نص الشريط
القرآن الكريم بين الإحكام والتشابه
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 17/1/1418 هـ
مرات العرض: 2202
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1490)
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ

صدق الله العلي العظيم

حديثنا حول الآية المباركة في أربع نقاط:

  • في بيان معنى الإنزال.
  • وفي بيان معنى التشابه.
  • وفي فلسفة وجود المتشابَه في القرآن الكريم.
  • وفي رفع التشابه بالتدبر في القرآن الكريم.
النقطة الأولى: معنى الإنزال.

الآية المباركة تقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ، وهنا نلاحظ أن بعض الآيات القرآنية تعبّر ب ”أنزل“، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ، ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ، وبعض الآيات تعبر ب ”نزّل“، ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ، ما هو الفرق بين التعبيرين؟ المفسرون يقولون: القرآن الكريم نزل مرتين، نزل دفعتين: المرة الأولى: نزل بأكمله على قلب الرسول الأعظم في شهر رمضان المبارك في ليلة القدر، كما تقول الآية المباركة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وآية أخرى تقول: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، وآية ثالثة تقول: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ، القرآن أنزل دفعة واحدة في ليلة القدر، أنزل على مستوى المعاني، ما معنى ذلك؟

القرآن فيه جانبان: جانب المعنى، وجانب اللفظ، فمثلًا: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ، هذه السورة معناها شيء وألفاظها شيء آخر، معناها نزل على الرسول قبل نزول ألفاظها، معلومات القرآن، مضامين القرآن، المعلومات والمعلومات والمضامين الموجودة في القرآن نزلت بدون الألفاظ، نزل على مستوى المعاني، على مستوى المضامين، على مستوى المعلومات، أي أن القرآن نزل مجموعة من المعلومات والمعاني والمضامين بدون ألفاظ، نزل على قلب الرسول الأعظم ليلة القدر، وهذا الذي تعبّر عنه الآيات ب ”أنزل“، كما في قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، ما أنزلت الألفاظ والصياغة، بل أنزلت المعاني، المعلومات، المضامين التي هي موجودة ومبثوثة في الكتاب، هذه المضامين أنزلت ليلة القدر على قلب الرسول الأعظم ، وهذا ما يؤكده القرآن الكريم بقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ.

بعد ذلك، من شهر رمضان إلى شهر رجب بدأ القرآن بالنزول في 27 رجب، ينزل بالألفاظ، المعاني نزلت على الرسول من قبل ذلك في شهر رمضان، ثم بدأ النزول الثاني للقرآن بداية من السابع والعشرين من شهر رجب الذي هو يوم المبعث الشريف، بدأ القرآن بالنزول بألفاظه، بصياغته، آيةً آية، سورةً سورة، مناسبةً مناسبة، بحسب الظروف، بحسب المناسبات، بحسب الأوقات، بحسب الأهمية، بدأ القرآن بالنزول بالصياغة واللفظ مرة أخرى من السابع والعشرين من شهر رجب، إلى أن توفي الرسول الأعظم ، 23 سنة كان القرآن ينزل على الرسول بألفاظه وصياغاته.

وهذا الذي تقصده بعض الآيات القرآنية: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ، أي: جعلناه ينزل بالتدريج على مدة 23 سنة، ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا. إذن، عندما يعبّر القرآن بالإنزال فهذا يختلف عن تعبيره بالتنزيل، إنزال القرآن يعني إنزال معلومات القرآن على قلب النبي ، والتنزيل عبارة عن نزول ألفاظ القرآن بحسب المناسبات وحسب الظروف على النبي الأعظم .

