نص الشريط
الدرس 45 | الصدر بين المنطق الصوري والمنطق الاستقرائي
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مجلس آل جمعة
التاريخ: 5/12/1442 هـ
مرات العرض: 238
المدة: 01:14:37
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (23) حجم الملف: 21.3 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

المحاضرة بعنوان «الصدر بين المنطق الصوري والمنطق الاستقرائي» حيث إن السيد الشهيد - قدس سره - اختلف نظره بين كتابه «فلسفتنا» وكتابه «الأسس المنطقية للاستقراء»، فهو انتقل من إطار المنطق الصوري إلى إطار المنطق الاستقرائي، ومن أجل بيان ما أفيد في كلماته - قدس سره - نتعرض إلى أمور:

الأمر الأول: إن العقل بمعنى المعقول «أي القضية المعقولة» [1] .

القضية المعقولة على ثلاثة أقسام [2] :

  • المعقول الأول: وهي القضايا البديهية ك «استحالة اجتماع النقيضين، لكل معلول علة، كل شيء هو هو».
  • المعقول الثاني: وهي القضايا النظرية التي تحتاج إلى إثبات.
  • المعقول الثالث: وهي القضايا التي وصلتنا عن طريق دليل حساب الاحتمالات، وهي ما يعبر عنها بالقضايا الاستقرائية، وقد عبر عنها الشهيد بالعقل الثالث.

وسوف يقع البحث عن كل واحد من هذه المعقولات الثلاثة.

الأمر الثاني: في بيان القضايا البديهية.

عندما نرجع إلى المنطق الأرسطي - كما هو محرر في منطق الشيخ المظفر - نجد في الباب الثالث «باب صناعة البرهان»، فيذكر الشيخ المظفر وغيره أن القضايا البديهية هي التي لا تحتاج إلى استدلال لأنها ثابتة بالبداهة وهي ست قضايا:

  1. الأوليات: وهي التي إذا أدرك الذهنُ الموضوع والمحمول أذعن بثبوت المحمول للموضوع بلا حاجة إلى دليل، فبمجرد أن يتصور الذهن النقيضين يتصور أنهما لا يجتمعان، وبمجرد أن يتصور الذهن المعلول يتصور أنه محتاجٌ إلى العلّة، فهذه قضايا أولية.
  2. الفطريات: وهي القضايا التي يكون قياسها معها، فبمجرد أن تتصورها تتصور دليلها معها، كما قد مثلوا له ب «الأربعة زوج»، فبمجرد أن يتصور الإنسان الأربعة زوجٌ يقر بذلك لأنها تنقسم إلى متساويين، فقضية دليلها معها تُسمى قضية فطرية، أو مثلا عندما نقول «الرسول معصوم» نقول لأنه لا يمكن تحقيق الهدف من الرسالة إلا بالعصمة، أي هي قضية دليلها معها.
  3. التجريبيات: مثلا: «كل ماء تبلغ درجة حرارته 100° فهو يغلي» وهذا قد ثبت بالتجربة.
  4. المتواترات: كأسماء البلدان والوقائع، كقصة الغدير قضية متواترة، وجود مكة والمدينة قضية متواترة، فكل قضية نقلها جيلٌ عن جيلٍ بعدد يُطمأنُّ بعدم تواطئهم على الكذب فهي قضية متواترة.
  5. الحدسيات: هناك قوة لدى الإنسان تقوى وتضعف وهي أن يُدرك أشياء في الطرف الآخر من دون أن يكون هناك واسطة في الإدراك، مثلا: حدس الطفل بحب أمه له، فهذا لا يحتاج إلى دليل، فالطفل يحدس بحب أمه له بلا دليل، أو الزوج يحدس بحب زوجته له بلا حاجة إلى إقامة دليل، فهذه قضايا حدسية وهي من القضايا البديهية.
  6. الحسيات: كإحساسي بالحرارة، وإحساسي بالطعام، فهذه قضايا حسيّة.

السيد الصدر - قدس سره - يقول أنه لا يُسلم بهذه الست القضايا الذي هو كلام المنطق الأرسطي، فلا يسلم إلا بقسمين وهما: الأوليات والفطريات، وما بعدها كل القضايا الأربع التي بعدها وهي التجريبيات والمتواترات والحدسيات والحسيات إنما يُدركها الإنسان اعتماداً على دليل حساب الاحتمالات، فهي قضايا نظرية وليست قضايا ضرورية لأن إدراك الإنسان لها وإذعان الإنسان بها يعتمد على دليل حساب الاحتمالات، وقد عبّر عن ذلك بقوله: ”والصحيح اختصاصها بالقسمين الأولين، واعتماد إدراك الباقي على دليل حساب الاحتمالات“.

ما هو الدليل السيد الصدر - قدس سره - على اختصاص البديهيات بالقسمين الأولين وأما البواقي هي مرتكزة على دليل حساب الاحتمالات، حيث أن هذه مخالفة منطق منذ أيام أرسطو إلى الآن وقد مر عليه 3000 سنة؟

هنا السيد يُناقش في الحسيات ويتضح الكلام في البقية، بحيث أن أوضح القضايا الأربع هي القضايا الحسيّة، كإحساسي بالحرارة وإحساسي بالطاولة، ومع ذلك أقام البرهان على أن القضايا الحسيّة ليست قضايا بديهية وليست قضايا نظرية، وبذلك يتضح الكلام في بقية القضايا الأربع.

الأمر الثالث: في بيان القضايا الحسية.

القضايا الحسية نوعان:

النوع الأول: الوجدان «داخلي».

