نص الشريط
الدرس 39 | هل الحقيقة ثابتة أم خاضعة للتحول وَالتغير؟
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مجلس آل جمعة
التاريخ: 15/11/1442 هـ
مرات العرض: 169
المدة: 00:57:29
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (34) حجم الملف: 16.4 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

هل الحقيقة ثابتة أم خاضعة للتحول والتغير، والبحث في محاور ثلاثة:

المحور الأول: هل يُمكن أن تكون الفكرة الواحدة من جهة واحدة هي صحيحة وهي خطأ؟ وهي صدق وهي كذب؟

بناءً على امتناع التناقض - كما هو الركيزة الفلسفية المعروفة - لا يُعقل أن تَكونَ الفكرة الواحدة من جهة واحدة صحيحة وخطأ، بعضُ الحداثيين قالوا يمكن أن يكون الفكر صحيحا وخطأ في آن واحد، والدليل على ذلك أننا نرى النظريات العلمية صحيحة من جهة وخطأ من جهة أي أنها أجابتْ عن أسئلة واقعية من جهة وأخطأت في الإجابة عن أسئلة واقعية من جهة أخرى، وهذه الدعوى التي يطرحها بعض الحداثيين فيها خلط بين الفكرة الواحدة وبين مجموعة الأفكار، فالنظرية هي مجموعة أفكار لا أنها فكرة واحدة، فمن الممكن أن تكون النظرية العلمية صحيحة وخطأ لأنها مجموعة أفكار، فالنظرية العلمية مجموعة أفكار فهي صحيحة بلحاظ بعض أفكارها، وخطأ بلحاظ البعض الآخر، أما أن تكون الفكرة الواحدة والمفهوم الواحد هو صحيح وهو خطأ في آن واحد من جهة واحدة فإن هذا اجتماع للنقيضين وغير ممكن، سواء كانت القضية - يعني الفكرة - من:

  • القضايا الطبيعية: ك «الأرض تدور حول الشمس» لا يُحتمل أن تكون صحيحة وخطأ، لأنها فكرة واحدة فإما أن تكون مطابقة أو غير مطابقة، مطابقة صادقة دائماً غير مطابقة كاذبة دائما، فلا يمكن أن تكون صادقة من جهة وكاذبة من جهة، فإما صادقة دائما أو كاذبة دائما.
  • الحقائق التاريخية: ك «كان أرسطو تلميذاً لأفلاطون، كان المطهري تلميذاً للطباطبائي» فهي إما صحيحة أو خطأ، ولا معنى لأن تكون صحيحة من جهة وخطأ من جهة؛ لأنها فكرة واحدة تدور مدار واقعٍ واحد فهي إما خطأ وإما صواب، «2×2=4» فهذا إما صحيح وإما خطأ، «الفلزات تتمدد بالحرارة» إما صحيح وإما خطأ، فلا يعقل أن تكون خطأ وصحيحاً في آن واحد.

نعم النظرية - أي فيها عدّة معطيات وعدة أفكار - يُمكن أن تكون صحيحة بلحاظ بعض محتوياتها وخطأ بلحاظ بعض المحتويات الأخرى، نضربُ مثالاً «النظرية النسبية العامة لآينشتاين»، نقول هذه النظرية بعض أركانها ثبت بحيث اعتبر حقيقة علمية، وبعض أركانها ما زال محلّاً للنظر والتأمل، فنحن عندما نقول مثلا «أن المادة لها أربعة أبعاد ونفترض أن الزمن بُعدٌ رابع» فإن هذه قد أصبحت حقيقة علمية، فهذه صحيحة وليست خطأً، لكن عندما نأتي مثلا لتأثير الجاذبية، فهل أن الجاذبية تؤثر حتى على الجزيء تحت الذري أم أن أثر الجاذبية على ما فوق ذلك؟ فالجزيء تحت الذري - كما يعبرون - أن الفوتونات هل تخضع للجاذبية أم لا؟ هل أن الضوء يخضع للجاذبية أم لا؟ هل أن الضوء ينحني عند اقترابه من الثقوب السوداء - كما يقولون - نظراً لخضوعه للجاذبية أم لا؟ تبقى هذه المعلومات - وإن كانت ضمن النظرية العامة - محلَّ بحث.

