عليّة النار للحرارة لكنه جُبل على التوسع والانتزاع فانتزع من ذلك «عدم النار علّة لعدم الحرارة»، فالذهن عندما يأتي مثلا إلى الوجود فهو يُدرك الوجود، فالوجود هو الشيء، إذن العدم هو اللاشيء، فانتزع مفهوما من مفهوم، فبما أن الوجود يعني الشيء إذن العدم يعني اللاشيء، فانتزاع مفهوم من مفهوم هي تركيبة الذهن فقد جُبل الذهن البشري على الانتزاع والاشتقاق وهذا ما يعبر عنه العلامة الطباطبائي بالتوسع الاضطراري للذهن.

مثال ثاني:

نذكر أيضا مفهوماً أوضح والجميع يدركه ألا وهو مفهوم «الفوقية والتحتية» فأنتَ بمجرّد أن تنظرَ إلى سَقف الصالة وتنظر إلى أرض الصالة تقول أن السقف فوق والأرض تحت، لكن أين هي الفوقية وأين هي التحتية فإن في الخارج لا يوجد شيء اسمه فوقية أو اسمه تحتية، فإنه في الخارج لا يوجد إلا السقف والأرض، ومهما دققت لن تجد شيئا اسمه فوقية أو تحتية، فلا يوجد إلا السقف والأرض فقط، لكن من أين جاءت الفوقية والتحتية؟ جاءت من التوسع الاضطراري للذهن، فالذهن عندما يقارن بين السفق وبين الأرض يجد أنهما متقابلان ويريد أن يعبر عن هذا التقابل، فالذهن قد جبل على أن يعبر عن هذا التقابل بأنه فوقية وتحتية وإلا لا وجود لهما في الخارج، وهذه كلها نُسميها معقولات ثانوية لأنها لم تأت مباشرة من الخارج وإنما جاءت من خلّاقية الذهن وفعاليته وأنه قادر على التوسعة في المفاهيم واشتقاق مفهوم من مفهوم فسميناها بالمعقولات الثانوية «اصطلاح علماء المنطق»، وبالتعبير الفلسفي تُسمى ب «الأمور الانتزاعية» فالذهن ينتزع مفهوما من مفهوم آخر.

من هنا السيد الصدر وضع يده على لب القضية، فالمدرسة الحسية والمدرسة العقلية اختلفوا في المفاهيم التي ليس لها مصداق في الخارج من أنها من أين جاءت، فالمدرسة الحسية قالت: كل ما لم يأت من الحس فهو ألفاظ فارغة لا معنى لها، والمدرسة العقلية تقول: أن هذه خَلقها العقل فهي من العقل وإلى العقل وليس لها علاقة بالحس، والسيد الصدر يقول هؤلاء لم يُدركوا معنى المعقولات الثانوية، فلو أنهم أدركوا معنى المعقولات الثانوية لما قالوا بذلك، فالذهن له قوة خلّاقة على اشتقاق مفاهيم من مفاهيم وانتزاع مفاهيم من مفاهيم، ولأجل ذلك كما استطاع الذهن أن يختلق عدم العلة علّة لعدم المعلول والعدم بطلان أو هو اللاشيئية أو الفوقية أو التحتية كذلك هذه المفاهيم التي طرحها ديكارت وقال أنها جاءت من العقل وإلى العقل كالامتداد والأبعاد الثلاثة - الطول والعرض والعمق - والجوهر والعرض، فإن كل هذه المفاهيم هي من قبيل المعقولات الثانوية المنتزعة من معقولات أولية سابقة عليها.

لذلك نجد أن السيد الصدر في طرحه لنظرية المناطقة أهمل أمرين أشغل الفلاسفة أنفسهم بها ودخلوا فيها طولا وعرضا:

  • الأول: أن الصور العلمية مجردة أما مادية؟
  • الثاني: وُجودُ عِلْمَين أَحَدُهما العلم الحضوري والآخر العلم الحصولي، وأن العلم الحصولي يستند إلى العلم الحضوري.

