نص الشريط
الدرس 36 | الارتباط الكوني في نظر الديالكتيك والميتافيزيقا
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مجلس آل جمعة
التاريخ: 6/11/1442 هـ
مرات العرض: 111
المدة: 00:43:22
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (24) حجم الملف: 12.4 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

من النظريات التي طرحها الاتجاه الماركسي هي «نظرية الارتباط العام»، فما هي حقيقة «الارتباط العام» أو المعبر عنه بالارتباط الوجودي بين الأشياء؟ وما هي كيفيته؟ وما هو دليله؟ وما هو أثره؟ فهنا أربعة أسئلة نتناولها في هذه الجلسة:

السؤال الأول: ما هي حقيقة الارتباط العام في النظرية الماركسية؟

نقل السيد الصدر «قدس سره» [1]  عن ستالين شرحه لهذه النظرية فقال: ”قال ستالين: إن الديالكتيك خلافاً للميتافيزيقية لا يَعْتَبرُ الطبيعة تراكماً عرضياً للأشياء - كما إذا لو جمعنا قارورة ماء مع مسجلة وطاولة فإن هذا تراكم عرضي للأشياء من دون ارتباط، فهي أشياء موجودة لكن لا يوجد ارتباط بينها - أو حوادث بعضها منفصل عن بعض، بل يَعْتبرُ الطبيعة كلّاً واحداً متماسكاً - أي كل الطبيعة هي وجود واحد، فكل الطبيعة لا ينفك جزء منها عن الجزء الآخر - ترتبط فيه الأشياء والحوادث فيما بينها، ويتعلق أحدها بالآخر، ويكون بعضها شرطاً لبعض بصورة متقابلة - أي حتى الضدين فإن كل واحدٍ مشروط بالآخر، لنفترض أن لدينا ضدين «سالب وموجب» فإنه مع ذلك لولا السالب لما وجود الموجب والعكس، فإن كلَّ ضدٍ شرطٌ لوجودِ ضده - فالطبيعة وجودٌ واحدٌ مترابط، فحتى الأضداد مترابطة في وجودها“.

هذا ما يتعلق بحقيقة الارتباط العام أو الارتباط الوجودي بين الأشياء، ومن أجل تدقيق هذا الارتباط وبيان حركته وهو يعيش هذا الارتباط لا بُد من معرفة هل أن حركة الوجود - الذي يعيش هذا الارتباط - هي حركة دائرية أم أنها حركة صاعدة؟! حركة لا تعود أو تعود إلى مبدئها من جديد؟ فهل أنها دائرية أم صاعدة؟!

السؤال الثاني: ما هي كيفية الارتباط؟

ذكر السيد الصدر «قدس سره» [2]  عن المتحدثين عن هذه النظرية حول كيفية الارتباط فقال: ”إن الارتباط بين أجزاء الطبيعة لا يُمكن أن يكون دورياً، ونقصد بذلك أن الحادثتين المرتبطتين - كالسخونة والحرارة بحيث كلما حصلت حرارة حصلت سخونة فهما حادثتنا مرتبطتان - لا يمكن أن تكون كلٌّ منهما شرطاً لوجودِ الحادثة الأخرى، فالحرارة لما كانت شرطاً لوجود الغليان - لا يحدث غليان بدون حرارة وليس معنى ذلك أن الغليان شرط لوجود الحرارة - فلا يمكن أن يكونَ الغليان شرطٌ لوجود الحرارة أيضا، فلكل جزء من الطبيعة - في سجل الارتباط العام - درجته الخاصة التي تحدّد له ما يتصل به من شرائط تؤثر في وجوده“.

وأنا هنا صغت العبارة هكذا: «إن الارتباط ليس دورياً بحيث يكون كل طرف شرطاً لوجود الآخر كما يُتوهم من التفاعل بين الأضداد» أي ربما الإنسان إذا ألقى نظرة على الأضداد يظن أن الارتباط بينهما دوري، أي أن كل ضد شرطٌ لوجود الضد الآخر، وكما يُتوهم التفاعل بين الأضداد - مثلا - السالب والموجب، فنقول أنَّ السالب شرطٌ في وجود الموجب، والموجب شرطٌ في وجود السالب، وهذا معناه أن الحركة دورية فكل منهما شرط في وجود الآخر، أما إذا قلنا أن التفاعل بين الأضداد شيء واشتراطهما في الوجود شيء آخر، نعم الأضداد تتفاعل إلا أنه لا يعني أن كل ضد شرط في وجود الضد الآخر.