إذن بالنتيجة فإن نظرية السبية العامة صحيحة بلحاظ بعض محتوياتها، وخطأ أو محل بحث بلحاظ بعض محتوياتها الأخرى، وأما الفكرة الواحدة صواب وخطأ من جهة واحدة فهذا غير معقول، وإلا إذا كنتم تقولون أن الفكرة الواحدة يُمكن أن تكون صواب وخطأ من جهة واحدة فإن نفس كلامكم هذا يُمكن أن يكون خطأ، ف «الفكرة صحيحة وخطأ» فإن هذه مقالة وفكرة من الأفكار، ونفس هذه الفكرة أيضاً ليست صحيحة 100%، فهي صحيحة وهي خطأ، وإذا كانت نفس هذه المقالة قابلة لأن تكون خطأ فهي إذن لا تصلح لأن تكون قاعدةً يُبنى عليها ما دامت نفس هذه المقالة ممكن أن تتصف بالصحة والخطأ.

المحور الثاني: هل يُمكن أن تكون الحقيقة دائمة ومؤقتة؟

حيث إن الحداثيين يقولون لا وجود لحقيقة دائمة لأن الواقعَ متغير، فأنتم تقولون أن «الحقيقة ما طابق الواقع، والواقع متغير، إذن الحقيقة متغيرة»، فلا يمكن أن تكون دائمة، فالحقيقة هي الفكرة المطابقة للواقع والمفروض أن الواقع متغير وليس ثابتاً ولا دوام له، فإن هذا لا يعني أن الحقيقة لا دوام لها لأن الحقيقة مطابقة للواقع والواقع لا دوام له.

وهذا الذي نُريد بحثه هنا، فجواب هذا السؤال يشتمل على أمور ولا بُد من ذكرها لكي يتضح الجواب:

الأمر الأول: الواقع المادي ليس كله متغير.

الواقع المادي الذي نعيشه ليس كله متغير فإن فيه الدائم والمتغير، لأن هناك فرقاً بين الظواهر والقوانين، فعندنا ظواهر وعندنا قوانين تحكم الظواهر، فالظواهر متغيرة لكن القوانين التي تحكم الظواهر دائمة، «الماء يتغير عندما يتصل بالحرارة من كونه ساخناً إلى كونه حاراً إلى كونه مغلياً إلى كونه بخاراً»، فالماء يتغير إلا أن القوانين التي تحكم هذه الظواهر المتغيرة قانون دائم، وكذا الحركة فكل ما في الكون متحرك إلا أن قانون الحركة قانون دائم وليس متغير، إذن بالنتيجة هناك خلط، فنحن لما نقول بأن الواقع المادي متغير فهو متغير بلحاظ ظواهره الخاضعة لقانون الحركة لكنه ليس متغيراً بتمام وجوداته، فإن القوانين الحاكمة - ومنها قانون الحركة - قوانين دائمة.

الأمر الثاني: ماذا نقصد ب «دوام الحقيقة»؟

نحن ندّعي أن الحقيقة دائمة، والمقصود بدوام الحقيقة هو مطابقة الفكرة لواقعها المحكي بها، فكل فكرة تحكي نقطةً من الواقع، فهي بلحاظ ما تحكيه دائمة وإن كان الواقع متغيراً، فالواقع متغير لكنه في هذا التغير يمر بمراحل وكل مرحلة لها فكرة، فالفكرة بلحاظ ما تحكيه من مرحلة من مراحل التغير تُعتبر فكرة دائمة، فالمقصود بدوام الحقيقة هو مطابقة الفكرة لواقعها المحكي بها، وبالتالي فإن كل فكرة إما صادقة لأنها طابقت مرحلة من مراحل التغير، أو كاذبة دائماً لأنها لم تُطابق أي مرحلة من مراحل التغير، فما يُتصور في الفكرة أن تكون مؤقتة هي إما مطابقة لما تحكيه فهي صادقة دائماً، أو غير مطابقة لما تحكيه فهي كاذبة دائماً، وتغير الواقع لا يُنافي دوام الحقيقة كما في الحقائق التاريخية، فهل هناك أعظم من الحقائق التاريخية التي تتغير دائماً ومع ذلك هي حقائق فضلاً عن غيرها، فالحقائق التاريخية عندما نقول مثلا «ولدي يشرب الحليب» الآن ولدي صار في الجامعة إلا أنه بالنتيجة فإن هذه الفكرة طابقت مرحلة من مراحل حياته، فهي حقيقة ودائمةٌ وإن كان الواقع واقعاً متغيراً فضلا عن القضايا الرياضية والقوانين الطبيعية فلا أحد يقول بتغيرها بل كلها متصفة بالدوام.

