نص الشريط
كيف نربي أبناءنا؟
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 10/2/1445 هـ
مرات العرض: 540
المدة: 00:55:09
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (41) حجم الملف: 18.9 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان: 74]

صدق الله العلي العظيم

انطلاقاً من الآية المباركة نتحدث حول التربية وأهميتها، وذلك من خلال محاور ثلاثة:

  • الفرق بين الرعاية والتعليم والتربية.
  • مراحل التربية.
  • القيم التربوية.
 المحور الأول: الفرق بين الرعاية والتعليم والتربية.

هناك عناوين ثلاثة لابد من التمييز بينها وهي: الرعاية، التعليم، والتربية.

العنوان الأول: الرعاية؛

وهي عبارة عن توفير وسائل العيش، توفير الغذاء، توفير اللباس، توفير السكن، وهذه يمكن أن تقوم بها دور الحضانة، وتقوم بها المربيات من خلال توفير سائر وسائل الحياة ووسائل المعيشة.

العنوان الثاني: التعليم؛

وهو عبارة عن نقل المعلومات من عقل إلى آخر، ومن إنسان إلى آخر، التعليم له طرق، غوستاف لوبون المؤرخ الفرنسي الذي درس الحضارات الشرقية كتب فيها يقول: من أعظم عوامل التخلف لدى العرب طريقة التعليم، طريقة التعليم عند العرب هي طريقة فاشلة وهي من أهم عوامل التخلف لديهم لأن طريقة التعليم عند العرب أو في الشرق عموماً هي طريقة التلقين، تلقين المعلومات كأنما المدرس والمعلم يعتبر الطالب أو التلميذ أمامه برميلاً يقوم بتعبئته بالمعلومات، طريقة التعبئة والتلقين هذه هي طريقة فاشلة لا تنتج علماء، والطريقة الصحية للتعليم هي التي تعتمد على نظرية الاقتران الشرطي أو تنادي الخواطر، طريقة الترميز من صورة إلى صورة أخرى، مثلاً عندما نريد أن نعلِّم أن وضع الكمام على الأنف يعني تجنب تأثر المناعة ببعض الأوبئة والأمراض، لا يحتاج أن نتحدث عن ذلك، فقط نبرز صورتين: صورة إنسان يلبس الكمام، وصورة للوباء والمرض. الربط بين هاتين الصورتين يعبر عنه بالاقتران الشرطي، يعبر عنه بطريقة الترميز وتنادي الخواطر، صورة ترمز لمعنى، وصورة أخرى ترمز لمعنى آخر، الربط بين الصورتين يرسخ المعلومة التي يراد توجيهها لهذا الطالب.

الطريقة الصحية للتعليم هي الطريقة المبتنية على إثارة الوسائل السمعية والبصرية، والربط بين الصور والترميز لها، هذه هي الطريقة المجدية في تحقيق التعليم، وليس مجرد تلقين للمعلومات.

ولذلك نرى فيلسوف آخر وهو بيكون يقول: العلماء ثلاثة: نملة، ودودة قز، ونحلة.

النملة وظيفتها جمع الطعام وتخزينه، ودودة القز دورها أن تنسج لنفسها ثوباً تتقوقع فيه إلى أن تموت، بينما النحلة دورها أن تجمع الأزهار من الحقول المختلفة وتعتصرها لتخرج منها عسلاً، والعلماء هكذا، هناك عالم مجرد جامع للمعلومات مثل النملة التي تجمع الطعام لتخزينه لا لشيء آخر، وهناك عالم متقوقع في علمه لا ينفتح على العلم الآخر، لا ينفتح على الحقول الأخرى، متقوقع في علمه وقامته الخاصة، وهناك عالم كالنحلة يجمع العلوم من عدة حقول ليبلورها ويخرج منها النتاج والنفع العام، فلا تكن كالنملة ولا كدودة القز بل كن كالنحلة التي تجمع رحيق الأزهار لتنتج منه عسلاً.