مما يؤكّد أن القرآن نزل مرتين: مرة بشكل معلومات ومعان، ومرة بشكله الحالي، أي: بالألفاظ والصياغة، بعض الآيات القرآنية، كقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ، ما معنى هذه الآية؟ لا كما يقول بعض إخواننا أهل السنة من أن الرسول كان يستعجل، كلما كان يقول له جبرئيل: اهدأ يا فلان، فلنعلمك بتدرج وتأن، هو يستعجل في القراءة! القرآن ينهاه عن العجلة، لا تستعجل! ليس هذا هو المقصود، المقصود أن المعلومات الموجودة في القرآن موجودة عند الرسول قبل نزوله، لأنه نزلت عليه هذه المعلومات في ليلة القدر، فبعد ذلك بمجرد أن صار القرآن ينزل المعلومة موجودة عند الرسول، فالرسول يصوغ المعلومة بألفاظه، ويعبر عن المعلومة بألفاظه، القرآن يقول له: لا تصغ القرآن، نحن نصغ القرآن، كما أن المعلومة من عندنا، الصياغة كذلك من عندنا، فلا تصغ القرآن بألفاظك، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ أي: صياغته ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ.

كذلك آية أخرى تدل على هذه الحقيقة، أن القرآن نزل مرتين: مرة بشكل معلومات، ومرة بشكل ألفاظ، قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ، صحيح أن المعلومات عندك، لكن لا تحاول أن تبلغها أحدًا أو تصوغها لأحد حتى نوحيه إليك بألفاظه الإلهية. إذن، الرسول كان يحمل معلومات القرآن، وكان يعرفها، ثم نزل القرآن عليه بشكل تدريجي ببيان الألفاظ والصياغات القرآنية التي هي واردة كما نقرؤها في كتاب الله.

النقطة الثانية: بيان معنى المتشابه.

الآية تقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ، ما هو الفرق بين المتشابِه والمحكم؟ المحكم هو الآية الواضحة المعنى، أي ذوق عربي، أي ذهن عربي يسمعها يستوضحها، آية واضحة المدلول، واضحة المعنى، مثلًا: قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا، هذه آية واضحة، أي إنسان تسأله: ما معناها؟ يقول لك: إذا انتصر الرسول، وصار يوم فتح مكة، وبدأ الناس بالدخول في الدين أفواجًا... هذا معنى الآية، آية واضحة المعنى، هذه الآية تسمى محكمة، المحكم هو الآية الواضحة في معناها ومدلولها.

والمتشابه في مقابل المحكم، المتشابه هو الآية الغامضة المعنى، معناها غير واضح، عندما تلقيه لدى الإنسان العربي فإنه لا يفهم ما هو المقصود، التشابه بمعنى الغموض، تارة يكون الغموض في المفهوم، وتارة يكون الغموض في المصداق. مثال الغموض في المفهوم: قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا، مفهوم اليد ليس واضحًا، مفهوم اليد ما هو معناه؟ ليس واضحًا، اليد كاملة، أم اليد من الذراع، أم اليد من الزند، أم اليد من الأصابع؟ مفهوم اليد ليس واضحًا، هذه تسمى متشابهة من حيث مفهومها.

وتارة التشابه في المصداق، المفهوم واضح، لكن المصداق غير واضح، فمثلًا: قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ، ما هو العرش؟ العرش كمفهوم واضح، العرش مركز السلطة، كل شيء له سلطة، مركز السلطة يسمى عرشًا، عرش الدولة، عرش المملكة، عرش السلطنة، العرش هو مركز السلطة، كمفهوم واضح، عندما يقال: العرش، العرش مفهومه واضح، وهو مركز السلطة، لكن مصداقه ليس واضحًا، نحن لا ندري هل العرش شيء مادي، كما يقول بعض علماء أهل السنة، أنه فوق السماوات السبع هناك بناء محكم، رخام لطيف ومبلّط ومحترم اسمه العرش! هل العرش شيء مادي أم شيء معنوي؟ هل العرش أمر مادي فوق السماوات السبع، أم هو أمر معنوي وليس أمرًا ماديًا؟ إذن، مفهوم العرش واضح عندنا، العرش هو مركز السلطة، لكن هل هذا المركز مركز مادي أم مركز معنوي؟ هذا شيء فيه غموض، لا بد أن نرجع إلى الراسخين في العلم لنعرف ما هو المقصود، إذن هذه آية متشابهة.

