نص الشريط
أهل البيت والأسماء الحسنى
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 18/1/1418 هـ
مرات العرض: 2418
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (2203)
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

صدق الله العلي العظيم

هذه الآيات تتحدث عن نوع من المحاورة بين الله وبين الملائكة، ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ باعتبار أن الأرض عاش فيها كثير من المخلوقات قبل وجود آدم، وكانوا يفسدون ويسفكون الدماء، فقالت الملائكة: إن الخليفة لا يصلح أن يكون إنسانًا أو جانًا؛ لأنه يسفك الدماء ويفسد في الأرض، فالملائكة أولى بذلك، ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا أي أن الله «تبارك وتعالى» أراد أن يثبت للملائكة بالبرهان أولى بالخلافة في الأرض من الملائكة، ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ، آدم عرفها، فهل أنتم تعرفونها؟! ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أي: إن كنتم صادقين في دعواكم أنكم أولى بالخلافة من آدم، ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، فهنا أقام الله البرهان وأثبت لهم أن آدم أفضل منهم، ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ وأقام الحجة عليهم قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ.

حديثنا في ثلاث نقاط:

  • في بيان المقصود بالأسماء.
  • في الربط بين الأسماء في هذه الآية والأسماء الحسنى في الآيات الأخرى.
  • في بيان ما ذكره الشرع الشريف حول الاسم.
النقطة الأولى: بيان المقصود بالأسماء.

ما هو المقصود بهذه الأسماء التي عرفها آدم ولم يعرفها الملائكة؟ هنا تفسيران:

التفسير الأول: أسماء الأشياء.

هذا التفسير مذكور في رواياتنا ووارد عن الإمام الباقر، وهو أن المقصود بالأسماء أسماء الأشياء، أي: أسماء الأودية والجبال والإنس والجان، أي أن المراد بالأسماء اللغات التي ألهم الله الإنسان بها على وجه الأرض. الإنسان لما وجد على وجه الأرض احتاج إلى لغة يتفاهم بها مع أبناء نوعه وجنسه، وكل مجتمع نتيجة الحاجة ألهم لغة معينة يتفاهم بها ويتحدث بها، فالأسماء هي اللغات التي تعرّف كل شيء، وهذه اللغات عُرِّف آدم بها ولم يعرَّف الملائكة بها، فقوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا أي: عرّفه اللغات وعلّمه أسماء كل شيء بحسب اختلاف اللغات والألسنة، ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ أي: قال لهم: هل تعرفون هذه اللغات التي عرفها آدم؟ ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا. هذا هو التفسير الأول، ولعل هذا التفسير يرتضيه كثير من إخواننا أهل السنة.

التفسير الآخر: الأسماء هي أهل البيت.

المراد بالأسماء التي عُلِّم آدم إياها هم أهل البيت لا أسماؤهم، فالمقصود بالأسماء نفس محمد وآل بيته، ونحن نرجّح هذا التفسير؛ لوجهين:

الوجه الأول: أننا نلاحظ أن ظاهر الآيات أن هؤلاء كانوا موجودين، أي أن ظاهر الآية القرآنية أن الذين عرفهم آدم كانوا موجودين، لا أنهم كانوا غائبين، حيث قالت الآية: ﴿عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ أي أن هناك أشخاصًا موجودين قال لهم: أنبئوني بأسمائهم، ولو كان المقصود اللغات فلا معنى لقول: أنبئوني بأسماء هؤلاء! لو كان المقصود أسماء كل شيء - كاسم الجبل والنهر والشمس والقمر والإنسان والحيوان - فإن هذه الأشياء ما كانت مخلوقة آنذاك ليقول للملائكة: نبئوني ما اسم هذا وما اسم ذاك؟ ليقولوا له: هذا جبل وتلك شجرة! ظاهر الآيات أن الذين عرضهم على الملائكة أشخاص كانوا موجودين حين خلق آدم، فلذلك أشار إليهم وقال: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ، بينما اللغات ما كانت موجودة حين خلق آدم حتى يقول الله للملائكة: أنبئوني بأسماء اللغات. هذا من ناحية.

