نص الشريط
ماذا قدمت الزهراء (ع) للحضارة الإنسانية
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مأتم السيدة الزهراء (ع) - صفوى
التاريخ: 13/5/1443 هـ
مرات العرض: 785
المدة: 01:15:10
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (21) حجم الملف: 21.5 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ «27» ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً «28» فَادْخُلِي فِي عِبَادِي «29» وَادْخُلِي جَنَّتِي «30» [الفجر: 27 - 30]

صدق الله العلي العظيم

انطلاقاً من الآية المباركة نتحدث في محاور ثلاثة:

  • تحليل مبدأ الرضا.
  • بيان مراتب الرضا الإلهي.
  • رمزية السيدة الزهراء للقيم الإنسانية العليا.
المحور الأول: تحليل مبدأ الرضا.

عندما نقرأ قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ «27» ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً «28» [الفجر: 27 - 28] وعندما نقرأ قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [المائدة: 119] ترد علينا عدة أسئلة:

السؤال الأول: ما هو الرضا؟

الرضا هو توافق الشيء مع الهدف، فكل شيء يتوافق مع أهدافك ترضى عنه، وليس بالضرورة أن تحبه، فالحب شيء والرضا شيء آخر، قد لا يكون الشيء محبوباً ولكنه مرضي لأنه يتوافق مع أهدافك، ويتوافق مع طموحاتك، فالإنسان المريض إذا احتاج إلى عملية جراحية قاسية يرضى بها وإن كان لا يحبها، هي عملية جراحية قاسية فلا يحبها لكنه يرضى بها لأنها تتفق مع أهدافه وهو حصوله على الصحة والشفاء، فكل عمل يتوافق مع الهدف يرضى الإنسان عنه.

السؤال الثاني: هل هناك فرق بين رضا الخالق ورضا المخلوق؟

هناك فرق بين رضا المخلوق ورضا الخالق، فرضا المخلوق هو حالة نفسية تحصل للإنسان؛ وهي عبارة عن التوافق والارتياح، «رضي عني أبي» أي أن أبي يعيش ارتياحاً واستقراراً من جهتي، بينما رضا الله هو فعل من أفعاله، وفرق بين الوجود الناقص والوجود الكامل، الوجود الناقص كوجود الإنسان معرضاً للانفعالات، فالإنسان ينفعل بالعوامل الخارجية المختلفة لأنه وجود ناقص لا يستغني عن العوامل الأخرى لذلك ينفعل بها، بينما الله تبارك وتعالى وجود كامل غني ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر: 15]، لا يتأثر بعوامل أخرى ولا ينفعل بها، انفعالات الرضا والغضب والحلم والسخط تَعْرض على الوجود الناقص وهو الإنسان، ولا تَعْرض على الوجود الكامل وهو الله، فما معنى أن الله يرضى ويغضب إذا لم يكن لديه انفعالات ومشاعر؟

رضا الله هو ثوابه، وغضبه عقابه ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح: 18] رضي أي أثابهم وأعطاهم ثواب.

السؤال الثالث: ما هو المقياس في رضا الله عن الإنسان رضاً تاماً كاملاً؟

إذا حقق الهدف يكون رضا الله عن الإنسان، فالرضا هو أن يوافق الهدف؛ أي أن يأتي بشيء محققاً للهدف، فإذا حققت هدف الله من وجودك أصبحت مرضياً عند الله، لأن الرضا هو العمل المحقق للهدف، والهدف من وجود الإنسان ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56]، متى ما كان الإنسان مظهراً للعبودية ومظهراً للتسليم المطلق إلى الله تبارك وتعالى، ومظهراً للخضوع المطلق في كل حركاته وسكناته وتصرفاته، يُظهر العبودية والتسليم والخضوع المطلق لله كان مرضياً عنده، والإنسان المرضي الذي يغمره رضا الله عزوجل هو الإنسان الذي يعيش العبودية والتسليم لله في كل حركاته وسكناته وأفعاله، لذلك عندما يقول تبارك وتعالى ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ «27» ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً «28» مرضية لأنها حققت العبودية بأجمل صورها، فالمقياس في رضا الله تحقيق الهدف من وجود الإنسان ألا وهو هدف العبودية.