كذلك الكرسي مثلًا، لا أريد الآن أن أشرح الآيات، هذا له مجال آخر... قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، هذه من الآيات المتشابهة التي لا بد من الرجوع فيها إلى الراسخين في العلم، وهم أهل بيت النبوة «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين» لمعرفة معناها.

النقطة الثالثة: فلسفة وجود المتشابه.

لماذا أوجد الله المتشابه في القرآن؟ ربما يأتيك إنسان مسيحي، ويقول لك: لماذا بلاكم الله بالمتشابه؟ فليجعل القرآن كله واضحًا وانتهت القضية، كما ذكر في بعض الآيات: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، لماذا لا يكون القرآن كله واضحًا؟ هو نزل لهداية الناس، ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، إذا كان القرآن كتاب هداية، فالهداية لا تتناسب مع وجود آيات غامضة وألفاظ غير واضحة ومعان متشابكة ومتداخلة، يبقى القرآن واضحًا لدى الجميع، مفهوم لدى الجميع، الجميع يستفيد من القرآن، الجميع يستقي من القرآن، الجميع يستضيء بالقرآن، لماذا هناك آيات محكمة وآيات متشابهة، آيات واضحة وآيات غامضة؟ لماذا؟! ما هو الداعي؟! ما الداعي للحروف المقطعة مثلًا ﴿لم ﴿حم ﴿كهيعص، ما هو الداعي؟! لماذا أوجد هذه الأمور في القرآن؟! لماذا لم يجعل القرآن كتابًا واضحًا لدى كل أحد؟ هناك عدة أسباب لوجود المتشابه في القرآن، الله أودع القرآن الآيات المتشابهة لعدة أسباب:

السبب الأول: قصور اللغة.

بعض المعاني الدقيقة لا يمكن التعبير عنها بألفاظ واضحة، الذهنية العربية لا تستطيع أن تستقبل هذه المعاني بألفاظ واضحة وصريحة، لا أقصد بالذهنية العربية الذهنية الموجودة في زمن الرسول، بل حتى الآن الذهنية العامة لا تتحمل بعض معاني القرآن، بعض مضامين القرآن الذهنية العامة لا تتحملها، فكيف بالذهنية أيام زمن الرسول الأعظم ؟! مثلًا: رؤية الله رؤية قلبية، لا إشكال أن النبي يرى الله رؤية قلبية، النبي، الولي، يرى الله رؤية قلبية، ما هو معنى الرؤية القلبية؟ هذا معنى دقيق، النبي يرى الله رؤية قلبية، أو الإمام يرى الله رؤية قلبية، لكن ما هو معنى الرؤية القلبية؟ هذا معنى دقيق لا يمكن التعبير عنه بألفاظ واضحة، الذهنية العربية لا تستقبل هذا المعنى بألفاظ واضحة، فالقرآن يستعمل أسلوب الكناية، لأن المعنى دقيق، لا يمكن التعبير عنه بألفاظ واضحة.

القرآن يقول: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى، كيف رآه؟ هل الرسول رأى الله جالسًا عند سدرة المنتهى؟! رآه رؤية قلبية، الرسول في معراجه تجلت له مظاهر الإبداع الإلهي، ومظاهر الحكمة الإلهية، ومظاهر القدرة الإلهية، تجلت له من خلال رؤية ملك وملكوت السماوات، تجلت له مظاهر الإبداع، مظاهر الصنع، مظاهر الحكمة، فرأى الله في عدة مواطن رؤية قلبية لا رؤية بصرية، ولذلك نفس الآيات القرآنية قالت: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى، ولم تقل: ما كذب البصر ما رأى، وهذا يعني أن الرؤية رؤية فؤاد، رؤية قلب، ليست رؤية بصر.