مثلا: إحساسي بالجوع، إحساسي بالفرح، إحساسي بالحزن، إحساسي بإحساسي فأنا أشعر بالحرارة وأشعر أني أشعر بالحرارة، فهذه كلها تُسمى قضايا وجدانية، فالحس فيها حس داخلي لأن المحسوس أساساً هو أمر داخلي وليس أمراً خارج النفس، فالجوع والعطش والفرح والحزن هي أمور منتقشة في داخل النفس فالمحسوس في داخل النفس ولذلك نعبر عن الحس بأنه داخلي ونعتبر هذه القضايا من العلم الحضوري لا من العلم الحصولي لأنه لا واسطة بين العلم والمعلوم، فعلمي بها هو نفس وجودها في نفسي لا في شيء آخر، فلا واسطة بين الإدراك والمدرك ولا واسطة بين العلم والمعلوم، فالمدرك والمعلوم حاضر بنفسه لدى العالم ولذلك هذه تُعتبر من العلم الحضوري.

النوع الثاني: قضايا محسوسة «خارجي».

الحس الخارجي الذي هو من قبيل العلم الحصولي، فأنا أحسست بالحرارة فحالاً ارتسمت صورة للحرارة في ذهني، فأنا علمي بالحرارة عن طريق صورة ارتسمت في ذهني، فلوجود واسطة بين العلم والمَعلوم سُمي علماً حصولياً.

ولا شك في أن الأول - وهو الحس الداخلي - من الأوليات، لحضور نفس المُدرك بالإدراك، فالمُدرك قد حضر بنفسه وليس ثمة شيء أعظم من هذا، فليس هناك شيء أعظم من أن المدرك بنفسه حاضرٌ، فعلمك بنفسك وعلمك بأحاسيسك كلها من العلم الحضوري، إذن هي من القضايا الأولية التي لا تحتاج إلى دليل فالمعلوم حَضَرَ بنفسه، والكلام في الحس الثاني.

الأمر الرابع: بيان نظريات كيفية إدراك القضايا الحسية الخارجية.

”وأما الثاني وهو القضايا الحسية الخارجية ففي طريقة إدراكه توجد نظريات“، وهنا لا بُد أن نستبعد السفسطة لأن السفسطة لا تؤمن بوجود شيء، فهي تقول أنت تحس ولكن لا دليل على أن هناك شيئاً محسوس، فهي تسلم بوجود الحس - الذي هو العلم الحضوري - ولا تُسلم بوجود المحسوس الذي هو العلم الحصولي فليس الكلام معهم، بل الكلام مع من يؤمن بوجود واقع، فبعد التسليم بوجود واقعٍ موضوعي خلافاً للسفسطة في القضايا الحسية الخارجية - التي فيها حس ومحسوس - فيها ثلاث نظريات - غير نظرية السيد الصدر - عند الفلاسفة:

النظرية الأولى: أن المنطق الأرسطي يقول بأن القضايا الحسيّة كلها من القضايا الضرورية البديهية.

فإحساس المرء بالحرارة لا يحتاج إلى دليل، وإحساسه بصورة من هو أمامه لا يحتاج إلى دليل وهكذا، فهو يعتبرها قضايا أولية لا إشكال فيها، ”فما في المنطق الصوري من إدراك الواقع - الواقعي الخارجي - من الأوليات“، وهذا قد نقضه أيضا السيد الطباطبائي وقال أن هذا منقوض بوقوع الخطأ كثيراً في القضايا الحسيّة، فكثيراً ما يُخطئ الإنسان في تشخيص القضايا الحسيّة، فلو كانت من القضايا الضرورية لم يقع فيها خطأ ولا إشكال، فوقوع الخطأ كثيراً في القضايا الحسية شاهد على عدم كون القضايا الحسيّة بتمامها من القضايا الضرورية.

النظرية الثانية: ما في كلمات العلامة الطباطبائي. [3] 

ذكر أن هناك تفصيلاً بين الإذعان بأصل الواقع والإذعان بالواقع الخاص، أي أنه يقول بالنتيجة أنت لك جسم، وهذا الجسم له حواس خمس، وهذه الحواس الخمس متصلة بالواقع الخارجي، فأنت قطعاً مؤمن بوجود واقع، فأنا الآن أحسست بالحرارة، فإحساسك بالحرارة ينحل إلى إذعانين، إذعان بوجود واقع وإذعان بأن ذلك الواقع حرارة، فهنا إذعانان، إذعان بأصل الواقع الموضوعي وهو أن هناك واقعاً، وإذعان بأن ذلك الواقع هو حرارة وليس شيئاً آخر، فالإذعان الأول يُعتبر من القضايا الأولية، فقطعاً كل إنسان غير سفسطائي هو مؤمن بوجود واقع، فالإيمان بوجود واقع من القضايا الأولية التي لا تحتاج إلى دليل وبرهان، ولا مكابر ولا مناقش فيها إلا السفسطائي، وأما الإذعان بالواقع الخاص من أن هذه حرارة أو الصورة التي أمامي شجرة وليست حجر فهو أمر نظري وليس أمراً ضروريا ويحتاج إثباته إلى دليل. إذن فصّل السيد العلّامة بين الإذعانين.

النظرية الثالثة: ما في كتاب فلسفتنا.

قال أنه يوجد تطبيق فطري وهو تطبيق قانون العلية، فأنا الآن فتحت عيني فرأيت صورة، هذه الصورة التي ارتسمت على قرنية العين وانتقلت إلى الدماغ معلول لأنها أمر حادث، والأمر الحادث معلول، وكل معلول لا بُد له من علّة، إذن هذه الصورة لا بُد لها من علّة، فمن أين جاءت؟ فبما أن المعلول يحتاج إلى علّة فهذه الصورة وراءها واقع، فلو لم يكن وراءها واقع لما حدثت في ذهني، فاعتماداً على قانون العليّة حصل الإدراك للواقع الموضوعي، وهنا من دون فرقٍ في هذه النظرية بين أصل الواقع والواقع الخاص، لأنه بالنتيجة حتى أصل الواقع إنما وصل لك عبر صورة، فبما أن الصورة حادث والحادث معلول والمعلول يحتاج إلى علّة لذلك آمنت بوجود واقع.