فالسيد «قدس سره» لم يُدخلهما وأنه يمكن الإجابة عمّا شغل المدرستين الحسيّة والعقلية بالنظرية المنطقية من دون أن نُقحم تَجرد الصور واستناد العلم الحصولي إلى العلم الحضوري.

النظرية الثانية: النظرية المشائية.

هناك اتجاهان في الفلسفة أحدهما المشاؤون والآخر الإشراقيون، وإلى ما قبل الملا صدرا الشيرازي كان المذهب الفلسفي الطاغي هو المشائي، ثم جاء الملا صدرا الشيرازي وغير وأصبح المذهب المعروف هو الإشراقي، فالنظرية المشائية هي التي ركزْنا عَلَيْها في الأبحاث السابقة، فنحن ركزنا على النظرية المشائية وذلك من خلال أمور:

الأمر الأول: الفرق بين العلم الحصولي والعلم الحضوري.

قلنا في الفرق بينهما أن المعلوم بالعلم الحصولي متقوم بالاثنينية، يعني هناك علم وهناك معلوم، بينما المعلوم بالعلم الحضوري لا يتضمن اثنينية، فعلمي بالشمس علم حصولي لأن هناك شيئين وهما علمي والمعلوم وهو الشمس في الواقع الخارجي، فالمعلوم بالعلم الحصولي متقوم بالاثنينية؛ ولكن علمي بخواطري وأفكاري ليس فيه اثنينية، فإن علمي بخواطري هو نفس وجود خواطري في ذهني ولا يوجد علم ومعلوم فالعلم عين المعلوم، لذلك عندما أَلْتَفِتُ إلى إرادتي فإن شعوري بإرادتي هو علم حضوري، لكن لما أُكوّن صورة للإرادة في ذهني فإن هذه الصورة هي علم حصولي، فالفرق بين العلْمِ الحُصولي والحضوري بتضمن الأول للاثنينية والثاني للعينية.

الأمر الثاني: في أقسام وألوان العلم الحضوري.

العلم الحضوري على ثلاثة أقسام:

القسم الأول: علم النفس بذاتها، وهذا علم حضوري مرتكز على العينية، فالعالم والمعلوم واحد، فالنفس هي العالمة والنفس هي المعلومة.

القسم الثاني: علم النفس بقواها، والمقصود بالقوى هي القوى الأعم من الداخلية - المشاعر - والخارجية - الحواس الخمس - على نحو العلية، فكما أن النار علّة للحرارة ولكن الحرارة كامنة في نفس النار، فالنار مسيطرة على الحرارة، فكل علّة هي مهيمنة على معلولها، فبما أن النفس مهيمنة على معاليلها وهي قواها وآلاتها وأدواتها فإن علاقة النفس بآلاتها وقواها علاقة العلّة بالمعلول، فلذلك صار علم النفس بقواها علما حضوريا لأن المعلول حاضر بنفسه لدى العلّة.

القسم الثالث: علم النفس بآثار قواها، فذبذبات الصوت تصل إلى السمع فينفعل الصوت بهذه الذبذبات، الضوء ينعكس على عدسة العين فتنفعل العين بهذا الضوء، اليد تقع على الجسم الحار فتنفعل القوة اللامسة بالجسم الحار، فهذه الانفعالات[3]  - لا الفعل - التي تعكس الحواس هي علم حضوري وليس علما حصوليا لما بيناه سابقا من أن مناط العلم الحضوري الجمعية والإحاطية، فقلنا أن المجرد ليس له فواصل وحواجز، فالنفس وجود مجرّد، وبما أن النفس وجود مجرّد والمجرّد لا تفصله فواصل ولا حواجز لذلك للنفس إحاطة بقواها وانفعالاتها، ونتيجة إحاطة النفس بقواها وانفعالاتها يُصبح علم النفس بانفعالات قواها علما حضوريا.