العنوان الثالث: التربية؛

وهي ليست رعاية أي توفير وسائل العيش، وليست تعليم أي نقل المعلومات من عقل إلى عقل، التربية هي إحياء الطاقات والقابليات، كل إنسان يولد وعنده طاقات، هناك طفل عنده طاقة الفن والرسم، وهناك طفل عنده طاقة الرياضة، وهناك طفل عنده طاقة الحركة.... وهكذا، التربية أن تستخرج طاقة الطفل وتحولها إلى واقع وسلوك، التربية إحياء الطاقات وإثارة القابليات لتنتج سلوكاً وواقعاً، فالتربية أعمق من الرعاية، وأعمق من التعليم، لأجل ذلك تناول العلماء مفهوم التربية ببحث موسع، مثلاً عندما نأتي إلى روسو العالم الفرنسي، أو كانت العالم الألماني تحت عنوان كيف تحيي طاقة طفلك، كيف تحيي قابلية طفلك، كيف تربيه بإحياء طاقاته وقابلياته يقولان: هناك فرق بين العادة وبين التربية، مثلاً إنسان يدخن، هذا التدخين عادة وليس تربية، إنسان معتاد إذا خرج من البيت أن يلبس جورب، هذه عادة وليست تربية، إنسان معتاد إذا تحدث بأن يتحدث بصوت عالٍ هذه عادة وليست تربية، العادة هي التفاعل لا عن وعي وتستقيم عليه، أنت تفاعلت مع المدخنين وأصبحت مدخن لا عن وعي ولا عن تفكير، بينما التربية تفاعل عن وعي وقناعة لذلك تختلف التربية عن العادة، تختلف التربية عن أي انفعال آخر، التفاعل عن وعي وقناعة وتدبر هو ما يسمى بالتربية، فإذن التربية هي إخراج هذه القابليات والطاقات إلى الواقع الملموس.

وهناك فيلسوف آخر وهو جون ديوي وهو فيلسوف أمريكي عاش في القرن التاسع عشر والقرن العشرين تحدث عن التربية، وقد كتب فؤاد إبراهيم الأهواني المصري كتاب حول فلسفة جون ديوي، وذكر من جملة كلماته وفلسفته قال: من كلمات ديوي حول التربية أنه قال التربية لها جانبان: جانب نفسي، وجانب اجتماعي.

أما الجانب النفسي فالتربية يعلمك الطفل كيف تربيه، كل طفل له صفة معينة يولد مع تلك الصفة وهو بصفته يعلم أبويه كيف يربيانه، طفل منعزل، طفل منفتح، طفل متحرك، طفل هادئ، طفل متكلم، طفل صامت، الطفل يولد ومعه صفة وبهذه الصفة يعلم أبويه كيف يتعاملان معه وكيف يربيانه، الجانب النفسي من الطفل هو الذي يرشد الأبوين إلى كيفية تعليمه وكيفية تربيته.

أما في الجانب الاجتماعي فإن الطفل يحتاج إلى أن يُقحم في مجتمع، لا تترك طفلك منعزلاً ومنطوياً على نفسه، عندما تدخله المدرسة فهذا مجتمع، عندما تدخله وسط أصدقاء معينين هذا مجتمع، إقحام الطفل في مجتمع من المجتمعات يكتسب الطفل من خلاله كيفية الاستجابة للآخرين وكيفية استجابة الآخرين له، وتعلم الطفل كيفية الاستجابة هو الذي يعني استثمار وإحياء طاقاته وقابلياته.

إذن في هذا المحور بينا الفرق بين الرعاية وبين التعليم وبين التربية التي أشارت إليه الآية المباركة: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان: 74]

وإنما يكون الطفل قرة عين إذا خضع للتربية الهادفة الواعية، وليس فقط الطفل يحتاج إلى تربية حتى الكبير يحتاج إلى تربية، كل إنسان يحتاج إلى تربية، كلما مضى بك العمر احتجت لتربية أكبر وأعظم، الحياة تجربة، الحياة تكامل، الحياة تربيك بين فترة وأخرى، تعطيك علوماً، تعطيك نتائج، تعطيك خبرات.

إذن كما الطفل يحتاج إلى التربية أيضاً الكبير يحتاج إلى التربية إلى أن يكون للمتقين إماماً ويصبح قدوة لغيره، ما دام هو في إطار التربية واكتساب الصلاح والتكامل، فإنه سيصل إلى مستوى يكون فيه للمتقين إماماً.