فكأن السيد الشهيد - قدس سره - في كتاب فلسفتنا يُناقش العلامة ويقول له أنه ليس هناك تفصيل بين أصل الواقع وبين الواقع الخاص، فكلاهما إنما تُذعن به النفس وتؤمن به استناداً إلى قانون العلية، غاية ما في الأمر أنه الواسطة تكون مجموع الحواس، فأنا عندي خمس حواس فإن أخطأتْ واحدة لا يعني أن كلها سوف تُخطئ، إذن قطعاً هناك واقع، فالعلّة هو مجموع الحواس، أما في المحسوس الخاص ستكون العلّة هي حاسة معينة وإلا الجميع يعتمد على قانون العليّة، وقد أشار إليه بقوله: ”من أن إدراك الواقع نظري مستند لتطبيق قانون العليّة، لكن قانون العليّة من القضايا الأولية، وإن كان الذي أدركناه بواسطته أمر نظري“.

نظرية السيد الصدر - قدس سره - حول إدراك القضايا الحسيّة.

السيد الصدر - قدس سره - قال أن كلَّ هذه النظريات لا يقبلُ بها، بل حتى النظرية التي طرحها في كتاب فلسفتنا، وهذا ما ذكره في الأمر الرابع فقال: ”الصحيح أن إدراك الواقع - أيُّ واقع سواء كان أصل الواقع أو الواقع الخاص - يعتمد على دليل حساب الاحتمالات“، فكيف يعتمد على دليل حساب الاحتمالات؟ هنا نُريد برهاناً ولا أقل منبهاً على أن إدراك الواقع الموضوعي الخارجي يعتمد على دليل حساب الاحتمالات، وهنا السيد الصدر يبين ذلك:

عندما يُقال «عندي إحساس بالحرارة أو بالطعم أو بالراحة»، فما هو المراد بالإحساس؟ الإحساس كله صورة لأننا قلنا أنه نتيجة اتصال الحواس بالواقع الخارجي فالجهاز العصبي للإنسان ينقل صورة، وهذه الصورة أسميناها ب «الصورة الحسية» «قوة الحس»، ثم تأتي القوة المتخيلة وثم القوة العاقلة، إذن معنى الإحساس هو عبارة أخرى عن الصورة سواء جاءت عن طريق السمع أو البصر أو عن أي طريق فبالنتيجة هناك صورة، فالإحساس صورة، ولذا فهو يقول: ”إن هناك فرقاً بين الإحساس - أي الصورة الحسيّة - في عالم الرؤيا والإحساس في عالم اليقظة“ ففي عالم الرؤيا الإنسان نائم ويرى صوراً مختلفة، فهناك أناس يعلمون أنهم في رؤيا وآخرون لا يعلمون، فالإحساس واحد، فالإحساس بأنك في عالم الرؤيا أو الإحساس بأنك في عالم اليقظة هو واحد، فأنت ترى صورة مرتسمة في الذهن، فلو فتشنا عن الفرق بين العالمين مع أن كليهما من حيث الإحساس واحد نجد أن الفرق هو اليقين بأن لا واقع للإحساس في عالم الرؤيا، فأنا عندي قطع أن هذا ليس له واقع بل هو صور مرتسمة في الذهن، فأنا أقطع بأن هذه الصور الحسيّة ليس لها واقع، بينما الصور الحسية التي في عالم اليقظة فهذه قد يكون عندي يقين بها وقد لا يكون لكن ليس عندي يقين بعدمهما كما في الأولى، ”مع أن الإحساس وهو انطباع الصورة واحدٌ فيهما، مما يشهد بنفي كون المدرك من الأوليات“، فأنتم تقولون بأن القضايا الحسيّة من الأوليات فإن هذا يعني أن الصور المحسوسة من الأوليات إلا أنه كيف تكون من الأوليات وأنا أقطع بأن الصور الحسيّة عن طريق الرؤيا بلا واقع، فقطعي بأنْ لا واقعَ لهذه الصور الحسيّة التي أراها عن طريق الواقع بنفسه شاهدٌ على أن المُدرك الحسي بما هو حسيّ ليس من الأوليات، يعني بما هو صورة لا يُعد من الأوليات، بينما في الثاني قد أتيقن بالواقع، فقد أتيقن أن أمامي طاولة لكن من أين حصل اليقين مع أن صورة الطاولة قد تأتي في عالم الرؤيا نفسها وهناك تقطع بأن لا واقع لها؟ يقول هذا عن طريق دليل حساب الاحتمالات، فالعقل يجمع القرائن والشواهد ثم يصل إلى حد اليقين بأنها طاولة وليس الذي أمامي نعش أصلي عليه مثلا، وإنما أصلُ إلى الإذعان بهذا المحسوس عن طريق دليل حساب الاحتمالات وإن كان مرور الذهن بالاحتمالات مروراً سريعاً لحظياً ولا يتحسس الإنسان له، فالإنسان لا يُدرك كيف أن الذهن بهذه السرعة يجمع الاحتمالات والقرائن ويستنتج منها اليقين بوجود الطاولة، فهذا مرور سريع للذهن لكن مع ذلك هو دليل حساب الاحتمالات، ”وإنما يتم إدراك الواقع في الثاني بجمع العقل للقرائن والمحتملات من دون فرق بين الإذعان بأصل الواقع أو تفاصيل الواقع“، أي حتى أصل الواقع، فهذا الطفل أو الجنين منذ أن بدأت القوة العاقلة تتحرك عنده أدرك أن هناك واقعاً وهو أنه في مكان، فأول ما يُدركه الإنسان من الواقع أنه في مكان، وإدراكه لهذا الواقع - الذي هو أصل الواقع - أيضا جاء عن طريق دليل حساب الاحتمالات، وهنا رب قائل يقول كيف لهذا الجنين وهو لم يدرس حتى شيء؟ السيد يقول أن هذا منهج فطري، فنحن مجرد نستكشف ما في فطرة الإنسان، ”من دون فرق بين الإذعان بأصل الواقع أو تفاصيله فالجميع من سنخ ٍ واحد“.