وبعبارة أخرى وأوضح: حركة الوجود تضم أمثالاً وأضداداً ووجوداً متحركاً، وهذا الوجود المتحرك يضم أمثالاً وأضداداً، ونتيجة حركته حصول تفاعل بين الأمثال وبين الأضداد، فحصول التفاعل بين الأضداد هو لأن طبيعة الحركة تقتضي ذلك لا لأن كل ضد شرط في وجود الضد الأخر، وذكر ذلك السيد الصدر في الحاشية لدفع هذا التوهم فقال: ”فالشحنة السالبة والموجبة تتفاعلان لكن لا بمعنى أن كلّاً من الشحنتين وُجدت بسبب الشحنة الأخرى، بل بمعنى أن الشحنة السالبة ولّدت حالة انجذاب خاص في الشحنة الموجبة، وكذلك العكس“، فهذا نُمسيه «تفاعل» وليس «اشتراط»، فالتفاعل هو نتيجة الحركة لا أن بينهما اشتراطاً وجودياً.

السؤال الثالث: ما هي شواهد الارتباط الوجودي؟

وهنا الشواهد التي ساقها أعلام الماركسية لإثبات الارتباط الوجودي بين أجزاء والتي نقلها السيد الصدر «قدس سره»:

الشاهد الأول: الطبيعة والعالم ارتباطٌ وجدوي واحد.

يقول برنز[3] : ”إنّ الطبيعة أو العالم، وبضمنه المجتمع الإنساني، لم تتكوّن من أشياء متمايزة مستقلّة - هذا شجر وهذا حجر وهذا إنسان بل الصورة التي نراها مستقلة والواقع أنها ارتباط وجودي واحد - تمام الاستقلال عن بعضها البعض، وكلُّ عالِمٍ يعرفُ ذلك - أي كل شخص لديه علم يعرف أن الوجود ارتباط ويعرف أن الوجود وجودٌ واحد - ويجد صعوبةً قصوى في تحديد التقديرات حتّى لأهمّ العوامل التي قد تؤثّر في الأشياء“ ثم يقول: ”إنّ الماء - وهو أول شاهد على الارتباط الوجودي - ماءٌ، ولكن إذا زيدت حرارته إلى درجة معيّنة تحوّل إلى بخار، وإذا انخفضت حرارته استحالَ ثلجاً - وهو هو، فأنت تراه بخاراً إلا أنه نفس الماء، تراه ثلجاً إلا أنه نفس الماء، فهذه ظاهرة من ظواهر الطبيعة تدل على أن الوجود واحد وإن اختلفت الصور والألوان إلا أنه وجودٌ واحد يرتبط بعضه بالبعض الآخر -“ ولذلك قال: ”وقد يبدو هذا الترابط بين الأشياء بديهيا إلى درجة يظهر معها أي سبب لإلفات النظر إليه، ولكن الحقيقة أن الناس لا يُدركون الترابط بين الأشياء دائماً ولا يُدركون أن ما هو حقيقي في ظروف معينة قد لا يكون حقيقياً في ظروف أخرى“، فهو يقول لا تتوهم أن هناك ثباتاً لأن هذا الوجود الواحد يتحرك ويلبس صوراً مختلفة ويتلون بألوان متعددة فإذا رأيت صورة لا تظن أن هذه الصورة ثابتة «هذا ماء» يعني أنه سيثبت ماء، وهذا شجر يعني سيبقى شجراً، فليست هذه الصورة ثابتة، بل هذه الصورة في هذا الظرف هي صورة حقيقة لكنها في ظرف آخر ليست صورة حقيقية ما دام الوجود واحداً ومتحركاً في صوره وألوانه".