 المحور الثاني: مراحل التربية.

الفيلسوف جون بياجيه يقسّم مراحل النمو المعرفي للطفل، يقول: الطفل يمر بأربعة أنواع من التفكير: التفكير الحركي، التفكير الرمزي، التفكير الغيري، والتفكير التأملي.

التفكير الحركي: ثلاث سنوات الأولى من عمر الطفل يعيش التفكير الحركي، يتعلم كيف يحبو، كيف يقف، كيف يتكلم، كيف يرفع يديه... هذا يسمى تفكير حركي.

وبمجرد أن يكمل ثلاث سنوات إلى ثمان سنوات يدخل في مرحلة التفكير الرمزي، قبل أربع سنوات لا يستطيع الطفل استخدام الرموز، يستخدمها إذا أكمل ثلاث سنوات فيبدأ في فهم الرموز، هذه الإشارة تعني قف، هذه الإشارة تعني أن يقوم، وهكذا يفهم لغة الإشارة والترميز إلى معلومات أبعد، يدخل ضمن مرحلة التفكير الرمزي، ولذلك تتسع لغته في هذه المرحلة وهذا العمر من خلال التفكير الرمزي.

الطفل من السنة السابعة إلى السنة الثانية عشر يدخل مرحلة التفكير الغيري، يبدأ في جذب المجتمع له، ترى الطفل يتصرف تصرفات يريد أن يجلب الانتباه إليه، يريد أن يفهمه الناس، يريد أن يرتبط به الناس بوتيرة معينة وطريقة معينة، هذا يعني أنه دخل في التفكير الغيري، يفكر في غيره كيف يجذبه إليه وكيف يلفت الأنظار إليه.

وإذا وصل السن الثانية عشر دخل في التفكير التأملي، بدأ عقله يحلل ويبلور الأفكار، يعني العقل الرياضي كما يعبَّر عنه، العقل الرياضي هو العقل الذي يحل المعادلات ويتأمل، العقل الرياضي يبدأ مع الإنسان من سن الثانية عشر وحتى إلى ما لا نهاية.

وهذه المراحل الفكرية والمراحل العمرية أيضاً هي مراحل دخيلة في التربية، ورد عن الرسول محمد : لاعب ابنك سبعاً، وأدبه سبعاً، وصاحبه سبعاً ثم اترك الحبل له على الغارب.

التربية لها مراحل:

 المرحلة الأولى: مرحلة اللعب، الطفل إلى عمر سبع سنوات ذهنه ذهن اللعب حتى لو درس، وحتى لو فكر ما زال بذهن منعطف ومنحاز نحو اللعب، ولكن لا تترك الطفل فقط يلعب بل لاعبه، أي على الأبوين أن يتفرغا للعب مع الطفل، العب مع طفلك، ابسط واجلس معه والعب حتى تصنع علاقة حميمية بينك وبينه، حتى يشعر بعواطفك ومشاعرك، «لاعب ابنك سبعاً».

 المرحلة الثانية: ثم تأتي السبع سنوات الثانية، وهي مرحلة خطيرة جداً وهي أخطر المراحل في حياة الطفل وهي مرحلة الأدب «وأدبه سبعاً» هذه المرحلة إذا لم تعتنِ بها قد يخسر الطفل مستقبله وحياته المستقبلية، هي مرحلة حساسة من السابعة إلى الرابعة عشر، حاول أن تؤدبه، يقول الإمام علي لابنه الحسن: إنما قلب الحدث كالأرض الخالية كلما ألقي فيها شيء قبلته فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك وينشغل لبك.

مرحلة الأدب مرحلة مهمة، علمه آداب التعليم، علمه آداب احترام الناس، علمه آداب الطعام، علمه كيف ينظم وقته، كيف يستثمر أوقاته وجهود.

