نص الشريط
هل يجوز الحب بين الجنسين؟
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 8/1/1444 هـ
مرات العرض: 783
المدة: 01:05:57
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (101) حجم الملف: 18.8 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً

صدق الله العلي العظيم.

انطلاقا من الآية المباركة نتحدث في ثلاثة محاور:

  • الفارق بين الغرائز والميول.
  • مفردة الحب بين الجنسين الذكر والأنثى.
  • معالم العلاقة الزوجية السعيدة.
المحور الأول: الفارق بين الغرائز والميول.

حتى نتعرف على الفارق بين الغريزة والميول الإنسان له روح وله نفس، الروح تختلف عن النفس.

الروح موجود من موجودات عالم الأمر، أي أن الروح ليست شيئا يحل في البدن، الروح موجود في عالم الأمر الذي هو عالم لا يخضع للزمن ولا يخضع للمادة، وقد عبر عنه القرآن الكريم بقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ولم يقل من خلق ربي.

بينما النفس من شؤون عالم الخلق، بمجرد أن تحصل العلاقة بين الذكر والأنثى ويصبح الحيوان المنوي ملقحا يعلق هذا الحيوان المنوي الملقح بجدار الرحم، فإذا علق بجدار الرحم بدأت العلاقة بين الروح وبين هذه النطفة المنوية، تصبح هذه النطفة المنوية تنمو، تنمو ببركة المدد من الروح، الروح تتصل بها منذ أن تكون نطفة منوية ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مِّن طِينٍ*ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً في قَرَارٍ مَّكِينٍ أي في جدار الرحم ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً بعد أن تتم هذه الأطوار كلها تولد شيء اسمه النفس ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ هذا الخلق الآخر هو النفس.

إذن النفس تختلف عن الروح، النفس وجود يأتي بعد حركة تطورية في الحيوان المنوي، عبر عنها القرآن: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ، النفس قسمها القرآن الكريم إلى: نفس ملهمة، نفس لوامة، نفس أمارة، يقول القرآن الكريم: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا هذه هي النفس الملهمة، النفس الأمارة: يقول القرآن الكريم: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ، والنفس اللوامة يعبر عنها القرآن الكريم: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ* وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ.

النفس المتكونة من حركة النطفة المنوية تتضمن ثلاث قوى:

أولا: الفكر: وهو العقل القادر على التحليل والبرمجة والاستذكار ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ لأن لهم عقول ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ.

ثانيا: الغريزة، مثل غريزة الجنس، غريزة الاكتشاف.

ثالثا: الميول، ماهو الفرق بين الغريزة والميول؟

سابقا كان علم النفس فرع من فروع الفلسفة، ثم أصبح العلماء يخضعون فحص السلوك البشري إلى منهج علمي تجريبي، فتحولت المسألة إلى علم، أصبح علم النفس علما، ثم انقسم إلى مدارس: المدرسة التحليلية، المدرسة السلوكية، مدرسة التيار الإنساني، كيف عرف علم النفس الغريزة؟

كان سابقا يقال: الغريزة هي السلوك المتكرر فقيل إن كانت الغريزة هي السلوك المتكرر فالإنسان لديه أربعة آلاف غريزة، لأن له سلوكيات كثيرة تتكرر، ثم في عام 1960 عقد مؤتمر وترأسه رواد علم النفس في هذا المجال لكي يضعوا الأمور في مواضعها، حدد معنى الغريزة بأنها هي السلوك الذي لا يعدل ولا يقاوم، أي أن الغريزة سلوك يجمع عدة صفات:

الصفة الأولى: أن الغريزة سلوك تلقائي، أي يأتي مباشرة عند الإنسان، مثل غريزة الجوع تدعوه للتغذية، سلوك تلقائي لا يقاوم عادة إلا من كان عنده صبر، الإنسان بطبيعته إذا جاع لا يستطيع مقاومة الجوع، لكن الكثيرين يستطيعون التحكم حتى في الجوع، الغريزة سلوك عفوي لا يحتاج تدريب، الجنين عندما يخرج من بطن أمه مباشرة يتجه إلى ثديها لا يحتاج إلى تدريب، غريزة التغذية هي غريزة عفوية لا تحتاج إلى تدريب.

وهذه الغريزة هي التي تملي على الإنسان أن يعمل إذا حصل لها مثير، مثل غريزة الجنس إذا حصل لها مثير تدعو الإنسان لإشباعها، هذه هي الغريزة، سلوك لا يقاوم عادة، عفوي تلقائي يتحرك إذا حصل له المثير.