إن قلت: لماذا عدلت عن رأيك في فلسفتنا من أن الإذعان إنما جاء عن طريق تطبيق قانون العليّة؟ فالعلّة لا تعيّن طبعاً، فالصورة في ذهني حادث والحادث معلول، والمعلول يحتاج إلى علّة، لكن ما هي العلة؟ فهل العلّة أمر داخلي أم العلة أمر خارجي فهذا لا يعيّنه قانون العليّة، فقانون العلّية غاية ما يقول أن وراء الصورة علّة، لكن ما هي تلك العلّة وهل هي من داخل النفس أو هي من خارج النفس؟ هل تعني أن هناك واقعاً؟ وهل ذلك الواقع واقع خاص؟ فإن كل هذا لا يتكفل بتحديده العليّة، ولذا فالاستناد لقانون العليّة لا يُجدي في الإذعان بوجودِ واقعٍ موضوعي، كما أن قانون العليّة إنما يقتضي وجود علّة، وأما كون العلّة داخلية فلعله النفس نقشت ذلك كما تنقش في عالم الرؤيا، فكل الصور في عالم الرؤيا علتها داخلية، أما كون هذه العلّة داخلية أو كونها خارجية فلا يتكفل بتحديده قانون العليّة، ونحن قد سبق أن بينا أن قوة المتخيلة تأخذ الصور وتجعلها في الخزانة ثم بعد تأتي قوة الخيال وتتصرف، إذن بالنتيجة من المحتمل أن قوة الخيال هي التي صاغت كل هذه الصور، فمن أي نثبت أن وراء الصور واقعاً موضوعياً؟ فمجرد قانون العليّة لا يُفيد.

إذن تلخص من ذلك أن الممون الوحيد للقضايا الحسيّة - بمعنى الحس الخارجي - التي من خلالها نُدرك أن هناك واقعاً موضوعياً هو دليل حساب الاحتمالات، فإذا تم ذلك في القضايا الحسيّة - وهي أوضح - اتضح الأمر في التجريبيات والمتواترات والحسيّات والحدسيات وما أشبه ذلك من القضايا الأربع.

الأمر الخامس: العقل الثاني «القضايا النظرية».

كل ما مضى كان كلاماً حول العقل الأول الذي قال المنطق الصوري أنه ست والسيد الصدر قال أنه اثنين، الآن جئنا إلى العقل الثاني أي القضايا النظرية المستنبطة من القضايا الأولية، فالقضايا النظرية هي إما حسيّة أو عقلية، وإذا رجعنا إلى المنطق الصوري يبين أنه قضيتان في باب القياس والاستدلال:

القضية الأولى: أن القضايا الأولية مضمونية الحقانية.

يعني أنها ليست فقط قطعية بل أنها حقّة، وهذا معنى القضايا الأولية، فعندما يُدرك الإنسان أن النقضين لا يجتمعان فهو لا يقول أنا جازم بذلك فقط بل يقول هو الواقع، فالقضايا الأولية يقينية وحقّانية، وهذا معنى أنها مضمونية الحقانية، أي مطابقتها للواقع هو أمر مضمون لا كلام فيه.

القضية الثانية: أن المعارف النظرية المستنبطة من القضايا الأولية تكتسب الحقانية من خلال اعتماد الاستدلال على الشكل الأول.

في منطق المظفر يقول أن الأشكال أربعة في القياس، وأكثرها وأوضحها بداهة هو الشكل الأول، فنحن نُركز على الشكل الأول لأنه الطريق البديهي في مجال الاستدلال، فالشكل الأول هو ما يتكون من: صغرى وكبرى، وفي كل منهما يكون ثبوت المحمول للموضوع من القضايا الضرورية.

مثال: عندما نقول «العالم متغير» فهذه صغرى، و«كل متغير حادث» فهذه كبرى، نتيجة ضم الصغرى للكبرى نصل إلى «إذنْ العالم حادث»، وهذا الشكل الأول، فصغرى وكبرى وحد أوسط متكرر فيهما وهو «متغير»، وكل من القضيتين قضية ضرورية لا تحتاج إلى دليل، ف «العالم متغير» لا تحتاج إلى دليل، و«كل متغير حادث» لا تحتاج إلى دليل، إذن «العالم حادث»، فثبوت الحدوث للعالم هو القضية النظرية، أي ثبوت المحمول في الكبرى للموضوع في الصغرى هو القضية النظرية التي تحتاج إلى إثبات، وأما ثبوت المحمول للمضوع في الصغرى والكبرى فهو قضية ضرورية واضحة، وهذا الاستدلال في المنطق الصوري، ولذلك قلنا: ”من خلال اعتماد الاستدلال على الشكل الأول في القياس المتضمن لصغرى وكبرى، ويكون المحمول فيها - أي فيهما - ثابتاً للموضوع بالبداهة، مما يؤدي لإثبات المحمول في الكبرى للموضوع في الصغرى“، وهذا كل ما في المنطق الصوري.

نقاش السيد الصدر - قدس سره -:

السيد الصدر يقول أن المنطق الصوري معتمد على هذه المقدمتين إلا أنه - قدس سره - قد ناقش في كلتا المقدمتين، وبيان ذلك:

التأمل في القضية الأولى.

