نص الشريط
الدرس 15 | مناقشة النظرية الإشراقية
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مجلس آل جمعة
التاريخ: 5/7/1442 هـ
مرات العرض: 208
المدة: 00:57:19
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (61) حجم الملف: 16.4 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

وصل الكلام إلى المحور الثاني لمناقشة النظرية الاشراقية.

المحور الثاني: في نقد أدلة النظرية على الحاجة للعقل الفعَال.

ويقع النقد ضمن نقاط:

النقطة الأولى: في تصوير المزج بين الفعل والانفعال في القوة الواحدة.

كما أنَّ الحس قوةٌ تمتلك فعلاً وانفعالاً مع أَنّها قوةٌ واحدة كذلك قُوةُ العقل الفاعل، وبيان ذلك أَنَّ حاسةُ البصرِ عندما يقع عليها الضوء فإنَّها تُمارس فعلاً كما تمارسه الكاميرا وهو التقاط الصورة، فإذا انعكس الضوء على قَرنية العين فإن الصورة التي وقعت في قرنية العين تلتقطها العين أي تلتقطها حاسة البصر، وهذا الالتقاط فعل تقوم به حاسةُ البصر، وفي نفس الوقت هذا الفعل يعني تصور حاسة البصر بهذه الصورة التي ارتسمت فيها، فحاسة البصر تمارس فعلاً وانفعالاً، أما فعلاً فهو التقاط الصورة التي انعكست على القرنية، وأما انفعالا فهو ارتسام الصورة في هذه الحاسة، فهناك فعلٌ وانفعال بفعلٍ واحد أي بحركةٍ واحدة، فحركة واحدة هي التقاط للصورة وهي ارتسامٌ للصورة وانتقاشٌ لها في الحاسة الباصرة، وهذا معنى التمازج في القوة الواحدة بين الفعل بين الفعل والانفعال.

لما نأتي إلى العقل، فإنه بالنسبة للإنسان فهو لديه عقلٌ فاعل وعقلٌ مُنْفعِل، والعقل الفاعل هو الذي يقع على الصور المرتسمة في المتخيلة حيث أن القوة المتخيلة تأخذ صوراً من الحواس وتقوم بإيداعها في الذاكرة في حافظة الإنسان، وهذه الصورة التي ترتسم في ذاكرة الانسان - فرضا صورة علي - فإن العقل الفاعل يتوجه لهذه الصورة، وهذه الصورة تحمل نقاطاً مشتركة ونقاطاً خاصة، أما النقاط الخاصة بعلي من أنه ابن فلان في المكان الفلاني وفي الزمن الفلاني، ونقاط مشتركة بينه وبين سائر البشر من أنه ذو وجه وعينين وأذنين، فالعقل الفاعل ليس كالمتخيلة، فالمتخيلة تقع على الصورة بتمام نقاطها الخاصة والمشتركة، وأما العقل الفاعل فإنه يذهب إلى خصوص النقاط المشتركة، فالعقل الفاعل في النفس الإنسانية يتوجه للنقاط المشتركة في هذه الصورة بمعزلٍ عن النقاط الخاصة، وهذا التوجه من العقل فعل؛ لأنه تركّز نَظرُه على النقاط المشتركة بمعزلٍ عن النقاط الخاصة، وهذا ما يعبرون عنه بالتجريد والتقشير، فهو لا يقوم بتجريد وتقشير بل يتركز نظره على النقاط المشتركة، فقيام العقل الفاعل بهذا العمل هو في حد ذاتِه ارتسامٌ لصورةِ الكلي في العقل المُنفعِل، لأنه إذا توجه العقل إلى خصوص النقاط المشتركة وترك النقاط الخاصة ارتسمت بهذا التوجه صورة كلية، صورة لكلي الانسان صورة لكلي العربي صورة لكلي القطيفي وما أشبه ذلك.