لماذا المُطابِق دائم مع أن المُطابَق متغير؟ الإدراك دائم مع أن المُدرك متغير؟ فما هو السر في أن حكم المُدْرك لا يسري إلى الإدراك؟ فكما أن المُدرك متغير يكون الإدراك متغيراً؟

حقيقة الإدراك هي العلم وحقيقة العلم هي الإحاطة بالمعلوم، فالإدراك أي العلم متقوم بصفة وعنصر اسمه عنصر الإحاطة، فلولا عنصر الإحاطة لا يكون هناك علم، فالعلم هو إحاطة الإدراك بالمعلوم، فبما أن العلم من خصوصياته الإحاطة بالمعلوم إذن بالنتيجة لا يسري حكم المُحاط للمحيط، كحكم المدرك للإدراك لأن المُحاط - وهو المُدرك - مادي، والمادي مُحاط بالزمكان، والزمكان يقتضي تغيره فكلما تغير الزمن وتغير الموقع تغير ما هو محفوف بهما، فبما أن المُدْرَك مادي والمادي خاضع للزمكان المحاصر له والزمكان يقتضي تغيره لذلك المُدْرَك في حال تغيره، بينما الإدراك ليس خاضعاً للزمكان المحيط بالمُدْرَك [1]  ولذلك لا يتغير بتغير المُدْرَك، وسر تغير المُدْرَك كونه محاطاً بالزمكان، والإدراك ليس محاطاً بنفس الزمكان الذي أحاط بالمُدْرَك، إذن فلا يسري إليه التغير، ”فلا تسري أحكام المدرك من خضوعه للزمكان المحاصر له ودوام التغير للإدراك نفسه الخارج عنهما - أي عن الزمكان - لا بسبب التجرد والمادية - فلا يقال أنه لا يتم إلا إذا كان الإدراك مجرداً والمُدْرَك مادياً - بل بسبب خاصية في الإدراك وهي خاصية الإحاطة“.

الأمر الثالث: الفرق بين المفاهيم الحقيقية والمفاهيم الاعتبارية.

ذكر العلامة الطباطبائي والشهيد المطهري - قدس سرهما - أن هناك فرقاً بين المفاهيم الحقيقية والمفاهيم الاعتبارية، والفرق بينهما هو أن كل مفهوم له ما بإزاء - أي يحكي عن شيء - فهو مفهوم حقيقي، سواء كان ما يحكيه من عالم المادة كما إذا قلت «كل مادي متحرك»، أو كان ما يحكيه من المجردات كما إذا قلت «كل ملكٍ يختلف عن البشر»، أو كان ما يحكيه من قضايا النفس الأمريّة كأن نقول «اجتماع النقيضين محال، الدور والتسلسل محال»، فبالنتيجة هي مفاهيمُ حقيقية لها ما بإزاء فنحن نتكلم عن شيء، وهناك مفاهيم اعتبارية لا حقيقة لها وراء الاعتبار فحقيقتها باعتبارها، وبعبارة أخرى المفاهيم الاعتبارية هي مفاهيم إنشائية وليس مفاهيم إخبارية فهي لا تحكي عن شيء بل هي تُنْشِئ لا أنها تحكي، فالفرق بين المفاهيم الحقيقية والاعتبارية أن المفاهيم الحقيقة حاكية فلها ما بإزاء، والمفاهيم الاعتبارية تصنع لا أنها تحكي عن شيء.

بالنسبة إلى المفاهيم الحقيقة التي لها ما بإزاء في عالم الواقع - الأعم من كونه عالماً مادياً - والمفاهيم الاعتبارية التي ليس لها واقع إلا بإنشائها واعتبارها، وهنا رؤية الفلاسفة والحكماء، ورؤية الحكماء تختلف عن رؤية المتكلمين.