أقوى غريزة عند الإنسان هي غريزة حب الذات، كل إنسان إنسانيته متقومة بحب نفسه، لا يوجد إنسان إلا ويحب ذاته، غريزة حب الذات أقوى الغرائز، وهذه الغريزة تفرع عنها عدة غرائز: منها غريزة الجنس، من أحب ذاته أحب أن يشبع نهمه الجنسي، منها غريزة الفضول والاكتشاف، طبيعة الإنسان أنه يحب أن يكتشف الأشياء، يتعلم ويتعرف على الأشياء، وأيضا من الغرائز غريزة التغذية، بحث الإنسان عن الأمان، عندما يجوع يشعر بالخوف ويبحث عن الأمان، غريزة التغذية تدعوه لكي يشبع حاجته للأمان.

ولدينا ميول، الميول هي نزعات فطرية لا تحتاج إلى مثير، مولودة مع ولادة الإنسان، مثل الحس الاجتماعي عند الإنسان، كل إنسان يحب أن يكون معه أحد، أم، أب، أسرة، طبيعة الإنسان عنده ميل للمجتمع وحس اجتماعي، ورد عن الرسول : ”أفاضلكم أحاسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون“ يألف ويؤلف هذا الحس الاجتماعي، يألف الناس ويألفه الناس.

أيضا من الميول ميل الإنسان نحو الخير، كل إنسان بطبعه يحب الخير وأن يسعى للخير ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ.

الميل الثالث ميل الإنسان للجمال سواء كان الجمال جمالا معنويا أم كان الجمال جمالا ماديا، فميل الإنسان للجمال هو أحد الميول الفطرية في شخصيته.

المحور الثاني: مفردة الحب بين الجنسين الذكر والأنثى.

من أعظم الميول للإنسان ميله للحب، كل إنسان يصبح لديه حب، الحب هي أكثر مفردة متداولة في اللغات، أكثر مفردة متداولة في التاريخ الإنساني لدى اللغات كلها هي مفردة الحب.

الحب هو أول غريزة وأول ميل جمع بين الذكر والأنثى، جمع بين آدم وحواء، ومقابله الكراهية وهي أول ميل أحدث جريمة بين شقيقين، قابيل وهابيل، الحب صنع أشياء عظيمة في التاريخ لكن عندما نريد أن نتحدث عن هذه المفردة - مفردة الحب - بكلام علمي، بتحليل علمي نرجع إلى ما كتبته مها سليمان في كتابها «سيكولوجية الحب» وهي أستاذة الطب النفسي في جامعة بغداد، كتبت حول هذه المفردة معاني مفصلة، ما هو الحب؟ وما هي درجات الحب؟ وما هي أنواع الحب؟

الحب كما يعرفه العالم النفسي زاك روبن: نزعة الرضا والارتياح عندما تمر صورة المحبوب على الذاكرة، أي إنسان يحب إنسان بمجرد أن تمر صورته على ذاكرته يشعر بنوع من الرضا والارتياح، الشعور بالارتياح عندما ترى فلان، أو تمر صورة فلان على دماغك هو المسمى بنزعة الحب.

الحب على نوعين: حب عابر وحب مستقر، حب لهوي وحب خازن، الكثير من الشباب يحب واحدة لمدة ساعة ويتوقف، يحبها يومين ويتوقف، وهذا يسمى حب عابر، وهو الحب الذي ينشأ عن حاجة للذة فبمجرد أن تنقضي اللذة ينتهي الحب ويتبخر، الحب الناشئ عن طلب اللذة حب عابر، حب لهوي لا قيمة له، الحب الذي له القيمة الحب الخازن، يعني المستقر، والحب المستقر هذا له درجات لا يأتي عفويا ولا يأتي مرة واحدة فالحب الذي يأتي مرة واحدة يذهب مرة واحدة، الحب المستقر يمشي على درجات: التعلق، الاهتمام، الحميمية.

الدرجة الأولى: التعلق.

يعني أنك رأيت إنسان وأعجبك هذا الإنسان وأصبحت حالة من التعلق، والتعلق يعني أن تطلب أن يهتم بك، أنت معجب به ولكن تتمنى اللحظة التي يبدي اهتمامه بك ويبدي عنايته بك.

الدرجة الثانية: الاهتمام.