من ناحية أخرى: التعبير بهؤلاء لا يعبّر عن غير العقلاء، فلا يقال: هؤلاء الحجارة، بل يقال: هذه الحجارة، ولا يقال: هؤلاء البلدان، بل يقال: هذه البلدان، فهؤلاء إنما يعبّر بها عن العقلاء، ولذلك عندما تقول الآية: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ فمعنى ذلك أن هناك أشخاصًا عقلاء كانوا موجودين في زمن آدم، وقد قال الله تبارك وتعالى للملائكة: أنبئوني بأسماء هؤلاء العقلاء، ولو كان المقصود اللغات لما صح التعبير عنها بهؤلاء؛ لأن اللغات ليست من العقلاء.

إذن فالتعبير القرآني دقيق، فإن ظاهر الآية أن المعرَّف كان موجودًا في زمن آدم، بينما اللغات لم تكن موجودة، كما أن كلمة هؤلاء إنما تطلق على العقلاء، فلا بد أن يكون المقصود بالآية أشخاص عقلاء أراد الله من الملائكة معرفة أسمائهم وعناوينهم وكيفية الوصول إليهم، وهذا إنما ينطبق على التفسير الآخر الذي ذكره الإمام الصادق في رواية معتبرة: ماذا يقول القوم في هذه الآية: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا؟ قال له أبو بصير: اسم الشجر والحجر، قال: ”إنما أراد الله أسماء حججه، فعرّفهم آدم، ثم أراد من الملائكة معرفتهم“.

إذن فالآية بالقرينة التي ذكرناها لا تنطبق إلا أهل البيت، باعتبار ما ورد من أنهم كانوا مخلوقين أنوارًا قبل خلق آدم. هذه الأنوار لما خلقها الله عرّف آدم بها، ثم قال للملائكة: أنبئوني بأسماء هؤلاء الأنوار إن كنتم صادقين، ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ.

الوجه الثاني: أن معرفة هذه الأسماء كانت فضيلة لآدم، أي أن القرآن في مقام تفضيل آدم على الملائكة، فما هو سبب التفضيل؟ القرآن يقول بأن آدم أولى بالخلافة من الملائكة؛ لأنه عرف الأسماء ولم يعرفها الملائكة، فإذا كان المراد بالأسماء اللغات لما كانت معرفة الأسماء فضيلة، بينما ظاهر الآية أن معرفة الأسماء كانت فضيلة لآدم جعلته يمتاز على الملائكة، وجعلته أولى بالخلافة من الملائكة، ولو كان المراد بالأسماء اللغات لكان بإمكان الملائكة أن يتعلموها.

مثال: لو كان عندك ولدان، فعلّمت أحدهما اللغة الإنجليزية ولم تعلّم الثاني، ثم قلتَ بأن الولد الذي علّمته اللغة أفضل من الثاني، لكان كلامه خاطئًا؛ إذ كما أن الأول عرف اللغة بالتعليم، كذلك يمكن أن يعرف الثاني اللغة بالتعليم، فأي فضيلة للأول على الثاني؟! ظاهر الآية أن معرفة الأسماء فضيلة لآدم تميّز بها على الملائكة، وصار أولى بالخلافة على الأرض من الملائكة، فما هي هذه الأشياء التي تعرف عليها آدم دون الملائكة؟

لا بد أن تكون هذه الأشياء من سنخ آدم، ولذلك استطاع آدم معرفتها، بينما لم يستطع الملائكة معرفتها؛ لأنها ليست من سنخهم. ولذلك التعبير القرآني دقيق، حيث عبّر عن آدم بالعلم، بينما عبّر عن الملائكة بالإنباء، حيث قال: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ ولم يقل: وأنبأ آدم، أي أن آدم عرف الأسماء ووصل إليها وصولاً حقيقيًا، بينما الملائكة: ﴿قَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ ولم يقل: يا آدم علّمهم، فعندما تحدث عن آدم عبّر بالعلم، وعندما تحدّث عن الملائكة عبّر بالإنباء، والسر في اختلاف التعبير أن آدم استطاع أن يعرفهم؛ لأنهم من سنخه، بينما الملائكة ما استطاعوا أن يعرفوهم معرفة حقيقية؛ لأنهم ليسوا من سنخهم، ولذلك فُضِّل آدم على الملائكة في هذه الناحية.

