نص الشريط
دعاء المعصوم و مبرراته
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مسجد الإمام علي (ع) بالقطيف
التاريخ: 20/9/1421 هـ
مرات العرض: 1943
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1603)
تشغيل:

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بلغ من الكلام في شرح دعاء الافتتاح إلى ما ورد عنه في قوله ”الحمد لله على حلمه بعد علمه وعلى عفوه بعد قدرته وعلى طول أناته في غضبه“

من هذه الفقرات ننتقل إلى بحثٍ تكلم فيه العلماء كثيراً ألا وهو تبرير دعاء المعصوم ، إذا كان الداعي معصوماً لا يرتكب الخطأ ولا يفعل الرذيلة لعصمته، فما باله يستغفر ويطلب العفو بل يبكي ويتألم بل يصاب أحياناً بأن يُغشى عليه من كثرة توسله وتضرعه لربه عز وجل، فمع الالتفات الى عصمته وأنه لا يرتكب الرذيلة ولا المعصية، فما هو وجه وما هو المبرر لهذا البكاء ولهذا الخشوع والاستغفار والاستعلاء؟ هنا اذكر وجوهاً ثلاثة:

الوجه الأول:

ما ذكره كثير من العلماء من أن الوجه في دعاء المعصوم هو التعليم، أي أن الإمام كما أنه في مجلسه يكون في مقام تعليم الأحكام الشرعية الحلال والحرام والمستحب والواجب والمكروه وما شابه ذلك من تفصيل الأحكام الشرعية، فكذلك إذا كان في محرابه فهو في مقام التعليم أيضاً، أي تعليم العباد كيفية التعامل مع الله وكيفية مناجاة الله، وكيفية الابتهال إلى الله تبارك وتعالى، فهو في محرابه كما هو في مجلسه في مقام تعليم لغة التعامل ولغة التخاطب ولغة التقارب والمناجاة والدعاء إلى الله عز وجل، لذلك فهو في مقام التعليم وليس في مقام الدعاء لنفسه. هذا الوجه غير منسجمٍ مع واقع الدعاء الصادر عن الأئمة فإننا نلاحظ أن الإمام علي في دعاء كميل كما ورد عنه أنه يكاد يُغْشى عليه من فرط البكاء وكثرة التضرع، وأن الحسين لما دعاء بدعاء يوم عرفة أشفق عليه من حوله من شدة بكائه وشدة جزعه عند دعائه لربه، فهل يُتصْور من شخصٍ في مقام التعليم أن يكثُر منه هذا البكاء وهذا التضرع بحيث يُغشى عليه أو يُغشى عليه من التلف، إذا كان في مقام التعليم فمقام التعليم لا ينسجم مع كثرة البكاء وشدة التضرع والتوسل للباري تبارك وتعالى.

الوجه الثاني:

أن دعاء المعصوم محمولٌ على الذنب العرفاني لا على الذنب الواقعي، والمقصود بذلك أن الذنوب كما قسمها العلماء على أربعة أقسام: الذنب الشرعي، والذنب الخُلقي، والذنب العقلي، والذنب العرفاني.

ولكل ذنبٍ من هذه الذنوب ما ينسجم معه من المغفرة والعفو.

القسم الأول الذنب الشرعي:

هو عبارة عن مخالفة الأمر أو مخالفة النهي الإلزاميين الواردين عن الشرع المقدس، مخالفة الوجوب أو مخالفة التحريم ذنبٌ شرعيٌ، وهذا مصداق من مصاديق المعصية الحقيقة ولا يمكن صدوره عن المعصوم .

القسم الثاني الذنب العقلي:

وليس الذنب الشرعي كما في مخالفة الوظيفة العقلية في موارد الشبهات الحكمية، كما ذكرنا سابقاً إذا الإنسان اشتبه في أمرٍ هل هو حلال أم حرام؟ ولم يفحص عن دليلٍ على حرمته أو على حلِيته، فاقتحامه في الشبهة الحكمية مخالفٌ للوظيفة العقلية. كما لو شك الإنسان أن حلق اللحية حرام أم حلال؟ ولم يفحص عن دليلٍ على الحرمة ولا على دليلٍ على الحلِية، فاقتحم المورد والمقام وحلق لحيته من دون أن يكون عنده حجةٌ إما على الحرمة أو حجة على الحِلِية، هذا الاقتحام في هذا المورد اقتحامٌ للشبهة الحكمية من دون دليلٍ على الحرمة أو الحلية، هذا المورد لا يُعدُ معصية شرعية أي لا يُعدُ ذنباً شرعياً ولكنه ذنبٌ عقليٌ، لعله في الواقع حرام فيكون خالف نهياً شرعياً ولعله في الواقع حلال فلا يكون قد خالف نهياً شرعياً، فحينئذً خالف الوظيفة العقلية لأنه لا يدري هل هو محرم واقعاً أم محلل، العقل يقول عليك أن تحتاط بما أنك لا تدري أنه محرم أو محلل فمقتضى لزوم دفع الضرر المحتمل أن تحتطاط في هذا المورد، فإذا لم يحتط فقد خالف الوظيفة العقلية ويُعدُ هذا الذنب ذنباً عقلياً.