إذن، بعض المعاني القرآنية - كالرؤية القلبية - معان دقيقة، لا يمكن طرحها للناس بألفاظ واضحة، الألفاظ الواضحة لا تؤدي المعنى ولا تؤدي الغرض، القرآن يعبّر عنه بأسلوب كنائي، يعبّر عنه بنوع من الاستعارة، بنوع من المجاز، لذلك ينشأ التشابه في القرآن، التشابه يحصل من هنا، لماذا الآية غامضة؟ لأن المعنى دقيق وغامض جدًا، لا يمكن أن تستوعبه الذهنية العامة، فيستعير له القرآن بعض الألفاظ، ويطرحه في صورة لفظية مجازية، فينشأ التشابه والغموض في بعض آيات القرآن.

النبي موسى «عليه وعلى نبينا وآله أفضل الصلاة والسلام» عندما يقول: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ، هل يريد موسى رؤية الله رؤية بصرية؟! يعرف أن الله لا يرى، ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ، كما يقول صاحب الميزان السيد الطباطبائي «أعلى الله مقامه»: الرؤية رؤية قلبية، موسى يطلب درجة من المعرفة، ودرجة من الرؤية القلبية، يطلب أن يحصل عليها، وهذه الدرجة حصل عليها الرسول الأعظم ، موسى لا يطلب الرؤية البصرية، يطلب الرؤية القلبية، يطلب نوعًا ودرجة راقية من الرؤية القلبية.

السبب الثاني: تحريك العقل.

لماذا جعل الله في القرآن آيات متشابهة؟ لتحريك التفكير، الله يريد أن يشغّل عقلك، إذا كان القرآن كله واضحًا وسلسًا ومفهومًا، فإن هذا العقل يتجمد، هذا العقل يتخدر، الله «تبارك وتعالى» ليبعث في العقل الحركة، حركة التدبر، حركة التأمل، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا، وقال في آية أخرى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، لتحريك العقل ولإيقاظ العقل، حتى يبدأ العقل البشري بالتحرك في رحاب القرآن وفي ظلال القرآن، يتدبر الآيات، يتأمل المعاني، يستنطق المضامين، من أجل التدبر في الآيات القرآنية، واستنطاق مضامينها، لذلك وجد المتشابه في القرآن، حتى يتحرك العقل.

ولذلك، بعض الآيات تذم عدم حركة العقل: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ، القرآن يأمر بحركة التفكير، القرآن يأمرك بأن تحرك عقلك في التدبر في القرآن، في استنطاق القرآن، في فهم آيات القرآن، وجود آيات متشابهة لتحريك العقل نحو التدبر، هذا ما يسمى بتفسير القرآن بالقرآن. هناك قسم من التفسير: تفسير القرآن بالقرآن، ورد عن الإمام أمير المؤمنين : ”اضربوا القرآن بعضه ببعض“، أي أن القرآن يفسر بعضه بعضًا، القرآن بعض آياته تفسير لآيات أخرى، أنت عندما تقارن بينها، وتلاحظ الأجواء التي تجمع هذه الآيات، تستطيع أن تصل إلى بعض المعاني، القرآن يفسّر بعضه بعضًا.

مثلًا: يقول القرآن: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ، ما هو هذا المطر؟ تأتي آية أخرى وتقول: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ، تجمع بين الآيتين فتعرف ما هو مطر السوء الذي حلَّ على هؤلاء القوم، القرآن يفسّر بعضه بعضًا. أنت عندما تأتي إلى قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ، هذه الآية تدل على أن الوجوه تنظر إلى الله يوم القيامة، بينما آية أخرى تقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، تفهم أن النظر في الآية الأولى ليس هو نظر البصر، لأنه لو كان المراد بالنظر في الآية الأولى هو نظر البصر إذن القرآن يتناقض في قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ، فأنت تستدل بآية على معنى آية أخرى، تقول: المراد بالنظر نظر القلب إلى رحمة الله، فيكون المعنى: وجوه يومئذ ناضرة إلى رحمة ربها ناظرة.