الأمر الثالث: قيام القوّة المتخيلة برسم صور من العلم الحضوري.

جاءنا لون عبر قرينة العين أو جاءتنا حرارة عبر الملامسة وهكذا، فقامت القوة المتخيلة فرسمت صورة أسميناها شمسا، أسميناها نارا، وهكذا، هذه مادة خام، فالمعلومات الحضورية التي تصل عبر الحواس الخمس هي مادة خام، والقوة المتخيلة لدى النفس تستغل هذه المادة الخام وترسم منها صورة، هذه الصورة التي تقوم القوة المتخيلة برسمها وتودعها في قوة الذاكر تُسمى بالعلم الحصولي، فالعلم الحصولي استند إلى العلم الحضوري.

إذن الملّخص في النظرية المشائية التي سبق ذكرها أن ما ترونه من مفاهيم وتقولون أن هذه المفاهيم لا مصداق لها في الخارج، وأما من أين جاءت فإنها جاءت من العلم الحضوري، بل كل علم حصولي - عند النظرية المشائية - لابد أن يسبقه علم حضوري، حتى صورة الشمس وحتى صورة النار وحتى صورة الحرارة، فلا يمكن أن تصل إلى القوّة المتخيلة إلا عبر علم حضوري.

النظرية الثالثة: النظرية الإشراقية [4] .

هذه النظرية ترتكز على ست ركائز:

الركيزة الأولى: إن العوالم تنقسم إلى ثلاثة عوالم:

العالم الأول: عالم المادة.

وهو العالم الذي نعيش فيه، وهو العالم المساوق للحركة، فهذا العالم يعني حركة ويعني الخروج من القوة إلى الفعل، فكل شيء في هذا العالم يعيش حركة أي خروج من القوة إلى الفعل.

العالم الثاني: عالم المثال.

وهو عالم ترتسم فيه صور الأشياء المادية دون جُرْمِها، فكل الماديات موجودة فيه بصورها لا بجرمها، فالشمس والشجر والحجر والجسم كلها لها صور في عالم المثال بدون جرمها ولذلك يُسمى بعالم المثال أي مُجرّد أمثلة لما في عالم المادة.

العالم الثالث: عالم العقل.

وهو عالم العقول، وهو المجرد تجرداً تاماً، أي عالم العقول ليس فيه إلا القضايا العقلية.

وهذه العوالم الثلاثة مترتبة فكل عالم في طول الآخر، يقول الملا صدرا الشيرازي: ”أعلاها وأشرفها وأقربها من الحق تعالى هو عالم العقل، وهو عالم التجرد التام“ أي التجرد من المادة وصورتها، ثم يقول: ”ثم عالم المثال المجرد من المادة دون صورتها، ثم عالم المادة وهو موطن النقص إذ لولا النقص لما عاش الحركة حتى يُكمل نفسه“.

هنا قد تُذكر ملاحظة ننبه عليها: العلامة الطباطبائي «قدس سره» في نهاية الحكمة [5]  قسم عالم المثال إلى قسمين:

المثال الأعظم: وهو عقل مستقل عن الإنسان، واسمه عالم المثال، وفيه صور كل الأمور المادية.

المثال الأصغر: وهو قائم بالنفس، ونحن نُسميه بالقوة المتخيلة، فالقوة المتخيلة أيضا عالم مثال لكنه عالم قائم بالنفس الإنسانية لأن وظيفة المتخيلة أنها ترسم صوراً لعالم المادة.