القسم الثالث الذنب الخُلِقي:

يعني مخالفة مقتضى الأدب وكمال الأدب مع الله عز وجل، كما فُرِض في قضية آدم عندما نُهي عن الأكل من الشجرة قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَلم يكن النهي نهياً إلزامياً وإنما كان النهي نهياً إرشادياً، فمقتضى الأدب وكمال الأدب وتمام التأدب مع الله عزوجل لا مقتضى الوظيفة الشرعية أن لا يخالف النبي هذا النهي ولو كان نهياً إرشادياً وليس نهياً إلزامياُ ولا تحريمياً، لكن مقتضى كمال التأدب وكمال الارتباط بالآداب والسُنن أن لا يُخالفُ ذلك، ولكنه خالف فهو لا يرتكب ذنباً شرعيا ولا ذنباً عقلياً ولكنه ارتكب ذنباً خُلِقياً وأدبياً، لذلك اعتبره آدم بالنسبة إليه معصيةً كبيرة وعظيمة، وعبر عنها القرآن الكريم باعتبار أنها لا تتناسب مع كمال وجلال مقام النبوة قال تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى فإنه لم يرتكب معصية حقيقية ولم يخالف عصمته ولكنه خالف النهي الإرشادي ولم يُخالف النهي الإلزامي.

القسم الرابع الذنب العرفاني:

هو انشغال المحب عن محبوبه ببعض مالا علاقة له بمحبوبة، هكذا قال بعض الأعلام ومنهم كبار علمائنا في بعض كلماتهم كما تعرض إلية السيد الطبطبائي ”قُدِس سره“ في الميزان في بعض الآيات وفي بعض الموارد وذكره الطبرسي في مجمع البيان ”أن الإمام علاقته مع ربه علاقة الحب، علاقة فناء المحب في المحبوب وفناء العاشق في المعشوق بحيث يكون ذكره وشكره ووقته وجميع شؤونه منصرفةً في الله عز وجل ومتعلقةً بالله عز وجل“ بما أن علاقة المعصوم بالله علاقة المُحب في المحبوب وعلاقة فناء العاشق بالمعشوق فمجرد أن ينشغل عن محبوبة ولو لحظةٍ عابرة بأكلٍ أو بشربٍ أو بعمل مباحٍ من المباحات أو بسفرٍ أو بتنظيفٍ أو بما أشبه ذلك فهذا يُعدُ ذنباً بالنسبة إليه، انشغاله عن المحبوب ولو بأدنى من هذه المباحات يعتبره ذنباً كبيراً ومعصيةً عظيمة كما يُقال ”حسنات الأبرار سيئات المقربين“ بما أن مقام المقربين أعظم من مقام الأبرار، فما يُعدُ حسنة عند الأبرار فهو سيئةٌ عند المقربين، تفاوت درجات المقام مقام القُرب الزلفى من الله عز وجل موجبٌ لتفاوت العناوين، فما يُعدُ حسنة في حق مقام قد يُعدُ سيئةً في حقِ مقامٍ آخر.

إذن فالنتيجة الإمام يعتبر هذا الانشغال ولو كان لحظة أو طرفةً أو كان في مباحٍ من المباحات ذنباً وتقصيراً منه فيبتهل ويتضرع ويبكي ويتوسل في سبيلِ أن لا يخدش هذا الانشغال عن المحبوب في مقامه الروحي ودرجات سموه وعلوه وقربه من خالقه تبارك وتعالى. وهذا الوجه أيضاً غير تام، ٍ لماذا؟ لأن من خلقهم الله أنواراً وجعلهم بعرشه محدقين قبل أن يخلق الخلائق مسبحين ومهللين، فهل يُعقل في حقهم الانشغال عن محبوبهم وحدة أو دقيقةٍ بمباحٍ أو بغير مباح؟ وهل من كان يقول ”ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله وبعده وفوقه وتحته وفيه“ كما ورد عن أمير المؤمنين ، فهل يُتصور منه أن ينشغل عنه لحظة أو ثانية بمباحٍ أو بأي شيء آخر مع أنه لا يرى إلا الله أمامه؟