إذن العقل قوةٌ في النفس تمارس فعلاً وانفعالاً، فعلا بتوجهها لخصوص النقاط المشتركة، وانفعالا بمعنى أن نفسَ هذا الفعل يُولّدُ صورة كلية ترتسم، وقد ذكرنا فيما سبق أن العقل المنفعل ليس شيئا وراء الصور، فالصور هي نفس العقل المنفعل وليس شيئاً آخر، فبهذا الفعل من العقل الفاعل ترتسم صورةٌ كليةٌ في العقل المنفعل، وهذا ما نعبر عنه بإدراك الكلي.

النقطة الثانية: تقريب التمازج بين الفعل والانفعال بأمثلة حسية.

المثال الأول: الضوء.

ولابد أن يكون هذا قد مر على القارئ في ما أخذه في المدرسة من أن الأشياء لا لون لها، فاللون ليس أمراً واقعي، فإذا انعكس الضوء على الشيء يتلون، فإن كل شيءٍ وكل جسمٍ فيه خصوصية معينة، وهذه الخصوصية تعني لو انعكس الضوء عليه لتلون بالأبيض، وذاك الجسم فيه خصوصية معينة لتلون بالأحمر وذاك بالأزرق وهكذا لاختلاف خصوصيات الأجسام، وإلا فهذا الجسم قبل انعكاس الضوء عليه ليس متلونا، فإن انعكاس الضوء عليه نتيجةً لخصوصية فيه يجعله متلونا.

إذن الضوء نفسه قوةٌ فاعلة للتلون، والأشياء التي ينعكس عليها الضوء لديها القابلية والخصوصية لأن تتلون عند انعكاس الضوء عليها، وذات الأمر بالنسبة للصور المتخيلة والعقل الفاعل، فالصور المتخيلة مثل الأشياء التي ينعكس عليها الضوء، فالصور المتخيلة صورٌ مختزنة مرتسمة في الذاكرة ينعكس الضوء عليها أي يتوجه إليها العقل، وتوجه العقل الفاعل إلى الصور المرتسمة في المتخيلة أو في الذاكرة بمثابة انعكاس على الأجسام، كما أن انعكاس على الاجسام يجعلها متلونة نراها متلونة، كذلك توجه العقل الفاعل للصورة المرتسمة في المتخيلة مع خصوصيةٍ فيها من أن فيها نقاط مشتركة فإن هذه خصوصيتها، فإذا توجه إليها العقل وفيها نقاطٌ مشتركة فإنه بتوجه العقل إلى النقاط المشتركة فيها تتولد صورة الكلي أي تتولد الصورة الكلية، فيدرك الإنسان الكلي، وإلا الكلي ليس له تقرر ووجود قبل هذا، فكما أن تلون الجسم المادي لا وجود له قبل انعكاس الضوء عليه، كذلك الصورة الكلية - كلية الانسان كلية العربي كلية الطالب - فإن هذه الكلية لا واقع لها قبل توجه العقل إلى النقاط المشتركة في الصورة المرتسمة في الذاكرة، وبهذا الفعل - التوجه - تولد صورة الكلي فيُدرك الإنسان الكلي.

المثال الثاني: قابلية الشمع للتلون.

هذه المادة الشمعية مادة قابلة لأن تتشكل بأشكال مختلفة، فإن هذه المادة الشمعية قبل أن تتشكل لها شكل أيضا في حد ذاتها، فإذا وضعت على المادة الشمعية ختماً معيناً - كختم شركة أو مؤسسة أو شعارا معينا - فإنه يحدث فعل وانفعال؛ لأن المادة الشمعية مادة مرنة قابلة لأن تتشكل في حد ذاتها بأشكال مختلفة فلذلك انطباقها على هذا الختم فإنه هذا فعلٌ لهذه المادة الشمعية، وبانطباقها على ختم المؤسسة يحصل انفعال وهو ارتسام صورة الختم في المادة جمعية، كذلك أيضاً العقل المنفعل فهو مادة، ووعاء قابل لأن تتشكل وأن يتصور بصور متعددة ومختلفة ويحتاج إلى توجه العقل الفاعل إلى الصورة المرتسمة في المتخيلة، فإنه بنفس هذا التوجه يتشكل العقل المنفعل بتلك الصورة، كما تتشكل المادة الشمعية بصورة الختم التي تطابقت معه.