يعني أن تقدم حاجاته على حاجاتك، أحب فلان يعني أن أقضي حاجاته قبل حاجاتي، أحب ابني، أحب زوجتي، أحب صديقي، إذا وصل الحب لدرجة الاهتمام يعني تقديم حاجاته على حاجاتي.

الدرجة الثالثة: الحميمية.

الحميمية أعلى درجة من درجات الحب، وتعني المشاركة الوجدانية، يعني ليس فقط أن أقضي حاجات المحبوب، لا بل أشاركه في همومه، أحزانه، أفراحه، المشاركة الوجدانية في سائر ما يمر عليه من خواطر ومن وجدانات.

الحب الخازن، المستقر يتنوع إلى نوعين: حب رحيم، وحب رومانسي.

  • الحب الرحيم: هو الحب المبني على تبادل المشاعر والاحترام والثقة، كحب الولد لوالده، حب الوالد لولده، حب الأخ لأخيه، حب الصديق لصديقه، هذا حب رحيم ويعني تبادل المشاعر والاحترام والثقة والتقدير.
     
  • الحب الرومانسي: فهو الحب الملتهب المتأجج، هذا الحب الذي يعني الغريزة الجنسية والوجدانية، عندما يعيش الإنسان غليانا في وجدانه وغليانا في ميله الجنسي نحو محبوبته حينئذ هو يعيش الحب الرومانسي، الحب الرومانسي في الطب النفسي ماذا يصحبه؟ يصحبه الأرق والقلق والوسواس الذي قد يوجب فقدانه للشهية وفقدانه للوزن، أن يغيب منه حماس الحياة لأنه يشعر ببرودة الطرف الآخر، ونحن نريد أن نقول كلمة هنا: قد يقول إنسان بما أنني أمتلك نزعة الحب وأمتلك غريزة الجنس من حقي أن أمارسها بأي شكل وبأي لون، وأي مشكلة أن أمارس الحب مع امرأة أخرى، مع فتاة أخرى ولو لم يكن بيني وبينها أي علاقة شرعية، وأي علاقة عقدية قانونية، أي مانع من حرية الإنسان أن يمارس الحب وأن يشبع غريزته بأي شكل وبأي لون، ما المشكلة في ذلك؟

الإسلام لا يمنع من عدة درجات: استحسان، إعجاب، اهتمام، كأن يكون بينك وبين فتاة أنت تستحسنها أنت معجب بها أنت مهتم بشؤونها وبحاجاتها وبقضاياها هذا لا يمنعه الإسلام، الحب الذي هو بمستوى الاستحسان، بمستوى الإعجاب، بمستوى الاهتمام بشؤون الآخر وبحاجات الآخر هذا ليس ممنوعا، الممنوع أن تصل المشاعر إلى لغة تثير الشهوة والريبة بين الطرفين، إذا وصلت المشاعر إلى هذه اللغة التي تحرك الغريزة بين الطرفين هنا الإسلام منعا لحدوث علاقات مفسدة يمنع من الحب الذي يصل إلى هذه الدرجة أو إلى هذا التعبير حفاظا على شخصية كل من الطرفين، لماذا الإسلام يخنق الحرية؟ لماذا الإسلام يقول أنت لست حر أن تشبع غريزتك كيفما كان وأن تشبع ميلك العاطفي كيفما كان؟

ذكرنا في محاضرة سابقة أن جميع الفلسفات الإنسانية الغربية لا ترى الحرية المطلقة، لا يوجد شيء اسمه حرية مطلقة، ليس الإنسان حرا أن يعتدي على الناس أو يسيء إليهم أو يؤذيهم، ممنوع في كل الفلسفات الغربية، ليس الإنسان حرا أن يقتل إنسانيته، ولذلك الإسلام من هذا المنطلق يقول يحرم على الإنسان الانتحار، لأن الانتحار قتل للإنسانية والنفس الإنسانية لها قيمة عظيمة، الإنسانية طاقة وليس لك قتل الطاقة حتى لو كانت هي نفسك، ليس للإنسان أن يدمن على الكحول بحيث يغيب وعيه، ليس حرا في ذلك لأن غياب الوعي يعني غياب الإنسانية قيمة الإنسانية بالوعي والالتفات ليس للإنسان أن يقتل إنسانيته ووعيه عن هذا الطريق، ليس للإنسان أن يشبع غريزته الجنسية بأي لون وبأي شكل، هذه تحوله إلى بهيمة حيوانية، الحيوان هو الذي يمارس غريزته الجنسية بأي شكل وبأي لون بدون حواجز وبدون قوانين وبدون دساتير، الإسلام يريد منك أن تتميز على الحيوان، يريد منك ما يليق بمقامك الإنساني، وما يليق بمقامك الإنساني أن تشبع الغريزة ضمن الحدود القانونية السماوية، ورد عن أمير المؤمنين علي : ”إن الله خلق الملائكة عقلا بلا شهوة وخلق البهائم شهوة بلا عقل وركب في الإنسان عقلا وشهوة فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائك ومن غلبت شهوته عقله فهو أدنى من البهائم“ إذن الإسلام يريد لك الكرامة ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ كرامة الإنسان أن يصون شهوته وغريزته بالحدود المشروعة.