وأما المقياس في رضا الإنسان عن الله، فهناك أناس غاضبون على الله إلى يوم الدين وهناك أناس يرضون عن الله بمقدار، وهناك أناس قد رضوا عن الله رضاً تاماً، ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة: 22] لأنهم يعيشون الرضا الكامل من الله عنهم، ويعيشون رضاً منهم كاملاً عن الله تبارك وتعالى.

ويرضى الإنسان عن ربه إذا أدرك أن الله هو المنعم، وأن كل ما في الوجود هو نعمة، وأنه محفوف بالنعم ظاهرها وباطنها ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً [لقمان: 20] فإذا أدرك الإنسان أنه محاط بالنعم من كل جانب وحتى المصيبة التي تأتيه هي نعمة في واقعها لأنها امتحان لإرادته وقوة إيمانه، فإذا أدرك الإنسان ذلك سيحصل له رضاً عن الله تبارك وتعالى ويكون من أولئك الذين قال عنهم تبارك وتعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس: 62]

المحور الثاني: مراتب الرضا الإلهي.

هناك مراتب لرضا الله تبارك وتعالى، وهي على ثلاث: التقارن، الإتحاد، والعلية.

المرتبة الأولى: التقارن.

وهي المرتبة التي تعرَّض إليها القرآن ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المائدة: 119]؛ أي يوجد اقتران بين رضا الله عنهم وبين رضاهم عن الله، أولياء الله يعيشون تقارن بين رضا الله عنهم ورضاهم عن الله، وعدة آيات تتكلم عن هذا التقارن، فالله سبحانه وتعالى يرى الإنسان قد حقق العبودية فرضى عنه، والإنسان يرى أن الله قد غمره بالنعم فرضي بالنعم، فاقترن الرضا منهما فقال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المائدة: 119].

﴿رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً «28» فَادْخُلِي فِي عِبَادِي «29» وَادْخُلِي جَنَّتِي «30» يروي سدير الصيرفي عن الإمام الصادق يقول: سألت أبا عبد الله الصادق : هل يُكْرَه المؤمن على لقاء ربه؟ فقال الإمام الصادق: لا إن مَلَك الموت إذا جاء الإنسان المؤمن جزع فيخاطبه ملك الموت بلسان فيه رقة يقول: يا ولي الله والذي بعث محمداً بالحق إني لأبر بك وأشفق عليك من والد رحيم لو حضرك، انظر بعينيك. فيرفع عينيه فيُمثل له محمد وعلي وفاطمة وحسن وحسين، ويناديه منادياً: يا أيتها النفس المطمئنة بمحمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين ارجعي إلى ربك راضية بنعمته مرضية عنده، فادخلي في عبادي وهم محمد وعلي وفاطمة وحسن وحسين وادخلي جنتي. وحينئذ تشرئب روح المؤمن للقاء الله تبارك وتعالى.

المرتبة الثانية: الإتحاد والمرآتية.

 أي يكون رضا الإنسان مرآة لرضا الله، فالإنسان المعصوم رضاه مرآة لرضا الله، رضاه متحد مع رضا الله لأنه معصوم، فالمعصوم ليس معصوماً فقط في العمل بل حتى في التفكير والدوافع والنيات، معصوماً من الجهات الثلاث: فكراً فلا يفكر خطأ، وليس لديه دوافع غير نزيه، وعمله سليم، لذلك رضا المعصوم كاشفاً عن رضا الله ومرآة لرضاه، ولذلك تقرأ في خطبة الحسين في مكة قال: ”رضا الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين“.

المرتبة الثالثة:

أن يكون رضا المخلوق هو العلة لرضا الله؛ فإذا أردتَ رضا الله فليرضى عنك فلان، رضا المخلوق علةً لرضا الله، وهي أعلى المراتب، ويعبر عنها الرسول : فاطمة بضعة مني يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها.