القضية الأولى كانت «كل قضية أولية فهي مضمونة الحقانية»، وقال أن هذا ليس معلوماً، فلا تلازم بين كون القضية أولية وبين كونها مضمونة الحقانية؛ لأن معنى كون القضية أولية يعني أنها لا تحتاج إلى دليل، فالقضية أولية يعني أنها لا تحتاج إلى دليل وأنها مضمونة وأنها واقع، وهذا شيء آخر ولا ملازمة بين الأمرين، فهذه قضية أولية لا تحتاج إلى دليل أما أنها مضمونة الحقانية فإن هذا ليس من المعلوم، حيث يمكن الإتيان بأوضح القضايا الأولية وهي القضايا الوجدانية - فليس هناك أوضح من شعور المرء بنفسه وأحاسيسه وشعوره - فأوضح القضايا الأولية التي لا تحتاج إلى استدلال هي القضايا الوجدانية فإذا تبين أنها غير مضمونية الحقانية فإن غيرها يتضح الكلام فيه.

القضايا الوجدانية.

مع أن المُدْرَك حاضر بنفسه لدى المُدْرِك ولا فرق فيها بين الإدراك والمُدْرَك لأنه علم حضوري، إلا أنه مع ذلك قد يحصل الشك في أن لها واقع أم لا، وقد مثل السيد الصدر ب «نظير من يشك في أنه يسمع الصوت إذا ابتعد عن مصدره تدريجاً»، ففي البدء يسمع المرء الصوت، لكن لما يبتعد يقول هل هو يسمعه أم هذه ترددات الصوت لا زالت في السمع، ولما يقطع مسافة أكبر يقول هل لا زلتُ أسمع أم هذه فقط ترددات، مع أن إحساسي بسمعي من القضايا الأولية والوجدانية إلا أنني أشك في أن لها واقع من أنني لا زلت أسمع أم أن هذه طنّة في الرأس. أو مثلا: أنا أشعر بالعطش أو هذا ليس بعطش وإنما وهم، فهناك بعض الأشخاص يكون عنده مثل هذا القبيل.

إذن هي قضية أولية لكن ليس عندي يقين بأنها مطابقة للواقع وأن وراءها واقع، فإذا القضايا الأولية ليست مضمونة الحقانية لتسرب الشك إليها فكيف بغيرها من القضايا، إذن كيف يُقال أن هناك ملازمة بين كون القضية أولية وكونها مضمونة الحقانية؟!

مناقشة التأمل الأول للسيد الصدر - قدس سره -.

هذه النقطة من السيد الشهيد السعيد - طاب ثراه وقدس سره - نحن نناقش فيها، ففي القضايا الوجدانية - كل قضية وجدانية - فيها عنصران:

العنصر الأول: العنصر الحضوري.

أنا عندي إحساس بشيء وهذا علم حضوري وهذه قضية أولية، فهذه لا يتسرب إليها الشك، فتسرب الشك إليها يعني انتفاء كونها قضية أولية، فهذا علم حضوري ولا يُعقل الشك مع حضور المعلوم بنفسه لدى العالم، بل الشك لا يكون إلا في العلم الحصولي حيث أن المقسمية أي الشيء ينقسم إلى مشكوك ومعلوم إنما في العلم الحصولي، فالمَقْسَم للعلم والظن والشك هو الصور في العلم الحصولي أما المعلوم الحضوري لا ينقسم لذلك إطلاقاً، لأنه لا واسطة فيه بين العلم والمعلوم، فالمعلوم حاضرٌ بنفسه لدى العالم، فالقضايا الأولية من حيث اشتمالها على العنصر الأول لا يتسرب إليها الشك وليس من المعقول.

العنصر الثاني: العنصر الحصولي.

وهو تفسير القضية، فهذا الذي عندي - مثلاً - جوع أو مجرد مرض، وهذا يُسمى تفسير القضية الوجدانية، فهنا انتقلَ إلى العلم الحصولي، فصار العلم الحضوري مادةً للعلم الحصولي، فصار المعلوم الحضوري مادة للتفكير، فأنا ألا أدري أن هذا الإحساس جوع أو لا، أو كما مثل السيد - قدس سره - أنني ابتعدت عن مصدر الصوت تدريجاً إلا أني قاطع بأني أشعر بشيء، فقطعي بأني أشعر بشيء في أذني هو من القضايا في العلم الحضوري أما هذا الذي يتردد صوت أو ليس بصوت فإن هذا ُنسميه بالتفسير، والتفسير يندرج تحت العلم الحصولي، ولأنه يندرج تحت العلم الحصولي يتطرق إليه الشك.

فلأجل ذلك نقول بأن في القضايا الوجدانية عنصرين، أحدهما الشعور الوحداني بالشيء وهو من الأوليات لكونه علماً حضورياً ولا يُتصور الشك فيه، وثانيهما تفسيره وهو أمر نظريٌ لا أولي لكونه علماً حصولياً، ولذلك فقد أُخذَ في القضية الأولية، فمعنى كون القضية أولية أنها مضمونة الحقانية فهو من ذاتياتها وإلا لم تكن قضية أولية لدى الذهن.

رب قائل: إن هذه التي في ذهنك مضمونية الحقانية هي في ذهن غيرك كذب، وهي جهل مركب. نقول: ليس كذلك، فالقضايا الأولية ليس المناط فيها الذهن الشخصي، فالقضايا الأولية المناط فيها الذهن الجمعي العقلائي، فالذهن الجمعي العقلائي إذا عُرضت عليه قضية «النقيضان لا يجتمعان» أقر، و«لكل معلول علة» أقر، إذن القضية الأولية أُخذ فيها أنها مضمونية الحقانية بلحاظ الذهن الجمعي العقلائي ولا يُتصور الانفكاك فيها.

التأمل في القضية الثانية.