الفلاسفة والحكماء يقولون بأن القيم الخُلُقية من الأمور الاعتبارية، والقوانين - سواء شرعية أو وضعية - هي من الأمور الاعتبارية، مثلا حسن الصدق وقبح الكذب وحسن العدل وقبح الظلم فهذه كلها أمور اعتبارية عند الفلاسفة وليس لها واقعية، والقوانين أيضاً من وجوب الصلاة ووجوب الصوم فإن هذه كلها أمور اعتبارية إنشائية، إذن هذه المفاهيم الاعتبارية التي ليس لها واقع إلا بإنشائها واعتبارها كالقيم الخلقية والقوانين وضعية أو شرعية فإن الفرق بينها وبين القوانين الحقيقية هو أن المفاهيم الحقيقية دائمة لأن لها واقع تحكيه، وأما الثانية فهي متغيرة لتغير الاعتبار، فإن قوامها بالاعتبار والاعتبار عملية إنشائية إذن هي قابلة للتغير، وذاك لتغير الاعتبار بحسب ما تقتضيه المصالح المتغيرة كاختلاف الأحكام القانونية ومنها الشرعية، فجيب الصوم على السليم والإفطار على المريض وفلان أن يصلي صلاة الغرقى لأنه غريق والخائف لأنه خائف، الكذب لإنقاذ النفس حسن والصدق لإضرار النفس قبيح تتغير، فإذن تتغير لتغير المصالح، واختلاف مصاديق الأخلاق والقيم والعادات باختلاف الأزمان والظروف والمجتمعات.

بالنتيجة [2] : ”ومن الواضح أن هذه الأمور - الاعتباريات - لا يُمكن عدها حقائق“، فنحن لما نقول أن الحقيقة دائمة فنحن نقصد العلوم الحقيقية لا الاعتبارية، فالاعتباريات ليست حقائق، فلا يمكن عدها حقائق من وجهة النظر الفلسفية.

تأملات في الفرق بين المفاهيم الحقيقية والاعتبارية

وهنا عندنا تأملات من جهات في هذه النقطة:

الجهة الأولى: القانون أو الأدب - الذي هو شيمة من الشيم كاحترام الضيف وإكرامه - لها لحاظان:

اللحاظ الأول: أنها تُلحظ كصياغة، فنحن كمجتمع شرقي أو مجتمع ديني نصوغ هذا الأدب فنقول «احترام القادم بالترحيب به»، لكن يُمكن في مجتمع آخر لتظهر احترام القادم فإنك تفعل له حركة معينة، بالنتيجة نحن كمجتمع شرقي عندنا صياغة لاحترام القادم، وكذلك صياغة لاحترام الأب بأن تجلس بين يديه متواضعاً، فكصياغة فإن هذا اعتبار من الاعتبارات ونحن تبانينا على هذه الصياغة، فإذا نظرنا إلى الأدب كصياغة فهو نظرية اعتبارية.

اللحاظ الثاني: تُلحظ كملاك تنشأ منه، وهو فيما لو نظرنا إلى الأدب من حيث نُشئه من أين جاء، فمن حيث المنشأ ك «احترام الأب بالجلوس بين يديه تواضعاً» فإن هذا الأدب منشؤه هو مصلحة واقعية، فاستقرار نظام الحياة البشرية يقتضي علقة التواضع والاحترام بين الولد وبين الأب.

فهذا إذا نظرت إليه كصياغة فهو اعتبار، ولكن إذا نظرت إليه كمنشأ فهو جاء من مصلحة واقعية ثابتة، ولذلك بالنظر إلى منشئه يُعد أمراً من الحقائق لا أنه من الاعتباريات المحضة، وهذا في الأدب وإذا كان الأدب هكذا فكيف بالقانون، فوجوب الصلاة إذا نظرت إليه كصياغة فهو اعتبار ولكن إذا نظرت إلى المصلحة التي اقتضت وجوب الصلاة ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ[3]  أو في خطبة الزهراء  «تنزيها لكم عن الكبر»، فإذا تنظر إلى المصلحة التي انطلق منها وجوب الصلاة فهو أمر من الحقائق، وهكذا سائر القوانين الشرعية. إذن القوانين صياغات اعتبارية نشأت عن مصالح واقعية كما أن الآداب صياغات اعتبارية نشأت عن مصالح واقعية فبلحاظ ما نشأت منه فهي حقائق.

الجهة الثانية:

إن واقعية الحسن والقبح وعدمه - أي عدم الواقعية - بين الحكماء والمتكلمين، فهنا صراع وجدال منذ ابن سينا إلى يومنا هذا، فالحسن والقبح قضية اعتبارية أم قضية حقيقية؟ فالحسن والقبح - بعبارة أخرى - قضية خبرية أو قضية إنشائية، وهنا خلاف بين الحكماء والمتكلمون أيضا.