فالله تبارك وتعالى تجلت قدرته وإبداعه في عالمين: عالم التكوين، وعالم التشريع، ففي عالم التكوين ترى في هذا الوجود الذي نعيش فيه قدرة الله وإبداعه وعجيب صنعه، والقرآن يتحدث عن ذلك ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة: 164] ففي هذه الظواهر كلها ترى قدرة الله وبديع صنعه.

وتجلت قدرته في عالم التشريع؛ أي القوانين التي سنها وهي مظهر لإبداعه وقدرته أيضاً، قال تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد: 25] أي أنزلنا قوانين، وهذه القوانين مظهر لإبداعنا وقدرتنا، ومحل هذه القوانين هو الأنفس القدسية، الشمس مظهر لقدرة الله، ونفس محمد وعلي مظهر لقدرة الله، والله أودع هذه القوانين الإلهية في نفس محمد، وأودعها في نفس علي، فعليٌ مستودع لقوانين الله وتشريعاته، ومحمد مستودع لقوانين الله وتشريعاته.

فهذه الأنفس القدسية نفس النبي ونفس الولي ونفس المعصوم هي لوح وسبورة رُسِمت فيها القوانين والدساتير الإلهية «السَّلاَمُ عَلَى مَحَالِّ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَ مَسَاكِنِ بَرَكَةِ اللَّهِ»، ولذلك يشير القرآن الكريم إلى هذه النقطة عندما يقول: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ «192» نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ «193» عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ «194» بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ «195» [الشعراء: 192 - 195]، أي أن قلب النبي هو مستودع الأحكام والتشريعات كلها، وهو خزانة الدين كله، وكما أن نفس النبي محمد هي مخزن ومستودع لكل الدين كذلك نفس علي «أَنَا مَدِينةُ الْعِلمِ، وعَليٌّ بَابُها»، وكذلك نفس فاطمة، ففاطمة ليست امرأة معصومة فقط بل هي مستودع للدين والتشريعات ومستودع للأحكام، فاطمة يحمل قلبها ما حمله قلب علي من تشريعات ودساتير وأحكام، هي مستودع وخزانة للدين، لذلك ورد عن الإمام العسكري : ”نحن حجج الله على الخلق، وفاطمة حجة علينا“ حجة أي مصدر للدين والدستور السماوي، ومصدر للقانون الإلهي، ولأنها مصدر للدين لذلك يرضى الله لرضاها؛ لأن الدين في قلبها وعقلها، ولأن الدين في وقواها، لذلك يدور رضا الله مدار رضاها ”فاطمة بضعة مني يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها“.

المحور الثالث: في رمزية فاطمة الزهراء للقيم المثلى.

هنا قد تدور عدة تساؤلات: لماذا هذا التعظيم للزهراء؟ لماذا يحتفل المسلمون بالزهراء مولداً وشهادةً؟ ولماذا يروون هذه الأحاديث فيها ”فاطمة بضعة مني“، ”فاطمة شجنة مني يؤذيني ما يؤذيها“، ماذا قدمت الزهراء للبشرية؟ وماذا أعطت الزهراء للمجتمع وللحضارة الإنسانية؟ ماذا قدمت خصوصاً أنها عاشت عمراً قصيراً جداً؟ ماذا قدمت للمجتمع البشري حتى تستحق هذا التعظيم وهذا الاهتمام؟ أديسون أنار الكرة الأرضية بالكهرباء، نيوتن اكتشف الجاذبية، باستر اكتشف البكتيريا، آينشتاين بنظريته النسبية العامة والخاصة افتتح علوم، هؤلاء عمالقة عظماء قدموا للبشرية نتاجاً وعطاء لا ينتهي إلى يوم الدين، فماذا قدمت الزهراء في مقابل ما قدم هؤلاء؟ ماذا أعطت في مقابل ما أعطى هؤلاء حتى تستحق هذا الاهتمام والتعظيم كله؟ هؤلاء خدموا الحضارة منذ سنين وستبقى خدماتهم، ولكن ما هي خدمات الزهراء للحضارة الإنسانية حتى تستحق هذا الاحتفال والتعظيم والإجلال والإكبار؟