وبالتالي ليست الصورة حالة - أي أن الصورة لا تحل - فالعقل المنفعل ليس محلا، فالعقل المنفعل ليس محلا كما المرآة التي ترتسم فيها الصور، فالمرآة محل والصورة المرتسمة فيها حال، أما العقل المنفعل ليس مَحلاً ترتسم فيه بل هو الصور نفسها لا أنه محلٌ تحل فيه الصور، فليس وراء العقل الذي يتوجه للصور المتخيلة شيءٌ آخر، فإذا توجه وُلدَت الصورة وهذه الصورة نسميها بالعقل المنفعل القابل لاأن يتشكل ويتصور بأشكال وألوان مختلفة.

النقطة الثالثة: في اشتراك التصور والحكم في الحقيقة.

من الأدلة على أن ما يقوم به العقل أو ما تقوم به النفس العاقلة ليس استقبال بل فعل، فالنفس العاقلة لا أنها ترتفع اإلى العقل الفعال وتشاهد الصور، بل ما تقوم به النفس العاقلة هو فعل وليس استقبال ومشاهدة، وحتى نقرب هذا المعنى بدليلٍ وجدانيٍ نقربه باشتراك التصور والحكم في الحقيقة، ونبين معنى بهذا البيان:

هنا قسمان للتصور: تصور بسيط وتصور التصور البسيط، كأن أتصور علياً، وأما التصور المركب كأن أتصور علياً واقفاً، فهل التصور المركب الذي نسميه بالحكم فعل من أفعال النفس أو مجرد استقبال لصورة وفدت على النفس من خارجها؟ الصحيح أن الحكم فعل من أفعال النفس، وليست الصورة وهي صورة مثلا «علي إنسان حليم» حتى يكون فيها حكم، فليس الحكم مجردَ صورة مرتسمة استقبلتها النفس من مصدرٍ آخر بحيث يصح لنا أن نقول أن هذه الصورة موضوع لصور أخرى كأن يقول الإنسان في ذهني صورة وهذه الصورة هي صورة عليٌ حليمٌ، فليس الحكم عبارة عن صور مرتسمة في الذهن تكون موضوعاً لصورٍ أخرى، وإنما الحكم فعلٌ من أفعال النفس تقوم به، بمعنى أنها تجمع صورة وصورة وتسند الأولى إلى الثانية وتحكم بها عليها؛ لأنها رأتها مطابقة لواقع معين.

والنتيجة التي نريد أن نصل إليها هي كما أن الحكم فعل فإن التصور السابق على الحكم فعل؛ لأن الحكم والتصور بنسقٍ واحد مشتركان في حقيقة واحدة لا فرق بينهما إلا بالبساطة والتركيب، فبما أنه لا فرق بين التصور والحكم من حيث الحقيقة إلا أن هذا بسيط وهذا مركب فكما أن الحكم فعل إذن التصور فعلٌ من النفس وليس مجرد استقبال لصورةٍ وافدة، وهذا ما صرح به العلامة في نهاية الحكمة [1]  حيث قال: ”فالحكم فعلٌ من النفس وهو مع ذلك - يعني مع أنه فعلٌ من النفس - من الصور الذهنية“ فهو يعرف الحكم بأنه صورة، ”والحكم فعلٌ من النفس وهو مع ذلك من الصور الذهنية الحاكية لما وراءها“، فإذا كان الحكم فعلاً وهو في نفس الوقت صورة إذن لا فرق بينه بحسب الحقيقة وبين الصورة البسيطة الساذجة كصورة الكلي - كلي العربي كلي الإنسان - فكما أن الحكم فعلٌ فإن صورة الكلي أيضاً فعلٌ من أفعال النفس.

النقطة الرابعة: في نقد أدلة الحاجة للعقل الفعّال.