الحكماء:

فالحكماء ومنهم السيد الطباطبائي والشيخ محمد حسين الأصفهاني «المحقق الاصفهاني» يريان أن الحسن والقبح قضايا اعتبارية ويُسموها التأديبات الصلاحية - كما في منطق المظفر -، ويعنون بأنها من القضايا الاعتبارية من أن المجتمع العقلائي منذ البدء أخذوا يفكرون في كيفية استقرار نظام المجتمع فلا حروب ولا نزاعات ولا قتال، فرأوا أن يبنوا على عدّة قضايا حتى يستقر النظام، فاتفقوا فيما بينهم على حسن العدل وقبح الظلم وحسن الأمانة وقبح الخيانة، فهذه اتفاقات، وهذه قضايا اعتبارية واتفق المجتمع العقلائي عليها إنشاءً واعتباراً؛ وهذا الاتفاق والاعتبار لتوقف استقرار نظام الحياة الاجتماعية على إنشائها واعتبارها، فهي إذن قضايا اعتبارية، فلا وجود لواقع وراءها، وواقعها أنهم اتفقوا عليها، وبالتالي هي قضية إنشائية.

المتكلمون:

المتكلمون يقولون أنها ليس لها علاقة بهذا المطلب - ومنهم الصدر يُصر على ذلك - فحتى آدم بما هو آدم - بغض النظر عن المجتمع - أدرك - أي أنها قضية خبرية - أن العدل ينبغي والظلم لا ينبغي، فهضي قضية خبرية وهناك واقع أدركه العقل العملي ويُسمى «واقع ينبغي ولا ينبغي» وهذا مثل «استحالة اجتماع النقيضين»، فكما أدرك العقل النظري استحالة اجتماع النقضين وأن لكل معلول علة فقد أدرك العقل العملي حسن العدل وقبح الظلم، فليس عندنا عقل عملي وعقل نظري، فالعقل واحد والواقع واحد والإدراك واحد وغاية ما في الأمر أن المُدْرَك ما هو، فهل المُدرك هو «ينبغي ولا ينبغي» فنُسميه قضية عملية وإدراك العقل العملي، أو المدرك هو إمكان، استحالة، ضرورة فنُسميه «نظري»، فالعقل واحد والواقع واحد وإنما المُدْرَك مختلف.

”إن واقعية الحسن والقبح وعدمه بين الحكماء والمتكلمين يبتني على أنه قضية خبرية مرتسمة في نفس الأمر والواقع أم قضية إنشائية صادرة من مُنشِئ خاص - أو مُنشِئ عام، والحكماء يقولون أنه مُنشِئ عام وهم البشرية والمجتمع العقلائي - فعلى المدرسة الكلامية تكون القيم الأخلاقية من الحقائق لأنها تحكي عن شيء ولها واقع بإزائها تحكي عنه وذاك الواقع هو عالم نفس الأمر فهي من الحقائق“.

الجهة الثالثة:

بالرجوع إلى مبنى الحكماء نفسه نرى أنهم يقولون «اتفق المجتمع البشري على عدّة قضايا لدخلها في استقرار النظام» وهذا تماماً مثل الوقت، فالوقت جاء من أين؟! فالسنة 365 يوماً وهي 12 شهراً، والشهر 30 يوماً، من أين جاء هذا التقسيم؟ قالوا أن المجتمع البشري اجتمع واتفق عليه، وقالوا أنه لا تستقر حياتنا بدون تقسيم الزمن، فنحن اتفقنا على تقسيم الزمن، وتقسيم الزمن ليس له واقع فهو أمر اعتباري محض، فقسمناه لتوقف استقرار النظام عليه، فكما اتفقوا على تقسيم الزمن لدخله في استقرار النظام كذلك اتفقوا على هذه القيم لدخلها في استقرار النظام.

الآن الذي قسّم «سبت وجمعة» من؟ هم جاؤوا وقالوا بأننا إذا تركنا اليوم يمتد لا ينتهي اليوم إلا 48 ساعة، فيبدأ اليوم من الشروق في استراليا ويمتد شروقاً بعد شروق وجدوا أن العقلاء لو تُرك اليوم يمتد بلا نهاية فإن كل المعاملات البشرية تختل، كالعقود والاتفاقات الدولية، فتقول «اتفقنا في تاريخ كذا» وإذا التاريخ يمتد، فأنتم اتفقت في هذا اليوم إلا أن هذا ممتد، فرأوا أنه لا بُد أن يجعلوا منتهى لليوم ومبتدأ لليوم، فجاؤوا إلى «غرينتش» جنوب لندن وقالوا أن هذا هو خط الطول الذي يمر بهذه المدينة كأنه في وسط الكرة الأرضية ويفصل الكرة الأرضية إلى قسمين، فنحن قلنا أن الخط الموازي لخط الطول الذي يمر بمدينة «غرينتش» هو مبدأ لليوم ومنتهى لليوم، فبالنتيجة عندما تقول أن هذه قضايا اعتبارية اعتبرها العقلاء استناداً لاستقرار النظام وإلا هي قضايا اعتبارية ليس لها واقع.