قد يتساءل أحدهم فيقول: ما هو الداعي لأن يطرحوا أن الوجود واحدٌ وصور مختلفة؟

الداعي أنهم يريدون أن يقولوا أنه لا يجود عندنا حقيقة ثابتة، فأنت متى ما قرأت ظاهرة من ظواهر الطبيعة تُريد أن تحدد لها حقيقة معينة فلن تقدر؛ لأن هذه الظاهرة سوف تزول بعد قليل ولسوف تتحول إلى صورة أخرى، فليس هناك حقيقة ثابتة فإن جميع ظواهر الوجود إنما هي ألوان لوجود واحد، فليس هناك حقيقة ثابتة وتعريف ثابت وتحديد ثابت فتقول «تعريف الإنسان كذا أو الشجر كذا» فلا وجود لتعريف ثابت بل كلها ألوان لوجود واحد متحرك، ولذلك لا يُمكن وضع مفهوم حاسم لأي حقيقة. [4] 

الشاهد الثاني: الخلية.

لينين - كما ينقل عنه السيد الصدر «قدس سره» [5] : ”إن اكتشاف الخلية بصفتها الموحدة التي تنمو منها العضوية النباتية والحيوانية بطريق التكاثر والتمايز - أي عندنا خلية واحدة انطلقت منها حيوانات والإنسان والنباتات، فهي خلية حية ومنها انطلقت الكائنات الحية عن طريق التكاثر والتمايز - بحيث لم نعرف أن تطور سائر العضويات العليا يتتابعان وفق قانون عام فحسب، بل إن قدرة الخلية كذلك على التحول تبين الطريق الذي تستطيع العضويات بمقتضياته أن تُغير أنواعها“، فهو يقول أن هذا كله ناشئ عن طاقة كامنة في الخلية، وهذه الطاقة هي التي اقتضت أن تتكاثر وتتحول إلى أنواع متكاثرة ومتمايزة. إذن هذا شاهد آخر على أن الوجود واحد؛ لأن الكائنات الحية جاءت من خلية موحدة، وهذا شاهد واضح على أن الوجود وجودٌ واحد.

السيد الصدر أراد أن يستغل الفرصة هنا وإلا هو ليس بصدد مناقشة الشاهد بل ليستفيد منه في جهة أخرى غير جهة البحث ومحل البحث، فقال: ”ويمكن التعليق عليه بأن ذلك نصر للمنطق الميتافيزيقي ولكن من جهة أخرى، فالواقع أن هذا الاكتشاف - أن الخلية الحية موحدة ومنطلق لهذه الكائنات الحية - من الكشوف العلمية التي انتصرت فيها الميتافيزيقا؛ لأنه برهن أن مبدأ الحياة هو خلية حيّة، فأزاح بذلك الوهم القائل بإمكان قيام الحياة في أي مادة عضوية تتوفر فيها عوامل مادية خاصة، ووضع حدّاً فاصلاً بين الكائنات الحية وغيرها“، فهو يُريد أن يقول أن هذا يؤكد لنا منطق السنخية بين المعلول والعلة، فهذا نصر للمنطق الميتافيزيقي لأن من مبادئه السنخية بين المعلول والعلة، فبما أنكم اكتشفتم أن الحياة لا يُمكن أن تنبثق من مادة جامدة بل لا بُد أن تنبثق من مادة حية فإن كلَّ الحياة انبثقت من خلية حيّة، ومن هنا يأتي السؤال «من أين جاءت الحياة لأول خلية حيّة انطلقت منها كل الكائنات الحية؟»، فإذا كانت الكائنات الحية لا يُمكن أن تنبثق عن أيِّ مادة عضوية بل لا بُد أن تنبثق عن خلية الحياة فهنا يأتي السؤال عن طاقة الحياة، ”فهذا دليل على وجود عاملٍ خارجي وهو عين الحياة ووهب الحياة لأول خلية حيّة فصارت منبثقاً لكل الكائنات الحية“.

الشاهد الثالث: تحول الطاقة وتنوع صورها.