وهل من كان يقول في دعائه لربه ”متى غبت حتى تحتاج إلى دليلٍ يدُلُ عليك ومتى كانت الآثار هي التي توصل إليك“ هل يحتمل في حقه انشغاله عن محبوبة ومن لم يغب عنه طرفة عينٍ أبدا؟ إذن، مباحاتهم في إطار علاقتهم بالله لا يمارسون مباحاً من المباحات إلا طلباً لرضا الله عز وجل، كما لا يمارسون واجباً ومستحباً إلا ابتغاء وجه الله، فلا يمارسون حتى المباحات إلا في إطار التعلق بالله وفي إطار طلب وجه الله وفي إطار الخضوع والارتباط بالله عز وجل، فكيف تشغلهم مباحاتهم عن الارتباط بالله والعلاقة مع الله عز وجل؟

الوجه الثالث:

وهو الصحيح: أن الوجه في دعاء المعصوم لربه النظر للوجود الجمعي لا للوجود الشخصي، هذا الكلام يتوقف على ذكر ثلاث مقدمات:

المقدمة الأولى:

إنما ذكرنا في بعض البحوث الماضية أن علاقة وجود الإمام بوجود الكون علاقة وجود الشرط بالمشروط، بمعنى أن المفيض لهذا الكون هو الله تبارك وتعالى ولكن إفاضته للكون ربطها بالوجود النوري لمحمدٍ وآل محمد، وهو ما يُسمى بالحقيقة المحمدية وما يُسمى بالعرش قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِالوجود النوري لأهل البيت كان شرطاً في وجود الكون لا لحاجة من الله إلى ذلك، هو قادرٌ على إفاضة الكون من دون شرطٍ ومن دون واسطة ولكن تشريفاً لهم وتعظيماً لمقامهم جعل وجودهم شرطاً في وجود الكون، كما جعل وجود الزواج شرطاً في وجود النسل والإنجاب مع أنه قادر على أن خلق البشر من دون واسطة الزواج، كما جعل وجود الدواء شرطاً في وجود الشفاء مع أنه قادرٌ على أشفاء المرضى من دون واسطةٍ، جعل وجود أهل البيت شرطاً في وجود الكون، كما يعبر علمائنا شرطٌ متممٌ لقابلية القابل لا مصححٌ لفاعلية الفاعل، ”بكم فتح الله وبكم يختم وبكم ينزل الغيث وبكم يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه“.

المقدمة الثانية:

نتيجة الربط الشرطي والتكويني بين وجودهم وبين وجود الأنفُس، لولا وجودهم ما وُجدت أنفُس الخلائق وما وُجدت أنفُس المؤمنين، كانت لنفوسهم القدسية إحاطةٌ كليه وامتدادٌ كليٌ لجميع الأنفُس ”أنفسكم في النفوس وآثاركم في الآثار وقبوركم في القبور وأجسامكم في الأجسام وأرواحكم في الأرواح“ إشارةٌ إلى الربط الشرطي التكويني والإحاطةُ الكلية من قِبلِ نفوسهم القدسية بتمام أنفُس الخلائق وأنفُس المؤمنين.

المقدمة الثالثة:

انه نتيجة هذا الارتباط التكويني وعلاقة إحاطة الكُلية من أنفُسهم بأنفُس المؤمنين، لذلك عندما يتكلم الإمام يتكلم بلسان أنفُس المؤمنين لأنه نفسه محيطةً بالأنفس فيشعر بما يشعر به المؤمنون ويتألم بما يتألم به المؤمنون ويتأثر بما يتأثر به المؤمنون بل بمقتضى عطفه وحنانه ورأفته على أمته يشعر بألم ذنب المؤمن أكثر مما يشعر المؤمن بذنبه، يتألم الإمام لذنبك أكثر مما تتألم لذنبك والإمام يتحسر لمعصيتك أكثر مما تتحسر أنت لمعصيتك، نتيجة هذه الإحاطة الكلية يشعر بشعورك وأكثر، ويتألم بتألمك وأكثر، ويستغفر لاستغفارك وأكثر قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ من أنفسكم إشارة إلى الوجود الجمعي والربط الشرطي، يرقُ لكم أكثر من رقتِكم لأنفسكم ويستغفر لكم ويتضرع لكم أكثر مما تفعلوه لأنفسكم. إذن بالنظر للوجود الجمعي الإمام يبكي ويروق ويتألم ويتضرع ويتوسل لا بلحاظ الوجود الشخصي المبارك وإنما بلحاظ الوجود الجمعي والإحاطةُ الكُلية بأنفس المؤمنين «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين».

إذن يُحمل الأدعية الواردة عن الأئمة على هذا المحمل وعلى هذا الوجه الذي ذكرناه وإن كان هذا الوجه لم يذكر في كلمات الأعلام ”رضوان الله عليهم“ لكن هذا الوجه خير المحامل وأصح الوجوه التي تُحمل عليها الأدعية الواردة من قِبل الأئمة .

وصلى الله محمدٍ وآله الطاهرين

رؤية الحق في الشخصية العلوية
شخصية أمير المؤمنين في أدعية أهل البيت