عرضنا في المحاضرة السابقة عدة أدلة للنظرية الإشراقية التي تقرر أن المفيض للصور والمصدر لها هو عقلٌ فعّال جوهرٌ مجردٌ مفارق للبدن يفيض الصور على النفس الإنسانية، نأتي الآن إلى نقد هذه الأدلة.

الدليل الأول: الاستدلال بالوجدان.

إن الوجدان شاهدٌ على أن إدراك الكلي كإدراك اجتماع النقيضين محال، فعندما أدرك كلي العربي فأراه كما أدرك أن النقيضين لا يجتمعان، فكما أن «النقيضان لا يجتمعان» له واقع وأنا أدركته إذن الكلي له واقع وأنا أدركته، ولا واقع وراء النفس تناله النفس وتدركه النفس إلا ارتسام هذه الصور في العقل الفعال، وهذا كان الدليل الأول - الذي مر - فهو مسألة وجدانية.

المناقشة في الدليل.

إن شهادة الوجدان بأن للمُدْرَكِ واقع مع غمض النظر عن الإدراك لا يعين أن هذا الواقع وإن كان له واقع، فإن هذا لا يعين أن هذا الواقع هو العقل الفعال أو رب الأنواع، وبيان ذلك أن للواقع أوعية ثلاثة:

الوعاء الأول: الخارج.

أدرك أن الشمس مشرقة وأدرك أن المطر ينزل من السماء، فإنه واضح أن واقع المُدْرَك هو الوجود الخارجي، وكل ما هو من شؤون الوجود الخارجي فهو مُدْرَكٌ ودور النفس دور الإدراك لأن له واقع وراء الإدراك.

الوعاء الثاني: الذهن.

كل ما هو من شؤون الوجود الذهني فوعاؤه الذهن، مثلاً عندما نقول «الصورة الذهنية موجودة» فإن وعاءها هو الوجود الذهني وليس لها وعاء في الوجود الخارجي، فأنا أتحدث بصورة عن صورة وهذا يعني أن كلاهما في الذهن، فإن ذات هذه الكلمة «الصورة موجودة في الذهن» وهي تحكي عن صورة في الذهن، فواقعية هذه الصورة بنفس الوعاء الذهني.

الوعاء الثالث: الواقع الذي يختلف باختلاف المسالك.

عدنا في الفلسفة مسلكان مختلفان رئيسيان وهما أصالة الوجود وأصالةُ الماهية، فمن يرى أصالة الماهية ارتاحوا وهم المشاؤون، فهم يقولون أن الماهيات لها واقع غير الوجود، فمثلاً هناك ماهيات ليست موجودة ولكن الذهن يدركها على واقعها، مثلاً الذهن يدرك شريك الباري ممتنع، فهذه ليست واقعة لا في الخارج ولا في الذهن بل هي واقعة في عالم الماهيات فهذه الماهية بهذا الحكم مرتسمة في عالم الماهيات والذهن أدركها على ما هي عليه، أما من يقول بأصالة الوجود كما هو الإشراقيون:

إنَّ   الوجودَ   عِنْدَنا   iiأَصيلُ
لأنهُ     منبعُ    كُلِّ    شَرفِ
  دَليلُ    مَنْ    خَالَفنا   iiعَليلُ
والفرْقُ بين نَحْويّ الْكَونِ يَفي

إلى آخر أدلتهم، وممن يرى أصالة الوجود ملا صدرا والعلامة الطباطبائي والعلامة المطهري وغيرهم، فهم يرون أصالة الوجود وليس وراء الوجود شيء اسمه واقع، مثلما قال الملا هادي السبزواري

إِنَّ  الْوجودَ  ما  لَهُ مِنْ iiثَانِي   لَيْسَ قُرىً وَرَاءَ عَبّاداني[2] 