ومن الواضح أن هذا التفسير لا يُحْمَل إلا على محمد وآل محمد ، فإن آدم لما كان من سنخ هذه الأنوار - حيث كان نبيًا معصومًا طاهرًا - ومتناجسًا معها، استطاع أن يعرفهم معرفةً حقيقيةً، ولذلك قالت الآية: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا، بينما الملائكة ليسوا من سنخهم، ولذلك قالت الآية: ﴿أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ، أي أن هؤلاء يعرفون الظواهر والعناوين، ولكنهم لا يعرفونهم معرفة حقيقية.

وكلما تأمّل الإنسان في الآية - كما يقول السيد صاحب الميزان «أعلى الله مقامه» - يجد انطباقها على محمد وآل محمد، وهذا ما تؤكّده الأحاديث، فإن الروايات الصحيحة الواردة عن الإمام الصادق تقول بأن الأسماء التي تعلّمها آدم هي أسماء حججه، وكذلك الأخبار الأخرى: من قبيل ما رواه الحاكم في الجزء الثالث من مستدركه عن عمر بن الخطاب: أن آدم دعا ربه، قال: ”اللهم بحق محمد حبيبك اغفر لي، قال الله: من أين عرفته؟ قال: لأنك لما خلقتني وسوّيتني ونفخت فيَّ الروح رفعتُ رأسي فرأيتُ على العرش مكتوبًا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فعرفت أنه أحب الأسماء إليك، فدعوتُك به“ أي أن اسم الرسول كان موجودًا وكان مكتوبًا بمداد النور على ساق العرش، وقد رأى آدم ذلك فعرف النبي وتوسّل به. وهذا ما تؤكّده الروايات، كما في زيارة الجامعة: ”خلقكم الله أنوارًا فجعلكم بعرشه محدقين“، فكانوا أنوارًا يسبّحون ويهلّلون حول العرش.

النقطة الثانية: علاقة أسماء آدم بالأسماء الحسنى.

هناك بعض المفسّرين ربط بين هذه الآية - ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا - وبين قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا، فقال بأن المراد بالأسماء التي علّمها آدم هي الأسماء الحسنى في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا، وهذا الربط يتوقف على بيان معنى الأسماء الحسنى.

المعنى الأول: أسماء الله «تبارك وتعالى».

علماؤنا يقولون: بعض الأسماء وإن كانت فيها ممدحة إلا أنها تشتمل على جهة النقص، بينما بعض الأسماء خالصة في الحسن ليس فيها أي نقص وأي شائبة، فمثلاً: العفيف اسم حسن، لكن فيه شائبة نقص، لأن فلان إذا كان عفيفًا فهو يملك غريزة ويملك شهوة، لكنه يحارب شهوته، ولذلك سمّي عفيفًا، فكلمة العفيف تستبطن الإشارة إلى جهة نقص، إذ لو لم يكن لدى فلان شهوة لما كان لوصفه بالعفة معنى، وعلى هذا فكلمة عفيف وإن كانت اسمًا حسنًا، إلا أنها تشتمل على جهة نقص.