المحور الثالث: معالم العلاقة الزوجية السعيدة.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وقال في آية أخرى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً لاحظ التعبير القرآني الدقيق يقول: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ بمعنى أن الزواج آية من آيات الله، الزواج ليس حركة لذة وليس مشروع لذة، الزواج آية من آيات الله مثل الشمس آية من آيات الله، لأن بيت الزوجية مظهر لتجسيد القيم الإنسانية، قيمة الحب، وقيمة التقدير، قيمة الاحترام المتبادل، لذلك يعد بيت الزوجية آية من آيات الله ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ ما معنى ﴿مِّنْ أَنفُسِكُمْ؟ بعض المفسرين يقول: أي إنسانة مثلك من بني الإنسان، وبعض المفسرين يقول: أي العلاقة العاطفية الوثيقة بين الزوج والزوجة كأن الزوجة نفس الزوج وكأن الزوج نفس الزوجة ﴿خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا الزواج يعطيك حالة من الاستقرار والهدوء والطمأنينة ﴿لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً من الطبيعي أن الزواج في أول سنة وثاني سنة يكون حب رومانسي وعلاقات معينة، ثم يتحول إلى حب رحيم، حب مبني على تبادل الاحترام والثقة والمشاعر الجياشة.

معالم الزواج السعيد:

المعلم الأول: العلاقة العاطفية.

زواج بدون حب محكوم عليه بالفشل، أن يكون هناك رغبة وميل على الأقل بينك وبين الفتاة، جاء شاب إلى الإمام الصادق قال: يا أبا عبدالله إني أردت أن أتزوج امرأة أهواها لكن والدي لا يريدان ذلك، قال: ”تزوج ما تهوى لا ما يهوى أبواك“ يعني أن العلاقة الزوجية بدون ميل نفسي بينك وبين المرأة لايمكن أن تبقى ولا يمكن أن تستقر، لابد أن تبتني على ميل نفسي بينك وبين هذه الفتاة، الميل النفسي أي العلاقة العاطفية بين الزوج والزوجة معلم دخيل وضروري لبناء الحياة الزوجية.

المعلم الثاني: الوعي.

بالخصوص في زمننا هذا لا يمكن أن تتزوج أي فتاة، لا يمكن أن تتزوج الفتاة أي إنسان لأن أبوها راض بهذا الإنسان، أو أنه رأى بأن عائلة فلانة من أفضل العائلات ويذهب ويتزوجها، لا بل يبتني الزواج الناجح على المعرفة التفصيلية، أن تعرفها تفصيلا وأن تعرفك تفصيلا، كيف تعرفك تفصيلا؟ يعني أن هناك ميزتان لابد من توفرهما:

  • الميزة الأولى: الوعي بالحياة الزوجية، فالزواج ليس مجرد ليلة الدخلة فقط، الزواج ليس علاقة متعة ولذة لا بل الزواج بناء للحياة، بناء للأجيال، الزواج تكوين مؤسسة لذلك يحتاج إلى وعي، تكون هذه الفتاة تعرف أن هذا وعي، يعي المسؤولية يعي ما معنى الأسرة، ما معنى بناء الحياة، أن يكون له وعي ببناء الحياة الزوجية، وكذلك المرأة، أن لا يأخذ طفلة بل يأخذ فتاة فاهمة وواعية تدرك ما معنى بناء الأسرة وما معنى بناء الحياة الزوجية.
     