السيد الشهيد - قدس سره - جاء إلى القضية الثانية وقال: أن المعارف النظرية تتولد من المعارف الأولية عند المنطق الصوري عن طريق الشكل الأول من القياس - والذي تم بيانه - إلا أن السيد يقول ليس هذا الطريق فقط[4] ، فمضافاً للمنطق الصوري هناك عقل ثالث لا يُمكن إدراكه بالمنطق الصوري حيث أنه قاصر عن إدراك كل المعقولات، ولذك تولّد المعارف النظرية من المعارف الأولية بأحد نحوين:

النحو الأول: ما يبتني على التلازم الموضوعي بين متعلق المعرفتين كالملازمة بين التغير والحدوث.

هذا النحو قلنا أن الاستدلال مؤلف من صغرى وكبرى، جئنا إلى الكبرى ورأينا أنها مؤلفة من موضوع ومحمول، وجئنا نبحث ونقول: هل بين الموضوع والمحمول في الكبرى تلازم موضوعي؟ هل بينهما ملازمة عقلية؟ أو إنما ثبت الموضوع للمحمول بالتضمن لا بالتلازم؟ وهنا أذكر قضيتين ليتضح مقصوده - قدس سره - فالآن لما نأتي إلى هذه القضية:

«العالم متغير، كل متغير حادث» قبل أن نذهب إلى النتيجة نسأل «كيف قلت «كل متغير حادث» وما هو الدليل على هذا؟!» نقول بالملازمة العقلية، فهنا ملازمة عقلية بين طبيعي التغير وطبيعي الحدوث، فلا يُعقل أن يكون هناك تغير بدون حدوث، فلو كان أزليا لكان ثابتاً، فلا يعقل أن يكون متغيراً وهو أزلي، فالتغير يعني أن هناك شيئاً نقله من حالة إلى حالة، فالتغير مساوق للحدوث، فهناك ملازمة بين الموضوع والمحمول، ولأن هناك ملازمة بين طبيعي الموضوع «التغير» وطبيعي المحمول «الحدوث» قلت أنه بلا شك أن كل متغير حادث، وهذا يُسمى تلازم موضوعي، فإذا الكبرى فيها تلازم موضوعي بين الموضوع والمحول نقبل المنطق الصوري، فالعالم متغير، ونحن عندنا ملازمة معروفة بين التغير والحدوث، إذن العالم حادث، فنقبل المنطق الصوري، ففي هذا الفرض أن يكون بين الموضوع والمحمول في الكبرى ملازمة عقلية، وهذه المعارف المستنبطة من الملازمة العقلية هي معارف يقينية، ويُمكن قبول المنطق الصوري فيها إذا تمت الملازمة فيها بين الطبيعيتين - طبيعة الموضوع وطبيعة المحمول -، ولكن نأتي إلى قسم آخر من القضايا، وهذا الآخر من القضايا ليس فيه تلازم وإنما هناك تضمن وليس تلازم، وهنا نأتي بأمثلة:

قد مرّ علينا الاستدلال على أن الفكر مجرد وليس مادياً [5] ، وفي الاستدلال على ذلك قيل: ”الفكر لا يقبل الانقسام، وما لا يقبل الانقسام فهو مجرد؛ لأن كل مادي ينقسم ولو أقسام وهمية فهو ينقسم إلى يمين ويسار وفوق وتحت“، فالفكرة التي عندي لا تقبل الانقسام، فالفكر لا يقبل الانقسام، وما لا يقبل الانقسام فهو مجرد فالفكر مجرد، ونحن نأتي إلى الكبرى، فمن أين أن «ما لا يقبل الانقسام فهو مجرد» حيث لا ملازمة، فلا توجد ملازمة عقلية بين عدم قبول الانقسام وبين عدم التجرد، فهذه قضية استقرائية، وهذه قضية بالتضمن، أي ثبوت المحمول للموضوع جاء عبر استقراء وإلا لا ملازمة عقلية، فلعل هناك نوع من الماديات لا تقبل الانقسام، فمن المحتمل أن المادية على درجات وهناك درجة من المادية ولكن لا تقبل الانقسام، مع هذا الاحتمال كيف نستدل؟! إذن القضية الثانية «ما لا يقبل الانقسام فهوم مجرد» فهي قضية استقرائية وليست ملازمة عقلية، وبما أنها قضية استقرائية لا بُد من إثباتها عبر دليل حساب الاحتمالات.

أو عندما نأتي - مثلا - ونقول بأن الحسين - - إمام، وكل إمام فلديه علم لدني، إذن الحسين لديه علم لدني، هنا نقول من الذي يقول أن كل إمام لديه علم لدني؟ فهل هناك ملازمة عقلية؟ لا توجد ملازمة عقلية بين مقام الإمامة وبين العلم اللدني، إذن هذه القضية إنما ثبتت بالدليل الاستقرائي لا بالملازمة العقلية، وهكذا.

ففي هذا النحو الثاني وهو ما يبتني على تضمن القضية الكلية للجزئية لا بالتلازم بل بالتضمن فهذه المعارف ظنية وليست قطعية، أي أن السيد الصدر يقول أن دليل الاستقراء لا يُنتج معرفة قطعية بل يُنتج معرفة ظنية لأن هذا غاية ما وصلنا إليه، وهي معارف ظنية بالطبع لعدم إحراز التلازم بين الموضوع والمحمول بالبرهان، ”وهي تضم أكثر المعارف، بل أكثر معارف البشرية هي من هذا القبيل أي هي من قبيل القضايا الاستقرائية، فإذا كانت القضايا الحسية هي من هذا القسم - كما مضى - فكيف بغيرها؟!“.

الأمر السادس: العقل الثالث «القضايا الاستقرائية».

وهي التي يتم إدراكها عبر الانتقال من الخاص للعام بمنهج فطري يبتني على جمع القرائن وتراكم الاحتمالات كمّا وكيفاً بنحو يتحقق الاقتضاء فيها لليقين الموضوعي، وهذه القطعة فيها عدّة بنود تحتاج إلى شرح [6] :

البند الأول: ”الانتقال من الخاص للعام“.