نقول أولاً ماذا قدمت مريم بنت عمران حتى يمتدحها القرآن الكريم؟ القرآن الكريم عندما يقف عند مريم وآسيا ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ «11» وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ «12» [التحريم: 11 - 12] فماذا قدمت مريم للمجتمع البشري سوى أنها كانت أماً لأحد الرسل؟ وماذا قدمت زوجة فرعون للمجتمع البشري حتى يذْكرهما القرآن بالثناء والتبجيل؟ وهذا السؤال لا يختص بمريم وآسيا، بل يجري على الدين نفسه، فماذا قدم الدين للمجتمع البشري؟ ما هي نسبة خدمات الدين في هذه الحضارة البشرية القائمة على الأرض؟

إذن السؤال لا يختص بالزهراء بل هو سؤال عام، ولذلك يكون الجواب عنه جواباً عاماً لجميع هذه التساؤلات، فعندنا عدة أجوبة عن هذا التساؤلات:

الجواب الأول: هناك فرق بين الفلسفة المادية والفلسفة الدينية، والحياة لها قراءتان: قراءة الفلسفة المادية، وقراءة الفلسفة الدينية، فعندما نأتي إلى الفلسفة المادية نرى أنها تقوم على الحضارة، والحضارة تقوم على ثلاثة أركان: اقتصاد، تكنولوجيا، وطاقة، ولا تقوم حضارة بدون هذه الدعائم الثلاث، واليوم في زماننا هذا الدولة التي تمتلك المعلومة هي الدولة التي تتحكم في مصير الإنسانية، والسباق اليوم بين أمريكا والصين على امتلاك المعلومة وعلى الذكاء الاصطناعي، فالركيزة المهمة للحضارة والسيطرة على موارد الحضارة الرأسمالية القائمة هي بامتلاك المعلومة، وهؤلاء رواد الفلسفة المادية عندما يقرءون الحياة يقرؤونها من وجهة نظر مادية ولذلك يقولون الحضارة هي اقتصاد وتكنلوجيا وطاقة، وهي ذكاء اصطناعي، وكل من قدم خدمة في هذه المجالات الثلاثة فهو قد خدم الحضارة وإلا فهو لم يقدم للحضارة الإنسانية شيئاً.

والقراءة الثانية ألا وهي القراءة الفلسفة الدينية للحياة، فإن الفلسفة الدينية تقرأ الحياة بأبعاد أخرى، الحضارة البشرية مطلوبة، والقرآن أمر ببناء الحضارة وقال: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا [هود: 61] أي طلب منكم إعمار الأرض، ويقول القرآن: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ [العنكبوت: 20] أي اكتشفوا الحياة واكتشفوا أسس الوجود، ويقول أيضاً: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك: 15]، فالقرآن يأمر ببناء الحضارة ويدعو للحضارة ولكن أي حضارة؟!

الحضارة لها أبعاد أربعة:

  • البعد الأول: العلم بما يشمل العلوم الإنسانية والعلوم المادية.
     
  • البعد الثاني: الأمن والسلم، فحضارة بدون أمن لا قيمة لها، ولا تستطيع أن توفر للإنسان جواً سعيداً ولا تستطيع أن توفر للإنسان حياة مستقرة، فالحياة تقوم على عصب الأمن والسلم، ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنفال: 61]، الحضارة الرأسمالية بدأت من قديم ومع ذلك لم تسلم هذه الحضارة من الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، فالحضارة التي توفر للإنسان سعادة هي الحضارة التي تقترن بالأمن والسلم.
     