 المرحلة الثالثة: «وصاحبه سبعاً» بمجرد أن يصبح ابنك أو ابنتك في الثالثة عشر يكون قد دخل مرحلة المراهقة، المرحلة الخطرة، المرحلة التي يكون فيها الإنسان مشبوب العواطف، يعيش مشاعر تغلي، يعيش عواطف متأججة، يعيش غرائز متوهجة، مرحلة المراهقة هي نار تحت الرماد، يثيرها كل شيء، ويهيجها كل شيء، هذه المرحلة تعامل مع ابنك فيها بالصداقة، كن صديق ولدك، تحول من أب إلى صديق، تحولي أيتها الأم إلى صديقة لابنتك، تحول من دور إلى دور، عندما تكون أب يعني هناك فجوات وحواجز بينك وبين ولدك، وولدك لن يكون منفتح عليك لأنك جعلت بينك وبينه حواجز، أما إذا انفتحت عليه وصرت صديقاً له تستقبل أفكاره، وتسمع همومه، وتصغي إلى مشاكله، وتحاول أن تساعده، وتحاول أن تفهمه وتحاوره، عندما تكون صديقاً لولدك حينئذ سيرتبط معك إلى النهاية، أما عندما تجعل حواجز بينك وبينه ستخسره يوماً من الأيام، وسيبتعد عنك «وصاحبه سبعاً ثم اترك الحبل له على الغارب»

 المحور الثالث: القيم التربوية.

يقول الفيلسوف الصيني هونغ: التربية تعتمد على أربعة أبعاد: البعد العقلي، البعد الاجتماعي، البعد الجمالي، والبعد الروحي.

البعد الأول: البعد العقلي.

أن تعلم ابنك كيف يفكر، كيف يحلل الأشياء، كيف يستطيع أن يصل إلى الفكرة الصائبة، علمه كيف يعمل فكره، علمه كيف يحرك ذهنه، اطرح عليه مسائل رياضية أو ثقافية أو غيرها، اطرح عليه قضايا إثارات، حرك عقله حتى تعلمه كيف يفكر، كيف يعمل فكره، كيف يحرك ذهنه ويشحذه.

البعد الثاني: البعد الاجتماعي.

كيف يكون ابنك صديقاً للآخرين، كيف يكوّن صداقات، بعض الأبناء لا يعرف كيف يكوّن صداقات، وإذا كوّن صداقة تكون صداقة فاشلة مستهترة تافهة، علّم ابنك كيف يكوّن صداقة ناجحة، كيف يختار الصديق الصالح.

البعد الثالث: البعد الجمالي.

الإنسان يحتاج إلى الفن، هناك بعض الأطفال عندهم فن الرسم، وبعضهم فن التصوير، أو فن الخطابة، فن الإلقاء، هناك بعض الأطفال عندهم فن التقنية.... إلخ، بالنتيجة البعد الجمالي يعني أن تثير في طفلك موهبة الفن، بأن يختار نوع من الفن وخصلة من خصاله يتعلمها حتى يتقنها.

البعد الرابع: البعد الروحي.

علمه كيف يستثير الفضائل والقيم في نفسه، كيف يكون صادقاً أميناً، إنساناً محترماً للآخرين، ورد عن الإمام الصادق : إن الرجل منكم إذا صدق في حديثه وورع في دينه وأدى الأمانة وحسن خلقه مع الناس قيل هذا جعفري، وقيل هذا أدب جعفر فيسرني ذلك، وإذا كان على خلاف ذلك قيل فعل الله بجعفر ما فعل، ما كان أسوأ ما يؤدب به أصحابه.

الجعفري إنسان مؤدب مهذب في ألفاظه ولغته، واع في فكره، الجعفري هو الذي يتعامل مع الناس بحسن الخلق، إذن البعد الروحي يكون في تربية الطفل على الفضائل والقيم وهو بعد أساسي في التربية.

المنهج الديني في التربية المثلى الصالحة.

هناك مهارات وهناك قيم، وفرق بين المهارات والقيم، التربية تارة تعني تعليم المهارات، وتارة تعني إحياء القيم في نفس الطفل، ومن هذه المهارات:

1. المهارة الأولى: استثمر وقته، علمه كيف يقسم أوقاته بحيث ينتفع بها، ورد عن الإمام علي : كل يوم يمر على ابن آدم يخاطبه أنا يوم جديد وأنا عليك شهيد فقل في خيراً، واعمل في خيراً، أشهد لك بذلك يوم القيامة. علموا أبناؤكم على استثمار الأوقات وتقسيم أوقاتهم حتى لا تضيع أوقاتهم هباء في مشاهدة المسلسلات وفي الجلسات الفارغة وفي الرحلات التافهة، علمه كيف يستثمر وقته بحيث يبني شخصيته من خلال استثمار الوقت، هذه مهارة لابد من تعليمها.