هذا ذكره لينين فقال: ”اكتشاف تحول الطاقة الذي يُبين أن سائر القوى المؤثرة في الطبيعة غير العضوية هي ظواهر مختلفة للحركة الكلية، وتمر كلٌّ منها إلى الأخرى بنسب كمية معينة“، أي أنها طاقة واحدة وصور مختلفة، وهذا ثابتٌ من أن الطاقة تتجدد من دون أن تفنى، فيقول السيد الصدر هذا أيضاً صحيح من أن هذا شاهد من أن هناك ارتباطاً وجودياً بين الأشياء، لكن نستفيد منه أيضاً في منطقنا الميتافيزيقي من جهة أخرى، وهي بيان الحاجة للعامل الخارجي في بذرة الحركة، ويقول بنص العبارة: ”وأما الاكتشاف الثاني - تحول الطاقة - فهو الآخر أيضاً يُعد ظفراً عظيماً للميتافيزيقا لأنه يُثبت بطريقة علمية أن جميع الأشكال التي تتخذها الطاقة بما فيها الصفة المادية - الطاقة تتحول إلى مادة والمادة ترجع إلى طاقة مرة أخرى - هي خصائص عرضية - فإذا كانت عرضية فما الذي حلوها إلى هذه الخصائص؟ كيف تحولت إلى هذه الخصائص مع أنها خصائص عرضية وليست ذاتية، فهي لو كانت خصائص ذاتية للطاقة فلا عجب أن الطاقة تحولت إلى خصائصها الذاتية التي هي مقومات لها، أما إذا افترضنا أن الخصائص عارضة على الطاقة وليس من ذاتها، فإذا لم تكن هذه الخصائص نابعة من ذات الطاقة وإنما هي عارضة عليها فمن أين جاءت لها؟ فإن هذا يدل على أن هناك عاملاً خارجياً وهو الذي أفاض هذه الخصائص العرضية على الطاقة، وإلا فمن أين تكتسبها وهي فاقدة لها في حدِّ ذاتها؟!“.

الشاهد الرابع: النظرية الدارونية.

قال لينين: ”وأخيراً - أي أنه يعتبر أن هذا نصر مؤزر للنظرية - البرهان الشامل الذي كان دارون أول من جاء به، والذي ينص على أن جملة ما يُحيط بنا في الوقت الحاضر من منتجات الطبيعة بما في ذلك البشر إنْ هي إلا نتائج عملية طويلة من التطور“، أي أنه بعد نظرية التطور والارتقاء - وهي النظرية الدارونية - لا يبقى شك من أن الوجود واحدٌ وإن اختلفت ألوانه وصوره".

السيد الصدر يُعلق على ذلك فيفيد أن النظرية الدارونية لا تُفيدهم لأنها عكس المدّعى حيث يقول: " هناك مغايرة واضحة بين النظرية الدارونية ومنطق الديالكتيك، وهذه المغايرة هي من جهتين:

الجهة الأولى: أن تطور الأنواع في النظرية الدارونية ليس ناتجاً عن تطورٍ داخلي، وليس ثمرة للتناقض في محتوى الخلية، بل هو ناشئ عن صراع مع العوامل الخارجية ”، نحن عندما نُراجع نظرية دارون نرى أن الأنواع تطورت لا لأنها تحمل تناقضاً داخلياً - كما يقول المنطق الديالكتيكي - بحيث تحمل في داخلها قانونَ التطور بل هي تطورت نتيجة الصراع مع العوامل الخارجية، فهذه الخلية الحيّة الأولى نتيجة الصراع مع عوامل الطبيعة ونتيجة الصراع مع الظروف القاسية للبيئة هي التي فرضت عليها أن تتحول إلى نوع آخر، ومن نوع ثانٍ إلى ثالث إلى أن تكاثرت الأنواع، فمحتوى النظرية الدارونية يتغاير تماماً مع قانون منطق الديالكتيك، ولذلك قال[6] :“ هناك الطابع الميكانيكي للنظرية يبدو بوضوح من خلال تفسير دارون لتطور الحيوان بأسباب خارجية، فالميزات والفروق التي يحصل عليها الجيل القوي من أفراد النوع ليست نتيجة لعملية تطورية داخلية ولا ثمرة لتناقض داخلي، وإنما هي وليدة مصادفة ميكانيكية أو عوامل خارجية من البيئة والمحيط".