حينئذ بناء على ذلك نأتي إلى منشئها، صحيح أنها قضايا اعتبارية لكن ما هو منشؤها؟ منشؤها أمر واقعي وهو استقرار النظام، فضرورة استقرار النظام أمر واقعي، فبلحاظ منشئها - وهو استقرار النظام - يمكن اعتبارها قضية حقيقية.

”إن أصل البناء العقلائي على الحسن والقبح لدى الحكماء يرجع إلى أصل ثابت وهو ضرورة حفظ النظام أو استقرار النظام وهو الذي اقتضى ثبات بناء العقلاء على الحسن والقبح في القضايا الألوية“ ولذلك ترى العقلاء لا يختلفون في القضايا الأولية فلا ترى أحداً من العقلاء يقول أن الظلم حسن أو العدل قبيح فهم متفقون على ذلك؛ لأن منشأه ثابت، ولأن منشأه ثابت اتفقوا عليه بالثبات، ”ضرورة حفظ النظام أو استقرار النظام وهو الذي اقتضى ثبات بناء العقلاء على الحسن والقبح في القضايا الألوية دون“.

موارد اختلف العقلاء فيها.

وهنا ذكرنا موردين اختلف العقلاء فيها:

المورد الأول: تزاحم المقتضيات.

أحيانا يحصل تزاحم بين حسنين أو قبحين، فيُقدم القبح الأهم أو الحسن الأهم، فمثلا لو أكره إنسان بين أن يظلم نفسه أو يظلم غيره أو يقتل أحداً إما نفسه أو غيره، فهنا تزاحم المقتضيات فإن كلاهما قبيح ولكنهما متزاحمان فيُقدم القبح الأهم على القبح المهم.

المورد الثاني: الاختلاف في تشخيص المصاديق.

أحيانا يكون المصداق غير واضح، فهذا صدق أو كذب؟! فيصبح اختلاف في تشخيص المصداق من أنه ظلم أو ليس بظلم، مثلا: بعض الفقهاء عندنا يرى حق البراءة وبعض الفقهاء لا يرى حق البراءة، فمثلا أنا اخترعت مخترع بعض الفقهاء يقولون لك حق البراءة لأنك مخترع، فبما أن لك حق البراءة فإن نهب أو إهدار هذا الحق ظلم، أم الفقيه الذي لا يرى ثبوت الحق فإنه لا يكون ظلماً، وهذا يُسمى اختلاف في تشخيص المصداق.

وما سوى هذين الموردين العقلاء المتفقين على القضايا الأولية في الحسن والقبح لأن منشأها ثابت، وبلحاظ منشئها تُعتبر من الحقائق.

الأمر الرابع: في بيان معاني الحسن والقبح.

للحسن والقبح ثلاثة معانٍ، وينبغي معرفتها لأنه إذا قيل أن الحسن والقبح من الأمور الاعتبارية التي لا دوام لها فأي المعاني يكون هو المقصود؟ وبيان ذلك:

المعنى الأول: كمال ونقص.

من الواضح لا يُقصد الكمال والنقص لأنهما أمران واقعيان لا اعتباريان، فالكمال يقتضي العدالة والأمانة والصدق وما سواها نقص، فإذن أدرك الكامل وما يقتضيه وأدرك النقص وما يقتضه، إذن الحسن والقبح هنا يكون أمراً واقعياً ومن الحقائق.

المعنى الثاني: ينبغي ولا ينبغي.

المعنى الثالث: نفور وإقبال.

إذا جئنا إلى النفور والإقبال فإن النفس تلتذ بالعدالة وتنفر من الظلم، تُقبل على العدل وتنفر من الظلم، فإذا عرّفنا الحسن والقبح بمعنى النفور والإقبال فهو يختلف باختلاف البشرية ولا يمكن أن يُعد من الحقائق.