وقد ذكر في مورد آخر[6]  أن المفيض للصور ليس النفس فالنفس تستقبل فقط بل هو أمر خارج النفس، فالنفس تستقبل الصور من شيء خارجها، والنفس إذا أرادت أن تستقبل صورة من صور المادة تأخذها من عالم المثال، وإذا أرادت أن تستقبل مفهوما من المفاهيم العقلية تأخذه من عالم العقول والمعبر عنه بالعقل الفعال، فإذا كانت النفس مجرد قابل لا فاعل - أي مستفيض وليس مفيض - فكيف ذكرتم أن هناك عالم مثال قائم بالنفس وهذا العالم يقوم بصنع الصور وإيداعها في الحافظة؟! هذا يعني أن هناك داخل النفس قوة هي فاعل وهي قابل، فهي قابل لأنها تتأثر بالصور الأخرى، وهي فاعل لأنها تصنع صوراً وتضعها في القابلة، بينما ذكر «قدس سره» أنه لا يُعْقَلُ للشيء البسيط أن يكون هو الفاعل وهو القابل، فلا يُعقل لشيء واحد بسيط من تمام الجهات أن يكون فاعلاً وقابلاً، فإذا كان اجتماع الفاعل والقابل في الواحد البسيط غير معقول فكيف قلتم بأن هناك قوة من قوى النفس اسمها المتخيلَة وهي المثال الأصغر وهي فاعل وقابل؟!

هنا جوابان لحل الإشكال عن السيد العلامة:

الجواب الأول: ما ذكره الشيخ الفياضي «حفظه الله» في شرح نهاية الحكمة حيث قال: إن مقصود السيد العلامة هو أن قابلية النفس لخلق الصور مسبوق بقبولها من المفيض كالمهندس المعماري، فالمهندس يزاول المهنة أولا ويلاحظ صوراً كثيرة ومخططات كثيرة وبيانات كثيرة إلى أن تتكون لديه خبرة، فإذا تكونت لديه خبرة استطاع أن يصنع صوراً وأن يصنع مخططات، كما الشاعر في بداية مسيرته الأدبية لا يملك خيالات ولا معاني إلا أنه إذا قرأ الشعر كثيرا صار عنده مخزون ونتيجة هذا المخزون تبدأ النفس ترسم صوراً ومعاني من ذلك المخزون، والمهندس المعماري كذلك والنفس كذلك، فالنفس في بدايتها لا تستطيع القوة المتخيلة أن تصنع صوراً ولكن النفس إذا تكاملت واتصلت بعالم المثال واستفاضت صوراً منه واستوردت صوراً منه اكتسبت مخزونا وخبرة، ونتيجة ذلك المخزون من الصور تُصبح لدى النفس قدرة على صنع الصور وخلقها وإيداعها في الحافظة، فلأجل ذلك لا يرد الإشكال من أن النفس فاعل وقابل، فالنفس قابل بلحاظ ما تستوره من عالم المثال الأعظم، والنفس فاعل بلحاظ المثال الأصغر.

الجواب الثاني: وهذا ما أراه في ذهني وبحسب تتبعي لكلمات العلامة «قدس سره» في الميزان أن جملة من المباحث في بداية الحكمة ونهاية الحكمة على مبنى المشائين، فالسيد العلامة في عدة من المباحث لا يفرز مبنى المشائين عن مبنى الإشراقيين، فهو وإن كان من الإشراقيين إلا أنه أحيانا يذكر مباني - في البداية والنهاية - فلسفية على ضوء مدرسة المشاء، والمفروض أن مدرسة المشاء تؤمن بأن النفس خالق للصور وصانع لها، فلذلك عندما ذكر مسألة المثال الأصغر فإن هذا جري على وفق المدرسة المشائية لا على وفق المدرسة الإشراقية.