الجهة الثانية: أن النظرية الدارونية مبنية على الصراع وكذلك منطق الديالكتيك مبني على الصراع، ولكن فرق بين نوعين من الصراع، فهناك فرق بين فكرة الصراع من أجل البقاء - والذي تُسميه النظرية الدارونية - وبين صراع الأضداد في محتوى الوجود الواحد - والذي يقول به منطق الديالكتيك - ولذلك يقول السيد: ”وهناك أيضاً فرق كبير بين قانون تنازع البقاء في نظرية دارون وفكرة الصراع بين الأضداد في الديالكتيك، فإن فكرة الصراع بين الأضداد عند الديالكتيك تُعبر عن صراعٍ بين ضدين يُسفر في النهاية عن توحدهما في مركب أعلى“ فهما في البداية يتصارعان في البدء ومن ثم يتحولان إلى مركب أعلى يُسمى التركيب، ”ففي صراع الطبقات تشب المعركة بين الطبقة الرأس مالية والعاملة، وينتهي الصراع بامتصاص الطبقة العاملة للطبقة الرأس مالية وتوحد الطبقتين في مجتمع لا طبقي، فكل أفراده يملكون ويعملون، وأما تنازع البقاء في النظرية الدارونية بين القوي والضعيف فليس صراعاً ديالكتيكياً لأنه لا يُسفر عن توحد الأضداد في مركب أرقى بل يؤدي إلى إفناء أحد النوعين، فهو يُزيل الضعاف إزالة نهائية ويُبقي الأقوياء، ولا يُنتج مركباً جديداً يتوجد فيه الضعفاء والأقوياء“.

السؤال الرابع: ما هو الأثر والموقف منها؟

بعد أن عرفا معنى النظرية وعرفنا الشواهد عليها - نحن كمنطق ميتافزيقي - نحتاج أن نعرف موقفنا من ذلك، وموقفنا من هذه الشواهد التي استشهد بها ستالين ولينين على هذه النظرية، فالسيد الصدر «قدس سره» يقول نحن أيضاً نرى النظرية - أصحاب المنطق الميتافيزيقي - فنحن نرى الوجودَ واحداً، ونرى أن الوجودَ يتحركُ بحركةٍ واحدة، فهم لم يأتوا بشيء جديد، بل هذا موجود عندنا وفي كتبنا، إذن أين الفرق بيننا وبينهم؟

هل يوجد فرق أساسي بين المنطقين - الديالكتيك والميتافيزيقا - حول الارتباط الوجودي العام؟

السيد الصدر «قدس سره»: دعنا نشرع الارتباط بشكل فلسفي لُعرف أنه موجود في كتبنا الفلسفية، وأنهم لم يأتوا بشيء آخر جديد، ومن ثم نبين الفرق بين المنطقين.

يقول السيد «قدس سره» [7] : ”إن الحوادثَ في النظرة العامة للكون لا تعدوا أحد أشكال ثلاثة، إما أن تكون مجموعة من الصدف المتراكمة من دون أن تكون أي ضرورة تدعو إلى وجودها، وإما أن تكون أجزاء الطبيعة ضرورية ضرورةً ذاتية فكل واحدٍ منها يُوجد بسبب من ضرورته الذاتية من دون الحاجة إلى سبب خارجي“ أي أن يُقال وُجد الإنسان بضرورة ذاتية ولا يحتاج إلى سبب، ووجد الحيوان بضرورة ذاتية فهو لا يحتاج إلى سبب خارجي بل كل الموجودات وجدت بضرورة ذاتية كامنة فيها، وهذه هي النظرة الثانية، ”وكلتا هاتين النظرتين لا تنسجمان مع مبدأ العلية“ فمبدأ العلية لا يكوّن صدفاً بل كل شيء لا بُد له من علّة، فكل ظاهرةٍ لها سبب، ”إن كل حادثةٍ ترتبط في وجودها بأسبابها، فهذا المبدأ يرفض الصدفة والاتفاق كما يرفض الضرورة الذاتية للحوادث“ فلا يمكن للأشياء أن توجد بضرورة من ذاتها وإلا فمن أين اكتسبت هذه الضرورة حتى تكون الضرورة الذاتية موجدة لها؟! إذن لا محالة سنتجه للشكل الثالث، وبالتالي ستتعين نظرة أخرى للعامل، وهي النظرة التي يُعتبر فيها العالم ارتباطاً كاملاً طبقاً لمبدأ العلية وقوانينها، وسيحتل كل جزء منها موضعه الخاص الذي تجتمع شرائط وجوده وقافلة أسبابه، وإلا كل العالم وجودٌ واحد، فهذا سُمي «إنسان» وهذا في موقع سميناه «حيوان» وهذا في موقع سميناه «شجر» مع أنها وجودٌ واحد لما يرتبط بالشرائط الخاصة التي تتوفر أثناء الحركة، ففي حركة هذا الوجود تولدت شرائط اقتضت هذا النوع، وشرائط اقتضت النوع الثاني، والنوع الثالث، وإلا فجميع الوجود مرتبط بعضه بالبعض الآخر بناءً على قانون العلية، " وهذه هي النظرة الثالثة التي تُقيم الميتافيزيقية على أساسها فهمها للعالم، ولأجل ذلك - نحن لدينا أسئلة أربعة قولنا أن الجواب يستدعي شرح مفهوم الارتباط عند الميتافيزيقا على أساس مبدأ العلية وسير المعرفة - والسؤال الأول «ما هو»، والسؤال الثاني «هل هو موجود؟»، والسؤال الثالث «كيف هو؟»، والسؤال الرابع «لماذا وُجد؟» فكل هذه الأسئلة الأربعة هي أسئلة فطرية أي أن الفلاسفة لم يطرحوا أسئلة خارج نطاق الفطرة، فإن فطرة الإنسان في التعرف الأشياء ترم بهذه الأسئلة الأربعة، وقد تعرض لها الشيخ المظفر في منطقه، وهذه الأسئلة الأربعة التي هي سير المعرفة كلها تكشف عن أن الحاكم في الوجود مبدأ العلية، ولذلك الإنسان يضطر لهذه الأسئلة الأربعة لكي يتعرف على الأشياء.