كذلك كلمة شجاع مثلاً، فإن الإنسان الشجاع يشتمل على جسم؛ لأن مظهر الشجاعة إنما يتحقق بإقدام الجسم في المخاطر والمهالك، فكلمة الشجاع مع أنها صفة مدح، إلا أنها تشتمل على جهة نقص، وهي وجود جسم يتقدم به هذا الشخص في المهالك، ولذلك لا يصح أن يقال: الله شجاع؛ لأن كلمة الشجاع تعني وجود جسم يقدم به الشجاع على المخاطر والمزالق والمهالك، وكذلك لا يصح أن يقال: الله عفيف؛ لأن كلمة عفيف وإن كانت صفة حسنة، إلا أنها تستبطن وجود شهوة وغريزة، والله ليس له شهوة ولا غريزة.

إذن هناك أسماء كثيرة جيدة ولكنها تشتمل على جهة نقص، ولذلك لا يصح إطلاقها على الله «تبارك وتعالى»، وإنما الأسماء التي يصح إطلاقها عليه هي الأسماء الخالصة في الحسن التي لا تشير إلى أي نوع من النقص والذم، كالعليم والقادر والحي والحكيم مثلاً، فإن هذه الأسماء لا تشتمل على أي جهة نقص، فهي خالصة في الحسن، فتطلق على الله «تبارك وتعالى»، وأما كلمة عفيف وشجاع وإن كانت جيدة إلا أنها تشتمل على جهة نقص، فلا يصح إطلاقها على الله، وهذا معنى قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى أي: الأسماء الخالصة في الحسن التي لا تشتمل على نوع من النقص أو نوع من الذم أو نوع من الإشارة إلى حد أو قيد أو جسم أو غريزة أو شهوة أو ما شابه ذلك.

الكثير من الناس - كما ذكرنا في الليالي السابقة - يقولون: نحن ندعو الله بأسمائه، فنقول: يا الله يا رحمن رحيم يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك.. فنحن ندعو بأسمائه «تبارك وتعالى»! ليس هذا هو المقصود في قوله: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا، بل المقصود هو الاتصال بالمعنى للاسم، وهذا معنى دقيق يحتاج شرحًا.

نحن نقرأ في الروايات الواردة عن أهل البيت أن لله الاسم الأعظم، وأن قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أقرب إلى الاسم الأعظم من سواد العين إلى بياضها، فما هو الاسم الأعظم؟ هل الاسم الأعظم حروف وكلمات؟! في الروايات أن آصف بن برخيا بحرف من حروف اسم الله الأعظم نقل عرش بلقيس من اليمن إلى فلسطين، فهل الاسم الأعظم لفظ مكوّن من حروف تقال؟!

لا، الاسم الأعظم حقيقة، وهذه الحقيقة إذا اتصل الإنسان بها وصل إلى الاسم الأعظم، واستطاع به أن ينقل عرش بلقيس من اليمن إلى القدس، واستطاع به أن يطوي الأرض طيًا، وأن يخرج من المدينة إلى المدائن ليجّهز سلمان ثم يرجع إلى المدينة. الاسم الأعظم حقيقة من الحقائق التي يتصل بها الإنسان، وليس الاسم الأعظم لفظًا! وكذلك حال أسماء الله «تبارك وتعالى»، فليس المقصود ب﴿فَادْعُوهُ بِهَا قول: يا الله يا رحمن! بل المقصود الاتصال بحقائق الأسماء.

هذه الأسماء - الله، عليم، قدير، حكيم - تعبّر عن حقائق، وهذه الحقائق إذا اتصل الإنسان بها ووصل إليها ودعا بها وصل إلى مراده ومطلوبه. يقول القرآن الكريم: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ، وقد يقرأ الكثير من الناس هذه الآية ولا يلتفتون إلى لفظها جيدًا، حيث قالت الآية: دعوة الداعي، ولكن لماذا قالت: إذا دعان؟! من الطبيعي ألا يكون الإنسان داعيًا إلا دعا ربه! فلِم لَم يقل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ وانتهى الأمر؟! لا حاجة لقول: إذا دعان، فلماذا أتى بهذه الكلمة؟!