إذن، القرآن يفسّر بعضه بعضًا، وهذا معنى الآية: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ، ما معنى أم الكتاب؟ أم الشيء مرجع الشيء، مكة أم القرى، أي أن جميع القرى ترجع إلى مكة، تهبط إلى مكة في وقت الحج والعمرة، القرآن فيه آيات هي مرجع القرآن، أي آية يشكل عليك معناها، ويشكل عليك تفسيرها، ترجعها إلى بعض الآيات الموجودة في القرآن تعرف معناها، فهناك آيات هي أم الكتاب، أي: مرجع الكتاب، مرجع القرآن، إليها ترد الآيات، إليها ترجع الآيات، هذه الآيات الواضحة المعاني، الواضحة المداليل، الواضحة المضامين، الآيات الواضحة هي أم الكتاب، أي: مرجع الكتاب، والآيات المتشابهة ترجع إلى الآيات المحكمة، فأنت ترد المتشابه إلى المحكم لتعرف معنى المتشابه، يفسّر القرآن بعضه بعضًا، المتشابه يرد إلى المحكم، وهذا هو معنى أم الكتاب.

السبب الثالث: ربط الأمة باهل البيت.

من أسباب وجود المتشابه في القرآن: لماذا أوجد الله المتشابه في القرآن؟ لكي يتحقق الرجوع إلى أهل بيت النبوة «سلام الله عليهم». الله «تبارك وتعالى» أراد للمسلمين أن يعيشوا جانبين: جانبًا نظريًا، وهو المعلومات الموجودة في الكتاب، وجانبًا عمليًا، وهو تفسير هذا القرآن تفسيرًا قوليًا وتفسيرًا تطبيقيًا من خلال أهل بيت العصمة، الإنسان لا يمكن أن يصل إلى كماله إلا بطرفين، أنت لا تستطيع أن تصل إلى كمالك الروحي والنفسي إلا بأمرين: أمر نظري، بأن تُقْرَأ عليك المعلومات والمضامين، وأمر عملي، بأن تُفَسَّر تلك المعلومات والمضامين تفسيرًا تطبيقيًا عمليًا، وهذا ما قام به آل بيت النبي محمد .

إذن، الله «تبارك وتعالى» في سبيل توجيه الأمة الإسلامية نحو الكمال، ونحو نماذج الكمال، ونحو روافد الكمال، ألا وهم أهل بيت النبوة «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين»، جعل في القرآن الكثير من الآيات المتشابهة، التي لا يمكن فكها إلا بالرجوع إلى أهل البيت، لا يمكن فكها وتحليلها إلا بالرجوع إليهم، وهذا ما أكّد عليه الرسول الأعظم : ”إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، وقد أنبأني اللطيف الخبير بأنهما لن يفترقا“، كلمة لن يفترقا لا تعني عدم الافتراق الزماني فقط، بل عدم الافتراق المعنوي أيضًا، كما أن أهل البيت لا يفترقون عن القرآن في الزمان، كذلك القرآن لا يفترق عن أهل البيت في المعنى، مستحيل أن تعرف القرآن من دون الرجوع إلى أهل البيت ، أنت لا تستطيع أن تفرّق بينهما في الفهم والاعتماد، لا تستطيع أن تعتمد على القرآن وحده من دون الرجوع إلى أهل البيت، كل منهما عدل للآخر، كل منهما يحتاج للآخر.

ساووا   كتاب   الله   إلا  iiأنه   هو صامتٌ وهم الكتابُ الناطقُ

مستحيل أن تصل إلى معاني القرآن ودقائق القرآن من دون أن ترجع إلى أهل بيت العصمة، مستحيل، لا يمكن أبدًا، وهذا من أسباب وجود المتشابه في القرآن، ربط الأمة بأهل البيت، الحاكم في المستدرك في الجزء الثالث يروي عن أنس بن مالك: ”علي مع القرآن، والقرآن مع علي“، لا يمكن أصلًا فهم هذا بدون هذا، هذا القرآن قرآن نظري، وعلي قرآن عملي، علي مثال وأنموذج للقرآن الكريم.

النقطة الرابعة: رفع التشابه بالتدبر.