2. المهارة الثانية: علم طفلك كيف يتأمل في الأفكار ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ «17» الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ «18» [الزمر: 17 - 18]

يقول الإمام أمير المؤمنين علي : اعقلوا الخبر عقل رعاية لا عقل رواية.

إذا سمعت كلاماً من أي متحدث لا تأخذه أخذ المسلمات، عندك عقل حرك عقلك، ادرس هذه الكلمات تأمل فيها، علم طفلك وخذه واجلس معه علمه كيف يحرك عقله، عقل التأمل والتدبر.

3. المهارة الثالثة: نظم الأمور، الإمام أمير المؤمنين علي كما نقل عنه ابنه الإمام الحسن في آخر وصاياه قبل أن تعرج روحه إلى بارئها: الله الله في الصلاة فإنها عمود دينكم، الله الله في نظم أموركم..

تعلموا النظام، تعلموا كيف تتقنون النظام، علم طفلك كيف يكون منظماً في حياته، منظماً في لباسه، منظماً في تعامله مع الآخرين، روح النظم مهارة مهمة في بناء شخصية الطفل.

وهناك قيم إنسانية ودينية لابد من التربية والحرص عليها، وهذه القيم هي:

1. القيمة الأولى: صوت القرآن، القرآن له أثر غريب على النفس، نبرة القرآن نبرة سحرية تنفذ إلى القلب، تنفذ إلى نفس الإنسان ويبقى أثرها حتى مع الكبر، الطفل الذي تعلم على صوت القرآن من صغره يبقى هذا الجرس حتى بعد كبره، صوت القرآن صوت مؤثر، يقول القرآن الكريم: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الحشر: 21] الحجر يتأثر بالقرآن فكيف بهذا القلب الحساس للإنسان حتى لا يتفاعل مع صوت القرآن!

يقول القرآن الكريم: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل: 4] ويقول الإمام علي عندما يصف المتقين: يرتلون القرآن ترتيلا، يحزنون به أنفسهم، ويستثيرون به دواء دائهم. أي يقرأ القرآن بصوت حزين شجي، هذا الصوت يثير في قلبه الالتفات إلى الأدواء والأمراض ويقوده إلى البحث عن الدواء والعلاج.

هذا الصوت القرآني لابد من تربية الأسرة عليه، تجعل صوت القرآن دائماً في البيت حتى يتربى الطفل وهو يسمع القرآن، ورد عن الرسول محمد إن البيت الذي يُقرأ فيه القرآن تحضره الملائكة وتهجره الشياطين ويضيء لأهل السماء كما يضيء الكوكب الدري لأهل الأرض، وإن البيت الذي يعزف فيه القيان تهجره الملائكة وتحضره الشياطين.

يصبح ذلك البيت مثار للشهوات، مثار للغرائز الشيطانية.

2. القيمة الثانية: الصلاة، وقد جمعت الصلاة كل العبادات، جمعت ما في الصوم وما في الزكاة وما في غيرها «الصلاة عماد دينكم إن قبلت قبل ما سواها، وإن ردت رد ما سواها» ورد عن الإمام الصادق : «إنا لنأمر صبياننا بالصلاة لخمس فمروا صبيانكم بالصلاة لسبع»

اؤمر ابنك بالصلاة، راقبه وتابعه حتى يتعلمها، لابد أن يعقل الصلاة، لأن الصلاة لها أثر كبير على شخصية الإنسان إذا تعلمها في صغره، كثير من مراجعنا إذا دخلت بيوتهم ترى ظاهرة ليست موجودة كل بيت فيه تجد فيها محراب؛ وهو رمز إلى أن البيت بيت صلاة، بيت عبادة، ولذلك بمجرد أن يدخل وقت الصلاة تجد هذا الإنسان يدخل ويتقدم إلى المحراب ليعلم الأسرة كلها أن هذا مكان الصلاة وهذا وقت الصلاة ونحن حريصون على الصلاة وبيتنا بيت الصلاة.