ما هي حجة الحداثيين عند قولهم بأن الحقيقة لا دوام لها وأنها متغيرة مؤقتة؟

حجتهم أن العلوم تتغير كل يوم، فهي في تطور والتجارب تتظافر وتتغير النتائج، فإذا كانت العلوم في تغير إذن الحقيقة متغيرة ولا دوام لها، ولذلك الأمر الرابع يتصدى لهذه الحجة، ”إن اختلاف النظريات العلمية تبعاً لتطور العلوم - اختلفت قوانين آينشتاين عن نيوتن في الجملة، وفيزياء الكم عن فيزياء آينشتاين في الجملة - وتجدد التجارب لا يعني أن الحقيقة مؤقتة لما سبق من اشتمال كل نظرية أو كل فرضية على أجزاء صحيحة وأجزاء خاطئة، ففي أجزائها الصحيحة تُعتبر حقائق ولها دوام، وفي أجزائها الخاطئة تُعتبر لاغية“، إذن تجدد العلوم وتطور العلوم لا يُلغي أن الحقيقة دائمة لأنها مطابقة لكل جزء من أجزاء هذه العلوم، ”وأما الصحيحة نفسها فهي دائمة لأنها حقيقة“.

المحور الثالث: هل الحقيقة خاضعة للتكامل أم لا؟

سلمنا أن الحقيقة لا ترجع إلى الوراء لكن هل تتكامل؟ هل الحقيقة قابلة للتكامل والتطور أم لا؟ بمجرد أن يسمع الإنسان هذا يقول نعم أكيد، فبما أنها حقيقة والكمال مطلوب فأكيد أن الحقيقة تتكامل، فقد يُقال أن الحقيقة تتكامل نظراً لتكامل العلوم وتظافر التجارب ولكن الصحيح ليس الأمر كذلك، ولهذا ذكرنا أن للتكامل معاني عديدة، ونقف عند كل واحدٍ من هذه المعاني حتى نميز بينه وبين تكامل الحقيقة:

المعنى الأول: تكامل القبول بالحقيقة غير تكامل الحقيقة.

أما الأول - القبول - يدور مدار تصاعد الاحتمال، والثاني يدور مدار المطابقة للواقع. وهنا نمثل بمثال: «الحسين   ثائر» وهذه حقيقة، لكن هل أقبل بهذه الحقيقة أم لا؟! فهناك فرق بين أن أقبل بها وبين أنها حقيقة في نفسها أو لا، فهذه القضية - الحسين ثائر - فكرة مطابقة للواقعة فهي حقيقة، إلا أن القبول بها - كما في غير المسلم ومن ثم أسلم - قد يكون في البدء مشكك بها، إلا أنه بعد التعرف على الحسين  وُجد أنه من خلال كلماته وتاريخه وصل القبول بها 80% أنه ثائر، ثم بعد التعمق وصل إلى 100% من أن الحسين ثائر، فالذي تطور وتكامل هو قبول الحقيقة لا نفس الحقيقة؛ لأن القبول يدور مدار الاحتمال فكلما ترقى الاحتمال ازدادت نسبة القبول، فالقبول يخضع للتكامل، أما الحقيقة تدور مدار المطابقة للواقع وعدم المطابقة والمطابقة ليس أمراً يقبل الازدياد والتصاعد حتى يقبل التكامل لأن المطابقة تدور مدار الوجود والعدم لا مدار التطور والنمور.

المعنى الثاني: التكامل العرضي للعلوم.

يُقال أن «العلوم تتكامل» فإن المراد من ذلك هو أنها تتوسع، وهذا يُسمى توسع تدريجي عرضي وليس تكاملاً في الحقائق، فهي معلومات تُضاف إلى معلومات، فقد كانت المعلومات خمس ثم صارت المعلومات خمسين، فكل معلومة منهم لم تتكامل وإنما العلم توسع بشكل تدريجي، فالتكامل العرضي للعلوم وهو عبارة عن التوسع التدريجي كتوسع علم الفيزياء من فيزياء نيوتن إلى آينشتاين ومن فيزياء الكم إلى فيزياء الفراغ، فإن هذا تكامل في العلم بمعنى توسع في مساحة المعلومات، وهذا توسع تدريجي وليس تكامل في كل معلومة، فكل معلومة لم تتكامل، وكذلك الطب، فالطب يتوسع تدريجياً لا أن كل معلومة تتكامل في حدّ ذاتها.