بعد أن عرفنا معنى المحكم، ومعنى المتشابه، وعرفنا لماذا وُجِد المتشابه في القرآن، ولماذا جعل الله المتشابه في القرآن، نأتي إلى النقطة الرابعة: مسألة التدبر في القرآن. التدبر في القرآن على قسمين: تارة يكون تدبرًا روحيًا، وتارة يكون تدبرًا تحليليًا.

القسم الأول: التدبر الروحي.

هو الذي يمكن أن يقوم به أي شخص ولو كان شخصًا عاديًا، أي شخص عادي قادر على التدبر الروحي في القرآن الكريم. أنت عندما تمر بالقرآن، تجد فيه آيات عن العذاب، وآيات عن البعث والنشور، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ، ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ، أو آيات البعث والنشور: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ، الإنسان عندما يمر بهذه الآيات فليقف عندها قليلًا، فليحاول أن يتخيل المنظر قليلًا، أما إذا قرأ بلا تأمل إلى أن قال: صدق الله العلي العظيم! هذا ليس تدبرًا، قراءة التدبر التي يأمر بها الله «تبارك وتعالى» ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ هو التدبر الذي يفك القفل ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا.

هذا الذي يفك قفل القلب هو التدبر، إذا كان القلب مقفلًا، القلب فحمة سوداء، مقفل نتيجة الذنوب والمعاصي والدنيا والترف، قلوبنا سوداء، قلوبنا نتيجة الانغمار في الترف والدنيا والملذات والشهوات، ونتيجة تراكم الذنوب وتضاعف المعاصي يصبح القلب أسود، هذا القلب الأسود قلب مقفل، قلب غير منشرح، قلب غير مهتد، ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ، الإنسان إذا صعد إلى الفضاء يختنق، حيث لا يوجد أكسجين يكفيه لحياته، كذلك الإنسان الذي يملك قلبًا أسود إنسان مختنق، يشعر دائمًا بمتاهة، يشعر دائمًا بحالة اختناق، يشعر دائمًا بحالة ضياع.

فك هذا القفل بالتدبر في القرآن، التدبر الروحي، التدبر في القرآن ليس بالقراءة السريعة، اقرأ وتأمل، ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، تصوّر المنظر، كيف يخرج الناس من القبور حفاة عراة شعثًا غبرًا لا يلوون على أنفسهم. الإمام زين العابدين يصفهم: ”وما لي لا أبكي؟! أبكي لخروجي من قبري عريان ذليلًا حاملًا ثقلي على ظهري، أنظر تارة عن يميني، وتارة عن شمالي، إذ الخلائق في شأن غير شأني، لكل امرئ يومئذ شأن يغنيه“، هذا هو التدبر الروحي في القرآن، أن تقرأ بتأمل، ببطء، حتى تتصور المعاني التي تقرؤها.

ما هو معنى ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا؟! إنسان موضوع في قلب النار، كلما تفسخ جلده صار عنده جلد جديد، كلما تفسخ صار عنده جلد ثالث ورابع وهكذا، هذه الآيات عندما يمر عليها الإنسان مرور تأملٍ وتدبرٍ تفك قفل القلب، وهذا هو التدبر الروحي في القرآن. الإمام أمير المؤمنين يصف المتقين، يقول: ”أما الليل فصافون أقدامهم، تالين لأجزاء القرآن، يرتلونه ترتيلًا“ كيف يرتلونه؟ كيف هو ترتيل القرآن؟ هذه الآن مشكلة نحن مبتلون بها، ترتيل القرآن هو قراءة القرآن بصوت حزين يشجي النفس، ويبعث الموعظة في القلب، لا قراءة القرآن بأساليب الغناء والترجيع والطرب، هذا ليس ترتيل القرآن! ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ليس المقصود به قراءة عبد الباسط وعبد الصمد! هذه قراءات ترجيع، هذه قراءات طرب، هذه قراءات غناء، المقصود بترتيل القرآن قراءته بصوت حزين، بصوت يشجي. ورد في التاريخ: كان علي بن الحسين من أحسن الناس صوتًا إذا قرأ القرآن، يحزّن من يسمعه.