  • البعد الثالث: العدالة، الحضارة هي مصدر العدالة، يقول القرآن الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى [النحل: 90]، وبما أن الحضارة البشرية تحتاج إلى أمن وتحتاج إلى عدالة، فإن السبيل لتوفير الأمن والعدالة هو القانون الصارم، وبدون قانون صارم لا يمكن أن يتحقق أمن أو عدالة ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 179] من هنا تبدو الحاجة إلى الدين، حاجة المجتمع البشري للدين في حاجته إلى القانون، لأن المجتمع البشري يحتاج إلى الأمن ويحتاج إلى العدالة، والأمن والعدالة يتوقف على القانون الصارم، والدين يتكفل بتحقيق القانون الصارم الذي يحقق الأمن والعدالة؟
     
  • البعد الرابع: القيم الأخلاقية والرصيد الروحي، حضارة بلا قيم هي حضارة ذئاب، حضارة مجتمعات طبقية، حضارة لا توفر للإنسان سعادة واطمئنان ما لم تقم على قيم خلقية، وهذه القيم الخلقية يجمعها القرآن الكريم في كلمة الإيثار ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ [الحشر: 9]، ويعبر عنها أحياناً بالإحسان ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ [النحل: 90] أو يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة: 195]، ويعبر عنها أحياناً القرآن الكريم بالأخوة عندما يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10]، القيم الخلقية كلها تتلخص في كلمة واحدة وهي العطاء الصادق، أي أن تعطي للبشرية عطاء صادقاً لا بهدف الألقاب ولا بهدف مادي ولا بهدف التعالي بل بهدف صادق، العطاء الصادق هو الميزان في القيم الخلقية وهذا ما يربي القرآن معتنقيه وأتباعه عليه ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ.

إذن نحن لا نريد أي حضارة، نريد حضارة قائمة على القيم الخُلقية، قائمة على العطاء الصادق وعلى الرصيد الروحي، والإنسان إذا لم يمتلك رصيد روحي يعبث بالآخرين ويطغى عليهم، كما نرى الآن المجتمع البشري وهو يعيش زمن الحضارة والتألق إلا أن كثير من المجتمعات تعيش في ألوان من الغنى والترف، ومجتمعات أفريقية تعيش تحت خط الفقر بدرجات، فلماذا الحضارة البشرية اليوم لم تستطع أن تنقذ الملايين الذين يعيشون تحت خط الفقر ليعيشوا حياة إنسانية كريمة!؟ لأن هذه الحضارة التي نحن مولعون بها ومشرئبون لها لم تمتلك الأبعاد كلها، لم تمتلك بعد الأمن ولم تمتلك بعد العدالة، ولم تمتلك بعد القيم الخلقية، ولم تمتلك بعد الرصيد الروحي، فهذه الأبعاد ضرورية لبناء الحضارة، والرصيد الروحي لا يتوفر عليه الإنسان بدون علاقة بينه وبين مبدئه وخالقه ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: 28]، أكثر الأمراض فتكاً للبشرية الآن هي الكآبة والقلق، وأكثر الأمراض في عصرنا الحاضر عصر التكنلوجيا وعصر الفضاء هي مرض الكآبة والقلق، فكيف تعالج الحضارة هذين المرضين؟ عندنا مدارس في علم النفس كالمدرسة الوظيفية، المدرسة السلوكية، المدرسة التحليلية، والمدرسة الاستبطانية، ولكن كل هذه المدارس لم تستطع أن تصل إلى علاج الإنسان نفسه من مرض الكآبة ومرض القلق، وعلاج الإنسان من مرض الكآبة والقلق بامتلاك الرصيد الروحي، وامتلاك الرصيد الروحي بالتعلق بالمبدأ تبارك وتعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: 2].

إذن ماذا قدم الدين في مقابل ما قدمت الحضارة؟ الدين يقدم القانون الذي يوفر الأمن والعدالة، الدين يقدم الدوافع المحركة نحو القيم الخلقية التي تبني حضارة الإنسان، الدين يوفر الرصيد الروحي الذي يتخلص به الإنسان من مرض الكآبة والقلق، هذا الذي قدمه الدين للحضارة الإنسانية.