يقول السيد الصدر: ”مثلاً نأخذ الحرارة لمواجهة هذه الأسئلة، «ما هي الحرارة؟» فعرفنا الحرارة، فقلنا أن الحرارة نوع من أنواع الطاقة، فجاء السؤال الثاني «هل هي موجودة؟» نجيب بالإيجاب، يأتي الثالث «ما هي ظواهرها وخواصها؟» وهذا ما تُجيب عنه الفيزياء فيُقال أن من خواصها التسخين والتمديد والتقليص، يأتي السؤال الرابع «لماذا وُجدت الحرارة؟» هذا السؤال نفسه يعني أنك تؤمن بأن هناك ارتباطاً وجودياً بين الأشياء، فهذه الحرارة ما هو موقعها من هذا الوجود،“ فلماذا وُجدت الحرارة؟ ومدُّ هذا السؤال إلى الاستفهام عن عوامل الحرارة وعللها وشروطها الخارجية التي ترتبط بها فيجاب - مثلا - إن الطاقة الحرارية تستوردها الأرض من الشمس وتنبثق عنها... إلخ، وبهذا تعرف أن المنطق الميتافيزيقي وضع مسألة ارتباط الشيء بأسبابه وظروفه في مصاف المسائل الرئيسة، فهو يعترف بالارتباط الوجودي العام.