الركيزة الثانية: كل موجودٍ له علّة اعدادية واجدة لكماله. [7] 

الإنسان عاش في عوالم ثلاثة، فهو عاش في عالم العقول، ونزل لعالم المثال، ونزل لعالم المادة، وكل موجود في عالم من هذه العوالم فهو معلول للعالم الذي قبله، فالإنسان المادي - هذا الجسم المتحرك على كوكب الأرض - معلول للإنسان المثالي، فهناك إنسان في عالم البرزخ موجود ولا زال، فأنت ما زلت موجوداً في عالم البرزخ وما زلت موجوداً في عالم العقول، فالإنسان المادي الذي يعيش على الأرض معلول لإنسانٍ في عالم المثال، وذلك الإنسان الذي في عالم المثال واجدٌ لسائر الكمالات التي يمتلكها الإنسان المادي؛ لأن العلّة لابد أن تكون واجدة لكمالات المعلول، وإلا المعلول من أين جاء بكمالاته لولا العلة، فكل معلول يستقي كمالاته من العلة فالإنسان المادي بتمام كمالاته كان مختصراً في الإنسان المثالي فهو منحدر منه ومعلول له ونفس هذا الإنسان الذي كان في عالم الذر[8] ، هذا الإنسان في عالم المثال أيضا معلول للإنسان في عالم العقول والذي نعبر عنه بعالم الجبروت، فالإنسان في عالم المثال بسائر كمالاته معلول للإنسان العقلاني في عالم الجبروت، فالإنسان في عالم الجبروت هو الواجد لكل الكمالات، وانحدر منه الإنسان المثالي الواجد لكمالات عالم المادة، وانحدر منه الإنسان المادي، ونريد بهذه المقدمة أن نبين أنهم يقولون أن كل شيء في عالم المادة له صورة في عالم المثال، إذن له وجود في عالم العقل، فكل شيء في عالم المادة له وجود سابق في عالم المثال وله وجود سابق في عالم العقول.

الركيزة الثالثة: إنَّ مجمع الصور العقلية الكلية[9]  في عالم العقول.

باصطلاح المدرسة المشائية يُسمى «العقل الفعّال» [10] ، فالعقل الفعّال هو العقل الذي ارتسمت فيه كلُّ القضايا الكليّة، ويعبر عنه الإشراقيون برب الأنواع؛ لأنَّ كُلَّ نوعٍ مادي بذرته من ذلك العقل، ثم جاء إلى عالم المثال ثم جاء إلى عالم المادة.

يقول الطباطبائي «قدس سره»: ”والنفس المستعدّة للتعقل على قدر استعداداها“ فليس كل أحد يصل إلى العقل الفعال بتمامه، فقد تصل إلى ذرة من العقل الفعال، وذاك يصل إلى كيلو متر من العقل الفعال فكل حسب استعداده، ثم يكمل السيد الطباطبائي ”تتصل بالعقل الفعال فتستفيض منه الصور العقلية، وتتصل بالعقل المثالي فتستفيض منه الصور المثالية لعالم المادة“.

الركيزة الرابعة: تفسير العلقة بين العلم الحصولي والعلم الحضوري.

تفترق النظرية المشائية عن النظرية الإشراقية في نقطة مهمة محورية وهي تفسير العلقة بين العلم الحصولي والعلم الحضوري فإن كلا المدرستين يؤمن بأن وراء كل علم حصولي علما حضوريا، وأن جميع المعلومات الحصولية مصدرها معلومات حضورية فإن كلتا المدرستين تؤمن بذلك إلا أن عندهم اختلاف في المنشأ، فالإشراقي يبني على أن النفس تتصل أولا بالعقل الفعّال «رب الأنواع» فيفيض عليها الصور، ثم تقول النفس بانتزاع مفاهيم تحاذي تلك الصور المجردة في عالم المادة.