الجواب الثاني: كل حضارة قوامها الإنسان حتى لو جاء عصر الآلة حيث تقوم الآلة مقام الإنسان ولكن مع ذلك فإن من يشغل الآلة هو الإنسان، والذي يُدخل المعلومات في الجهاز هو الإنسان، فالحضارة قوامها بالإنسان، وبناء الحضارة مسبوق ببناء الإنسان، فإذا بُني الإنسان بُنيت الحضارة، وبناء الإنسان لا يتم إلا ببناء بُعديه البعد المادي والبعد الروحي، ومالم يتم تغذية هذين البعدين وإشباع هذين البعدين البعد المادي والبعد الروحي لا يمكن اكتمال بناء الإنسان، وإذا لم يمكن اكتمال بناء الإنسان لا يمكن اكتمال بناء الحضارة، لذلك يركز القرآن على الإنسان ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ [الانشقاق: 6]، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ «6» وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ «7» وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ «8» [العاديات: 6 - 8]، ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب: 72] بناء الإنسان بناء الحضارة ولأن الدين يعنى ببناء الإنسان فالدين له دخل مباشر في بناء الحضارة وتأسيس الحضارة.

الجواب الثالث: الحضارة تقوم على الاقتصاد، وأهم مفردات الاقتصاد هي الملكية، فلا يمكن أن يعيش اقتصاد بدون ملكية سواء كانت ملكية عامة أو ملكية خاصة، فالحضارة تقوم على الاقتصاد، والاقتصاد يقوم على الملكية، والملكية لها تفسير اقتصادي ولها تفسير خُلقي، ففي التفسير الاقتصادي الملكية هي علاقة الاستيلاء، وأما التفسير الخلقي فهو مختلف ومن هنا يتبين الفرق بين الحضارة الإسلامية وبين الحضارة الغربية، فالحضارة الغربية تقول أنت تملك، والإسلام أيضاً يقول أنت تملك، ولكن ما معنى الملكية في الحضارة الإسلامية وما معنى الملكية في الحضارة الغربية، هنا تتبين الحاجة إلى الدين.

فالملكية في التفسير الخُلقي الإسلامي تعني أربعة مبادئ:

  • المبدأ الأول: الخلافة، أيها الإنسان أنت مجرد خليفة والمال مال الله، المالك الحقيقي هو الله، وأنت لست مالكاً حقيقياً للثروة وإن تعبت عليها، أنت مجرد أمين على الثروة، ووكيل في توزيع الثروة، ومسؤول في الموازنة بين روافد الإنتاج ووسائل التوزيع ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ [فاطر: 39]، ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ [الأنعام: 165].
     
  • المبدأ الثاني: أن الملكية للجميع وليست للفرد ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة: 29]، وقال تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [الذاريات: 19] كثير من الناس يظن أنه عندما يخرج صدقة وزكاة فهو المتفضل، وفي الحقيقة هي واجبات عليه وليست عمل تفضلي مجاني تكرمي، بل الفقراء قانوناً شركاء معك في ثروتك، لذلك ورد عن الإمام أمير المؤمنين علي :“ما جاع فقير إلا بما متع به غني”يجوع الفقير ويستمتع الغني نتيجة الثقافة الرأسمالية التي أُسست لمجتمعات طبقية برجوازية، وإلا حق الفقير حق قانوني في أموال الغني، لأن الملكية ملكية عامة للمجتمع وليست ملكية خاصة.
     
  • المبدأ الثالث: الإسلام إنما شرع الملكية لا لتكون وسيلة للاستبداد والاستعباد، العالم اليوم المولع بحضارته يعتمد على الأمم المتحدة، وحق الفيتو في قرارات الأمم المتحدة لخمس أو ست دول على مستوى العالم والباقي لابد لها أن تخضع وتسلم بما يقرر، هذا المجتمع البشري كله في هذه الحضارة التي أنت مفتون بها ومولع بها يعيش حالة من الاستعباد والاستكبار والاستيلاء والسيطرة لأن قوانينه ومصيره بيد حق الفيتو، وحق الفيتو بيد مجموعة من الدول دون غيرها.
     