يريد أن يقول: ليس كل إنسان يدعوني فهو يدعوني فعلاً، إذ أن الكثير من الناس يظنون أنهم يدعوني ولكنهم في الواقع لا يدعوني وإنما يدعون غيري، وأنا إنما أجيب الدعوة إذا دعاني فعلاً، وأما إذا لم يدعني فإنني لا أجيب دعوته. الكثير من الناس يمد يده إلى السماء، ويدعو ربه، ويصلي، ولكنه لا يدعو ربه في الواقع، لأنه لم يتصل بالحقيقة.

مثلاً: لو كان الإنسان مريضًا، فدعا ربه: يا رب شافني وعافني، فتارة يدعو هذا الإنسان اللهَ وفي ذهنه أن الطبيب قادر على شفائي وعلاجي، فأنا أدعو الله تبركًا وتيمنًا! وتارة يثق الإنسان أنه لا يقدر أحدٌ على شفائه إلا الله «تبارك وتعالى»، وهنا يتصل الإنسان بالحقيقة الإلهية، فإذا أذعن الإنسان إذعانًا داخليًا واعتقد اعتقادًا باطنيًا أنه يستحيل أن يشفيه إنسان، وإنما الشفاء واقعًا بيد الله «تبارك وتعالى»، وإنما يذهب إلى الطبيب لأن الله أمره بذلك.

كذلك عندما يكون الإنسان فقيرًا، فيطلب الرزق، لكن ممن يطلب الرزق واقعًا؟! ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ أي: إذا توجّه إليَّ منحصرًا، واعتقد أن لا مخلص له من ورطته أو مرضه أو بلائه أو فقره أو أي نكبة تحل به إلا أنا، فحينئذ يكون قد دعاني، وإلا فهو لم يدعني، وأنا إنما أجيب دعوة الداعي إذا دعاني. إذن فمعنى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا هو: اتصلوا بحقائق الأسماء، وتوجّهوا إلى مغازي هذه الأسماء، وواقع معاني هذه الأسماء، فإنها هي التي تكون سببًا في إجابة الدعوة.

المعنى الثاني: أهل البيت.

بعض المفسّرين ربط بين الآية المباركة - ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا - وبين هذه الآية بالرواية الواردة عن الإمام الباقر : ”نحن الأسماء الحسنى“، أي أننا مظاهر لعظمة الله «تبارك وتعالى»، فلا تستغرب من الرواية. الإمام علي واقعًا مظهرٌ لعظمة الله «تبارك وتعالى»، ولذلك قال: ”اقتلعتُه لا بقوةٍ جسمانيةٍ وإنما بقوةٍ ربّانيةٍ“، فاقتلاع الإمام علي لباب خيبر الذي يفتحه أربعون ويغلقه أربعون مظهرٌ لعظمة الله «تبارك وتعالى». الإمام علي يقول: أنا لستُ مظهرًا بشجاعتي فقط، بل إنني حتى في قضاياي العادية مظهرٌ لعظمة الله، ولذلك قال: ”ألا وإن لكل مأموم إمامًا يقتدي به ويستضيء بنور علمه، ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعامه بقرصيه، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك“.

تصوّر شخصًا يأكل قرصًا يابسًا يرش عليه الملح والخل، ويصلي في اليوم والليلة ألف ركعات، ويحارب في الغزوات، ويقضي بين الناس، و... أي جسم يتحمل؟! لذلك الإمام لا يتكلم عن فراغ، بل يقول أن الناس واقعًا لا يستطيعون على ذلك. إنسان يعيش على قرصين من الطعام، كيف يصلي في اليوم والليلة ألف ركعات، ويغزو ويحارب ويقاتل، ويقضي بين الناس، ويخطب ويعلّم ويدرس؟! ولذلك الإمام زين العابدين يقول للإمام الباقر: بنيَّ، ناولني صحيفة أعمال جدي، فيناوله صحيفة أعمال جده أمير المؤمنين، فيبكي الإمام زين العابدين ويقول: من يقدر على عبادتك يا أمير المؤمنين؟!