وهذا الكلام يعني أنك إذا أحسست بجسم الكتاب فأنت لم تُدرك الكتاب المادي، فالنفس اتصلت بعالم العقل الفعال وأخذت صورة جزئية عن الكتاب فهي دورها الآن الأخذ والاستيراد والاستفاضة، ثم في طول ذلك انتزعت النفس - النظرية التي جاء بها السيد الصدر من البداية - مفهوما يحاذي ما استقبلته ويحاذي الكتاب الموجود في الخارج، فالنفس دورها بعد استقبال الصورة من عالم العقل الفعّال أو عالم المثال أن تنتزع مفهوما موازيا للصورة التي استقبلتها ويكون هذا المفهوم من جهة أخرى محاذيا وموازيا لما وصلت إليه بالحواس الخمس أو الحواس الداخلية، لأنه يقول لك أن هذا الكتاب أساسا له وجود في عالم المثال وله وجود في عالم العقل الفعّال، فإذا كان له وجود فإن وجوده في عالم المادة فإنه هذا وجوده المادي فقط، وإلا وجوده الحقيقي الكامل في العقل الفعال، فالنفس وصلت إلى وجوده الحقيقي في العقل الفعال ثم وصلت إلى صورته المثالية، ثم انتزعت ما يحاذي صورته ويحاذيه، فلذلك إذا تسمعهم يقولون «كل علم حصولي مسبوق بعلم حضوري» فإنه يقصدون بالعلم الحضوري الصور المفاضة من العقل الفعّال، فالصور المفاضة على النفس من العقل الفعّال أو من عالَمِ المثال هي العلم الحضوري، ومرّ علينا في إثبات تجرد الصور وقلنا أن الصورَ وجودٌ مجرَّد، ونسبة المجرّد للمجرّد نسبة الفعلية للفعلية، يعني الصور لها فعلية تامة والنفس لها فعليّة تامة، ونسبة الفعل للفعل هي نسبة الحضور لا نسبة الصنع، فالصور المفاضة من عالم العقول أو عالم المثال فإن نسبتها إلى النفس نسبة الحضور عند النفس لا نسبة الصنع، والنفس تنتزع منها مفاهيم محاذية لها ولعالم المادة، وبالتالي يُقال أنت أدركت الكاتب، وهذا كلّه لحظي، فيقال أنت أدركت الكتاب وأدركت حقيقة الكتاب إذ اتصلت نفسك بالعقل الفعّال.

وأما منشأ انتزاع المفاهيم عند العقل فهو الصورة المفاضة من العقل الفعّال أو من عالم المثال، بينما المشائي يرى أن منشأ انتزاع المفاهيم هو الموجود الخارجي نفسه، لا أن منشؤه الصورة المفاضة من عالم العقل الفعّال أو عالم المثال، بل نفس الموجود الخارجي هو منشأ الانتزاع، فالنار استعَرَتْ أمامي ووصلني من النار الضوء، والضوء انعكس على القرنية، وصلني من النار حرارة لمستها بيدي، وقد يكون لها صوت ووصلني صوت، فهذا الموجود المادي الذي صارت علْقته بي علْقة الاتصال الحسي المباشر هو منشأ انتزاع الصور في ذهني، فمثلا إذا اتصلت الباصرة للوجود الخارجي للنار حصلت قهراً مواد الصورة الحسيّة ثم قامت القوة المتخيلة بانتزاع صورة منها كما تقوم القوة العاقلة بانتزاع صورة كلّية وهي كلّي الكتاب، وبعبارة أخرى إن الإشراقي يجعل المعلوم بالذات والأصل ومنشأ الانتزاع هو هذه الصورة الواردة والوافدة، بينما يجعل المشائي المعلوم بالعرض - وهو ما في الخارج - منشأ انتزاع المفاهيم.

الركيزة الخامسة: ما هي قيمة الحس عند الإشراقيين؟

ذكر السيد الطباطبائي في النهاية [11] : ”قد ظهر مما تقدم أن اتصال النفس عبر حواسها وآلاتها بالخارج وكذا الفعل والانفعال الحاصل لها نظير حصول الضوء الذي هو فعل وما يحصل في قرنية العين الذي هو انفعال كل ذلك تهيئة وإعداد للنفس لاتصاله بالعقل الفعّال، فعالم الخارج هو عالم مثير ويعطي للنفس استعداداً وتهيأ للاتصال بالعقل الفعّال، وإدراك صورة المعلوم سواء كانت الصورة جزئية أم كلّية“.