  • إذن بالنتيجة وصلنا إلى النقطة المركزية وهو الفرق بين رؤية الحضارة الإسلامية ورؤية الحضارة الغربية، فرؤية الحضارة الإسلامية أن الحضارة تقوم على الاقتصاد، والاقتصاد يقوم على الملكية، والملكية عامة، ومعنى الملكية العامة أن الملكية ليست وسيلة للاستيلاء والاستعباد، وإنما الملكية وسيلة للإنتاج والعطاء والتنافس نحو الإنتاج والعطاء وليست وسيلة استعباد واستكبار يقول القرآن الكريم: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا [النساء: 5]، فالثروة هي لقيام للمجتمع البشري كله لا لحضارة دون حضارة ولا لدولة دون أخرى.
     
  • المبدأ الرابع: أن الملكية لابد أن تكون معها مجموعة من الآداب والأخلاق، ورد في الحديث عن الرسول محمد :“من لقي فقيراً فسلم عليه خلاف سلامه على الغني لقي الله تعالى وهو غضبان”الملكية تعني خُلق ولا تعني استكبار ولا تعني ترفّع، إذن الملكية هي هذا التفسير الخلقي لها هي مجموعة قيم أخلاقية وهذا ما يقدمه الدين من نتاج للحضارة البشرية.

الجواب الرابع: نحن نقتصر دائما في تحليلنا للشخصيات على العطاء المادي، كعطاء نيوتن وآينشتاين، صحيح هؤلاء خدموا البشرية ويُجزون على خدماتهم إذا كان العطاء عطاء صادقاً، لا إشكال في ذلك ولكن هل ينحصر العطاء وهل ينحصر الإنتاج في الإنتاج المادي؟ لولا أولوا العزم من الرسل ولولا الأنبياء ولولا الأوصياء منذ يوم آدم إلى يومنا هذا لما وجدت بنية للقيم الخلقية ولما وجدت غرساً للقيم الخلقية، ولما وجدت بذرة للقيم الإنسانية، هؤلاء مسيرة الأنبياء دعمت القيم الخلقية والإنسانية لذلك ورد عن الرسول : ”إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق“.

الشخصية النافعة هي التي تكون لها عناصر ذاتية تحولها إلى رمز للمجتمع البشري سواء قدمت خدمات مادية واخترعت دواء أو جهاز أو ما اخترعت، إذن بالنتيجة إذا امتلكت الشخصية عناصر ذاتية جعلتها رمزاً للبشرية في عدة مجالات وفي عدة حقول فهي شخصية عبقرية وعظيمة وتستحق الإجلال والإكبار، وهذا ما نقرأه في شخصية فاطمة الزهراء .

ففي مجال العفة فالزهراء رمز للعفة والطهارة، يقول لها الرسول : ”بنية فاطمة ما هو خير للمرأة؟ قالت: أن لا ترى الرجل ولا الرجل يراها“ أي لا ترى الرجل برؤية تثيرها ولا يراها الرجل برؤية تثيره.

وفي مجال العلاقة الزوجية تضرب لنا الزهراء المثل في صِدق العلاقة بين الزوج وزوجته، وفي عمق العلاقة بين الزوجين، الإمام أمير المؤمنين يحكي عن الزهراء: ”والله ما أغضبتني قط، ولا خالفت لي أمراً قط، وما أغضبتها ولا أكرهتها على أمر قط حتى قبضها الله إليه“ وهي التي قالت للإمام أمير المؤمنين علي في أوقات احتضارها وشهادتها: ”أبا الحسن هل وجدتني كاذبة أو خاطئة أو خالفتك منذ عاشرتك؟ قال: حاشى لله أنتِ أبر وأتقى من أن أوبخكِ“.