إذن أين الفرق بين المنطقين إذا كان كلاهما يعترف بالارتباط الوجودي العام؟

في مدخل البحث سألنا عن الهدف من هذه النظرية، فكان الهدف منها أن لا توجد حقيقة ثابتة، أي لا يُمكن تعريف شيء من الأشياء بحيث يظل تعريفاً ثابتاً، فعليه يقولون أنه لا وجود للحقيقة الثابتة حتى يُقال «الله» و«النبوة» وغير ذلك فإنه لا حقيقية ثابتة، فبما أنه هو الهدف فإن هذا هو الفرق بين المنطقين، فموقع الفرق بينهما هو تعريف الأشياء تعريفاً ثابتاً وذكر حقائق ثابتة، فهذا هو موقع الفرق بين المنطقين، ولذلك السيد الشهيد «قدس سره» [8]  تعرض لموقع الفرق بين المنطقين فقال[9] : أكبر الظن أن الذي دعا الماركسية إلى اتهام الميتافيزيقا بأنها لا تؤمن بالارتباط العام - مع أنها تؤمن - ولا تدرس الكون على أساس الارتباط العام إذ وجدت الميتافيزيقي يأخذ الشيء الواحد كالإنسان - مثلا - ويحاول تحديده وتعريفه بصورة مستقلة عن الأشياء الأخرى - فيعرف الإنسان لوحده والشجر لوحدها والحرارة لوحدها، وهذا الطريقة العلمية، وإلا العلوم كيف قامت؟ فهي متمايزة، ولكل علم موضوع، وهذا دليل على أن المسيرة المعرفية للبشرية قامت على تعريف كل شيء بحسبه ووضع كل حقيقة لكل شيء بحسبه، فهذه هي المسيرة العلمية لا خصوص الميتافيزيقا - فخيل لهم بسبب ذلك أنه لا يُقر - أي المنطق الميتافيزيقا - بوجود الارتباط بين الأشياء، ولا يتناولها بالدرس إلا في حال عزل بعضها عن البعض الآخر، فكأنه - المنطق الميتافيزيقي - حينما عرف الإنسانية بأنها حياة وفكر، وعرف الحيوانية بأنها حياة وإرادة قد عزل الإنسانية عن كل الظروف والملابسات وعرفها، أو عزل الحيوانية عن كل الظروف والملابسات وعرفها، ولكن الواقع خلاف ذلك، فهذه التعريفات التي درج المنطق الميتافيزيقي فيها لا تتنافى مطلقاً مع مبدأ الارتباط الوجودي العام بين الأشياء، ولا يُقصد من هذه التعريفات التفكيك في الوجود، فنحن حين نعرف الإنسانية بأنها حياة وفكر، ونعرف الحيوانية بأنها حياة وإرادة فننا لا نرمي من وراء ذلك إنكار الارتباط بين الإنسانية والحيوانية، والارتباط بالعوامل والأسباب الخارجية، بل نقصد بالتعريف أن نعطي فكرة للشيء الذي يرتبط بتلك العوامل والأسباب ليتاح لنا أن نبحث عمّا يتصل به من عوامل وأسباب أي أن الأمر بالعكس، فحن هدفنا بالعكس، فمثلاً حينما نُريد أن نعرّف الإنسان بأنه حياة وفكر فإن هذا التعريف هو تعريف لعوامله وأسبابه، وتريف الحيوانية بأنها حياة وإرادة هي تعريف لعواملها وأسبابها وظروفها، فتعريف كل شيء هو طريق لمعرفة أسبابه وعوامله وظروف نشأته، فكل ذلك تدخل ضمن تعريفه، فتعريفنا للأشياء مبني على ضمن مبدأ الارتباط الوجودي العام وليس منفصلاً عنه، ولذلك الماركسية عرّفت وقالت - حيث عرف لينين - منطق الديالكتيك: علم القوانين العامة للحركة، مما يعني أن هناك قوانين وهي متمايزة أيضاً، مما يعني أن لكل قانون ميزةً تخصه، ولو لم يكن هناك قوانين متمايزة ومعلومة لكل قانون حقيقة بإزاء حقيقة القانون الآخر لما كان الديالكتيك علماً بالقوانين العامة للحركة، ونأتي للمادة - وقد عرفها لينين - فقال: ”أن المادة هي الواقع الموضوعي المعطى لنا في الإحساس“، أي أن هناك مادة وطاقة مع أن المادة صورة من صور الطاقة فمع ذلك عرف المادة تعريفاً يُقابل تعريف الطاقة، فهذا كله يلتقي مع الفطرة التي تعني أن الوجود مع أنه واحد مترابط، لكن هذا الوجود المترابط لكل لونٍ منه حقيقة، ولكل لونٍ منه تعريف، وتعريف ألوانه وصوره لا يعني عزل بعضه عن بعض، بل تعريف ألوانه وظواهره وصوره هو طريقٌ لمعرفة أسبابها وظروفها وشرائط نشأتها.

والحمد لله رب العالمين

[1]  فلسفتنا ص267.
[2]  فلسفتنا ص273.
[3]  إميل بيرنز - Emile Burns» 1889 - 1972م» كان شيوعيًا واقتصاديًا ومترجمًا ومؤلفًا بريطانيًا كعضو نشط في الحزب الشيوعي لبريطانيا العظمى.
[4]  تأتي المناقشة فيما بعد.
[8]  ص274.
[6]  ص276.
[7]  ص268.
[8]  ص272.
[9]  لربما من يقرأ المطلب في كتاب «فلسفتنا» قد تجده يختلف عن هذا التنسيق والترتيب الذي ذكرناه، فلربما نُقدم ونؤخر حتى ترتبط المعلومات بشكل متسلسل.

الدرس 35 | قفزات التطور في منطق الديالكتيك
الدرس 37 | خلاصة الفلسفة الديالكتيكية في سطور