فالوجود ليس وراءه شيء فلا واقع إلا الوجود، فعند القول «النقيضان لا يجتمعان» فإنه لو وُجد لاجتمعا، فأين هو واقع هذه القضية مع أنها ليست في عالم الوجود؟ قضية «شريك الباري ممتنع» مستحيل أن توجد لكن أين واقعها؟ «العدم لا شيء» قضية صادقة لكن أين واقعها؟ فإذا كان الواقع منحصر بعالم الوجود فأين واقع هذه الأشياء؟ السيد الشهيد السعيد محمد باقر الصدر «قدس سره لأنه على مسلك المشائي دائماً يُكرر في أبحاثه «لوح الواقع أوسع من لوح الوجود»، فهو أن للواقع أوعية غير وعاء الوجود الخارجي، بينما مَنْ يرى أن الواقع هو الوجود وليس شيئاً آخر كيف يُفسر هذه القضايا؟ مع أن هذه القضايا صادقة لكن كيف تكون صادقة ولا واقع لها؟ من هنا جاء العلامة الطباطبائي وقال بالتوسع العقلي الاضطراري، فواقعها بواقع منشأ انتزاعها، يعني أن الذهن يُدرك الوجود فإذا ادرك الوجود ثم أدرك انقضاء الوجود فإنه ينتزع من إدراك الوجود - فالوجود له واقع - وانقضاء الوجود ينتزع قضية اسمها النقيضان، ويحمل عليه بتوسعه وتحليله وقُدرتِه على التحليل والتوسعة فهو يحكم عليه بأنهما لا يجتمعان، فهذه القضية «النقيضان لا يجتمعان» لا واقع لها إلا بواقع منشأ انتزاعها وإلا هي في حد ذاتها ليس لها واقع بل واقعها بواقعية الوجود، فلأن هناك واقع اسمه الوجود وانتهاء لهذا الواقع فإن الذهن اقتنص من هذا الواقع قضية وعبر عنها ب «النقيضان لا يجتمعان»، فإن على هذا المسلك حُلت المشكلة، فكما أن هذه القضايا - النقيضان لا يجتمعان، شريك الباري ممتنع - لا واقع لها إلا بواقعيةٍ الوجود لأنها قضايا انتزاعية فالكلي كذلك، فهو صورة واقعية ارتسمت في المتخيلة لعلي أو للكتاب فإن هذه الصورة التي ارتسمت لها واقعٌ خارجي، فالذهن تَركّز وانصب وتوجه إلى النقاط المشتركة من هذه الصورة، فلما توجه إلى النقاط المشتركة من هذه الصورة تَولّدت صورة سُميت بالكلي، فالكلية لا واقع لها وراء الوجود بَل واقعها بواقعية منشأ انتزاعها، ومنشأ انتزاعها هو الصورة المرتسمة في المتخيلة.

إذن الدليل الوجداني على أن للكلية واقع كما أن «النقيضان لا يجتمعان» لهما واقع فإن هذا غير تام؛ لأن ما مثل به ليس له واقع أبدا إلا بواقع منشأ انتزاعه، فما قيس عليه لا واقع له إلا بواقعية منشأ انتزاعه وكذا المقاس ألا وهو كلية مدرك أو كلية الصورة أو كلية المفهوم.

الدليل الثاني: أن الواحد البسيط لا يقبل أن يكون قابلاً وفاعلاً.

وهذا عمدة الأدلة من أن النفس دورها دور المشاهدة فقط فلا تصنع صوراً بل دورها دور المشاهدة، فعمدة الأدلة هو أنن النفس قابل فلا يُعْقَل أن تكون فاعلا لأن الواحد البسيط لا يُعقل أن يكون قابلاً وفاعلاً في آنٍ واحد، وهذه عمدة الادلة.

مناقشة هذا الدليل بوجهين:

الوجه الأول: إمكان كون الواحد قابلاً وفاعلاً.