الزهراء في مجال الرصيد الروحي ومجال العلاقة مع الله والعبادة، يقول ابنها الإمام الحسن الزكي: ”ما رأيت أعبد من أمي فاطمة، كانت إذا قامت إلا صلاتها لم تنفتل من محرابها حتى تتورم قدماها من طول الوقوف بين يدي ربها، وما رأيتها دعت لنفسها قط، وإنما تدعو للمؤمنين والمؤمنات“ تعيش الخُلق حتى في العبادة، والعطاء الصادق في المحراب، تعيش الرأفة والرحمة بالمجتمع البشري حتى في مناجاتها وابتهالاتها، ”وما رأيتها دعت لنفسها قط، أقول لها أماه فاطمة: لم لا تدعين لنفسك؟ فتقول: بني حسن، الجار ثم الدار“.

يقول الإمام أمير المؤمنين إن فاطمة كسحت البيت حتى أغبرت ثيابها، وطحنت بالرحى حتى مجلت يداها، فأصابها من ذلك ضعف شديد فقلت لها: هلا ذهبت إلى أبيك وطلبت منه خادماً فذهبت إليه،  وهي ابنة رئيس الدولة وهي التي تكنس البيت وهي التي تطحن الرحى وتغسل وتطبخ وكله تقوم به بنفسها وهي ابنة رئيس الدولة الذي بيده الثروة كلها ومقاليد الثروة  أقبلت إلى أبيها فوجدت معه حُداثاً رجعت إلى البيت، يقول الإمام علي: فلما جن الليل دخل علينا رسول الله ونحن في منامنا متلحفين فأردنا أن نقوم فقال: على مكانكما اجلسا. فجلسنا، فجلس عندنا وقال: بنية فاطمة ما كان عندك إذ أتيتِ؟ فخجلت واستحت. فقلت له: إن ابنتك كسحت وطبخت وطحنت و... حتى أصابها ضعف شديد فجاءت تطلب خادماً. فقال: يا علي ويا فاطمة ألا أعلمكما شيئاً هو خير لكما من الخادم؟ قلنا: بلى، قال: إذا قمتما إلى منامكما فسبحا الله ثلاثاً وثلاثين، واحمداه ثلاثاً وثلاثين، وكبراه أربعاً وثلاثين، فإنه خير لكما من الخادم.

فاطمة في مجال العطاء والإنفاق تخبز الأقراص الأربعة قرصاً لها وقرصاً لعلي وقرصاً للحسن وقرصاً للحسين ليتناولوها على مائدة الإفطار فيأتي المسكين واليتيم والأسير فتبادر فاطمة لتتصدق بقرصها على المسكين واليتيم والأسير ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا «7» وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا «8» إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا «9» [الإنسان: 7 - 9].

إذن الحضارة الإنسانية تحتاج إلى نماذج راقية تقتدي بها، الحضارة الإنسانية تحتاج إلى قدوات صالحة تهتدي بها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: 90] ومن هؤلاء الذين تحتاجهم الحضارة الإنسانية لتقتدي بهم وتستقي منهم القيم والتعاليم فاطمة، وما أدراك ما فاطمة، فاطمة أول ثائر في الإسلام وأول من أسس حركة المعارضة في الإسلام، فاطمة الزهراء عندما صدحت بمفاهيمها ومبادئها، فاطمة رمز لمجموعة من القيم، أنى زحزحوها عن رواسي الرسالة وقواعد النبوة والدلالة ومهبط الروح الأمين والطبن بأمور الدنيا والدين ألا ذلك وهو الخسران المبين وماذا نقموا من أبي الحسن نقموا منه والله نكير سيفه وقلة مبالاته بحتفه وشدة وطأته ونكال وقعته وتنمره في ذات الله واجتهاد في أمر الله، هكذا عكست الزهراء في ذلك العمر القصير قيمها ومبادئها العظيمة إلى أن عاشت حقبتها الأخيرة نحيفة الجسم، نحيلة، مصفرة اللون، حزينة كئيبة، ولا تُرى بسمة على وجهها، تبكي الليل وتبكي النهار لفقد أبيها المصطفى.

مضامين المعية في -علي مع الحق-