إذن عندما يُقال إدراك النفس للكليات - كيف تُدرك كلّي الكتاب وأنت ما وصلك بالحس إلا شخصي الكتاب وجزئي الكتاب، فهكذا يعبرون أن إدراك كلي الكتاب بالتجريد والتقشير، يعني النفس تجرد الكتاب هذا من الملابسات الخارجية حتى تُصبح الصورة كلّية، وهذا كلُّه تعبير لا يتناسب مع مدرسة الإشراقيين، " ويظهر منه أن تعبير الفلاسفة بالتعقل الذي هو إدراك الكلي من خلال عملية التقشير للمشخصات لانتزاع الماهية المجردة وهو ما يصطلح عليه بعملية التجريد أو الانتزاع إنما هو على نظرية المشاء، وأما على نظرية الإشراق فإن كلُّ ما يحصل للنفس على نحو العلّة المعدّة، فتعد النفس لعالم آخر، فمقتضى الحركة الجوهرية للنفس اشتدادها وتكاملها ومقتضى اشتدادها اتصالها بالعقل الفعال واتحادها معه وانتزاع مفاهيم من تلك الصور المجرّدة تحكيها وتحكي ما يحاذيها من عالم المادة.

الركيزة السادسة: الدليل الذي بنى عليه الملا صدرا الشيرازي والسيد العلامة [12] .

إن المشهور بين الحكماء هو عدم كون الشيء البسيط قابلا وفاعلا من جهة واحدة لأمر واحد، فلا يُعقل أن يكون البسيطة قابلا وفاعلا من جهة واحدة بالنسبة لأمر واحد، ونحن قلنا البسيط لأن المركب في جهتين فيمكن أن يكون قابلا بلحاظ جهة وفاعلا بلحاظ جهة أخرى، الآن النار مركبة ولذلك يقولون أن النار فاعل للحرارة وقابل لها، فالحرارة التي تصدر من النار هي أيضا تستوعبها النار وتحتضنها النار، فالنار فاعل وقابل، فاعل للحرارة بصورتها وقابل للحرارة بمادتها، وإنما أصبحت النار قابلا وفاعلا لأنها وجود مركب، أما المجرّدات كلها وجود بسيط، فالمجرّدات كلّها وجود بسيط، فالمجرّدات كلها وجود بسيط غير مركب، ولأن المجرّدات وجود بسيط فالوجود البسيط لا يُعقل أن يكون قابلا وفاعلا من جهة واحدة لشيء واحد؛ لأن المجرّد لا يتركب من مادة وصورة مثل الماديات فليس له جهتين فهو بسيط فلا يُعقل أن يكون قابلا وفاعلا من جهة واحدة، قال الفيض الكاشاني [13] : ”القبول بمعنى الاستكمال لا يجتمع مع الفعل للتقابل بين القوة والفعل“ النفس قبل أن تأتي هذه الصور كانت فاقدة، ففاقد الشيء كيف يكون هو الفاعل له، النفس قابلة للصور لأنها فاقدة لها وإلا كيف كان جاهلا وصار عالما، كانت النفس جاهلة وأصبحت النفس عالمة يعني كانت فاقدة لهذه الصورة ثم صارت عالمة بها، فبما أن النفس فاقدة للصور وجاهلة إياها إذن الصور قبل وصولها موجودة في النفس بالقوة لا بالفعل، واستكمال النفس بأخذ هذه الصور، فعندما نقول: دور النفس بالنسبة للصور دور القبول فنعني بالقول الاستكمال لأن قبل هذه الصور كانت النفس جاهلة وناقصة وبالصور كملت وأصبحت عالمة، فبما أن دور النفس بالنسبة إلى الصور دور القبول فكيف تكون هي هي الصانع للصور والخالق لها فإن هذا غير معقول، إذ لا يُعقل أن تكون النفس قابلا وفاعلا للصور من جهة واحدة.