  • الميزة الثانية: الدين، ورد عن الرسول محمد : ”إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه“ لديه وازع ديني لا يأكل الحرام ولا يسرق الأموال لا يذهب إلى الملاهي، عنده وازع ديني من الداخل لا يقيم علاقات غير مشروعة لأن عنده وازع ديني ”من ترضون خلقه ودينه إلا تفعلوا ذلك تكن فتنة في الأرض وفساد كبير“، وقال : ”خير نسائكم الودود الولود العفيفة العزيزة“ هذه التي تتمتع بالصفات التي تؤهلها لبناء الحياة الزوجية.

المعلم الثالث: الشراكة.

الآن يتزوجون ولكن كيف يعيشون الحياة الزوجية؟ يريدون أن يعيشوها كما عاشها آباؤنا قبل خمسين سنة، لا يمكن فالحياة قد تغيرت، ورد في الرواية: ”لا تقسروا أبناءكم على آدابكم فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم“ اختلفت الثقافة واختلفت الأنظار والاتجاهات، إذن حياة الزوجية حياة شراكة وتعاون، يأتي الرجل ويقول: أنا أريد زوجة تغسل وتطبخ، هل هي خادمة أم مكنسة للتنظيف أم هي غسالة ملابس؟ المرأة ليست هكذا، ليست خادمة، لا يجب على المرأة شرعا خدمة المنزل لكن من باب التعاون تقوم به المرأة، فالمرأة التي تحب زوجها هي بخلق التعاون ومن طبعها وكرمها تقوم بهذه الأمور لزوجها من طبخ وغسل وتنظيف بروح التعاون لا بروح الواجب، بعبارة أخرى الأسرة ليست مؤسسة وفيها موظفين وكل موظف عليه واجبات لابد أن يطبقها بحذافيرها، ليست الأسرة مؤسسة وظيفية بل الأسرة تعاون وشراكة، علاقة إنسانية عظيمة، كل بمبدأ التعاون يعين الآخر، الزوج يعين زوجته ما المشكلة أنك كزوج تغسل الأواني أو تكنس المنزل أو تنظف، وما المشكلة أن المرأة تعين زوجها في مشاريعه وأموره، الحياة الزوجية تعاون ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ تقاضى علي وفاطمة إلى رسول الله فقضى لفاطمة ما دون الباب وقضى لعلي ما وراء الباب فضمن علي لفاطمة أن يستقي ويحتطب ويكنس، وضمنت فاطمة لعلي الغسل والطحن بالرحى، أي أصبح مبدأ تعاون ما بين الطرفين علي وفاطمة وهما المثل الأعلى للحياة الزوجية السعيدة.

المعلم الرابع: توأم الروح لا توأم الدور.

جون غراي قبل ثلاثين سنة أو أكثر كتب كتاب «الرجل في المريخ والمرأة في الزهرة» وانتشر الكتاب وترجم خمسة وأربعين لغة في مئة دولة وأصلح كثير من العلاقات الزوجية ثم رأى جون غراي أن الثقافة تغيرت من ثلاثين سنة إلى الآن فكتب كتابا آخر «ما بعد المريخ والزهرة» يقول: كان الزوج توأم الدور وأصبح توأم الروح، ما هو الفرق بين توأم الدور وتوأم الروح؟ كان الزواج عبارة عن أدوار وتوزيع مسؤوليات بين أفراد الأسرة والآن تحول الزواج إلى توأم الروح، أي تحول الزواج في العصر الحاضر إلى علاقة نفسية حميمة، الزوج إذا لم يجد من زوجته العلاقة النفسية الحميمة والزوجة إذا لم تجد من زوجها العلاقة النفسية الحميمة يهرب كل منهما عن الآخر، والآن القانون مع الهارب ليس كما كان في السابق عادات وتقاليد تمنعها من الطلاق والفراق الآن لا يوجد هذا.

إذن تغيرت العلاقة من توأم الدور بمعنى توزيع المسؤوليات والأدوار إلى توأم الروح إلى العلاقة النفسية الحميمة، ما معنى توأم الروح؟ بعض العوائل مع الأسف تعيش طلاق عاطفي هما زوج وزوجة ولكن لا يوجد بينهما أي محبة يأكلون ويسافرون معا ولكن لا يوجد بينهم علاقة محبة وهذا ليس زواجا هذا مقبرة، الحياة الزوجية تحتاج إلى تجديد بين فترة وفترة وليس القصد منه الزواج الثاني بل إلى تجديد المشاعر مرة أخرى مرة بعد مرة، أي أن الزوج والزوجة كلاهما يفكران أن يقطع هذا المسار الروتيني الممل، الزواج ليس عبارة عن هذا المسار الروتيني المتكرر الممل يحاول الزوج والزوجة إحياء العلاقة العاطفية بينهم بالبسمات والقبلات والعلاقات المعينة بإعجاب كل منهما بالآخر هنا تتجدد الحياة الزوجية والعلاقة النفسية.