الاستقراء هو انتقال من الخاص إلى العام، أي هو بالخلاف تماماً للقياس في المنطق الصوري، فالقياس هو من العام إلى الخاص وهذا من الخاص إلى العام، ففي المنطق الصوري قلنا أن «كل متغير حادث» فهذا العام، و«العالم متغير» إذن «العالم حادث» فانتقلنا من العام إلى الخاص، بينما في القضايا الاستقرائية بالعكس، فأنت تستقرئ وترى أن كلَّ مادي يقبل الانقسام وأنت تستنج من استقراء الخاص قضية عامّة وهي أن «كل مادي يقبل الانقسام»، فالقضايا الاستقرائية من الخاص إلى العام وليست من العام إلى الخاص.

البند الثاني: ”بمنهج فطري يبتني على جمع القرائن وتراكم الاحتمالات كمّا وكيفاً“

لو جلست مع رجل غير متعلم وتقول له أثبت لي أي قضية من القضايا فإنك لسوف تجده يبدأ يعطيك القرائن، فطبيعة البشر هكذا، فطبع المنهج الفطري لدى الإنسان عند الاستدلال لإثبات قضية هو جمع قرائن وتراكم الاحتمالات التي تؤدي إلى الوصول إلى اليقين، وهذا منهج فطري عند الإنسان ولا يحتاج إلى تعليم.

وقد قال ”كيفاً“ حيث أنه لا بُد من انضمام عوامل كيفية وإلا لا يكون، وهنا آتي لك بمثال واضح:

نحن نقول أن القرآن الكريم هو معجزة النبي - - حيث أننا لمّا نأتي إلى هذا القرآن الكريم ونقول هذا القرآن - كما وصل إلينا - لا ندري هو صادر من الله أم لا، فهنا نجمع القرائن، فمثلا:

قرينة أولى: هذا القرآن يحتوي على بلاغة أدبية فاقت مستوى الأدباء والشعراء في زمانه، وهذا الاحتمال أعطانا نسبة الصدق «10%».

قرينة ثانية: من ثم جئنا إلى الاحتمال الثاني وهو أنه قد تكلم بنفس أدبي واحد لمدّة 23 سنة، مع أن الإنسان في خمس سنوات يتغير نفسه الأدبي وفكره لا في 23 سنة، فكيف يكون نفس أدبي لمدة 23 سنة واحد وبنفس السلاسة، فيصبح عندنا نسبة «25% - 30%».

قرينة ثالثة: نجد أن هذا القرآن ضمّ قصة البشرية من يوم آدم إلى يوم النبي محمد وبالتفاصيل الدقيقة، فمن أين جاء بهذه القصص كلها وبهذه التفاصيل الدقيقة والتي لم تكن معروفة ولا معلومة في زمانه؟! فهنا زادت نسبة الصدق.

قرينة رابعة: هذا القرآن الذي بين أيدينا أشار إلى حقائق علمية في عالم الكون وعالم الوجود ولم يثبتها الإنسان إلا بعد قرون فزادت نسبة الصدق ووصلت إلى «6% - 70%».

قرينة خامسة: هذا القرآن تحدّث عن القوانين - ففهي مادة قانونية وهي 600 آية - مترابطة ومتسلسلة يُكمّل بعضها بعضاً وعامة للعبادات والمعاملات بالمعنى الأعم فتحتاج إلى عقلية قانونية كبرى، فأنت تُبدع 600 مادة قانونية وأنت لست بمتعلم، فهنا النسبة وصلت إلى «80%» على الصدق.

هنا يأتي أحد فيقول كل هذه الاحتمالات هي من ناحية كميّة، وإذا كان من ناحية كمّية لم يصل إلى الحد الذي يقطع احتمال الخلاف لأنه مجرد احتمالات كمية تتزايد، فيقول أنه لا بُد من ضم عوامل كيفية إلى العوامل الكميّة، كيف نضم عوامل كيفية إلى العوامل الكمية؟ نقول هذه القرائن الموجود في القرآن الكريم فإذا قارنت القرآن الكريم بمستوى كل الكتب التي كانت في زمانه - سواء كانت سماوية أو فلسفية أو أخرى - وجدت أن القرآن الكريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ويعلو ولا يعلى عليه، وإذا قارنت هذه المعطيات الموجودة في القرآن الكريم مع شخصية النبي - - قلت أن هذا إنسان غير متعلم لم يحضر عند معلم ولم يدرس القانون ولا البلاغة ولا التاريخ، فكيف لإنسان لم يدرس واستطاع أن يأتي بمثل هذا، بعض علماء الاجتماع يقول: ”قوام العلوم الإنسانية كلها - علم النفس والاجتماع والقانون.. - هذه العناصر الأربعة: ما هي فلسفتك للكون؟ ما هي فلسفتك للحياة؟ ما هي فلسفتك للتاريخ؟ ما هي فلسفتك للمجتمع؟“، فالرؤية نحو العناصر الأربعة هي التي تكون مادة العلوم الإنسانية، وقد تناول القرآن الكريم فلسفة واضحة في هذه العناصر الأربعة، فهذا عندما يُقارنه بمستوى هذا الإنسان الذي جاء وهو غير متعلم، إذن هذه تُسمى «عوامل كيفية» أي مقارنة العوامل الكمية بغيرها وهي عامل كيفي، وبضم هذه العوامل الكيفية للعوامل الكمية تزداد نسبة الاحتمال إلى حد يقتضي حصول اليقين الرياضي بأن هذا الكتاب لا ريب فيه جاء من مصدر أعلى هدى للمتقين.

البند الرابع: ”بنحو يتحقق الاقتضاء فيها لليقين الموضوعي“.