قال في نهاية الحكمة: ”والنتيجة أن مفيض الصور هو جوهر مجرّد عقلي به كل الصور العقلية التي تُفاض على النفس، وهذا الجوهر لا يُعقل أن يكون هو النفس لاستحالة أن يكون البسيط قابلا وفاعلا من جهة واحدة، ولا يُعقل أن يكون هذا الجوهر ماديا لأن المادي أضعف رتبة وجودية من المجرد فلا يصلح أن يكون المادي مصدراً للمجرّد، فتعين أن يكون المفيض للصور جوهراً وجودياً مجرّداً“.

والحمد لله رب العالمين

[1]  تم التعبير عنها هكذا لتكون أعم من النظرية الصدرائية لملا صدرا الشيرازي، وذاك لأن الممثل للنظرية الفلسفية الشرقية عدّة نظريات لا خصوص نظرية ملا صدرا الشيرازي.
[2]  نهاية الحكمة ص18.
[3]  ففرق بين الفعل والانفعال، فنفوذ الذبذبات فعل، ونحن نُريد انفعال السمع بالذبذبات، الضوء فعل لكن انفعال العدسة وقرينة العين بالضوء هو الانفعال -
[4]  وهذه النظرية هي التي بنى عليها الملا صدرا الشيرازي والسيد العلامة في نهاية الحكمة وغيرهما من الفلاسفة.
[5]  نهاية الحكمة ص273.
[6]  نهاية الحكمة ص277.
[7]  من يسمع كلمات الإشراقين يستغرب، أَيْنَ يُفَكّر هؤلاء؟! يفكرون في عالم آخر؟!
الخال العلامة الحجة الشيخ حسين العمران - دامت بركاته - سافر من إيران إلى تركيا، ومن تركيا إلى سوريا، ومن سوريا إلى البلد، وهو لا يحب السفر بطبعه وهذه كانت سفرة طويلة فتأذى منها، فقال:

دَخَلْنَا تُرْكيا وَخَرَجْنا مِنْها = فَلَمْ نُطِقْ الخُروجَ ولا الدُّخولا
لأنّا مَا وَجَدْنا بِها جَمالاً = سِوى أَجْبالِها عَرْضاً وَطُولا
جِبالٌ في جِبالٍ في جبالٍ = كَأنَّ اللهَ لَمْ يَخْلِقُ سُهولاً

الآن نحن إذا نقرأ كلمات الإشراقيين نستغرب «خَيالٌ في خيالٍ في خيالٍ»، فتجد مستوى من التحليل والتفكير غريب جدا بالنسبة لأذهاننا غير المأنوسة.

[8]  هم يسمونه بعالم المثال، ونحن نُسميه عالم الذر بحسب الروايات.
[9]  مثل: «اجتماع النقيضين محال»، «كل جسم له أبعاد ثلاثة»، «كل جسم يساوي الحركة».
[10]  المحقق السيد محمد حسين الأصفهاني - أستاذ السيد الخوئي «قدس» - يُسمى في الحوزة العلمية ب «العقل الفعّال» لنبوغه وعبقريته، وله أبيات كثيراً ما يأتي بها الخطباء:

أَشْرَقَ كالشّمْسِ بغيرِ حاجبِ = مِنْ مَشْرِقِ الْوجودِ نُورُ الْواجِبِ
وَقَدْ تَجَلّى مِنْ سَماءِ الْعَظَمة = مِنْ عالَمِ الأَسْماءِ أَسْمى كَلِمَة

[11]  نهاية الحكمة ص171.
[12]  نهاية الحكمة ص199.
[13]  أصول المعارف ص69.

الدرس 12 | الوحدة والكثرة في المدارس الثلاث
الدرس 14 | نقد نظريات الفلسفة الشرقية - الصدرائية - حول حقيقة الروح وطريقة التفكير