جاء رجل إلى رسول الله قال: يا رسول الله إن لي زوجة إذا أقبلت استقبلتني وإذا خرجت شيعتني وإذا رأتني مهموما قالت ما يهمك إن كنت تهتم لرزقك فقد كفله غيرك وهو الله وإن كنت تهتم لآخرتك فزادك الله هما، قال: ”بشرها بالجنة فإنها عامل من عمال الله“، ويقول الرسول : ”قول الرجل لزوجته أحبك لا يذهب من قلبها أبدا“ عندما يقولها بصدق وليس نفاقا بل يقولها بصدق وإعجاب ومشاعر فالمرأة أذكى من الرجل في العاطفة تفهم الرجل من قسمات وجهه ومن حركاته، المرأة ذكية في هذا المجال تعرف الصدق من الكلام ”قول الرجل لزوجته أحبك لا يذهب من قلبها أبدا“ إذا صدر عن مشاعر وعن عواطف صادقة، لذلك لابد من تأجيج العلاقة العاطفية بينهما بين فترة وأخرى.

المعلم الخامس: الحاجة إلى التقدير.

المرأة تحتاج إلى التقدير والرجل يحتاج إلى التقدير كل منهما يحتاج إلى التقدير حاجة طبيعية وفطرية وإلا تصبح الحياة حياة دمار وبؤس وقلق وكآبة، لابد من إشباع الحاجة إلى التقدير لكن تقدير المرأة يختلف عن تقدير الرجل، كيف؟

المرأة ترغب من الرجل أن يفهم مشاعرها وأن يصغي إلى حديثها وأن يشاركها في مشاريعها إذا كان لديها مشاريع يطلع عليها يؤيدها ويدعمها، والرجل يريد من المرأة أن تبدي ثقتها به لأنه رجل وإعجابها بشخصيته وبمواقفه وأفكاره وآرائه، إذن كل منهما يحتاج إلى التقدير لكن بأسلوب معين ينسجم مع طبيعته وخلقته الذكورية أو الأنثوية.

المعلم السادس: أن تكون الحياة الزوجية مبنية على الإيمان.

الأسرة المؤمنة تنتج الجيل المؤمن، الأسرة المتدينة تنتج الجيل المتدين، أن تكون الحياة الزوجية حياة إيمان، دخل الرسول محمد على علي وفاطمة بعد زواجهما فقال لعلي : كيف رأيت زوجتك؟ قال: خير معين على طاعة الله، وقال لفاطمة : كيف رأيت زوجك؟ قالت: خير زوج يا رسول الله. فترى عالم من الغرابة في عبادة علي وفاطمة تأتي إلى عبادتهما تستغرب كيف كانا يقضيان الأوقات في العبادة وهما زوجان، الإمام زين العابدين كان يقول لولده الباقر : ناولني صحيفة أعمال جدي أمير المؤمنين كي أقتدي به، فناوله الصحيفة والإمام زين العابدين يبكي يقول: من يقدر على عبادتك يا أمير المؤمنين، ولننظر إلى الإمام الحسن الزكي ماذا يتحدث عن فاطمة يقول: ”ما رأيت أعبد من أمي فاطمة كانت إذا قامت إلى محرابها لا تنفتل عن صلاتها حتى تتورم قدماها من طول الوقوف بين يدي ربها وما رأيتها دعت لنفسها قط وإنما تدعو للمؤمنين والمؤمنات أقول لها: أماه فاطمة لما لا تدعين لنفسك؟ تقول: بني حسن الجار ثم الدار“، فاطمة وهذا النسل المبارك الذي تخرج من علي وفاطمة لما رآهم ذلك الرجل الكوفي أحضروا السبايا إلى الكوفة قال: بأبي أنتم وأمي رجالكم خير الرجال وكهولكم خير الكهول وشبابكم خير الشباب ونساؤكم خير النساء ونسلكم خير نسل لا يخزي ولا يبزي.

هكذا كانوا شبابا كبارا صغارا صبية كانوا كلهم فداء وتضحية وكلهم شجاعة وبسالة تجلت يوم كربلاء بين يدي الحسين .

القيم الإنسانية والدين
شخصية الأبناء بين الوراثة والتربية الصالحة