وهذا من خلال مناقشة العلامة الطباطبائي «قدس سره» في نهاية الحكمة، وهنا أستعرض كلام العلامة في النهاية [3] : ”وقد قسَّموا عالمَ المثالِ إلى المثالِ الأعظمِ القائمِ بذاتِه - وهو عقلٌ مفارق للأنفس يُسمى عالم المثال وفيه صور الأمور المادية - والمثالِ الأصغرِ القائمِ بالنفسِ - أي أن هناك في النفس يُوجد عالم اسمه عالم المثال الأصغر - الذي تتصرفُ فيه النفسُ كيفَ تشاءُ بحسبِ الدواعي المختلفةِ، فتنشأ أحياناً صوراً - يعني أن القوة المتخيلة الموجودة لدى النفس تخلق وتصنع صورا - حقّةٍ صالحةٍ وأحياناً بصورٍ جزافيّةٍ تعبثُ بها“، إذن النفس لديها القدرة على الصنع مع أنها قابل، فما تصنعه يرتسم فيها فهي فاعل له وقابل، فالقوة المتخيلة في النفس قوة فاعلة وقابلة، فهي تصنع الصورة وفي طول صنعها للصورة ترتسم فيها الصورة، فهي بلحاظ الفعل فاعل، وهي بلحاظ الارتسام قابل.

وفي مورد آخر[4]  قال العلامة الطباطبائي: ”فتعين أن المفيض للصور العقلية جوهرٌ عقليٌ مجرد، وهو أقرب العقول المجردة من الجوهر المستفيض وفيه جميع الصور العقلية المعقولة عقلاً إجمالياً تتحد معه النفس - أي ذاك العقل فإن النفس ترتقي إليه وتتحد معه - المستعدة للتعقل على قدر استعدادها فتستفيض - أي هو مفيض وهي تستفيض - فتستفيض منه ما تستعد له من الصور العقلية“ ثم قال[5]  ”ونظير البيان السابق في الصور العلمية الْكُلية يجري في الصور العلمية الجزئية - يعني حتى الصور العلمية الجزئية النفس تستفيضها - ويتبين به أن مفيض الصور العلمية الجزئية جوهرٌ مفارق للنفس مثالي فيه جميع الصور الجزئية والنفس دورها أن تستفيض وتستقبل“. وهنا كيف نجمع بين الكلامَيْن؟

إشكال أول: كيف نجمع بين الكلامين؟ ولسوف نرى كيف يُجْمَعُ بين الكلامَين، ومن أنَّ العلامة «قدس سره» يقولُ أنَّ النفس لها قوةٌ تُنشَأُ وتسمى بالمثال الأصغر، ويقولُ بأن مصدر الصور العلمية الجزئية جوهرٌ مثاليٌ مفارق.

إشكال ثانٍ: أن العلامة «قدس سره» يرى أنَ مفيضَ الصور هو العقلُ الفعال، جوهرٌ مجردٌ مفارقٌ للمادة عنده جميع الصور العقلية وذلك لِما تقدَم أن هذه الصور مُجردَة مفاضة للنفس فلها مفيض والمفيض هو العقل الفعال، فما هو دور النفس؟ هل أن دور النفس هو أن تشاهد الصور؟ وإذا قامت بذلك ما الذي يحدث؟ فهو قال أن النفس بعد مشاهدتها للصور في العقل الفعال تنتزع مفاهيم تُحاكي تلك الصور، فالنفس ترتقي إلى العقل الفعال وتشاهد هذه الصور لكن بعد مشاهدتها تقوم أيضاً بانتزاع مفاهيم تُحاكي تلك الصور، وإلا كيف يصبح العلم علما حصولياً والحال أن المشاهدة هي علم حضوري ونحن بحاجة إلى علم حصولي، فكيف نبرر العلم الحصولي؟ أليس في الأذهان أن كل علمٍ حصولي يستند إلى علمٍ حضوري فلا بد أن نتصوره من علم حضوري وعلم حصولي، والعلم الحضوري صورناه من أن كل الصور موجودة في العقل الفعال وهو دوره الإفاضة على النفس فترتقي النفس وتشاهد، لكن أين العلم الحصولي؟ يقول وفي طول هذه المشاهدة التي هي علمٌ حضوري تقوم النفس بانتزاع مفهومٍ يحاكي تلك الصورة وينطبق على ما في الخارج، فهو من جهة يحاكي الصورة ومن جهة ينطبق على ما في الخارج، وهذا هو العلم الحصولي، فكل علمٍ حصولي يرجع إلى علمٍ حضوري بهذا المعنى وبهذا التحليل.