الصلاة يحتاج إلى أن يتذوق الأطفال طعمها، فللصلاة طعم روحي ليست لعبادة أخرى، لذلك قال الإمام: هالله هالله في الصلاة فإنها عماد دينكم. تربية الأسرة على الصلاة هي التي ورد في القرآن التوصية بها ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ [يونس: 87] ونجعل بيوتنا قبلة إذا عمرنا البيت بصوت الصلاة، إذا عمرنا المنزل بالصلاة، إذا عمرنا المنزل بالنافلة، واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة.

3. القيمة الثالثة: قيمة الكرامة، علم طفلك على أن يكون له كرامة، على أن يكون له عزة، على أن يكون له غيرة، ورد عن الإمام أمير المؤمنين علي : قدر الرجل على قدر همته، وشجاعته على قدر أنفته، وعفته على قدر غيرته.

تعرف عفة الرجل من غيرته على عرضه، على حجاب بناته، على حجاب زوجته، الغيرة هي طريق العفة، علم ابنك على أن للعرض مهمة، وعلى أن قيمة الإنسان بغيرته وبعفته فهي ميزة مثلى من مثل الرجولة، ومن مثل الإنسان السوي.

4. القيمة الرابعة: قيمة العزة، قال تبارك وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: 8] كيف يكون الإنسان عزيزاً بدينه، كيف يكون معتزاً ومفتخراً بدينه، اليوم تسمع كثير من الآباء يشكون من أن أبنائهم يستقبلون ثقافات شاذة ويتأثرون بأفكار شاذة، ويحصل لهم ميول ويحصل لهم اتجاهات شاذة، كيف نصونهم، كيف نحيطهم، كيف نضمن سلامتهم من هذه الأفكار وهذه الاتجاهات، الضمان والرصيد والإحاطة بهذا الولد كي لا يتأثر هو بأن تتحدث معه حديث العزة، ورد عن الإمام الصادق : بادروا أبناءكم بالحديث لا تسبقكم المرجئة.

في زمان الإمام الصادق كان هناك عدة تيارات كتيار المرجئة، وتيار المفوضة، وتيار الغلاة...، وكان الإمام الصادق يقول قبل أن يتلوث أبناءكم تحدثوا معهم وبادروهم بالحديث حتى لا تسبقكم المرجئة، قبل أن تتلوث أفكارهم قبل أن يسمعوا، بادروا أنتم بالحديث أفهموهم الفكر الصحيح، لقنوهم الوعي الكامل حتى لا يتأثروا بالأفكار الأخرى.

أنت أيضاً ابدأ الحديث مع طفلك، طفلك أسير أمام السوشال ميديا، أمام الإغراءات، أمام الألوان من الأفكار والاتجاهات الشاذة، بادر ولدك بالحديث قبل أي شيء، اجلس معه، تحدث معه، أفرغ عليه الوعي، أعطه الثقافة الواعية السليمة كي تكون رصيداً أمام الاتجاهات المتلونة والمختلفة، اجعله يعتز بدينه ويفتخر بثقافة دينه، أن له دين وله ثقافة يفتخر بها ويعتز بها ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: 8] يقول الإمام أمير المؤمنين علي : المؤمن عزيز... أي أن الإيمان يقود إلى العزة، كلما كان الإنسان مؤمناً كان شديد العزة لا يقبل الذل.

وورد عن الرسول محمد : إن الله فوض إلى المؤمن كل شيء ولم يفوض إليه أن يذل نفسه.

لابد أن يكون المؤمن عزيزاً لا يقبل الذل ولا يقبل الانصياع إلا إلى الدين، إلا إلى الله تبارك وتعالى، علمه كيف يكون عزيزاً بدينه، فهذه العزة هي التي تجلت في الرسول وفي أمير المؤمنين وفي الحسن والحسين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

كيف أكون حكيمًا؟
في ظلال الرحمة الرضوية