الإمام زين العابدين إمام معصوم، ومع ذلك يقول: أنا لا أستطيع أن أصل إلى عبادة علي، فعليٌ مظهرٌ لعظمة الله «تبارك وتعالى» ومظهرٌ لقدرة الله، فهو اسمٌ من أسماء الله، بمعنى أنه مظهرٌ للعظمة الإلهية، ومظهرٌ للقدرة الإلهية. إذا فسّرنا الآية المباركة: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا بأهل البيت لكان المعنى: توسّلوا بأهل البيت إلى الله، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ، أي: توسّلوا بمحمد وآل محمد إلى الله «تبارك وتعالى» في كشف همومكم وغمومكم وقضاء حوائجكم، فهم نِعْمَ الوسيلة.

النقطة الثالثة: الكلام حول الاسم.

الاسم نتحدث فيه عن أمرين:

الأمر الأول: لا عداوة مع الأسماء.

الاسم في حد نفسه لا يعبّر عن شيء، ولأنه لا يعبّر عن شيء لا قيمة للأسماء، وبعبارة أخرى: ليس كل من كان اسمه قبيحًا فهو قبيح، وليس كل من كان اسمه حسنًا فهو حسن، بل الاسم شيء والسلوك شيء آخر. نعم، الشرع الشريف يأمر باختيار الاسم الحسن، ففي بعض الروايات: ”ومن حق الولد على والده أن يحسّن اسمه“ أي أن من حق الولد أن يختار له أبوه اسمٌ حسنٌ ممدوحٌ، فلا يسميه مشعاب بن مريبط أو سكراب بن صخين مثلاً! وورد عن الصادق : ”خير الأسماء ما عُبِّد وحُمِّد“، ولذلك الإحصائية العالمية لمواليد الأطفال - الصادرة عن منظمة اليونسكو - تقول بأن أشهر اسم في العالم كله هو اسم محمد.

إذن فمن حق الولد على والده أن يختار له اسمًا حسنًا، حتى لو كان المسمّى به إنسانًا قبيحًا، فإن قبح المسمّى لا يعني قبح الاسم، كما أن حسن المسمّى لا يعني حسن الاسم. وقد يأنف البعض من تسمية الإمام أمير المؤمنين أولاده بعمر وأبي بكر، والحال أننا ليس عندنا عداء مع الأسماء! هذه أسماء مثلها مثل بقية الأسماء، فليس بيننا وبينها عداء، ولذلك يُكْرَه شرعًا اسم خالد بينما لا يُكْرَه اسم عمر مثلاً، وكذلك اسم حَكَم وحكيم كما في الروايات، ولعل السر في ذلك أنها أسماء الله «تبارك وتعالى»، فيُكْرَه تسمية البشر بها.

وأما عمر وأبو بكر وعثمان فليست أسماء مكروهة، ولذلك سمّى عليٌ ولده بعمر، وسمّى الإمام الحسن ولده بأبي بكر، فالأسماء لا خلاف فيها، ولم يكن عند الإمام أمير المؤمنين وأهل بيته عداوة شخصية مع الأسماء، ولا عداوة شخصية مع أبناء الأسماء، وإنما كان الاختلاف في النهج والمنهج، حيث قيل له: نبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين، فقال: لا، بل تبايعوني على كتاب الله وسنة رسوله واجتهاد رأيي. الإمام كان يختلف في المنهج وفي الخط وفي الرؤية، ولم تكن عنده عداوة شخصية مع الأسماء أو مع أصحابها.

إذن بعض المقالات وبعض المنشورات التي تقول: أنتم كذا وكذا بينما إمامكم الإمام علي سمّى أبا بكر وعمر! لا مانع عندنا، فإن تسميته هذه الأسماء لا تعني أن الإمام عليًا كان موافقًا على المنهج وعلى الخط وعلى المسلك الذي سلكه أصحاب هذه الأسماء أو غيرهم، إذ لا ملازمة بين الأمرين.