إذا كانت النفس لديها القدرة على أن تنتزع هذا المفهوم - أي القدرة على أن تصنع - وطبيعي أنه بعد انتزاع المفهوم سيرتسم المفهوم في العقل المنفعل فأصبح هناك فاعل وقابل فما هو الجواب؟

الشيخ الفياضي «حفظه الله» في شرحه لنهاية الحكمة [6]  أراد أن يُجيب عن هذين الإشكالين معا بأن لا تتوهموا أن العلامة ليس ملتفتا وأن هذا الإشكال وارد عليه، بل هناك جواب عن هذا وهو: لا يمكن أن يكون الشيء فاعلاً وقابلاً بمعنى مُستكملاً، لكن يُمكن أن يكون الشيء فاعلاً وقابلاً بمعنى متصفاً لا بمعنى مستكملاً، فالقبول له معنيان، القبول بمعنى الاستكمال والقبول بمعنى الاتصاف، والقبول بمعنى الاستكمال مستحيل، أي بأن يكون الشيء هو الفاعل وهو القابل بمعنى الاستكمال محال، لكن القبول بمعنى الاتصاف ممكن أن يكون الشيء فاعلاً وقابلاً بمعنى الاتصاف، ونبين هذا الآن.

عندما نقول بأن القوة المُتخيلة تصنع صوراً، فإنه لا توجد مشكلة بأن لها القدرة على صنع الصور، فالنفس البشرية إذا امتلكت الخبرة بالصورة - كالرسام - تستطيع أن تصنع صورا وترسمها، إلا أن قبولها للصور ليس استكمال بل اتصاف، فنحن نُريد أن نفر من أن فاقد الشيء لا يُعطيه، فإذا قلتم أن النفس هي التي تصنع وهي التي تستكمل فقد اجتمع النقيضان، فإن معنى أنها تستكمل يعني أنها فاقد، فإذا كانت فاقداً فكيف تكون هي الفاعل؟ فإن المستكمل فاقد والفاقد لا يُعطي، فلا يُعقل أن يكون الشيء الواحد فاعلاً ومُستكملاً بما فعل؛ لأن الاستكمال فرع الفقدان، والفقدان لا يجتمع مع الفعل والإيجاد، وأما أن يفعل ويتصف بما فعل فإنه لا شيء عليها، فالجسم يفعل القيام ويتصف بالقيام، وأنا أفعل الكلام وأتصف بالكلام، والنار تفعل الحرارة وتتصف بالحرارة فيقال «النار حارة»، فإن اجتماع الفعل والقبول بمعنى الاتصاف في شيء واحد ممكن، والمستحيل هو اجتماع الفعل والقبول بمعنى الاستكمال.

وهنا عندنا إشكال على هذا الجواب وهو:

لا تنفك النفس عن حركة الاستكمال أبداً والسر في ذلك أن نفس الفياضية ونفس الفاعلية للصور هي في حد ذاتها كمال من كمالات النفس، فإن قدرة القوة المتخيلة على خلق الصور وصنعها هو في نفسه كمال من كمالات النفس، فإن قدرة العقل المنفعل على استقبال الصور والانفعال بها هو كمال من كمالات النفس، فالنفس لا تنفك عن حركة الاستكمال في كل آن، فالنفس في كل آن تمارس الاستكمال بنحو الإجمال والتفصيل، ونضرب ذلك بمثال البذرة التي تختزن طاقة دينامية، وهذه الطاقة تحول البذرة إلى شجرة، ففي كل لحظة تمر على البذرة هي تعيش حركة استكمال، فهي تحول الكمال من كمال مجمل إلى كمال مفصل، وذات الأمر في النفس البشرية، فالنفس البشرية منذ أن كانت نطفة إلى يُصبح عالما وعملاقا هو يعيش حركة استكمال، فهو في كل لحظة تمر عليه يصنع صوراً جديدة ويستقبلها فهو في حركة استكمال، وبما أن النفس في حركة استكمال مستمرة في أي مانع من أن تكون النفس فاعلاً وقابلاً بمعنى الاستكمال؟ فالنفس فاعل وفعلها من كمالها، وقابل وقبولها من كمالها، فهي في كل آن فاعل وقابل بمعنى الاستكمال لا بمعنى الاتصاف فقط، فلأجل ذلك فإن الإشكال الذي نبينه واضحاً حول هذا الدليل، فإن مقالة «لا يُعقل أن يكون الشيء الواحد قابلاً وفاعلا» فإنه لماذا لا يُقبل؟ فهو فاعل بلحاظ جهة وقابل بلحاظ جهة أخرى، فالنفس البشرية لديها قوى ومن خلال قوة العقل الفاعل هي فاعل، ومن خلال قوة العقل المنفعل فهي قابل، فهي فاعل وهي قابل، فمن حيث القوة الفاعلة هي كمال، ومن حيث القوة القابلة هي استكمال، فما هي المشكلة؟ فهي فاعل وقابل في آن واحد.

خلاصة الدليل:

إما أن تقولوا أنه لا يُعقل أن يكون الشيء الواحد قابلاً وفاعلاً فإن هذا إنكار لما ذكره العلامة، أو أن تقولوا أن هذا ممكن فإذا أمكن أن يكون الشيء الواحد قابلا وفاعلا ولأجل ذلك يسقط الدليل على أن مفيض الصور عقل مجرد خارج عن إطار النفس البشرية، فنحن لا نحتاج إلى إفاضة الصور من عقل مجرد، فالنفس هي الفاعل، والنفس هي القابل، فهي فقط تحتاج إلى المثير الخارجي.

تقسيم الفلاسفة للنفس [7] :

النفس يقسمها الفلاسفة ثلاثة أقسام:

نفس نباتية ونفس حيوانية ونفس عاقلة، وكل نفسٍ من هذه الأنفس لها جنبتان «فعل وقبول»، أما النفس النباتية هي الطاقة التي تُسْهِمُ في نمو البدن، فهي تُسمى نفس نباتية، وهذه النفس النباتية لها قوى ولها حواس ولها وظائف، لكنها من خلال هذه الوظائف تفعل وتقبل، أما النفس الحيوانية وظيفتها الحرك، فهي تحرك هذا الجسم، فهي أيضاً تفعل الحركة وتقبل التحرك في نفس الوقت، فإن النفس العاقلة أيضاً لها فعلٌ ولها قبول كسائر أنواع النفس.

والحمد لله رب العالمين

[1]  نهاية الحكمة ص280.
[2]  هناك مثل دارج ألا وهو «ما وراء عبّادان قرية»، فسابقا عندهم ليس هناك بعد عبّادان شيء، فمن يُبحر في الخليج يبحر ويبحر وينتهي بعبّادان، فالناس في ذهنها أنه ليس بعدَ عبادان شيء فهي آخر العالم فليس وراء عبّادان قرية، والملا هادي السبزواري أدخلها في منظومته إشارة إلى أنه ليس وراء الوجود شيء.
[3]  نهاية الحكمة ص273.
[4]  نهاية الحكمة ص277.
[5]  نهاية الحكمة ص278.
[6]  شرح نهاية الحكمة ج4 ص974 للشيخ الفياضي.
[7] : هذا شيء بالعرض ذكره سماحة السيد - حفظه الله - إكمالا لهذا المطلب.

الدرس 14 | نقد نظريات الفلسفة الشرقية - الصدرائية - حول حقيقة الروح وطريقة التفكير
الدرس 16 | تأملات نقدية في الحاجة للعقل الفعال