يقول الإمام في وصف المتقين: ”يرتلون القرآن، يحزّنون به أنفسهم“، كيف يحزّنون الأنفس؟ كيف يثيرون الحزن والأسى والموعظة والعبرة في داخل النفس، في داخل الوجدان، كيف؟ بالصوت الحزين، بالصوت الشجي، بالتأمل، بالتخيّل، بالتصور للمعاني، لا بقراءة الطرب والترجيع والمد والرجوع، ولذلك وردت عندنا روايات نهي: ”يأتي زمانٌ على أمتي يرجّعون القرآن بألحان الغناء“، ورد في الأحاديث ذم لهذا النوع من ترتيل القرآن الذي يبعد الإنسان عن جو الموعظة، جو الرهبة القرآنية، جو الانغماس والانغمار في رحاب القرآن وفي عطاء القرآن. إذن، التدبر الروحي لا بد منه، وكل إنسان قادر عليه، وليس معذورًا الإنسان في أن يقول: أنا مشغول ولا وقت عندي للتدبر في القرآن، دع هذا للمتقين المؤمنين! اقرأ كل يوم ربع ساعة، كل يومين، كل أسبوع، تستطيع أن تعيّن ربع أو نصف ساعة للتدبر في القرآن وللتأمل في القرآن، أنت لست معذورًا.

القسم الثاني: التدبر التحليلي.

التدبر التحليلي هو معرفة دقائق القرآن، ومعرفة مغازي القرآن، والمعاني الشامخة في القرآن، وهذا إنما يتم بالرجوع إلى أهل البيت «سلام الله عليهم»، وإلا بدون الرجوع إلى أهل البيت لا يمكن الاهتداء لتحليل معاني القرآن، ولمعرفة دقائق القرآن، ولذلك بعض الروايات ربما نحن نسمعها ونقول: هذه روايات غريبة! لكن عندما نرجع إلى أهل البيت لا نجد غرابة في ذلك، فمثلًا: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، تأتي بعض الروايات: السماء الرسول الأعظم ، والميزان هو أمير المؤمنين .

أنت قد تستغرب الرواية! لا، لا غرابة في ذلك، فقد ورد عن الأئمة: ”إن للقرآن سبعين بطنًا، وإن الآية ليكون ظاهرها في شيء وباطنها في شيء آخر“، القرآن يمكن في آية واحدة يعبر عن عدة معان. هذه السماء رفعها، ووضع الميزان الذي يحكم الفضاء، ويحكم دفة الكون، ويقصد القرآن أيضًا معنى آخر، السماء هو الرسول الأعظم بخيره وعطائه وفيوضاته، والميزان علي بن أبي طالب، ”حب علي إيمان وبغضه كفر“، ميزان لقبول الأعمال. سئل الإمام الرضا : ما معنى أن جدك أمير المؤمنين قسيم الجنة والنار؟ قال: ”قسيم الجنة والنار لأن حبه إيمان يقود إلى الجنة وبغضه كفر يقود إلى النار“، فعلي ميزان، ولاية علي ميزان، ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ، يُسْأل الإنسان عن ولاية أمير المؤمنين ، هي الميزان.

إذن، بعض الروايات لا تستغرب من معناها، عندما تقارنها بالروايات الأخرى وبالمضامين الأخرى تستكشف أن للقرآن دقائق ومعاني وبطونًا متعددة، وهذا النوع من التدبر التحليلي إنما يتم بالرجوع إلى الروايات الصحيحة الواردة عن أهل البيت ، فإنهم أهل القرآن، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، الذكر هو القرآن، وأهله هم أهل بيت محمد ، عاشوا مع القرآن، وساروا على نهج القرآن، وضحوا من أجل القرآن، وكانوا أولى الناس وأعرف الناس بالقرآن.

من مظاهر سوء الظن بالله تعالى
أهل البيت والأسماء الحسنى