الأمر الثاني: الأسماء المعبّدة لغير الله.

هناك اعتراض وارد على اسم عبد الحسين، وعبد الأمير، وعبد المهدي، بدعوى أن الإنسان عبدٌ مخلوقٌ لله، فتسمية الإنسان بعبد الحسين أو بعبد النبي أو بعبد المهدي شركٌ! الإنسان عبد الله وليس عبد الحسين ولا عبد النبي ولا عبد الصادق... إلخ.

أولاً: المراد بالعبد معنيان: تارة يراد بالعبد المخلوق، وحينئذ يكون الإنسان عبدًا لله لأنه مخلوقٌ لله ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ، وتارةً يراد بالعبد الخادم المقر بالطاعة، فعندما أقول: أنا عبد الحسين، فلا أعني أنني مخلوقٌ للحسين ، بل أعني أنني خادمٌ للحسين مستعدٌ لخدمته، فبدل أن نقول: خادم النبي وخادم الحسين، نقول: عبد النبي وعبد الحسين، فأي إشكال في ذلك؟! لا يلزم الشرك. لو كان المراد من عبد الحسين أن الحسين خلقه دون الله «تبارك وتعالى» لكان ذلك شركًا فعلاً، وأما إذا كان المراد بهذا الاسم أنه خادم مطيع للحسين فهذا لا يستلزم الشرك أبدًا.

ثانيًا: القرآن الكريم أضاف العباد إلى الناس، حيث قال: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ، فلِم لَم يقل: من عباد الله؟! أليس هذا شركًا؟! إذا كان شخصٌ مملوكًا خادمًا لفلان فإنه يعبّر عنه بأنه عبد فلان، وهذا ليس شركًا، فكما أن القرآن أضاف العباد إلى الناس، يصح لنا أيضًا إضافة العبد إلى أحد الأنبياء أو الأئمة، ولا شرك ولا إشكال في ذلك.

نحن عبيد أهل البيت، خدمةٌ لهم، مطيعون لهم، مستعدون لنصرتهم، ولذلك نقول: ”عبدٌ وابن عبدك، وابن أمتك، المقر بالرق، والتارك للخلاف عليكم، والموالي لوليكم، والمعادي لعدوكم“، فهذا هو المعنى الذي نقصده، وهذا لا يستلزم الشرك أبدًا.

ونرجع ونكرّر: المسألة لا كما يذكرها أصحاب بعض المناشير، من أن المسألة هي أن عندنا عداوة مع الأسماء! لا، ليست عندنا عداوة. صحيح أن الشيعة لا يسمون عمر ولا أبا بكر ولا عثمان، ولكن لا لعدواة مع هذه الأسماء، وإنما لأن أسماء أهل البيت أفضل من أسماء غيرهم، ولأن أسماء أهل البيت خير الأسماء. لذلك الشيعة يسمون بأسماء أهل البيت ويكثرون منها، وإلا فالخلاف بين أمير المؤمنين وبين غيره من الصحابة خلافٌ في الخط والمنهج، وهذا ما كرّره الإمام أمير المؤمنين في عدة خطابات وفي عدة كلمات له.

معاوية بن وهب أحد أصحاب الإمام الصادق ، فلا إشكال عندنا مع الاسم، بل ليس عندنا إشكال في معاوية نفسه، وإنما الخلاف في المنهج. الإمام أمير المؤمنين وقف يوم صفين وصلى والحرب قائمة على قدم وساق، فقيل: يا أبا الحسن، هذا ليس وقت صلاة! قال: علام نقاتلهم؟! إنما نقاتلهم لأجل الصلاة. فخط الإمام علي هو خط الصلاة، بينما معاوية لما جمعهم قال: ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلوا ولا لتحجوا، إنكم تفعلون ذلك، وإنما قاتلتكم لكي أتأمر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون.

القرآن الكريم بين الإحكام والتشابه
علاج الدين للحاجات الفطرية عند الإنسان