المعنى الثالث: التكامل الطولي.

التكامل الطولي بمعنى تطور الفكرة من فرضية إلى نظرية إلى قانون، وهذا يُسمى تكامل طولي، فإنه يبدأ المفكر - سواء في مجال الأحياء أو الفيزياء - يجمع ظواهراً ويطرح لها فرضية كتفسير لهذه الظواهر، ثم يجمع ظواهر أكبر ويكتشف أن الفرضية الأولى ناقصة فيلجأ إلى فرضية أوسع وأدق إلى أن تكتمل التجارب التي تدعم الفرضية الثانية فتتحول من فرضية إلى نظرية، وإذا استمرت سنين وأثبتت واقعيتها تحولت من نظرية إلى قانون.

إذن الفكرة تكاملت تكاملاً طولياً في الاعتبار، فنحن كنا نعتبرها فرضية ثم دعمتها التجارب وصرنا نعتبرها نظرية، ومن ثم صرنا نراها ملائمة للواقع واعتبرناها قانون والذي تغير هو اعتبارنا نحن وإلا هي كفكرة ظلت كما هي مطابقة لما تحكي عنه.

المحور الرابع: في بيان الفرق بين المفاهيم المتواطئة والمفاهيم المشككة.

هناك فرق بين المفاهيم المتواطئة - كالعوارض المادية - والمفاهيم المشككة، وبيان ذلك:

المفاهيم المتواطئة: مثل العوارض المادية.

فلان موظف أم لا؟ فإن هذا لا يتكامل، فهو إما موظف أو ليس موظف، هذا لديه شهادة دكتوراه أم لا، فهذه تُسمى مفاهيم متواطئة، فهي تدور بين نعم أو لا، فهي ليست قابلاً للتطور والنمو.

المفاهيم المشككة: مثل مفهوم الحياة.

حياة النبات درجة وهي النمو، وحياة الحيوان درجة أعلى فهي حياة الإحساس والحركة، وحياة الإنسان درجة أعلى من حياة النبات وهي حياة العقل والتفكير.

إذن الحياة مفهوم مشكك أي أنه ذو درجات ومراتب، والعدالة أيضاً درجات ومراتب فهي مفهوم مشكك، فهناك فرق بين المفاهيم المتواطئة والمشككة وبالتالي إدراك الأولى - فالحقيقة أن تُدرك الواقع، أنا أدركت مفهوم متواطئ، أدركت أن فلاناً متزوج، وفلانا موظف - لا يقبل التكامل فهو إما مطابق أو غير مطابق، أما المفاهيم المشككة فإن إدراك كل مرتبة من مراتب المفاهيم المشككة لا تكامل فيه، فما دام المفهوم المشكك درجات فلكل درجة إدراك، فعندنا مجموعة درجات إذن عندنا مجموعة إدراكات، ولكل إدراك لكل درجة هو حقيقة لا تكامل فيها، وإدراك كل مرتبة من المفاهيم الثانية - أي المشككة - لا تكامل فيه، وإدراك المراتب كلها في إطار العنوان العام يخضع للتكامل، مثلا أقول: إدراكي لحقيقة الحسين  إدراك متكامل، فإن إدراكي لحقيقة الحسين  هو مجموعة معلومات لا معلومة واحدة، فإذا أنظر لكل معلومة فهي لا تكامل فيها لأنها مطابقة لواقع، ولكن إذا نظرت إلى مجموع هذه الإدراكات في إطار عنوان أسميه معرفة الحسين يصح أن أقول أن معرفتي بالحسين  معرفة متكاملة بلحاظ المجموع لا بلحاظ كل معلومة في حدّ ذاتها.

فتبين لنا من خلال هذا التفصيل أن الحقيقة من حيث مطابقتها للواقع أو عدم المطابقة لا تقبل التكامل.

والحمد لله رب العالمين

[1]  ليس أنه خاضعاً للزمكان مطلقاً، فلا يقول أحد أنك ترى الإدراك مجرداً عن المادة ويمكن أن يكون الإدراك مادي، بل الإدراك ليس خاضعاً للزمكان المحيط بالمُدرك وليس أنه ليس خاضعاً للزمكان المحيط بالمدرك.
[2]  ذكراها ص174.
[3]  [العنكبوت: 45].

الدرس 38 | ماهي الحقيقة؛ وهل يمكن الوصول لها؟
الدرس 40 | هل الحقيقة نسبية أم مطلقة؟