هناك جماعة لم يفهموا كلام السيد الصدر - قدس سره - ولم يتعبوا أنفسهم بالتفكير فيه، ولذا قالوا أن هذا لا يأتِ باليقين والقطع، ولذا ما هي الفائدة منه؟ فكيف نعتبر دليلاً وهو لا يصل إلى حدِّ القطع ونحن ما زلنا نحتمل ولو 0.00001 فإننا بالنتيجة نحتمل، وهذا لا يُفيد. إلا أنك لا بد أن تلاحظ أن تراكم الاحتمالات كمّا وكيفاً يقتضي حصول اليقين حيث أن فيه اقتضاء لولا المانع من تلجلج عقلي أو مرض نفسي، وهذه هي الحجية، وإلا لو أن أحدهم لا يحصل له القطع ما الذي يُعمل له؟! هل تبطل كل الأدلة؟! سواء من الأدلة الفلسفية وغيرها؟! لا تبطل؛ لأن المعيار في قيمة الدليل هي أن يقتضي حصول القطع لولا المانع من تلجلج عقلي أو مرض نفسي، فهذه القرائن وهذه المحتملات لو عرضت على العقلاء لاقتضت قطعهم لولا المانع، وهنا نكتة الحجية والقيمة، فقيمة الدليل الاستقرائي تنشأ من أنه يقتضي حصول اليقين والقطع لولا المانع.

البند الخامس:

السيد الصدر يقول مع ذلك أن أنا أقول أن هذه المعارف ظنية، أي ليست قطعية بالقطع الذاتي وإن كانت قطعية بالقطع العقلائي، فهو يُسميها ظنية من هذه الناحية، أي أنها لو عرضت على العقلاء فإنهم يقطعون بها أما إذا لم يقطع بها المرء فهي ليست قطعية بالقطع الذاتي والقطع الشخصي وإن كانت قطعية بالقطع العقلائي، ولذلك يُسموه باليقين الناشئ عن دليل حساب الاحتمالات هو يقين رياضي وإن لم يكن يقيناً ذاتيا.

”ولا يتم إلا أن المعرفة تبقى ظنية بحسب عالم النفس - أي احتمالات الاختلاف - ولا يتم تحقق اليقين الصفتي - القطع - إلا بقانون ذاتي تقوم به النفس لا قانون موضوعي“ كما شُرح مفصلاً في كتاب الأسس المنطقية للاستقراء"، فالسيد يقول: إذا جمع العقل كل المحتملات، وكل القرائن ورأى أن هذه القرائن سوف تجره إلى اليقين لأن مجموعها كمّا وكيفاً يقتضي اليقين لولا المانع، وهو سوف يراها تجرّه لليقين فيقوم بالبحث عن احتمالات الخلاف، فهي تجره لليقين وهو يبحث عناداً مكابرة أو تشكيكاً أو عنده مشكلة أو عنده مرض فهو يبحث عن احتمال الخلاف - أي احتمال معاكس -، فكيف يقدر على إطفاء احتمال الخلاف؟! يقول أن إطفاء احتمالا الخلاف لا يأتي بقانون موضوعي لأنه لا يفيده، لأنك كل ما قلت له يقول أحتمل الخلاف، إذن القضاء على احتمال الخلاف لن يأتي بقانون موضوعي وإنما سيأتي بقانون ذاتي، والقانون الذاتي هي طبيعة النفس إذا واجهتها الحقائق وهي ليست عندها القدرة على الرد فهي إما أن تصد فكرها، باب تُغلقه، وإما احتمال الخلاف بقانون ذاتي في النفس موجود وهذا الذي سمّاه السيد الصدر منهج فطري، أي طبيعة النفس تنقل احتمال الخلاف من العقل الواعي إلى العقل اللاواعي، فهو لا يذهب وإنما ينضمر في العقل اللاواعي، ونقله من العقل الواعي إلى العقل اللاواعي هو أمر طبيعي في النفس، فوصول الإنسان نتيجةَ دليل حساب الاحتمالات من اليقين الرياضي إلى اليقين الذاتي إنما يتم عبر قانون داخلي، وهذا القانون الداخلي ما يعبر عنه السيد الصدر بإغفال احتمال الاختلاف، ومعنى اغفاله أن النفس بطبيعتها تنقلها من العقل الواعي إلى العقل اللاواعي، وبالتالي القيمة العلمية للاستدلال تكون حاصلة لأن مجموع هذه القرائن كما وكيفا يقتضي اليقين لولا المانع.

تم المطلب في نظرية المعرفة في «45» درسا، ونسأل الله لنا ولكم حسن الخاتمة.

والحمد لله رب العالمين

[1]  هم يعبرون بالعقل ولكن المقصود هنا هو المعقول أي القضية المعقولة.
[2]  المناطقة ليس عندهم معقول ثالث، وإنما السيد الشهيد - قدس سره - لما بحث هذه النقطة عبّر عن المعقولات الاستقرائية بالمعقول الثالث أو العقل الثالث.
[3]  وقد ذكره في كتاب أصول الفلسفة.
[4]  بعض من شرح نظر السيد الصدر - قدس سره - شرحه على أنه قد ألغى المنطق الصوري إلا أنه لم يُلغِ المنطق الصوري بل هو يقول مضافاً للمنطق الصوري هناك عقل ثالث لا يُمكن إدراكه بالمنطق الصوري، لا أنه يُلغي المنطق الصوري وإنما يقول المنطق الصوري قاصر عن إدراك كل المعقولات.
[5]  هذا الاستدلال قدر مرّ علينا من السيد العلامة الطباطبائي في نهاية الحكمة وبداية الحكمة.
[6]  هذه العبارات في هذه القطعة هي عبارة السيد المنير - حفظه الله - وليست عبارات السيد الصدر - قدس سره - وإنما هي مضمون كلام السيد الصدر - قدس سره -، وقد صاغها بهذه الصياغة الضيقة حتى تُرشد لمطلب السيد الصدر - قدس سره -.

الدرس 44 | كيف نثق بإحكام العقل مع كثرة الأخطاء فيها؟